السلام عليكم ورحمة الله. الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، حياكم الله وبياكم في هذا الدرس وهو السابع والثلاثون بعد المئة من شرح النظم الجلي في الفقه الحنبلي، نتم فيه الكلام عن مسائل كتاب الجهاد، ثم نشرع في تعريف البيع. وهذا الدرس هو الدرس الأخير من فقه العبادات، وفيه أيضا نشرع في فقه المعاملات وهو تعريف البيع، وتعريف البيع أيضا سنعيده في المقطع اللاحق حتى يكون مقطع المعاملة أو تكون دروس المعاملات يعني مستقلة عن دروس العبادات.
قال الناظم وفقه الله تعالى: وهدنة من الإمام العالي أي عقده بالترك للقتال، لمدة يراك ذاك العقد لذمة لأهلها لا يعدو. البيع تبادل المال أو المنفعة بمثله وليس بالمؤقت. يتكلم الناظم هنا عن الهدنة. قال: وهدنة من الإمام العالي أي عقده بالترك للقتال. عندنا الكفار أيها الأخوة الكرام على نوعين: أهل عهد وأهل حرب. فأهل الحرب هم الكفار الذين ليس بينهم وبين المسلمين عهد ولا ذمة ولا أمان، فهؤلاء آآ يسمون الكفار الحربيين. نعم.
وأما النوع الثاني فهم أهل العهد. وأهل العهد ثلاثة أنواع سبق معنا في الدرس الماضي منهم أهل الأمان. وسبق معنا أن الأمان هو إعطاء الكافر الأمان في دم أو في عرض، وأنه يصح من المسلم العاقل آآ أنه يصح من المسلم العاقل نعم آآ غير السكران المختار. المسلم العاقل المختار غير السكران. وعلم من ذلك أن الأمان إذا أعطي من فرد من أفراد المسلمين، فلا يجوز لمسلم أن يعتدي على ذلك الكافر، لا تقول والله هذا الذي أعطاه الأمان واحد يعني من الناس؟ نقول: حتى لو أعطي من واحد من الناس فلا يجوز الاعتداء حينئذ على ذلك الكافر.
وأما بالنسبة للهدنة، الهدنة معاقبة دولية أو معاهدة دولية بين بلدين، بلد مسلم وبلد كافر، فهذه لا يعقدها إلا الإمام العالي عن ولي الأمر. وهذا معنى قول الناظم: وهدنة من الإمام العالي أي عقده بالترك للقتال. لمدة يرى. يعني أن أن الهدنة لابد أن تكون بمدة، فلا يصح أن تكون الهدنة مؤبدة إلى قيام الساعة، لا، تكون محددة عشر سنوات، عشرين سنة، خمسطاشر سنة، سنة، سنتين، وهكذا حسب ما يرى الإمام المصلحة في ذلك. قال: لمدة يرى.
كذلك العقد لذمة لأهلها لا يعدو. يعني أن العقد للذمة كذلك لا يصح إلا من الإمام أو نائبه. ولكن قول الناظم وفقه الله: كذاك العقد لذمة بعد قوله لمدة يرى كذاك العقد لذمة، قد يفهم منه أن عقد الذمة أيضا يكون محددا بمدة، وليس الأمر كذلك. فإن عقد الذمة لا يكون محددا، بل يكون مؤبدا. يعني عقد الذمة أنه إذا دفعوا الجزية حرم قتالهم ووجب الكف عنهم. لكن عقد الذمة يختص بأنه لأهلها لا يعدو، يعني لا يكون لكل الكفار، وإنما يكون فقط لأهلها لأهل الذمة وهم أهل الكتاب والمجوس، يعني اليهود والنصارى والمجوس فقط.
ومن خلال ما سبق، نعرف الفرق بين الأمان والهدنة والذمة فيما يأتي: أولا، الأمان يكون من مسلم عاقل مختار غير سكران، بخلاف الهدنة والذمة فإنها لا تكون إلا من الإمام العالي يعني السلطان. الفرق الثاني، أن الأمان يكون عشر سنين فاقل، وأما الهدنة فتكون مدة غير مؤبدة، وأما الذمة فإنها تكون فإنها تكون مؤبدة، وهذا الفرق لم يذكره الناظم وفقه الله بهذا المبحث. كذلك من الفروق، أن الأمان يكون مع جميع الديانات، وكذلك الهدنة تكون مع الكفار من جميع الديانات، بخلاف الذمة فإنها تكون لليهود والنصارى والمجوس.
وهذا الذي ذكره الناظم في الذمة بقوله: لأهلها لا يعدو. ثم انتقل الناظم إلى تعريف البيع فقال: تبادل المال أو المنفعة بمثله وليس بالمؤقت. البيع هو مبادلة مال أو منفعة بمثل أحدهما على التأبيد غير ربا وقرض. وهذا التعريف يراد به أن البيع إذا بادلت شيئا بشيء على وجه المعاوضة، وهذا الشيء لابد أن يكون مالا، يعني شيء له منفعة مباحة. فمثلا لو أعطيت عشرة ريال مقابل مثلا كتاب، عندنا هنا مبادلة مال بمال، المال الأول وهو العشر ريالات والمال الثاني هو إيش؟ هو الكتاب.
فإن كان ذلك على وجه التأبيد فهو البيع، وإن كان ذلك على وجه تقييد تأخذ الكتاب يومين بعشرة ريال فهذه أجرة، ولهذا قيدها فقال: على التأبيد مبادلة مال أو منفعة. وقد يكون المبادلة بمنفعة، ومن أمثلة المعاصرة اليوم اللي هو مسألة بيع الاسم التجاري، أن تدفع مثلا مئة ألف ريال مقابل شراء اسم تجاري، فهذه منفعة وليست عينا يمكن أن تحوزها، ولابد أن يكون ذلك على التأبيد. بمثل أحدهما يعني مال بمال أو منفعة بمنفعة أو مال بمنفعة وهكذا.
لكنه استثنى من ذلك الربا والقرض. فإن الربا لا يكون بيعا شرعيا، كما لو باع درهما بدرهمين، فنقول هذا ليس بيعا شرعيا. وكذلك كالقرض، فلو أعطاه مئة ألف ريال قرضا على أن يردها مئة ألف، نقول هنا عندنا دافع ومردود، يعني عندنا واحد يدفع مئة ألف والثاني يرد مئة ألف، فهل هذا بيع؟ نقول: لا، هذا قرض وليس بيعا. هذا ما يتعلق بهذه المسائل، وإن شاء الله الدرس القادم نبدأ في المعاملات بشكل أوسع ونعيد هذا التعريف. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت