الحمد لله، في هذا الدرس نتناول من لا تصح إمامته، وهذا هو الدرس الخامس والخمسون. قال الناظم وفقه الله: لا يصلح الفاسق مطلقاً ولا أنثى وخنثى للرجال أُكْمِلْ وأخرس ومحدث ذو نجسِ كذاك أميُّ قراءةٍ يسيءُ وعاجزٌ عن بعض قولٍ أو عملْ من بالصلاة أيضاً يعتزلْ
ذكر الناظم في هذه الأبيات بعض من لا تصح إمامتهم. فبدأ أولاً بمسألة الفاسق وقال: لا يصلح الفاسق مطلقاً. معنى قوله وفقه الله مطلقاً يعني لا تصح إمامة الفاسق بفاسق ولا بعدل، فلا تصح إمامة الفاسق مطلقاً سواء كانت إمامة بعدل أو بفاسق، واضح؟
طيب، من هو الفاسق؟ الفاسق هو الإنسان الذي يرتكب الكبائر أو يداوم ويصر على الصغائر، هذا هو الفاسق. وسواء في ذلك كان فسقه باعتقاد أو كان فسقه بعمل؛ الفسق بالعمل مثل أعوذ بالله الزاني واللوطي وشارب الخمر، وكذلك الفاسق بالاعتقاد كمن يحمل عقيدة الخوارج عياذاً بالله. فهؤلاء لا تصح إمامتهم.
الثاني ممن لا تصح إمامته الأنثى، فلا تصح إمامة الأنثى ولا الخنثى بالرجال. الأنثى معروفة هي المرأة. وأما بالنسبة لمسألة الخنثى فالخنثى هو الذي ولد وله عضو الذكورة وعضو الأنوثة، فيسمى عند العلماء خنثى لأنه يجمع بين عضو الذكورة وعضو الأنوثة، فهذا لا تصح أيضاً إمامته بالرجال، وهذه مسألة نادرة الحصول.
قال الناظم: ولا أنثى وخنثى للرجال أكمل. يعني لا يصح أن تكون الأنثى ولا أن يكون الخنثى أكمل من الرجال في تقدمه عليهم بالإمامة.
كذلك ممن لا تصح إمامتهم الأخرس. قال: وأخرس. فلا تصح إمامة الأخرس لا بنفسه لا بمثله ولا بغيره، يعني لا يصح أن يؤم الأخرس الخرس، ولا أن يؤم الأخرس الناطقين، في الحالتين كليهما لا يصح؛ لأنه عاجز عن الاتيان ببعض أركان الصلاة وواجباتها، فإن من واجبات الصلاة وأركانها كما يكون بالنطق والتلفظ، والأخرس عاجز عن ذلك.
كذلك لا تصح إمامة المحدث، قال: ومحدث. والمحدث سواء كان حدثاً أصغر أو أكبر، فلا تصح إمامته إلا إذا جهل الإمام والمأمومون هذا الحال، يعني صلى بالناس محدثاً أو جنباً وهو لا يعلم ذلك يعني ناسي، فلما انتهت الصلاة تذكر أنه كان على جنابة، فحينئذ تصح صلاة المأمومين، وأما الإمام فيلزمه أن يعيد الصلاة.
كذلك نفس القضية في النجس المتنجس؛ إذا صلى بهم وعلى بدنه نجاسة أو على ثوبه نجاسة، فإن الإمامة لا تصح إلا إذا كان ناسياً فانه يعيد الصلاة وحده ولا يلزم المأمومين أن يعيدوا الصلاة كذلك، وهذا معنى قوله: ذو نجس. ومحدث ذو نجس يعني ومحدث وذو نجس هل هو المتنجس؟
كذاك أميُّ قراءةٍ يسيءُ. كذاك أمي قراءة يسيء يعني لا تصح إمامة الأمي. من هو الأمي؟ هو الذي يسيء القراءة، هذا معنى قوله قراءة يسيء، يعني يسيء، فالأمي هو الذي يسيء القراءة، والمراد بذلك قراءة الفاتحة.
فالأمي عند الفقهاء في هذا الباب هو الرجل أو هو المصلي الذي لا يحسن الفاتحة. طيب إمامة الأمي ما حكمها؟ نقول: لا تصح إمامة الأمي إلا بمثله، ونوضح هذه المسألة بذكر الأقسام فنقول: لا يخلو المصلي من ثلاثة أحوال.
الحال الأولى: أن يكون ممن يحسن قراءة الفاتحة، فهذا تصح صلاته لنفسه وتصح إمامته.
الحال الثانية: أن يكون هذا الشخص لا يحسن قراءة الفاتحة وعجز عن تصحيح قراءته، مثاله إنسان لا يستطيع أن ينطق بحرف الحاء فيقلب الحاء إلى هاء فيقول الحمد لله رب العالمين بالهاء لا بالحاء، واضح الفرق؟ طيب، فهذا هل تصح صلاته؟ نقول: إذا كان عاجزاً عن تصحيح تلاوته تصح صلاته لنفسه، ولكن لا تصح إمامته.
الحالة الثالثة: أن يكون الإنسان قادراً على تصحيح تلاوته ولكنه لا يصححها، فيقرأ الهمد مع أنه يستطيع أن يأتي بالحاء لكنه يتكاسل فيأتي بالهاء بدلاً من الحاء، فهذا لا تصح صلاته لنفسه أصلاً ولا تصح إمامته، والسبب في ذلك لأن الفاتحة ركن، وهذا تارك لركن من أركان الصلاة عمداً فتبطل صلاته.
كذلك ممن لا تصح إمامته العاجز عن ركن أو واجب إلا بمثله أو إلا لمثله. فمن كان عاجزاً عن بعض أركان الصلاة كمن كان عاجزاً عن الركوع أو كان عاجزاً عن الجلوس أو كان عاجزاً عن السجود، فلا تصح إمامته إلا لمثله، يعني لو كان عندنا شخصان كلاهما لا يستطيعان السجود، صح أن يقتدي أحدهما بالآخر وأن يصلي جماعة مع بعضهما، لكن لا يصح أن يصلي العاجز عن السجود بالقادر، القادر على السجود ما يصح ذلك، واضح؟
نقول: العاجز عن ركن أو واجب من واجبات الصلاة تصح إمامته لمثله ولا تصح إمامته للقادر، واستثنى الفقهاء رحمهم الله تعالى من هذا مسألة واحدة، وهي مسألة إذا كان عاجزاً عن القيام، فهل يصح أن يصلي بالناس القادرين على القيام؟ يقولون: يصح ذلك فقط لإمام الحي الراتب، يعني الإمام الرسمي للمسجد الإمام الأساسي للمسجد، فهذا إذا عجز عن القيام عجزاً مؤقتاً صار عليه حادث سيارة مثلاً وصار في مدة أسبوع وما يستطيع أن يقوم، نقول: تصح إمامته بهم ولو كان عاجزاً عن القيام فترة محددة.
طيب، إذا صلى بهم، هل إذا صلى بهم جالساً هل يصلون خلفه قياماً ولا جلوساً؟ نقول: إذا صلى بهم جالساً فبدأ الصلاة من أولها جالساً، فإنهم يصلون خلفه جلوساً على سبيل الأفضلية، ولو صلوا قياماً صح ذلك، وأما إذا بدأ الصلاة قائماً ثم جلس، فإنهم يتمون الصلاة خلفه قياماً وجوباً، وهذا هو الجمع بين الأحاديث في هذه المسألة على ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله.
كذلك ممن لا تصح إمامتهم، طبعا العاجز عن ركن أو واجب إلا لمثله هو معنى قول الناظم: وعاجز عن بعض قول أو عمل من واجب الصلاة أيضاً يعتزل. يعتزل يعني يترك الائتمام به، يعتزل فلا يؤتم به. وقوله من واجب الصلاة يشمل الواجب والركن، فإن الركن يدخل في الواجب ولكنه أكثر تأكداً، فهو واجب مؤكد لا يسقط في حالة السهو ولا في حالة العمد ولا يجبر بسجود السهو، وإلا فهو داخل في جملة الواجبات.
هذا ما يتعلق بدرسنا في هذا اليوم، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يتعلمون العلم لوجهه جل وعلا. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت