تسجيل الدخول

من الأدلة التي تذكر في الأدلة المختلفة فيها أيضاً الاستحسان، والاستحسان مبحث فيه إشكال أولاً في حقيقته. إيش هو الاستحسان أصلاً تمام؟ ما هو الاستحسان؟ عرف بتعريفات منها أشياء لا يقول بها أحد، ومنها أشياء يقول بها الجميع ولا يخالف فيها أحد تمام؟

فمن التعريفات مثلاً عرف الاستحسان بأنه ما يستحسنه المجتهد بعقله. هذا لا يحتج به أحد، وعرف الاستحسان بأنه ما ينقدح في ذهن المجتهد ولا يستطيع التعبير عنه. هذا لا يكون حجة على الغير. كيف تبغى تحتج على غيرك بشيء لا تستطيع أصلاً أن تقيم برهان عليه ولا أن تحتج به؟

لكن من أحسن تعريفاته تعريف الاستحسان بأنه العدول بالمسألة عن نظائرها، وهذه طريقة الحنفية في الاستحسان لتعبيرهم بالاستحسان كثيراً في كتب الفروع. الاستحسان أن يكون في الباب قاعدة وقياس مطرد ثم تأتي مسألة من مسائل الباب يقولون هذه نقول فيها بالاستحسان ولا نطرد فيها القاعدة، فعدلوا بالمسألة عن نظائرها.

العدول بالمسألة عن نظائرها إذا كان لآية من القرآن أو لحديث من السنة فهذا واضح وظاهر. لكن قد يكون أحياناً تمام ليس من هذا، ليس بدليل ظاهر من الكتاب والسنة؛ كالعدول عن الأصل لمصلحة أو لعلة تختص بهذا الفرع، فهذا هو الذي يكون محلاً للبحث. قال: ثم العدول سمه استحساناً أي عن نظير. العدول بالمسألة عن نظائرها. طيب هل يؤخذ به؟ قال: خذ به أحياناً ليس دائماً، مثلاً وجود مصلحة أو علة في الفرع توجب الخروج عن الأصل، وإنما ينظر في كل مسألة بحسبها بحسب قوة الموجب لإخراج المسألة أو للعدول بالمسألة عن نظائرها. فلا يطلق فيه أنه يعمل به دائماً، ولا يطلق فيه بأنه يطرح دائماً، واضح يا مشايخ؟

طيب فهذا هو الاستحسان. ثم العدول سمه استحساناً أي عن نظير خذ به أحياناً. ويمكن أن يمثل له على سبيل المثال من يقول بأن التصوير الفوتوغرافي لا يجوز، طيب ثم يقول ولكنه في بطاقات الهوية جائز، أو مثلاً لمصلحة التعليم ونفع الناس ودعوته فإنه جائز. خرج بالمسألة هذه عن نظائرها ولا لا؟ مقتضى القاعدة ومقتضى طرد القول أن تكون هذه المسألة ايش؟ ممنوعة، لكنه أخرجها لما فيها من مصالح قوية وقرائن وما إلى ذلك مما يوجب في هذا الفرع الخروج عن الأصل يدعمه أدلة عامة وقواعد شرعية وما إلى ذلك.

نعم، وقد صنف يعني أهل العلم في الاستحسان تصنيفات كثيرة. في قاعدة في الاستحسان لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وفي كتاب معاصر لشيخنا الشيخ يعقوب البحسين بحث فيه مسألة الاستحسان بحثاً حقيقة مفيداً ونافعاً.

الاستصحاب، ما هو الاستصحاب؟ الاستصحاب هو البقاء على الأصل. الأصل أيها الأخوة الكرام براءة الذمة من التكاليف، فلا يحق لك أن تقول هذا حرام إلا إذا عندك دليل على التحريم وإلا لا فنستصحب الأصل وهو الإباحة صح ولا لا؟ إذا أردت أن توجب على الناس تقول يا أيها الناس يجب عليكم أن تصلوا صلاة سادسة في اليوم والليلة، فانه لا بد من دليل. إذا ما عندك دليل نستصحب الأصل وهو عدم الوجوب وبراءة الذمة من هذا التكليف، واضح؟ هذا هو الاستصحاب.

والاستصحاب أيها الأخوة الكرام يطلق هنا ويطلق في القواعد الفقهية يعني عرفنا هنا الاستصحاب أن تستصحب عدم وجود دليل على التكليف بالتحريم أو بالايجاب واضح وفيه استصحاب استصحاب الوصف الثابت الذي يعبر عنه في القواعد الفقهية بقولهم اليقين لا يزول بالشك هذا استصحاب يبحث في القواعد الفقهية. فمن تيقن الطهارة وشك في الحدث نقول استصحب الأصل وهو أنك متطهر وليس هو المراد هنا بمبحث الاستصحاب، وإنما المراد استصحاب البراءة الأصلية.

ولهذا قال الناظم إذا صار عندنا الآن عرفنا استصحاب يبحث في علم القواعد الفقهية واستصحاب يبحث في الأصول. الاستصحاب الذي يبحث في الأصول نوعان، استصحاب الأصل الذي ذكرناه وبيناه وهذا حجة ولهذا قال: واستصحب البراءة الأصلية إن لم يرد ما ينقل القضية. ما هي البراءة الأصلية؟ البراءة الأصلية يعني براءة الذمة بناء على الأصل استصحاب براءة الذمة من التكاليف. الأصلية يعني نسبة إلى أنها هي الأصل، فبراءة الذمة ليست هي الأصل، إنما تقول لفلان ذمتك مشغولة بصلاة سادسة يجب أن تصليها في كل يوم وليلة تمام؟ نقول لا، نحن نستصحب الأصل البراءة الأصلية إن لم يرد ما ينقل القضية، إن لم يأتي عندنا دليل ينقل هذه المسألة وينقل هذه القضية عن ذلك الأصل.

فلو قال لك قائل مثلاً، قال شخص حنفي: يجب أن تصلي الوتر. يقول لا أنا استصحب البراءة الأصلية وهي عدم الوجوب. فيقول بل ورد ما ينقل القضية؛ ورد عندنا أمر من الشرع فقال صلى الله عليه وسلم: أوتروا يا أهل القرآن. والامر يقتضي الوجوب هنا. لا يصح أن نتمسك الاستصحاب مع وجود الناقل حينئذ لابد أن نجيب عن الدليل فنقول لا هذا الأمر ليس على الوجوب وإنما هو على الاستحباب لقوله صلى الله عليه وسلم لما قال له الأعرابي هل علي غيره؟ قال: لا إلا أن تطوع.

إذاً متى يعمل الاستصحاب؟ عند عدم وجود الدليل الناقل، ولهذا فإن الاستصحاب هو آخر ما يتمسك به الفقيه ولا يتمسك به مع وجود غيره، إذا فيه شيء في الباب انتهى الأمر لا يصح الاستصحاب.

هناك نوع آخر ذكره الأصوليون في مبحث الاستصحاب وهو استصحاب الإجماع في محل الخلاف. ولنمثل عليه بأمثلة، خلونا نمثل عليه بمثال في كتاب الطهارة غير مشهور في كتب الأصوليين. إذا وقع بول انسان على الثوب، هذا الثوب ما حكمه؟ نجس بالاجماع صح ولا لا؟ نجس بالاجماع إن غسلته وغسلة فذهبت عينه وذهب أثره، هل غسلته وغسلة وغسلتين وثلاث وأربع غسلات وذهبت عينه وذهب لونه وذهب أثره، هل يطهر الثوب؟ ها في خلاف المذهب أنه سبعة وثلاثين.

هل الذي يقول بأنه يطهر، بعضهم يقول إنه يطهر، فقال لك هذه نجاسة زالت عينها فزال حكمها، فهل يصح لك أن تقول لا ودليلي في هذا الاجماع، دليلي أن الثوب لم يطهر هو ايش؟ الإجماع. كيف الاجماع؟ قال أنا وانت بل الكل مجمع على أن الثوب تنجس صح ولا لا؟ فلا يرتفع، نبقى على ذلك الأصل ونستصحب الاجماع حتى يثبت إجماع على ايش؟ على طهارته ولا يكون إجماع على طهارته إلا إذا غسلت سبع غسلات قبل ذلك هو محل خلاف.

فهل يصح أن نستصحب الاجماع في هذه الصورة فنقول والله نتمسك بالاجماع؟ قال لك لا، مستصحب الاجماع في محل خلافهم خطأ عند الجلي. فمن يستصحب الاجماع في محل الخلاف هذا مخطئ في بناء الاستدلال، ليش؟ لأن حقيقة الاجماع ما هي؟ هي عدم الخلاف صح ولا لا؟ أليس الاجماع هو عدم الخلاف؟ ولما غسل ثلاث أو أربع غسلات هل الاجماع موجود ولا نقطع بارتفاع الاجماع؟ ها نقطع بارتفاع الاجماع فإن الخلاف موجود، كيف تستصحب الاجماع مع يقيننا بزوال حقيقته وقد وجد الخلاف الآن في الثوب؟ واضح؟

هذا معنى أنه لا يصح استصحاب الاجماع في محل خلاف. لو قيل مثلاً لو قيل تناقشت مع واحد في الطلاق في الحيض هل يقع ولا ما يقع؟ قال لك نحن نجمع على أن هذه المرأة الإجماع منعقد على أن هذه المرأة تزوجت زواجاً صحيحاً مكتمل الشروط والأركان بالإجماع، فلا يرتفع نكاحها إلا بإجماع. هل هذا صحيح؟ لا، استصحاب الاجماع في محل الخلاف هذا استصحاب لشيء قد ثبت الانتقال عنه وهذا لا يصح. وضحت المسألة؟

هذا معنى مستصحب الاجماع في محل خلافهم خطأ عند الجلي. ومثالها المشهور في كتب الأصول هو مثال التيمم؛ من تيمم ثم وجد الماء وهو في الصلاة، يقولون دخل في صلاة صحيحة بالإجماع فلا نبطلها إلا بإجماع، ونستصحب الاجماع على صحة الصلاة. نقول لا، الإجماع على صحة الصلاة لم يعد له وجود لوجود منافيه وهو الخلاف. هذا ما يتعلق أيها الأخوة الكرام بالأدلة الشرعية.