بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فقد سبق معنا الكلام في مباحث الأدلة، وذكرنا الأدلة المتفق عليها والأدلة المختلف فيها، وذكرنا في الأدلة المتفق عليها القرآن، وبينا أن القرآن حجة قطعية لا شك فيها ولا ريب.
ونبهنا إلى أن القرآن متواتر؛ تواتر طبقة بعد طبقة عن عدد كبير يستحيل في العادة تواردهم على الخطأ أو تواطؤهم على الكذب، يستحيل عقلاً، لا يمكن إنسان عاقل أن يخالف في ذلك. لكن ثمه قراءات لم تتواتر، قرأ بها بعض الصحابة، فهل هذه حجة؟ نقول: هذه فيها خلاف بين الأصوليين، فمنهم منرى أنها حجة. ومن قال أنها حجة، هل يجعلها حجة قاطعة كالقران؟ لا، يجعلها حجة ظنية، وانتبهوا هنا حينما نقول ظنيه هو إثبات للحجية ولا نفي لها، إثبات للحجية.
بعض الناس يفهم من كلمة الظن أننا نقول ليس بحجه، فتجد أنه يغضب مثلاً أن يقال إن خبر الواحد يفيد الظن. إيش معنى خبر الواحد يفيد الظن؟ يعني أن الواحد إذا روى الحديث فمن الممكن أن يخطئ. ولا ما هو ممكن يخطئ؟ الثقة ممكن، ممكن! وقد صنف العلماء كتباً في العلل وبينوا بعض أخطاء الثقات. جيد، فقولنا إنه حجة ظنية لا يعني أنه إسقاط للاحتجاج، بل هو إثبات للاحتجاج، ولكن بيان لرتبته، أن هذا ليس حجة يكفر المخالف تماماً، ويحتمل فيها الخطأ، يرد فيها احتمال الخطأ.
ولهذا يعني جماعة من أهل العلم لم يحتجوا بالقراءة الشاذة، قالوا إن هذه ليست قرآن فلعل الصحابي ذكرها تفسيراً، وذكروا أشياء، لكن المعتمد أن قراءة الآحاد مستند وحجة في الأحكام. هذا الكلام السابق هو عن مبحث القرآن.
ناتي الآن إلى سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهي الثاني من الأدلة المتفق عليها والمجمع عليها. السنة حجة بالإجماع، لا خلاف بين أهل العلم، لا يوجد أحد ممن يعتد بقوله في العلم خالف في حجية السنة، بل لا يمكن أصلاً أن يقوم للإنسان دين من غير أن يحتج بالسنة، لا يمكن أن يؤدي أركان الإسلام دون أن يحتج بالسنة، غير ممكن. أركان الإسلام، ما تتكلم عن فروع الشريعة وتفاصيلها، أركان الإسلام لا يمكن أن تؤدى إلا بالاحتجاج بالسنة.
فأنت إذا اردت أن تقيم الصلاة، كيف تصلي؟ تجد أن صفة الصلاة إنما وردت في السنة، مواقيت الصلاة إنما وردت في السنة. أما من لا يحتج بالسنة، إما أن يكون هذا كلاماً لا يعرف لوازمه، فهو يتحدث كما يقولون، يعرف بما لا يعرف، أو لا يعرف لوازم القول، فلا يمكن أن يبقى على شريعة الإسلام. الشرائع الأساسية في الإسلام لا يمكن أن يؤديها من غير أن يعمل بالسنة.
ولهذا القول بعدم حجية السنة هذا لا قيمة له في الميزان العلمي، ليس من الاقوال التي يعني لها وزن في الميزان العلمي أبداً، بل هي من أقوال أهل الزندقة نسأل الله السلامة والعافية. لكن هنا ننبه أن القرآن متواتر حجة قطعية، طبعا لما نقول حجة قطعية نقصد هنا قطعية الثبوت ولا قطعية الدلالة؟ قطعية الثبوت، أما الدلالة ففي القرآن مراتب، الدلالة كلها بل في القرآن ما هو مجمل يبين في مواضع أخرى في السنة أو في غيره.
فنقول: السنة منها ما هو متواتر، ومنها ما لم يثبت متواتراً وإنما ثبت برواية الآحاد. ولهذا قال الناظم: ثم الحديث منه ذو تواتر ومنه آحاد فحكم الآخر قبول مسند ومرسل ورد بنقل عدل ضابط سواه رد.
الأول من الحديث هو ذو التواتر. المتواتر ما هو المتواتر؟ هو الذي رواه جمع كبير لا يمكن أن يتواردوا على الخطأ ولا أن يتواطؤوا على الكذب، ومنه تواتر لفظي ومنه تواتر معنوي. فالتواتر العام بما يشمل النوعين جميعاً، كثير ولا قليل في الشريعة؟ ها، أم شاي؟ كثير جداً.
فنحن نقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب ثلاث ركعات، متواتر. نقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب جهراً في الأوليين وسراً في الثانية، تواتر. نقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم حج حجة الوداع وانه وقف فيها بعرفة، ثم ذهب بعد ذلك إلى مزدلفة، ثم ذهب بعد ذلك إلى منى، ثم ثم... هذا متواتر لا يمكن أن ينكر. نجزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر أربع ركعات سرا وغير ذلك، الأمثلة في هذا كثيرة.
لكن الذي قيل إنه قليل هو إيش؟ التواتر اللفظي، يعني أن ينقل لنا اللفظ نفسه بحروفه طبقة بعد طبقة، في كل الطبقات يكون عدد كبير يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب. هذا طبعا لا شك أنه موجود في القرآن، كتاب الله عز وجل تواتر لفظي صح ولا لا؟ لكن وجوده في السنة يعني ليس بكثير، ليس بكثير، لكن هذا ينتبه له، عندما يقال إن المتواتر ليس بكثير، ينتبه إلى أن المراد التواتر اللفظي، أما التواتر المعنوي فالسنة مليئة بالمتواتر المعنوي، وأشياء كثيرة من شرائع الإسلام الظاهرة متواترة تواتراً معنوياً، تمام.
طيب، فهذا هو المتواتر، إذا ما هو المتواتر؟ هو الذي رواه عدد كبير عن مثلهم في كل طبقة من الطبقات، المسلمون يروون هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا تواتر يفيد العلم القطعي.
ومن أمثلته يعني نمثل بمثال في الواقع، في مدينة اسمها ايش؟ نقول مكة، أراحناها وشفناها. نبغى شي ما أحد راه في في بلد اسمها الهند يمكن بعضكم شافه بس ماشي أكثركم ما راح الهند صح ولا لا؟ في بلد اسمها الهند في ناس يعني يسكنون فيها، أي شيخ تاكد من خبر حدثك من حدثك، ها، يمكن يضحكون عليك، ممكن، ها لا، هذا أمر لا يمكن أن يتوارد الناس على الكذب والخطأ فيه واضح، هذا أمر متواتر يفيد العلم القطعي.
جيد كذلك نقول في السنة أشياء كثيرة كما قلنا لكم، صلاة الظهر عصر مغرب عشاء حج النبي عليه الصلاة والسلام صوم رمضان إلى آخره. وهذا المتواتر هل يحتاج إلى البحث عن إسناده ولا ما يحتاج؟ يعني لو قال لك واحد حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى عرفة في الحج، من أخرجه؟ هذا لا يخرج، هذا أمر متواتر، واضح؟ تقول رواه مسلم من حديث جابر، تمام، لا هذا واحد ممن روى، ولكن هذا الأمر ايش؟ متواتر لا يحتاج أن تدرس إسناده ولا أن تنظر فيه، واضح؟
طيب، واما الذي نحتاج إلى تقسيمه إلى مقبول ومردود، إذا المتواتر كله مقبول ولا فيه مقبول ومردود؟ كله مقبول. يبقى عندنا الآحاد قال: ومنه آحاد، وهو الذي نحتاج أن نقسمه، قال: فحكم الآخر... إيش هو الآخر؟ الآحاد، الأول المتواتر، والآخر الآحاد، فحكم الآخر قبول مسند ومرسل ورد بنقل عدل ضابط سواه رد.
فعندنا مقبول وعندنا مردود، وبين شرط المقبول وقال: وما سواه ايش؟ رد. يعني مردود. كما قال صلى الله عليه وسلم: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، يعني مردود.
فالمسند نعم، فالمقبول من الحديث هو ما اجتمع فيه شرطان. الشرط الأول: عدالة الراوي. والشرط الثاني: الضبط. إذا عندنا شرطان: شرط العدالة وشرط الضبط.
فمن هو العدل؟ العدل طبعا لابد يكون مسلم، ولابد يكون بالغ، ولابد يكون عاقل، ويكون العدل هو الذي يحافظ على أمر الدين والمروءة. فالدين بأن لا يرتكب كبيرة ولا يدمن على صغيرة، والمروءة بأن يأتي على ما يجمله ويزينه ويجتنب ما يدنسه ويشينه، واضح هذا العدل. واما الضابط فهو الذي يحفظ الحديث أو يؤديه كما تحمل، يعني هو تحمل الحديث على نحو فيؤديه على ذلك النحو.
جيد مشايخ، طبعا هذه مباحث شغل مشايخنا في الحديث، فما ودي أوسع فيها عشان ايش؟ يعني لا أدخل على، لا أتكلم في غير فني، ولكن هنا ينبه أيها الاخوه الكرام، يعني طبعا سيرد على طول السؤال، واضح، السؤال أراه في أعينكم: الذي درسناه في مصطلح الحديث أن الشروط خمسة وأنت تقولنا اثنين؟ درسنا أن من شرط صحة الحديث ايش؟ يرويه عدل ضابط عن مثله. هذا أنت قلته، بقي ايش؟ معتمد في ضبطه ونقله.
يرويه عدل الضبط عن مثله معتمد في نقله، ايش اتصال السند، عدم الشذوذ، وعدم العلة، هذه خمسة شروط. طيب، فأما اتصال السند، فنقول: اتصال السند ليس شرطاً لصحة الحديث لقبول الحديث عند الأصوليين، ليش؟ لانهم يحتجون بالمرسل، وأنا بتكلم ببعض المسائل الآن، وإن شاء الله ما يزعلون علي مشايخنا في الحديث.
طيب، اتصال السند، الحديث المرسل حجة عند الإمام أحمد، وعند الإمام مالك، وعند الإمام أبي حنيفة، وليس بحجه عند الشافعي رحمه الله تعالى. إذاً عندنا الفقهاء، منهم من يحتج بالمرسل، ومنهم من لا يحتج بالمرسل. وهنا تنبيهان: التنبيه الأول: أن المرسل ليس فقط المراد هنا بالمرسل ليس فقط المرسل بالمعنى الاصطلاحي الخاص، الذي هو رواية التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو مطلق الانقطاع، هو مطلق الانقطاع.
ولكن يجب أن ينبه هنا أنه حينما يقول الإمام أحمد أو الإمام مالك أو الإمام أبو حنيفة عليهم رحمة الله، يعني الإمام أبو حنيفة، خلينا نأخذ مثالاً بالإمام أبي حنيفة، الإمام أبو حنيفة في أي طبقة؟ في طبقة التابعين. جيد، طبعا الإمام أبو حنيفة لقي أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، ولهذا هو معدود في التابعين، لكن لم يرو عن أحد من الصحابه، ليست له رواية عن الصحابه تمام.
فحينما يتكلم الإمام أبو حنيفة عن المرسل، المرسل في زمانه لو حملناه على مطلق الانقطاع، كم بيسقط من الإسناد؟ واحد، اثنين. مع أن الغالب في تلك الطبقة العلم والضبط والعدالة وما إلى ذلك، صح ولا لا؟ فصار عندنا حينما يأتي واحد من شيوخ أبي حنيفة، فيقول لأبي حنيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. أول شرط عندنا: أن تكون رواية عدل ضابط. معناها هذا الشيخ لابد أن يكون عدلاً، صح ولا لا؟ ولا بد أن يكون ضابطاً، ولكنه اسقط من بعده قال له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عندنا الآن احتمالات، الاحتمال الأول: أن يكون الذي فوقه ضعيفاً، جيد. وفي تلك الطبقة المتقدمة الضعف غالب، هل يعني تجد أن بعض الأئمة يغتفر الجهالة في طبقة كبار التابعين، صح ولا لا؟ تمام، ليش؟ لأن كبار التابعين الذين لقوا كثيراً من الصحابه، وجود احتمال الضعف فيهم احتمال ضعيف، لا يجعلنا نرد روايتها، رواية المجهول الذي تساوى فيه احتمال العدالة واحتمال إيش؟ واحتمال الضعف، جيد.
فلما يجي الآن عندنا هذا الشيخ من طبقة التابعين، احتمال انه الذي اسقطه فقط الصحابي، واحتمال انه اسقط الصحابي واسقط واحد من كبار التابعين. طيب هب أنه اسقط واحد من كبار التابعين، اما أن يكون هذا الشيخ يعلم أن الذي اسقطه ساقط الرواية أو ضعيفاً، ثم يجزم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وافتراض أن الراوي عدل، والعدل لا يمكن يكون يعرف أن هذا الراوي ضعيف، ثم يجزم ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا سقط هذا الاحتمال أو بعد، فبقي أنه يغلب على ظن هذا الناقل الذي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يغلب على ظنه صحة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فصار احتمال الضعف في هذا هو مبنى المسألة على غلبة الظن، فصار احتمال الضعف والقرائن تدل على أن احتمال ضعف هذا الاسناد وكونه لا اصل له عن المصطفى صلى الله عليه وسلم احتمال ليس بقوي، صح ولا لا؟ فلذلك الجمهور، أو بلاش نقول جمهور؛ لانه طبعا تعبير بالجمهور مشكلة، الحافظ العراقي قال: ورده جماهر النقاد للجهل بالساقط والأزمان. ففي تلك الطبقة المتقدمة قالوا ايش؟ المرسل حجة لما ذكرناه. والمرسل عندهم، كما قلت لكم، أعم من المرسل باصطلاح بالاصطلاح الخاص، اللي هو المرسل ما أضافه التابع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
يبقى عندنا قضية: لما هم قالوا المرسل حجة، وقلنا المرسل عندهم المرسل عندهم هو المنقطع عموماً، هل يصح أن نحمل المرسل في دبر الزمان؟ نقول: والله أي انقطاع إلى يوم هذا جاء واحد قال لنا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، نقول: والله يقتضي كلامه قبول المرسل؟ لا يقتضي قبول هذه الصورة. لا، في تلك الطبقة حينما تكلموا عن المرسل قالوا حكمه كذا، فما بعدهم لا يمكن أن يحمل كلامهم عليه. فبعد، والأئمة الأربعة جلهم قبل استقرار مدونات الحديث، بل كلهم قبل الكتب السته، كتب الحديث السته، واضح؟ فينبغي أن يفهم هذا. فحينما يقال: المرسل حجة، يفهم: المرسل حجة لكن بهذا الذي ذكرناه. هذا التنبيه الأول.
التنبيه الثاني أيها الاخوة الكرام: أن من لا يقبل المرسل من الأئمة، قلنا هو الإمام الشافعي، هو أشهر من يقال إنه لا يحتج بالمرسل. انظروا إلى طريقة الإمام الشافعي في التعامل مع المرسل، مع أنه معدود فيمن لا يحتج به، لتفهموا قضية مهمة جداً في علم الأصول: كيف يتعامل الإمام الشافعي؟ الإمام الشافعي يقول: المرسل ليس بحجه فلا نعمل به إلا إذا عضده مرسل آخر، أو وافقه قول صحابي تمام، اعتضد بفتوى صحابي، أو كان قول أكثر اهل العلم صح ولا لا؟ اذا كان اكثر اهل العلم عملوا به.
انظر الآن حينما قال بعدم الحجية، هل قال بعدم الاعتبار؟ أبداً، بل جعله شيئاً قريبا من الحجية، نحتاج بس شيء قرينه ترفعه قليلاً ليكون حجة. فقال: لو عندنا مرسل وافقه مرسل آخر، قلنا: حجة. عندنا مرسل وقول صحابي، مع أن مع أنهم ينسبون أن الإمام الشافعي في الجديد لا يحتج بقول الصحابي؛ فقول صحابي وحده يقال إنه لا يحتج به، مرسل وحده يقال إنه لا يحتج به، مرسل وقول الصحابي حجة عنده، واضح؟ مرسل، ما رايكم في قول اكثر اهل العلم؟ هل هو حجة؟ ليس بحجه، لكن مرسل وافقه قول اكثر اهل العلم، صارت قرينة قوية رفعته إلى الحجة.
فانتبهوا لهذه القضية، ليست القضية رياضيات: إذاً مرسل ليس بحجة إذاً نتركه، قول صحابي ليس بحجة نتركه، قول أكثر ليس بحجة نتركه. مفهوم لقب ليس بحجة نتركه. يجتمع في المسألة عشرة أدلة، ربما لا تقوم الحجة بواحد منها، لكن بمجموعها يمكن تصير حجة قطعية، انتبهوا لهذا. ولهذا، وهذا الذي يغفل عنه بعض الناس، الذي يأتي ويحاكم الأئمة إلى أصول الفقه، يقول: هذا اضطراب، الإمام الشافعي لا يحتج بالمرسل، وفي المسألة الفلانية بناها على المرسل. الإمام الشافعي لا يحتج بقول الصحابي، المسألة الفلانية اخذ بقول الصحابي تمام.
ليست القضية رياضيات، القضية أنه لابد من النظر في مجموع القرائن الواردة، وقد تكون القرينة وحدها لا تفيد الحجية، لكن هي مع قرينة أخرى تفيد ذلك، جيد. فمسألة أن نتعامل حتى لو قلنا المرسل ليس بحجه، مو معناها المرسل ليس بحجه خلاص نشطب وليس له يعني قيمه في معادله المسألة الفقهية، أو في الميزان الاحتجاج الفقهي أو الأصولي، واضح هذا.
وكذلك يقال في الحديث الضعيف: الحديث الضعيف ليس حديثاً موضوعاً، عندنا حديث رواه أحد العباد الزهاد المتورعين، خلاص، لكنه سيء الحفظ، وهو أصلاً ما يكثر من الحديث، سيء الحفظ، يعني مظنة التورع عند الرواية، هل هذا ضعيف اسمه صح ولا لا؟ هذا اسمه حديث ضعيف ولا ما هو ضعيف؟ ضعيف، لان راويه سيء الحفظ، صح ولا لا؟ هل هذا مساوي لحديث رواه واحد كذاب وضاع؟ بينهما كما بين المشرق والمغرب، مع اجتماعهما في وصف الرد أنه ليس بمقبول، لكن هذا نبغى أدنى قرينة وأدنى عاضد تجعلنا نحتج به، وذاك لو يجي من جنس عشرة لا يقوي واحد منها الآخر، انتبهوا لهذا واضح.
ثم إن، ولهذا الحديث الضعيف قد تجد كثير من أهل العلم يحتج به، بل إن ابن القيم رحمه الله تعالى قال في إعلام الموقعين: لا يوجد أحد من الأئمة إلا وقد احتج بالضعيف في بعض المسائل. ليش؟ لأن القضية ليست قضية رياضيات، عندي ضعيف ولكني وجدت جماهير العلماء قد عملوا به، ما جاء هذا عمل التابعين جمهورهم يعملون بشيء، ما جاء هذا إلا وله أصل، فيصلح عاضداً. ولهذا، بعض العلماء قال إن العمل بالضعيف في كلام من عمل به هو الحسن.
الإمام ابن القيم قال مثلا قول الإمام أحمد: إن العمل بالضعيف هو الحسن، لكن ما معنى الحسن؟ الحسن هنا ما يعم الحسن لذاته والحسن لغيره، والحسن لغيره هو الضعيف، ولا ما هو الضعيف؟ هو الضعيف الذي يقول المحدثون أو كثير منهم يقولون: الضعيف إذا انجبر بطرق أخرى، يعني الحسن لغيره هو الضعيف إذا تعددت طرقه، لكن الواقع أنه الجابر الذي ينجبر به الضعيف ليس فقط تعدد الطرق، تعدد الطرق يعتضد به، لكن قد يعتضد بأشياء أخرى، قد يعتضد بايش؟ بقول صحابي، قد يعتضد بموافقة قياس، قد يعتضد بغيره، هذا تنبيه يسير هنا أشرنا إليه.
ونعيد أيضا التنبيه إلى أن كلام الاصوليين وغير الاصوليين في مسائل الحديث وفي غير مسائل الحديث، إنما هو تقرير للقواعد عند انتفاء القرائن الموجبة للخروج عن ذلك، فإذا قلنا المرسل حجة ستجد من يقول المرسل حجة وتاتي في بعض مسائل تجد فيه مراسيل ترك الاحتجاج بها ممكن، نعم ممكن وموجود، ليش؟ لأن هذه المراسيل قد قامت القرائن على أن الانقطاع فيها أنه انقطاع سقوط راوي ضعيف، ليش؟ لمخالفتها مثلا لأحاديث الثقات أو غير ذلك، جيد.
طيب، إذا عندنا المشهور في مصطلح الحديث عدالة الراوي وضبط الراوي، وهذا ذكرناه، اتصال السند بينا ما قيل فيه، يأتي عندنا السلامة من الشذوذ والسلامة من العلة، وينها ما ذكرها صاحب النظم تبعا لأصله؟ تمام، ولماذا لم يذكروها؟ الآن الأصوليون أيها الاخوه الكرام عندهم علم يريدون أن يعرفوا ما يحتج به وما لا يحتج به، صح ولا لا؟ هذا العلم فيه باب اسمه باب التعارض ايش والترجيح، صح ولا لا؟ الان ستجد أننا نقرر أن المرسل حجة في باب التعارض والترجيح سنقرر أن المرسل إذا تعارض مع المسند فليس بحجة، ما الذي يقدم؟ ما نقول ليس بحجة، نقول يقدم المسند، إن امكن الجمع بينهما جمعنا والحمد لله، لم يمكن الجمع يرجح ايش؟ المسند على المرسل.
وحينما تقول عندنا رواية ثقة ورواية أوثق الأصولي بيدخلها معك، يقول: حجة، رواية الثقة حجة، ورواية الأوثق حجة، دخلها معه، لكن بيبدأ يعمل ايش؟ تصفية، بعد ذلك قال: والله ننظر فيها نحن نعتبرها الآن مبدئيا ايش أنها مقبولة، ما نقفل الباب ونقول لا هذه رواية، نأخذ بالأوثق. الثقة طبعا هذا أيضا في النتيجة النهائية لا يتعارض بشكل يعني ظاهر مع تقريرات المحدثين، دخلناه في القبول رواية الثقة، ودخلنا رواية الأوثق، جينا ونظرنا، امكن الجمع بينها؟ أهلا وسهلا، نقول هذه مفسرة لهذه، هذه عامة وهذه خاصة، هذه مطلقة وهذه مقيدة، هذه زيادة ثقة وزيادة الثقه مقبولة إلى آخره.
ما امكن الجمع بينها، لما نوصل على آخر مرتبه، اللي هي مرتبه الترجيح، وبعدها مرتبه التوقف، مرتبة الترجيح عجزنا نجمع بينها، قلنا ايش؟ قلنا نأخذ رواية الأوثق ونقدمها، رواية واحد ورواية جماعة تعارضت، خلاص مبدئيا بندخلها كلها معنا، ما دام هذا الواحد ثقة مبدئيا بنظر فيها، فنظرنا وجمعنا بينها ووجدنا أنه ما في تعارض، الحمد لله رب العالمين.
وجدنا أن هناك تعارض ولا يمكن الجمع، رجحنا رواية الأكثر، فقط اشتراط السلامة من الشذوذ هي لم تذكر، لكنها في الحقيقة معتبرة، إذا رواية الثقة خالفت من هو أوثق ولم يمكن الجمع بين الروايتين قدمنا رواية الأوثق، جيد.
طيب، باقي معنا شيء من الشروط الخمسة ولا ما باقي؟ باقي السلامة من العلة، صح ولا لا؟ العلة كيف تعرف؟ أليس بجمع الطرق النظر في القرائن؟ قلت لك: كل مسألة من مسائل الأصول فيها محذوف تقديره إلا إذا دلت القرائن على خلاف ذلك، هذا ثقة دلت القرائن على رد روايته، نردها ولا ما نردها؟ دلت القرائن على أنه أخطأ في الرواية، نردها ولا ما نردها؟ ما نردها، فعدم ذكر هذا الشرط ليس خلافا حقيقيا ظاهرا، قد يكون في خلاف في جزئيات معينة، الله أعلم، لكن المقصود أن هذا المعنى معنى معتبر عند الجميع، والعلم عند الله تعالى.
طيب، هذا بالنسبة للمقبول رواية العدل الضابط وما سوى ذلك فانه مردود، هذا ما يتعلق ولهذا قال قبول مسند ومررسل ورد بنقل عدل ضابط سواه رد، يعني سواه مردود، وكما قلت لكم أن القبول هنا من حيث الأصل وإلا فقد نخرج عنه لقرائن، والرد أيضا من حيث الأصل وإلا فقد يوجد ما يعضده ويدل عليه، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت