والسلام عليكم ورحمة الله. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
حياكم الله وبياكم في هذا الدرس السادس والخمسون بعد المئة في شرح النظم الجلي في الفقه الحنبلي، نتكلم فيه بإذن الله عز وجل عن شروط الضمان. سبق معنا في الدرس الماضي ما هو الضمان؟ عرفناه، والآن يذكر الناظم شروطه. قال: وشرطه كون تضمين جائزة، تبرعاً، كون رضاه ناجزاً، وصيغة، وجائز للدائن طلابه المضمون أو من ضامن، ويبرأ الضامن إذ ما برئ المضمون عنه، دون عكس إن حصل.
الكلام عندنا الآن، الكلام عندنا في الضمان. أولاً: شروط الضمان؛ ذكر الناظم الشرط الأول: أن يكون الضمين جائز التصرف. إذاً، عندنا شرط يتعلق بالضمين وهو الضامن، ولابد أن يكون الضامن جائز التصرف؛ لأن الضامن يتحمل الدين عن غيره وهذا لا يقع إلا من جائز التصرف، بل من جائز التبرع، ليس فقط جائز التصرف، بل لابد أن يكون أكثر من ذلك وهو جائز التبرع. وما الفرق بين جائز التصرف وجائز التبرع؟ سبق معنا الإشارة إلى ذلك. الإنسان إذا كان ولياً على مال يتيم، عينه القاضي ولياً في مال يتيم؛ ولي مال اليتيم له أن يتصرف في مال اليتيم بالبيع والشراء لتنمية هذا المال. إذاً، ولي اليتيم هو جائز التصرف في مال اليتيم أو لا؟ نقول: هو جائز التصرف في مال اليتيم، لكنه ليس جائز التبرع، فليس له أن يتبرع من أموال اليتامى.
يمكن أن نمثل أيضاً بالمضارب الذي وكل في المتاجرة، فإنه جائز التصرف في مال المضاربة لكنه ليس جائز التبرع، واضح؟ إذاً، لابد أن يكون الضامن جائز التبرع. وهذا معنى قول الناظم: كون الضمين جائز تبرعاً. الشرط الثاني: أن يكون راضياً؛ يشترط في الضامن الرضا، لا يصح أن يضمن الشخص دين غيره دون أن يرضى، فإذا أكره وهدد قالوا: تكون ضامناً وإلا قتلناك. فقال: خلاص أكون ضامناً عشان لا يقتلوه. نقول: لا يكون ضامناً بذلك لعدم الرضا. ولابد أن تتوفر الصيغة، وصيغة الضمان تكون بما يدل عليه كقوله: أنا ضامن، أو أنا ضمين، أو أنا زعيم بدين فلان، ونحو ذلك مما يدل عليه.
إذاً، أن يكون الضامن جائز التبرع، وأن يكون راضياً. قال: كون رضاه ناجزاً، يعني أن يكون راضياً حال العقد، واضح؟ هناك أيضاً أثر الضمان؛ ما هو أثر الضمان؟ أثر الضمان أن الدائن له مطالبة المضمون وله مطالبة الضامن. قال: وجائز للدائن طلابه المضمون أو من ضامن. قبل أن أشرع في هذه القضية، أريد أن أرجع إلى قضية كون الضامن راضياً، لم يذكر الناظم هنا اشتراط كون المضمون عنه راضياً، لماذا لم يذكروه؟ لأنه لا يشترط.
إذاً، المضمون عنه لا يشترط أن يكون راضياً، لو أن شخصاً اشترى سيارة فجئت إلى البائع وقلت له: أنا أضمن فلاناً. وفلان هذا ما يدري ولم يرضَ، هل هذا يضر؟ لا يضر، ليش ما يضر؟ لأن هذا فلان المضمون لا يتضرر شيئاً بكونك تضمنه، إذن لا يشترط أن يرضى المضمون. بالنسبة لأثر الضمان؛ أثر الضمان أنه يجوز للدائن أن يطالب المضمون ويجوز له أن يطالب الضامن، والضامن هو الضمين كله بمعنى واحد.
يعني إيش؟ يعني لو أن زيداً ضمن عمراً؛ عمرو هذا راح لمعرض السيارات واشترى سيارة بالأقساط، قال زيد: أنا ضامن له. بائع السيارة بعد ذلك له أن يتوجه إلى المحكمة ويرفع دعوى قضائية يطالب فيها عمراً الذي هو المشتري، يطالب فيها عمراً بالثمن، وله أن يترك عمراً ويرفع دعوى قضائية على زيد الذي هو الضامن؛ لأن مقتضى الضمان وأثر الضمان أن الدين حينئذ يصير على الذمتين، فله أن يطالب عمراً المشتري وله أن يطالب زيداً.
فإذا طالب عمراً المشتري وسدد، فالحمد لله ليس على زيد الضامن شيء، لكنه إن طالب زيداً الضامن وسدد، القاضي يلزمه بالسداد فسدد وهو الضامن الدين؛ من حق زيد أن يرفع دعوى قضائية على عمرو يطالبه بالسداد له يقول: أنا سددت عنه الدين الآن، خليه يعطيني المبلغ الذي سددته عنه، واضح؟ أيضاً وهذا معنى قول الناظم: وجائز للدائن طلابه المضمون أو من ضامنه. طلابه يعني مطالبته، طلابه يعني مطالبته المضمون ومطالبته الضامن.
طيب، بماذا يبرأ كل واحد منهما؟ بماذا تحصل البراءة من الدين الذي وقع فيه الضمان؟ نقول: تحصل البراءة من الدين الذي وقع فيه الضمان بالنسبة للضامن، يبرأ الضامن ببراءة المضمون، كما في مثالنا السابق؛ لو أن عمراً وهو المشتري سدد الدين، خلاص برئ زيد ما عاد فيه دين. كذلك لو أن البائع أتَى إلى عمراً المشتري وقال له: يا عمرو سامحتك في الدين وأبرأتك من هذا الدين وأسقطته عنك، إذا أسقطه عنه إذاً سقط أيضاً عن زيد؛ لأن زيد ضامن لهذا الدين وقد سقط الدين.
وأما العكس، فلا يبرأ عمرو ببراءة زيد؛ إذا جاء صاحب السيارة البائع إلى زيد الضامن وقال له: يا زيد، يا زيد، أيها الضامن، أنا تنازلت عن ضمانك وأبرأتك أنت من الدين، إذا أبرأ زيداً من الدين، هل يبرأ عمرو المشتري؟ نقول: لا يبرأ عمرو المشتري، بل يبقى في ذمته. إذاً، يبرأ الضامن وهو زيد في مثالنا ببراءة المضمون وهو عمرو، لكن لا يبرأ عمرو ببراءة زيد، لا يبرأ المضمون المشتري ببراءة الضامن. هذا معنى قول الناظم: ويبرأ الضامن إذ ما برئ مضمون عنه دون عكس إن حصل. ويبرأ الضامن وهو في مثالنا زيد، ويبرأ الضامن إذ ما برئ المضمون عنه وهو عمرو المشتري، دون عكس يعني دون ما لو برئ الضامن وهو زيد الضامن فلا يبرأ المشتري من الدين. قال: دون عكس إن حصل.
هذا ما يتعلق بدرسنا اليوم، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت