تسجيل الدخول

الدرس 12

عامر بهجتالشيخ عامر بهجت
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمين. أما بعد، فما زلنا في شرح كتاب الورقات في أصول الفقه للإمام الجويني رحمه الله تعالى إمام الحرمين، وقد كنا في الدرس الماضي بدأنا بالكلام على النسخ، وعرفنا في كلامنا عن النسخ تعريف النسخ، وقرأنا كلام المؤلف رحمه الله حيث عرف النسخ بقوله: الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه. وهذا النسخ أيها الأخوة الكرام، وقبل أن نقرأ كلام المؤلف رحمه الله في تتمة النسخ، نريد أن نتعرف على شروط القول بالنسخ، إذا تعارض عندنا دليلان أو نصان من الكتاب أو من السنة، فهل نتجه مباشرة إلى أن نقول هذا النص منسوخ حتى ننتهي من التعارض بينهما، أو أن هناك شروطا لابد من تحققها حتى نحكم على النص بأنه ناسخ وأن النص الآخر منسوخ؟

نعم، هنالك شروط، ما هي هذه الشروط؟ الشرط الأول: أن يكون المنسوخ إنشاء، النسخ لا يدخل على الأخبار. إيش معنى يكون المنسوخ إنشاء؟ مر معنا في بدايات الورقات تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء، وعرفنا ما هو الإنشاء، فالأمر والنهي إنشاء، وأما القصص التي ترد في القرآن فإنها أخبار، فهل النسخ يدخل على الأخبار؟ لا يدخل. إذا لابد أن يكون المنسوخ إنشاء كالامر والنهي.

الامر الثاني للقول بالنسخ: أن يكون الجمع متعذرا. الشرط الثاني: تعذر الجمع بين النصين إذا لم يوجد تصريح من الشارع بالنسخ وإنما وجد تعارض بين النصين. عندنا نصان متعارضان، هل نحكم عليهما بالنسخ؟ نقول لا، إذا أمكن الجمع بينهما فلابد من الجمع بينهما.

الشرط الثالث نعم، وهو الذي ذكره المؤلف رحمه الله وأشار إليه، وهو أن يكون الناسخ أقوى من المنسوخ أو مساويا له في القوة. وبناء على ذلك، إيش معنى أقوى منه؟ يشترط أن يكون أقوى منه أو مساويا له في الجنس وفي الثبوت. في الجنس، إذا اردنا أن نحكم بأن هذه الآية من القرآن منسوخة، فلابد أن نبين الناسخ لها من القرآن، إذن القرآن ينسخ القرآن، ولا يصح أن يقال بنسخ القرآن بسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. والسبب في ذلك أن النسخ هو رفع للحكم وإزالة له، ولو ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه آية من القرآن ثم يحكم بحديث من قوله عليه الصلاة والسلام، لا شك أن قوله وحي ولكنه من قوله عليه الصلاة والسلام، فإن هذا ذريعة ليتهم الكفار المصطفى صلى الله عليه وسلم بأنه يبدل الأحكام من عند نفسه، والله عز وجل يقول: قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي. ولهذا أغلقت هذا الباب، وذهب أكثر علماء أصول الفقه إلى أن الشريعة مبناها على أن الحكم إذا نسخ في القرآن ينسخ قرآن مثله ولا ينسخ بسنة، طبعا هذا هو نظر في منهج الشريعة.

نعم، إذا قلنا أن يكون الناسخ أقوى أو مساويا فيجوز نسخ القرآن بالقرآن، ومثال ذلك سنبينه بعد قليل إن شاء الله. وأيضا يجوز نسخ القرآن بالقرآن يجوز في ذلك نسخ تلاوة الآية مع بقاء حكمها، وهو الذي سماه المؤلف رحمه الله نسخ الرسم وبقاء الحكم، كما نسخت آية الرجم في قوله عز وجل: والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما. نسخت تلاوتها وبقي حكمها، قال عمر رضي الله تعالى عنه: كان فيما أنزل آية الرجم، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، وأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضل بترك فريضة أنزلها الله. إذا الرجم والمقصود هنا رجم الزاني المحصن، نسخت من جهة الرسم والتلاوة ولم ينسخ من جهة الحكم، فحكم رجم الزاني باقٍ، وهذا مذهب أهل السنة ومذهب أئمة الإسلام جميعا.

وخالف في هذا الخوارج، حيث قالوا إن الزاني المحصن لا يرجم، كما قال عمر: فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله. وقد يرد في نسخ القرآن بالقرآن نسخ الحكم مع بقاء التلاوة، كما جاء ذلك في عدة المتوفى عنها زوجها، فقد نزل قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ. فبين الله عز وجل أن عدة المتوفى عنها زوجها سنة كاملة، ثم نسخ هذا الحكم بقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. فهذا نسخ الحكم، وأما التلاوة فباقية في الآيتين. ومن صور نسخ القرآن بالقرآن نسخ التلاوة والحكم جميعا، ومثال ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرم، ثم نسخن بخمس معلومات. إذاً عشر رضعات هذه نزلت في أول الإسلام ثم نسخت حكما ونسخت تلاوة أيضا، نسخ التلاوة هو الذي سماه المؤلف نسخ الرسم، وسيأتي بعد قليل.

ويجوز أيضا نسخ السنة بالكتاب، تنسخ ينسخ حديث من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم القولية أو الفعلية بآية من القرآن، كما نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعله سنة، نسخ بالقرآن في قول الله عز وجل: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. ويجوز أيضا نسخ السنة بالسنة، ومن أمثلة ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور ثم قال عليه الصلاة والسلام: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها. هذا نسخ للسنة بالسنة، ونسخ السنة بالسنة يرد فيه أن ينسخ أن تنسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة، أو تنسخ السنة الاحادية بالسنة المتواترة، ويضاف إلى ذلك أيضا نسخ السنة الاحادية بالسنة المتواترة. وقد مر معنا المراد بالمتواتر والآحاد، المتواتر هو الذي رواه جمع كبير يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، فما تواتر من امور الاسلام لا ينسخه حديث فرد، وإنما ينسخه متواتر مثله، وأما السنة الاحادية فتنسخ بالسنة الاحادية وبالسنة المتواترة.

هذا ما يتعلق بتعريف النسخ وشروطه. ننتقل الآن إلى أنواع النسخ، وقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنواع النسخ بعدة اعتبارات، الاعتبار الأول: باعتبار البدن، هل هذا الشيء الذي نسخ اتى الشرع ببديل له بحكم بديل أو لا؟ نقول يجوز النسخ إلى بدل ويجوز النسخ إلى غير بدل. قال المؤلف رحمه الله: والنسخ إلى بدل وإلى غير بدل. مثال النسخ إلى بدل: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور ثم أبدل هذا الحكم بالامر بالامر بزيارة القبور، وقد يقال أيضا من أمثلة النسخ إلى بدل من أمثلة النسخ إلى بدل نسخ العدة سنة كاملة إلى العدة أربعة أشهر وعشرة أيام. وأما مثال النسخ إلى غير بدل فمثاله نسخ وجوب الصدقة بين يدي مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان في أول الأمر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً. ثم نسخ هذا الحكم إلى غير بدل. وجواز النسخ إلى غير بدل هذا مذهب أكثر العلماء، بعض العلماء يقول لا ما في إلا نسخ إلى بدل فقط، والواقع أن النسخ إلى بدل موجود في الشريعة ووجوده ظاهر.

ومن أنواع النسخ أيضا تقسيم النسخ باعتبار المشقة، فنجد أن المنسوخ أما أن النسخ أما أن يكون إلى أخف أو إلى أثقل. فقد يأتي النسخ ليخفف الحكم عن المكلفين، وقد يأتي النسخ يثقل موازينهم بزيادة في العمل فيكون إلى أثقل. مثال النسخ إلى أخف، النبي صلى الله عليه وسلم نعم عفوا مثال النسخ إلى أخف، نسخ العدة سنة كاملة إلى عدة أربعة أشهر وعشرة أيام، فإن الاعتداد أربعة أشهر وعشرة أيام أخف من الاعتداد سنة كاملة، واضح. ومثال النسخ إلى أثقل، في أول الإسلام كان الإنسان مخيرا بين الصيام وبين أن يطعم، قال الله عز وجل: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ. فخيره بين الصوم وبين الإطعام وجعل الصوم أفضل.

لكن هذا الحكم نسخ على حكم أثقل، وهو وجوب الصوم دون تخيير. قال الله عز وجل: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ. ومن أنواع النسخ أيضاً: تقسيم النسخ باعتبار النوع إلى نسخ القرآن بالقرآن، ونسخ السنة بالقرآن، ونسخ السنة بالسنة، وقد عرفنا أمثلة على كل هذا. القرآن بالقرآن كنسخ عدة الوفاة من سنة إلى أربعة أشهر وعشرة أيام، ونسخ السنة بالقرآن مثل نسخ استقبال بيت المقدس إلى استقبال مكة واستقبال الكعبة، ونسخ السنة بالسنة مثل نسخ النهي عن زيارة القبور إلى الأمر بزيارتها.

وينقسم النسخ باعتبار ثبوته إلى متواتر؛ فهذا ينسخ بالمتواتر، والآحاد؛ فهذا ينسخ بالآحاد، وينسخ بالمتواتر، السنة المتواترة تنسخها السنة المتواترة، وأما السنة الأحادية فإنها تنسخ بالسنة الأحادية وبالسنة المتواترة لأنه أقوى. وهذا الكلام كله ذكره المؤلف رحمه الله بقوله: ويجوز النسخ. ويجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم، ما هو نسخ الرسم وبقاء الحكم ها هو الذي ذكرناه في الصفحة السابقة عند الكلام عن نسخ القرآن بالقرآن، وذكرنا مثالاً عليه وهو آية الرجم، فقد نسخ رسمها يعني نسخت تلاوتها.

قال: ونسخ الحكم وبقاء الرسم، مثل أن ينسخ الحكم ولكن التلاوة باقية، مثل قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ. قال: والنسخ إلى بدل، وعرفنا مثالاً عليه، نعم ومثاله النسخ، قال والنسخ إلى بدل، هذا النسخ إلى بدل، ويجوز أيضاً النسخ إلى غير بدل، وقد عرفنا مثاله.

قال: ويجوز النسخ إلى ما هو أغلو، اللي هو الأثقل، ويجوز النسخ إلى ما هو أخف. قال: ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب، ويجوز نسخ السنة بالكتاب، ونسخ السنة بالسنة. قال: ويجوز نسخ المتواتر بالمتواتر، قال ونسخ الآحاد، هذا هو بايش؟ بالآحاد وبالمتواتر.

قال: ولا يجوز نسخ الكتاب بالسنة تمام، ولا المتواتر بالآحاد، ليش؟ قال: لأن الشيء ينسخ بمثله وبما هو أقوى منه. إذاً هذا خلاصة درس اليوم عن النسخ، ونسأل الله جل وعلا أن يكون درساً نافعاً، وأن يكون لوجهه خالصاً، وصلى الله وسلم على نبينا.