السلام عليكم ورحمة الله، الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، حياكم الله وبياكم في هذا الدرس، وهو الدرس السادس والتسعون بعد المئة في شرح النظم الجلي في الفقه الحنبلي. نتكلم فيه بإذن الله عز وجل عن العتق وأحكام الرقيق والعبيد، وكذلك بالنسبة للعبد المكاتب.
طبعا قد يقول قائل: وايش الفائدة من تعلم يعني أحكام العبيد والرقيق وفي مسائل لم تعد موجودة في هذا الزمان؟ الحقيقة الناظم هنا وفقه الله تعالى هو ذكر أصلا فقط تعريفات بالمصطلحات حتى إذا قرأت في الكتب تفهم المصطلحات، لم يفسر ولم يعني يسترسل كثيرا بذكر مسائل آآ الرق والعبيد، وكل ما ذكره ستة أبيات. ستة أبيات نأخذها على درسين يفهم منها الإنسان بإذن الله عز وجل المصطلحات. إذا قرأت بعدين في كتب الفقهاء كلمة المدبر، كلمة أم الولد، كلمة العتق، كلمة الرق، تفهم هذه المصطلحات.
قال الناظم وفقه الله تعالى: تحرير إنسان من الرق رسم عتقا وسمع تحرير إنسان من الرق رسم عتقا وسنة عتق ذي كسب سالم وصح تنجيزا تعليقا وإن كان بموت فبتدبير زكن أما الكتابة فبيع سيدي عبدا لنفسه بمال جيد
العتق أيها الاخوة الكرام، الكلام فيه أولا عن تعريفه. ما هو العتق؟ العتق هو تحرير الإنسان من الرق. الإنسان يكون رقيق عبد مملوك، ويحرره الإنسان من هذا الرق، هذا هو العتق. يعتقه، يحرره من الرق.
طبعا آآ قبل أن آآ نسترسل، العتق كيف يكون الإنسان مملوكا ورقيقا؟ يعني ما هو الطريق الشرعي الذي يمكن أن يكون به خصم مملوكا وكيف يصير؟ الحقيقة أن الرق ملك يقع على الإنسان آآ في صورة الجهاد الشرعي، إذا حصل وغنم أسر المسلمون آآ أسر المسلمون بعضا من الكفار، فإن الإمام يخير في هؤلاء الأسرى آآ عدة خيارات، من ضمنها الاسترقاق، والرق لا يكون إلا بسبب الكفر في الأصل.
وقد ذكر عدد من أهل العلم، تكلموا عن مسائل الرق، يعني العبودية والملك حينما يقع على الإنسان، وما الحكمة منه، وما أسبابه، بمباحث لا يتسع الكلام لذكرها الآن، لكن أحيلكم على كتاب الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى، وهو أضواء البيان، فقد تكلم في بعض آآ تفسيره عن هذه القضية.
طيب، إذا العتق هو تحرير الإنسان من الرق. هل الشريعة جاءت استرقاق الناس ولا جاءت بعتق؟ يعني هذه مسألة مهمة، بعض الناس يقول: يا أخي كيف الشريعة جاءت استرقاق؟ أبدا، شريعة الإسلام ما جاءت بالاسترقاق بل جاءت بعتق العبيد والترغيب في عتق العبيد وفتح الأبواب في عتق العبيد الموجودين. لأن لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام، من بعث النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام، كان الرق والبودية بكثرة، تمام؟ وكانت لها أسباب كثيرة، احنا قلنا سببه، يعني ذكرنا سببه، لكن قبل الإسلام كانت أسباب وطرق كثيرة استرقاق الناس، فأغلقت الشريعة كثيرا من منافذ الاسترقاق، وفتحت منافذ العتق على مصراعيها وتحرير العبيد، واضح؟
فمثلا كثير من الكفارات يكون الواجب في الكفارة تحرير رقبة. كذلك رغب النبي صلى الله عليه وسلم في عتق العبيد، وذكر فضلا من أعتق عبدا أعتق الله عز وجل بكل عضو منه عضوا منه من النار. يعني الحث على عتق العبيد هذا أمر جاءت به الشريعة.
قد يقول قائل: لماذا آآ لم تأتي الشريعة إلغاء الرق إلغاء كاملا في أول يوم من أيام الإسلام؟ نقول هذا أصلا لا يحقق المصلحة أصلا. الشريعة الإسلامية توجب على السيد أن ينفق على عبده، ياكل ويشرب، يعني العبد هذا ياكل ويشرب على نفقة سيده. واجب على السيد أن ينفق عليه، وأن يأكل، يوكله ويشربه ويسكنه ويلبسه، إلى آخره. تخيل لو فجأة كل هؤلاء العبيد صاروا أحرارا، من أين سيأكلون؟ من أين سيشربون؟ ومن أين سيجون وظائف؟
هم عندها السيد يجب عليهم وجوب شرعي أن ينفق عليهم، ومن قرأ في باب في الفقه اسمه باب نفقة المماليك، يتكلم فيه الفقهاء عن كيفية، يعني عن وجوب النفقة على هذا العبد الرقيق، وأنه آآ يعني لا يجوز للسيد أن يكلفهما مشقا كثيرا فوق طاقته. وعلى كل حال، فالإنسان إذا تأمل في التشريعات التي جاء بها الإسلام، علم أن الإسلام جاء تحرير العبيد وجاء برعاية حقوقهم، ولكن بعض الناس لا يستوعب هذا.
على كل حال، تعريف الرق قلنا هو تحرير الإنسان من الرق، تحرير إنسان من الرق رسم عتقا. ما حكم هذا العتق؟ قال: حكمه أنه مستحب، يستحب عتق كل ذي كسب، وسنة عتق ذي كسب سالم. إذا عتق العبد الذي له كسب سليم، عنده قدرة على التكسب، هذا مستحب. يجي واحد يقول: طيب ليش؟ فقط الذي عنده قدرة على التكسب.
طيب غير القادر على التكسب، لماذا لا يعتق؟ لماذا لا يعتق؟ لأن بقاءه في الرق يوجب وجوبا شرعيا على سيده أن ينفق عليه، فإذا أعتقه زال هذا الوجوب الشرعي، ما عاد واجب على السيد، إذا اعتقوه خلاص حر يروح. فلا يجب على السيد أن يعتقه، ولهذا عتقه في هذه الحالة يعني إضرار به، أنه يروح، من أين يتكسب؟ من أين يأكل؟ من أين يشرب؟ واضح.
طيب، أسباب العتق كثيرة ومتعددة، أولها اللفظ. واللفظ قد يكون منجزا وقد يكون معلقا، قال: وصح تنجيزا وتعليقا. إذا العتق، وهو عتق السيد لعبده باللفظ، بأن يقول: أعتقت، أو أنت حر، هذا قد يكون معلقا وقد يكون منجزا. المنجز يقول: أعتقتك، خلاص يعتق على طول. والمعلق تعليقه على شرط مستقبلي، فيقول مثلا: إذا آآ فعلت كذا وكذا فأنت حر، إذا تعلمت الصنعة الفلانية فأنت عتيق، إذا آآ ذهبت للمسجد فأنت حر، وهكذا، فيصح تعليق العتق آآ على شرط المستقبل.
الثاني من أسباب العتق هو التدبير. التدبير معناها تعليق، شوف، تعليق العتق على الموت. قل: إذا مت أنا فأنت حر، يعني السيد يقول لعبده: إذا مت فأنت حر. هذا يسمى التدبير، اللي هو تعليق العتق على ايش؟ على الموت. ولهذا قال الناظم: وإن كان بموت فبتدبير زكن. ومن أحكام هذا التدبير أنه يعتبر كالوصية، يعتبر مثل الوصية، لا يعتق إلا إذا كان من الثلث؛ لأن هذا الرقيق هو جزء من مال السيد. فإذا قال: إذا مت فانت، ثم مات هذا السيد، وقدرنا التركة بثلاثمائة ألف، وكانت قيمة، قدرنا تقييم التركة كلها من موجوداتها كلها، فوجدنا أن مائة ألف هي قيمة هذا العبد، إذا هذا من الثلث فيعتق. إذا وجدنا أن العبد أكثر من الثلث، لا يعتق منه ما زاد على الثلث إلا بإجازة الورثة. نعم، قال آآ فبتدبير زكن.
الثالث من أسباب العتق هو الكتابة. الكتابة معناها أن يبيع السيد العبد على نفسه على أقساط معلومة، يجي العبد يقول: يا سيد أعتقني، يقول: أنا أعتقك بمقابل أقساط تدفعها وتحرر نفسك، واضح؟ هذي هو اللي يسمى العبد المكاتب. أما الكتابة فبيع سيدي عبدا لنفسه بمال جيد. وسيأتي في الدرس القادم أنه يكون على أقساط معلومة بإذن الله عز وجل. بقية أسباب إن شاء الله وهي الاستيلاد نأخذها في الدرس القادم، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت