تسجيل الدخول

الدرس 7

عامر بهجتالشيخ عامر بهجت
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا هو الدرس السابع من دروس شرح الورقات للإمام الجويني رحمه الله تعالى. وكنا قد أخذنا في الدرس الماضي ما يتعلق بمباحث الأمر، وذكرنا في تعريف الأمر أن الأمر هو استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب. وعرفنا صيغ الأمر وهي افعل، وعرفنا أن الأمر يدل بنفسه على الوجوب وبحثنا هل يدل على الفور أو لا؟ وهل يدل على التكرار أو لا؟ وعرفنا أن الأمر يقتضي الإجزاء إذا فعل المأمور، خرج الإنسان من عهدة الأمر.

ثم بحثنا في دلالة الأمر بغيره، وعرفنا أنه يدل بحسب ما دل عليه الدليل من الندب أو الإباحة أو التهديد أو التسوية أو التكوين. وعرفنا أنه يدل باللازم عن النهي عن ضده، فالأمر بالشيء نهي عن ضده، وكذلك النهي عن الشيء أمر بضده. فالأمر بالشيء نهي عن ضده، وقد ذكرنا لذلك مثلاً، وهو أن الإنسان في حال القيام لو جلس في الصلاة، فهل يكون قد ارتكب فعلاً منهياً عنه مع أنه لم يأت الدليل بقوله لا تجلسوا في الصلاة وإنما جاء صل قائماً؟ فعرفنا أنه إذا أمر بالقيام فهذا نهي عن الجلوس.

ننتقل بعد ذلك إلى النهي، والنهي البحث فيه في مسائل. المسألة الأولى: ما هو تعريف النهي؟ النهي ضد الأمر. وقد عرفنا أن الأمر استدعاء الفعل، فيكون النهي هو استدعاء الترك. إذاً الأمر استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب، نفس الكلام لكننا نبدل كلمة الترك بكلمة الفعل، فنقول استدعاء النهي هو استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب. ونفس الكلام الذي قلناه في الأمر نقوله في النهي باعطائه عكس الأحكام.

فقول الله عز وجل: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا، هنا طلب من ترك الزنا. قال الله عز وجل: وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. وفي الآية الأخرى قال: لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة، فهذا طلب ترك وليس طلباً للفعل. وهذا جاء بالقول، فإن القرآن قول وهو كلام الله عز وجل. وممن هو دونه، فقد جاء من الرب إلى عباده الفقراء إليه، قد جاء هذا على سبيل الوجوب. والمقصود بالوجوب هنا وجوب الترك، ووجوب الترك هو تحريم ايش؟ هو تحريم الفعل.

المسألة الثانية في باب النهي: أن النهي له صيغة، وهذه الصيغة هي قولنا لا تفعل، وقد يأتي النهي بالصيغة الخبرية أيضاً. فمثال قولنا لا تفعل مثال النهي بصيغة لا تفعل قال الله عز وجل: لا تأكلوا الربا. ومثال الصيغة الخبرية للنهي قول الله سبحانه وتعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ، فقد أخبر أنه حرم علينا الميتة وهو خبر، ليس فيه لا تأكل الميتة إنما قال حرمت عليكم الميتة.

نعم، على ماذا يدل النهي؟ نقول: يدل النهي أولاً بنفسه على التحريم. فالاصل في النهي إذا ورد أنه يدل على تحريم المنهي عنه. فقوله تعالى: لا تأكلوا الربا يدل على تحريم الربا، وقوله أيضاً: لا تأكلوا مال اليتيم يدل على تحريم أكل مال اليتيم، وقوله سبحانه وتعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا يدل على تحريم الزنا. فالاصل في النهي أنه يدل على التحريم هذا بنفسه. ولكن قد يأتي دليل يصرفه من التحريم إلى الكراهة، أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها يدل على تحريم ذلك.

ويدل أيضاً على الفساد، على فساد المنهي عنه في العبادات والمعاملات. مثال فساد العبادات أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر، فإذا صلى الإنسان نفلاً مطلقاً بعد صلاة العصر ليكون هذا باطلاً وفاسداً. وكذلك إذا جاء النهي عن عقد من العقود، مثال ذلك نهي الشارع عن بيع الغرر، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، فإذا باع الإنسان بيعاً من بيوع الغرر فانه يكون عقداً فاسداً لا يصح. ما معنى فاسد؟ ذكرنا معنى الصحة والفساد في أوائل الأبواب، قلنا إن الفاسد يعني لا تترتب عليه ثمرته، إن كان عبادة لا تجزي، وإن كان معامله فانه لا تترتب عليه ثمرته فلا يتملك المشتري السلعة ولا يتملك البائع الثمن.

ويدل النهي بغيره على ما دل عليه الدليل حسب الدليل، سواء كراهة أو دل على غير ذلك من المعاني فإننا نعمل بذلك. ويستلزم النهي عن الشيء الأمر بضده أو بأحد أضداده، فإذا نهاك عن الجلوس فهل هذا أمر بالقيام؟ لا، لا يتعين القيام، إذا نهاك عن الجلوس فإما أن تقوم وإما أن تضطجع. وإذا نهاك عن مثلاً الدخول هذه الغرفة فانه أمرك بأي ضد من أضدادها، فإذا تلبست بأي ضد من أضداد ذلك صح. هذا ما يتعلق بمسائل النهي.

ننتقل بعد ذلك إلى مبحث آخر وهو مبحث العام والخاص. اللفظ أيها الاخوه الكرام إما أن يكون لفظاً عاماً أو لفظاً خاصاً. ما هي صيغ العموم؟ بدأ المؤلف ببيان أولاً تعريف العام فنذكره قبل أن نذكر صيغ العموم. قال: العام فهو ما عم شيئين فصاعداً. ويضيف العلماء إلى هذا التعريف قولهم بلا حصر، ما عم شيئين فصاعداً بلا حصر، يعني هو ما استغرق أفراده، هذا هو العام.

نعم، فتقول مثلاً جاء الطلاب، هذا يستغرق جميع الطلاب، يدخل فيه كل الطلاب إذاً هذا لفظ عام. وتقول جاء زيد، هذا لفظ خاص بزيد. نعم قال فهو ما عم شيئين فصاعداً من قولك: عممت زيدا وعمرا بالعطاء وعممت جميع الناس بالعطاء.

ما هي صيغ العموم وألفاظ العموم؟ أول لفظ من ألفاظ العموم: الاسم الواحد المعرف باللام. مثاله: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر، فالصلاة لفظ عام يشمل جميع أنواع الصلوات، ويخرج منه ما دل الدليل على استثنائه.

كذلك من صيغ الجمع اسم من صيغ العموم اسم الجمع المعرف باللام، مثال ذلك تقول أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز، الجنائز يدخل فيه كل جنازة، هذا جمع معرف باللام، يدخل فيه جنازة الطفل وجنازة الرجل وجنازة المرأة.

كذلك من صيغ العموم الأسماء المبهمة، والأسماء المبهمة يدخل فيها الأسماء الموصولة كمن في من لا كمن في من يعقل، قال صلى الله عليه وسلم: من رأى منكم منكراً فليغيره، فيدخل في من رأى منكم منكراً كل من رأى المنكر سواء كان رجلاً أو امرأة.

كذلك من الأسماء المبهمة ما في ما لا يعقل، ما في ما لا يعقل: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ، فقوله: وما تفعلوا من خير يوف إليكم، فانه يدل على كل أنواع الخير، كل شيء من أنواع الخير سواء كان صدقة أو صياماً أو كلمة طيبة إلى آخره.

نعم، ومن الأسماء المبهمة أي، أيكم، إلى نحو ذلك من الألفاظ، فإن أي تعم العاقل وغير العاقل، ولهذا قال المؤلف: وأي في الجميع، يعني في العاقل وغير العاقل.

ومن صيغ العموم أيضاً أين في المكان: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُمُ الْمَوْتُ، تعم كل مكان في الدنيا. ومن صيغ العموم متى في الزمان: متى تاتني نعم أكرمك، فهذا يدل على أنك إذا جئتني في أي وقت في جميع الأوقات فانك مستحق لكرامتك.

ومن صيغ العموم أيضاً لا في النكرات، ويعبر عنها بعض أهل العلم بالنكرة في سياق النفي. مثاله قوله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة بعد العصر، فانه يعم جميع الصلوات. وقد مثل له المؤلف بقوله: كقولك لا رجل في الدار، وهذا ينفي جميع الرجال، وجود جميع الرجال في الدار.

والعموم أيها الإخوة الكرام ينقسم إلى عام محفوظ لم يدخله التخصيص، وإلى عام مخصوص دخله التخصيص. وفي الدرس القادم إن شاء الله سوف نتعرف على المخصصات، نتعرف أيضاً على محل العموم، وأن العموم محله النطق. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.