بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فما زلنا نتدارس كتاب الورقات للإمام الجويني رحمه الله تعالى، ونحن الآن في الدرس السادس. سبق معنا في الدرس الماضي ما يتعلق بتعريف الأمر، وقلنا: إن الأمر هو استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب. وعرفنا صيغة الأمر وهي: افعل، وعرفنا كذلك أن الأمر يدل بنفسه على الوجوب، وأنه يدل بغيره على ما دلت عليه الأدلة.
ومن دلالات الأمر بنفسه الفور عند بعض أهل العلم، وبعضهم يرى أن الأمر لا يقتضي الفور، وهذا هو اختيار المؤلف رحمه الله؛ حيث قال: ولا يقتضي الفور. ولهذا ذهب الشافعية بناءً على قولهم إن الأمر لا يقتضي الفور إلى أن الحج لا يجب على الفور.
قالوا: إذا تحققت شروط الوجوب في الإنسان ثم أخّر الحج سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات فلا بأس عليه في ذلك. ولكن الجمهور يرون أن الأمر يقتضي الفور؛ ولهذا يقولون: يجب على من تحققت فيه الشروط أن يبادر إلى الحج ولا يؤخر. وكذلك مثلاً من وجبت عليه كفارة من الكفارات، هل يجوز له أن يؤخرها أو يجب عليه فوراً أن يخرج هذه الكفارة؟ هذا مبني على كون الأمر يقتضي الفور أو لا يقتضيه، والذي عليه جمهور العلماء رحمهم الله وهو مذهب الإمام أحمد أن الأمر يقتضي الفور.
ثم ننتقل بعد ذلك إلى مسألة أخرى، وهي: هل الأمر يقتضي التكرار أو لا يقتضي التكرار؟ هذه أيضاً مسألة خلافية؛ ذكر المؤلف أن الأمر لا يقتضي التكرار على الصحيح، إلا إذا دل الدليل على قصد التكرار، وهذا استثناء مهم.
إذاً، محل المسألة التي اختلف فيها العلماء هي فيما لم يدل عليه الدليل بأنه يقتضي التكرار أو لا يقتضي التكرار. وصورة التكرار أن الإنسان هل يخرج من عهدة الأمر بفعله مرة واحدة أو لابد أن يداوم على فعله؟ فمن يقول إن الأمر يقتضي التكرار يقول: لابد من المداومة، ومن يقول لا يقتضي التكرار يقول: يكفي مرة واحدة. وذكر ابن القيم رحمه الله أن أكثر أوامر الشرع جاءت على التكرار، ولهذا ذهب الحنابله إلى أنه يقتضي التكرار.
ومن المسائل أيضاً التي تتعلق بدلالة الأمر أن الأمر يقتضي الإجزاء، وقد أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى هذه المسألة في آخر الباب؛ حيث قال: وإذا فعل خرج المأمور عن العهدة. فإذا صلى الإنسان الصلاة في وقتها فانه يسقط عنه الطلب المتعلق بهذه الصلاة ولا يجب عليه قضاؤها ولا إعادتها. وبناءً على هذا نقول: الأمر يقتضي الإجزاء.
والمسألة التي تلي ذلك ما ذكره المؤلف، وهو أن الأمر يدل بغيره بحسب ما دل عليه الدليل، كما ذكرنا في نهاية الدرس الماضي. وقد يدل الأمر على الندب لا على الوجوب، ومن أمثلة ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: أوتروا قبل أن تصبحوا، فإن الأمر بالوتر أمر استحباب لا وجوب.
وقد يدل الأمر على الإباحة، كقول الله تعالى: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا. يعني: هل يجب الصيد؟ لا، نقول: هذا أمر يدل على الإباحة، والدليل على أنه يدل على الإباحة أنه أمر جاء بعد الحظر، والامر بعد الحظر للإباحة. وقد يأتي الأمر للتهديد، كقوله تعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، فهذا تهديد ووعيد.
ومن صور الأمر أيضاً أو من دلالات الأمر، دلالته على التسوية، فقد ياتي الدليل دالاً على أن هذا الأمر للتسوية، مثال ذلك قوله سبحانه وتعالى: اصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا. وهذه المعاني ذكرها المؤلف، ومحلها أصلاً في الدرس القادم، ولكننا قدمناها هنا حتى تكون أطرافاً في الموضوع مرتبة بترتيب منطقي.
ومن دلائل الأمر أيضاً دلالة الأمر على التكوين، كقوله سبحانه وتعالى: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ، إن هذا ليس من باب الأمر الذي يمتثل أو لا يمتثل، وإنما هو من باب التكوين، يعني الأمر الكوني.
والدلالة الأخرى هي دلالة الأمر باللازم، ودلالة الأمر باللازم هي أن الأمر بالشيء أمر به وبجميع ما لا يتم الأمر إلا به. مثال ذلك: الأمر بصلاة الجمعة، فإن الشرع قد أمر بصلاة الجمعة، والامر بصلاة الجمعة أمر بها وبجميع ما تستلزمه. مثال ذلك لو كان الإنسان في الدور الثاني في البيت، هل يجب عليه نزول الدرج أو النزول بالمصعد؟ نقول: يجب عليه ذلك إذا حضرت صلاة الجمعة، لا لأن الشرع أمر بنزول الدرج أو المصعد، ولكن لأن الشرع أمر بصلاة الجمعة، وتحقيق هذا الأمر في حق هذا الشخص لا يتحقق إلا بهذه اللوازم، كفتح باب الشقة والنزول من الدرج إلى آخره.
وكذلك يستلزم الأمر بالشيء النهي عن ضده، فإذا أمر الشرع بشيء فقد نهى عن ضده، مثال ذلك الأمر بالقيام في الصلاة، فهو نهي عن الجلوس فيها. فقوله صلى الله عليه وسلم: صلي قائماً، يدل على أن الإنسان لو صلى قاعداً مع قدرته على القيام لم تصح صلاته أو لا تجوز وتكون صلاة منهياً عنها.
ننتقل بعد ذلك إلى المخاطب بالأمر، من هو الذي يخاطب بالأمر والنهي؟ نقول: المخاطب بالأمر يشمل المؤمن، فالمؤمن داخل في خطاب الله عز وجل. وكذلك الكافر، هل الكافر مخاطب؟ نعم، الكافر مخاطب بالأمر والنهي وبجميع فروع الشريعة، ولا شك أن الكافر مخاطب بالإسلام، لكن هل هو مخاطب بالصلاة والزكاه والنهي عن الزنا وشرب الخمر؟ نقول: نعم، هو مخاطب بذلك؛ لأن الله عز وجل قال لما ذكر أهل النار: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ، وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ. فهذه أشياء غير الكفر حاسبهم الله عز وجل عليها.
وأما من لا يشمله الخطاب فالخطاب لا يشمل الساهي ولا يشمل الصبي ولا يشمل المجنون؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق. فهؤلاء لا يدخلون في خطاب الشرع.
وهذا يعني شرح إجمالي، نسأل الله عز وجل التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت