بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد، ففي هذا الدرس، بإذن الله عز وجل، سنتكلم عن دليل من الأدلة العظيمة، وهو دليل الإجماع. ومن المهم، أيها الإخوة الكرام، أن يُعلم أن الإجماع حجة عند جميع أهل العلم، وقد دل على حجيته أدلة كثيرة يفيد مجموعها القطع بأن الإجماع حجة؛ في أدلة نقلية وأدلة عقلية من الكتاب ومن السنة.
فالله عز وجل قال: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِ جَهَنَّمَ ۖ. إذن، الإنسان إذا رأى المؤمنين قد سلكوا طريقاً في أي مسألة من مسائل الدين، فاتبع غير سبيلهم، فهو متوعد بالوعيد، صح ولا لا؟ وهذا يدل على حجية الإجماع.
وأما الأحاديث الدالة على حجية الإجماع فهي أحاديث كثيرة، منها: لا تجتمع أمتي على ضلالة، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم، وغير ذلك من أدلة حجية الإجماع. ولهذا قال الناظم: وخذ بالإجماع أي الصريح، ثم السكوتي على الصحيح.
الإجماع، أيها الإخوة الكرام، من جهة أنواعه هو نوعان: عندنا إجماع صريح؛ أن يكون هذا القول قد نطق به وقرره كل علماء الأمة. فلو فرضنا أن الصحابة اجتمعوا، مثلاً بيعة الصحابة رضي الله تعالى عنهم لأبي بكر الصديق، خلاص؛ إجماع صريح من الصحابة كلهم على خلافة أبي بكر، فهذا من صور الإجماع الصريح، وهذا لا شك أنه حجة، بل يقول الاصوليون: حجة قاطعة، كإجماع المسلمين على الصلوات الخمس؛ ما في مسلم في الدنيا إلا وهو يصلي الصلوات الخمس.
جيد. هناك نوع آخر من الإجماع، وهو الإجماع السكوتي؛ وصورته أن يُقرر حكم المسألة وينطق بحكم المسألة أو يفعل الأمر بعض الأمة، بعض العلماء المجتهدين، واما غيرهم فلا يوجد لهم في ذلك كلام، سكتوا، لم نجد لهم كلاماً، خلاص، فماذا نقول؟ نقول: هذا إجماع وحجة يجب العمل به، وهو حجة ظنية. ولهذا اختلف في الإجماع السكوتي. إذاً، الإجماع الصريح حجه بالاجماع، والاجماع السكوتي فيه خلاف.
وانتبه هنا إلى تنبيه مهم جداً جداً في الإجماع السكوتي؛ ليس كل صور الإجماع السكوتي محل خلاف، وإلا لأفضى ذلك في حقيقة الأمر إلى أن لا يوجد إجماع أصلاً. يعني الآن، أيها الإخوة الكرام، عندنا مسائل -وهذا التنبيه نبه عليه السبكي في شرحه على ابن الحاجب- عندنا مسائل مما تعم به البلوى، ويحتاج إليها الناس في كل الأعصار وفي كل الأمصار وفي كل الأوقات، ويتكلم فيها بعض العلماء كلاماً مشهوراً، ويمشي على هذا الكلام الناس جيلاً بعد جيل، جيد، ألف سنة ألف سنة، ويجي واحد في دبر الزمان يقول: من الذي قال بهذه المساله؟ نقول: هذا أجمع عليها العلماء. يقول له: هذا إجماع سكوتي، لأنكم ما تستطيعون أن تنقلو لي عن كل واحد من العلماء أنه قال بهذا القول.
يعني لو جيت قلت لك مثلاً: الزيادة -أو خليني أعطيكم مثال آخر- صلاه الظهر سرية ولا جهرية؟ سرية. ماذا قال؟ هل عندك نص عن الإمام معطيني واحد من علماء التابعين مثلاً ليس معروفاً بنقل الفتوى عنه؟ ها، أبو العالية، أعطني نصاً عن أبي العالية أنه قال: صلاة الظهر سرية، وبحثت، مثلاً، بحثت في الكتب ولا وجدت، قال: خلاص هذا إجماع سكوتي؛ لانه ما في تصريح من كل علماء الإسلام.
ماشي، نقول: هذا الذي تعم به البلوى ويحتاجه الناس في كل الأزمان وفي كل الأعصار، ويترتب عليه الناس جيلاً بعد جيل، فهذا حجة بالاتفاق، سميته صريحاً أو سميته سكوتياً، لكنه حجة بالاتفاق، لا يمكن أن يخالف فيها أحد، وليس هو من محل الخلاف ولا من محل النزاع، واضح ولا لا؟ فيُنتبه إلى هذا الأمر، فليس كل ما ينطبق عليه حد الاجماع السكوتي بالمعنى الأصولي يكون من محل الخلاف، لأنه قد توجد قرائن تنقل الإجماع السكوتي إلى القطعية التي لا يمكن لأحد أن يخالف فيها، واضح هذا ولا لا؟ نعم، فليُنتبه له.
وأشار الناظم بقوله: ثم السكوتي على الصحيح، أن السكوت مختلف فيه، وأن الصحيح من القولين هو حجيته. ونبهنا أن محل الخلاف هو في غير المسائل التي تعم به البلوى ويحتاجها الناس في كل الأعصار والأمصار ولا نجد فيها خلافا، هذا حجة بالاتفاق، ما يقال فيه إنه خلافي.
لكن ما شروط الأخذ بالإجماع؟ وخذ بالإجماع. ما شروط الأخذ بالإجماع؟ ما شروط الإجماع؟ أو الصواب نقول: ما شروط الإجماع الذي يحتج به؟ قال: وشرطه أولاً: اتفاقهم جميعاً، فالإجماع الذي يحتج به هو اتفاق جميع أهله.
فلو فرضنا أن أهل الإجماع مئة، وتسعة وتسعين منهم اتفقوا، وخالف واحد من أهل الإجماع، فهل هذا إجماع؟ ليس إجماعاً، هذا يقال: قول الجمهور، قول الأكثر، لكنه ليس إجماعاً، هذا يسمى قول الأكثر، والأكثر على أن قول الأكثر ليس بحجه. وهذه من الطرائف، بعض المسائل، يعني التسليم بها يقتضي ردها، صح ولا لا؟
مثلاً، أذكر مرة واحد كان يقول لي: إن الإمام الشافعي أخطأ في قوله: ليس كل مجتهد مصيباً، والصواب أن كل مجتهد مصيب. فقلت له: الشافعي لما تكلم بهذا هو مجتهد اجتهد وقال، قال لي: ليس كل مجتهد مصيب، قال لي: نعم، هو اجتهد لكنه أخطأ. قلت له: أنت تقول: كل مجتهد مصيب، يعني قبول قولك يقتضي تصويب الشافعي، وتصويب الشافعي يقتضي بطلان قولك! ماشي، فما أدري هذا يدخل في قلب الأدلة يا شيخ.
طيب، كذلك بعضهم قال: إن قول الأكثر حجه. فنظرنا فوجدنا أن الأكثر يقولون: لا يكون حجة إلا الإجماع، أما قول الأكثر فليس بحجة. فإذا قلت: قول الأكثر حجة، والأكثر يقولون: قول الأكثر ليس بحجه، لزم من الاحتجاج بقول الأكثر أن يُقال إنه ليس بحجه، جيد، ولهذا أنا ظاهري.
طيب، منها أذكر بعض المشايخ يقول: جاءه شخص فقال له: لا يجوز لأحد أن يأخذ بقول لم يقله واحد من الأئمة الأربعة. فسأله، قال: القول الذي قلته هذا من قال به من الأئمة الأربعة؟ تماماً، إن أن سلمنا بقولك إنه لا يجوز الأخذ بقول لم يقل واحد من الأئمة الأربعة، القول الذي قلته أنت هذا هل قال به أحد؟ ما قال به أحد، إذن لا يجوز الأخذ به! فلو هذا لو سلمنا به لكان باطلاً.
طيب، ثم ذكر، إذاً، الإجماع نوعان: صريح وسكوتي. الشرط الأول: اتفاق الجميع، فلا يكفي اتفاق البعض ولو كان الأكثر، ولا يكفي اتفاق الجميع في قطر مع مخالفة أهل قطر، كما لو اتفق أهل المدينة فلا يكون حجة.
لكن من هم الذين يُعتبر إجماعهم؟ لما نقول جميعاً، من هم أهل الإجماع؟ ومن هم أهل الإجماع -إذا حضرت الإقامة أو بقي عليها دقيقة أو دقيقتين أو شيء بلغوني- من هم أهل الإجماع؟ هم فقهاء عصر العصر الذي وقعت فيه النازلة محل الإجماع.
فقولنا: فقهاء، خرج به غير الفقيه، والفقيه هو المجتهد الذي بلغ رتبه الاجتهاد، فغير المجتهد ليس من أهل الإجماع. فلو قلت: والله في كثير من الأمة لا يقولون بهذا القول، ليس لهم، لا يجوز لهم أن يتكلموا، لأنهم ليسوا من أهل الاجتهاد، فانما يُعتبر في ذلك أهل الاجتهاد الفقهاء.
وقوله: فقهاء العصر، يعني فقهاء العصر الذي حصلت فيه النازلة. فلو حصلت الواقعة في زمن التابعين ولم تحصل في زمن الصحابة، من الطبيعي أننا لن ننظر في أقوال الصحابة لأنهم ما كانوا موجودين، إذن ننظر في عصر التابعين، أجمع التابعون وانقرض عصر التابعين، حصل الإجماع، خلاص؛ فقهاء العصر إلى أن ينقرض آخرهم، يعني أن يموت آخرهم، فإذا مات آخرهم انعقد الإجماع. فلو خالف بعد ذلك أحد، قال: أنتم تقولون أجمع كل الأمة، طيب أنا خالفت وأنا مجتهد وفقيه وبلغت رتبة الاجتهاد، نقول: خالفت بعد انعقاد الإجماع، والمعتبر فقهاء العصر لا من بعدهم، فالمستقبل لا ينتظر تشريعاً.
أي فقهاء عصره، تشريعاً. اتفاقهم جميعاً على هذا الحكم، تشريعاً؛ يعني أن يكون هذا الحكم المتفق عليه من الأحكام التشريعية؛ الأحكام التكليفية أو الأحكام
الشرعية خلاص وليس من المسائل الدنيوية، فلو اتفق العلماء والفقهاء على أن السكري مثلا أفضل من الخلاص جيد، وجاء واحد قال لا بخلاف ذلك، طبعا لا يعول على قوله سكري القصيم لا يعلى عليه بس يعني.
لكن هل يقال هذا إجماع وحجة لا يجوز مخالفته؟ لا، هذا إيش؟ ليس في مسائل التشريع، واضح هذا؟ طيب.
أي فقهاء عصره تشريع؟ وهناك شرط آخر في الإجماع، وهو أن لا يكون قبله خلاف حضرت الإقامة طيب، ألا يكون قبله خلاف، ألا يكون قبله خلاف استقر.
فإن كان أهل العصر الأول قد اختلفوا على قولين، وجاء أهل العصر الثاني واتفقوا وأجمعوا على أحد هذين القولين، فلا يكون إجماعاً؛ لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها جيد.
هذا الشرط الرابع، والشرط الذي يليه ألا يكون فيه إجماع سابق، فإن كان عندنا إجماع مستقر في زمن الصحابة، ثم جاء في زمن التابعي إجماع، إن كان بوفاق فهو مزيد تأكيد، وإلا فقد انعقد الإجماع.
ولو فرضنا عقلاً أنه بخلافه، فانه غير معتبر؛ لأن الإجماع انعقد، واضح وهذا لا يكون، وإنما يذكر من باب التقرير النظري وإلا فانه لا يكون؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى تقوم الساعة.
إذا قلنا، إذا قلنا إن المعتبر فقهاء العصر، فهنا مسألة أيضاً تعتبر من شروط الإجماع، وهي مسألة انقراض العصر، يعني لو حصلت النازلة في سنة مثلاً خمسين للهجرة طيب، أو يعني خلينا خلينا نضرب مثال بالعصر الحاضر.
لو فرضنا في عصرنا الحاضر وقعت مسألة من النوازل، وجدنا أن العلماء الذين بلغوا رتبه الاجتهاد مثلاً في هذا الزمان ثلاثون عالماً مثلاً، واجتمعوا كلهم ونظروا وبحثوا في المسألة فأصدروا فيها قراراً بأنها مسألة جائزة، أنها تجوز، في ذاك التاريخ كان في واحد ولد صغير يحضر الدروس ويتفقه في الدين تمام.
وبعد ثلاثين سنة بلغ رتبه الاجتهاد، والذين أصدروا القرار ما زالوا على ما زالوا أحياناً أو بقي حتى لو بعضهم حياً، فهذا لما بلغ رتبه الاجتهاد بحث المسألة قال لا أنا أخالف، أنا لا أوافق على كلامهم، هل يجوز له أن يخالف؟ الجواب نعم.
لأنه لا ينعقد الإجماع إلا بانقراض العصر، انقراض عصر المجمعين يعني أن يموت آخرهم، ولهذا قال واعتبر انقراض عصر فيه في الإجماع وأقبل خلاف ناشئ فقيه، أقبل خلاف الفقيه الذي نشأ إذا خالفهم قبل أن ينقرض العصر.
ويتبقى إن شاء الله معنا مسألة تتعلق بالإجماع نذكرها بعد الصلاة، ثم نشرع في القياس، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت