ثم انتقل بعد ذلك إلى دلالة الأمر. عرفنا الأمر، ما هو؟ عرفناه. يبقى الآن دلالته، والدلالات الآن هي من أي أنواع؟ لما نقول دلالة الأمر: أيدل على الوجوب نصاً ولا ظاهراً؟
الأمر هل هو نص في الوجوب لا يحتمل غيره؟ لا، إذاً هو ظاهر. فالدلالات المذكورة هي تصنيفها في القسمة الأولى، تدخل في النص ولا في الظاهر ولا في المجمل؟ نقول هي تدخل في الظاهر. ولهذا قال: ذكروا من جملة الظواهر الفور والوجوب في الأوامر، تكراره، الفائت القضاء، والنهي عن ضد، كذا الإجزاء. وهذه ستة أشياء تستفيد من صيغة الأمر.
الأول: الفور. فإذا أمرت بشيء فيجب أن تبادر إلى فعله ولا يجوز أن تؤخره إلا لدليل، إن دل الدليل على جواز التأخير فالحمد لله وإلا فالأصل وجوب المبادرة؛ لأن الله عز وجل قال: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ. هذا الفور.
الثاني: الوجوب. معنى الوجوب أنه يأثم بالمخالفة، خلاص؟ فإذا أمرت بشيء فالأصل أنه واجب عليك. قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، قلنا: الصلاة واجبة. وَآتُوا الزَّكَاةَ، قلنا: ايش؟ الزكاة واجبة. فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، قلنا: ايش؟ الصوم واجب. وهكذا.
تكراره، يعني يدل الأمر على وجوب تكرار الفعل. والتكرار أيها الاخوة الكرام يطلق على معنيين: التكرار بمعنى الاستدامة، والتكرار بمعنى فعل الشيء مرة بعد مرة. والأصل في الأمر أنه يحمل على الاستدامة، وجوب استدامته ما أمكن. فمثلاً الله عز وجل أمرنا بالإيمان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا، فنقول: يجب على الإنسان أن يؤمن فوراً، الكافر ما يجوز يتأخر في الإيمان. طبعا لا، هذه الآية يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا يدل على الوجوب ويدل على أنه لابد من استدامة الإيمان في جميع العمر.
خلاص، هناك أشياء لا يتصور فيها ايش الاستدامة؟ لا يتصور فيه الاستدامة، فهنا ننظر طبعا في الأدلة. فالصلاة مثلاً واجبة على التكرار، لكن معنى التكرار أنها تجب خمس صلوات في كل يوم وليلة، الزكاة تتكرر في كل حول. هناك أشياء لا يوجد فيها التكرار لدلالة الدليل على عدم وجوب التكرار، مثل الحج فإن الدليل دل أنه لا يجب التكرار فيه. وهذا كما قلنا أي مسألة أصولية: إلا إذا دل الدليل على خلاف ذلك ما في إشكال.
إذاً: الفور والوجوب في الأوامر، تكراره، الفائت القضاء. وهذا الرابع، هذه المسألة عنوانها في كتب الأصول، الأمر عنوانها في كتب الأصول: هل القضاء يجب بالأمر الأول ولا يفتقر إلى أمر جديد؟ قال لك: لا، يجب بالأمر الأول. إذا أمرت بالشيء وحدد لك فيه وقت فلم تفعله في وقته، هل الأصل أنه يجب عليك فعل أن تفعله بعد الوقت، ولا الأصل أنه خلاص فات الوقت ما تفعله؟ خلاف بين الأصوليين. عندنا أن الأصل انك إذا أمرت فقد أمرت به، فإن فاتك فعليك القضاء، ما نحتاج إلى دليل خاص على القضاء، الأصل وجوب. طبعا هذا معنى قوله في الفائت القضاء.
مثلا زكاة الفطر حدد لها وقت وهو يوم العيد، خرج يوم العيد وجانا واحد ثاني يوم بعد العيد ولا بعدها بيومين وقال: أنا ما دفعت زكاة الفطر. وش نقول؟ تخرجها ولا خلاص استغفر وتب ولا تخرج شيء؟ نقول: يجب أن تخرجه، واضح؟ لأن القضاء يجب بالأمر الأول ولا يفتقر إلى أمر جديد. وقيل بخلاف ذلك.
والنهي عن ضد، أيضا هذه من دلالات الأمر، أن الأمر بالشيء نهي عن ضده. فإذا أمر بالسكوت في الصلاة فقد نهيت عن الكلام فيها، وإذا أمرت بالخشوع فقد نهيت عن انشغال الذهن، وإذا أمرت بصلة الرحم فقد نهيت عن قطيعتها، وهكذا.
كذا الإجزاء، ما معنى هذا؟ معناها أنك إذا أمرت بشيء فمقتضى ذلك أنك إذا فعلته على الوجه الذي أمرت به سقط عنك القضاء وبرأت ذمتك، فكان امتثال الأمر مجزئا. أعطيكم مثال: أمر الإنسان بخمس صلوات في كل يوم وليلة، صح ولا لا؟ اليس كذلك؟ هل فيه صلاة سادسة في اليوم؟ ما في. رجل صلى المغرب يوم السبت، صلى يوم السبت صلاة المغرب، وركب الطيارة، فأول ما ركب الطيارة اقلعت الطيارة، رؤيت الشمس، ثم غربت مرة جيدة؟ هل يجب عليه أن يصلي مغربا أخرى في ذلك اليوم ولا لا؟ لا. ليش؟ لأن الأمر هو فعلها على الوجه المأمور، ولا ما فعلها على الوجه المأمور؟ فاقتضى ذلك براءة ذمتك منها. رجل صام رمضان وأفطر في الطيارة لما غربت الشمس، ثم اقلعت الطائرة فرؤيت الشمس، صار في نهار رمضان، هل يجب عليه أن يصوم ولو أكل مثلاً نلزمه بقضاء ذلك اليوم؟ لا، لكن قد يقال مثلا بوجوب الإمساك يمكن إذا كان في البلد يعني ما كان مسافراً، ممكن، لكن أن نتكلم عن وجوب الصوم خلاص أنه صام ذلك اليوم فبرأت ذمته منه. هذا معنى كذا الإجزاء، والمسألة لها تطبيقات لها تطبيقات أخرى.
الآن نأتي، عرفنا دلالة الأمر ستة دلالات: الفور، والوجوب، والتكرار، ووجوب قضاء المؤقت إن فات، والنهي عن ضده، والإجزاء.
نريد أن نعرف ما هي الصيغ التي تدل على الأمر؟ كيف نعرف الأمر؟ يذكر الأصوليون صيغة افعل، وهناك صيغ أخرى يعرف بها الأمر، وإلا حتى لو لم نسميه لو لم نسمها صيغة أمر لكن يعرف الأمر.
ما هي الصيغة التي يعرف بها الأمر؟ قال لك: بفعل الأمر هذا واحد، اللي هي افعل، وما تصرف منها. أفعل في الثلاثي وغير الثلاثي له وزنه، لقوله سبحانه وتعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ. هذا فعل الأمر.
واسمه: اسم فعل الأمر، مثل: حي على الصلاة، مثل: عليكم أنفسكم يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم تماماً.
واسمه بفعل، ومنه أو ما وصل بلامه، المضارع الموصول بلام الأمر، مثل ما ذكرنا: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، أمر بالصيام دل عليه المضارع المقترن بلامه يعني بلام الأمر. قال: اعرف فاعرف الأمر بفعل أمر واسمه أو ما وصل بلامه.
وكذلك أعرف الأمر: أمرنا. فإذا قال الصحابي رضي الله تعالى عنه: أمرنا بكذا، عرفت أن هذه المسألة قد أمر الشرع بها، فهذا مما يعرف به الأمر. وقول الصحابي: أمرنا محمول على أمر الشرع، خلاص محمول على أمر الشرع ولو لم يقل: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر الناظم هنا أمرنا ونبه بالادنى على الأعلى. فإذا كانت أمرنا تدل على الأمر فقول الصحابي: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب أولى، صح ولا لا؟ فهنا نبه بالادنى على الأعلى. قال: فامتثل الأمر الذي ورد بأي صيغة من هذه الصيغ.
الشيخ عامر بهجت