السلام عليكم ورحمة الله. الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، حياكم الله وبياكم في هذا الدرس الثاني والستين بعد المائة في شرح النظم الجلي في الفقه الحنبلي، نتكلم فيه عن الحجر على المفلس.
سبق معنا -أيها الاخوة أيتها الاخوات- أن الإنسان يمنع من التصرف تارة يمنع لحظ نفسه، وتارة يمنع لحظ غيره. وقلنا إن المحجور عليه الذي يمنع من التصرف في ماله لحظ غيره هو المفلس. من هو المفلس؟ وما أحكامه؟ وما شروط الحجر عليه؟ هذا ما سوف نعرفه -بإذن الله عز وجل- في هذا الدرس.
قال الناظم وفقه الله: ومن ضاق ماله عن الدين وحل، وطالب الغريم بالحجر فحل. يحجره الحاكم ثم يقسم بحصة الديون وهو ملزم. لا الإقرار والتصرف في المال، دون ذمة، فتنصف الحجر على المفلس.
ما شروط الحجر على المفلس؟ طبعا أول شيء، المفلس هو من؟ هو الشخص الذي يضيق ماله عن الديون. يعني ايش؟ يعني واحد عنده مليون ريال في يده، لكن عليه ديون خمسة ملايين؛ يعني عنده مليون، وعليه ديون حالة يطالب بها خمسة ملايين. المال الذي عنده لا يوفي بسداد دينه.
إذن، ما شروط الحجر على المفلس؟ الشرط الأول: زيادة الديون على المال. أما لو كانت الديون لا تزيد على المال، كما لو كان الشخص عليه دين مليون، وعنده مليون زائدة عن آآ قوت يومي آآ، فإنه لا يعتبر مفلسا، بل يلزم بسداد الدين كاملا، ولا يحجر عليه في المال، يقال سدد. وهذا يعتبر موسرا.
لأن عندنا الناس عندنا أما موسر أو معسر أو مفلس. ايش معنى أما موسر أو معسر أو مفلس؟ خذوا هذا التقسيم، ما راح يطلعوا أمامكم في الشاشة، لكن اسمعوه. الإنسان الذي عنده مال يفي بكل ديونه هذا موسر، عليه دين مليون وعنده مليون أو عنده مليونين، إذن هذا موسر، يجب عليه أن يسدد الديون. وإذا تأخر في السداد، فانه يعاقب، مماطل يعتبر. قال صلى الله عليه وسلم: مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ. يحل عرضه وعقوبته.
طيب، الثاني من هو؟ قال لك: الثاني المعسر الذي ليس عنده شيء أصلا. الرجل عليه دين عشرين ألف ريال، تعال سدد، ما عندي شيء، ما عندي إلا الثوب الذي ألبسه، وقوت يومي الذي آكله، ما عندي، لا أستطيع، ليس عندي شيء أسدده، هذا يسمى معسرا. وما حكمه؟ يجب إنظاره. قال الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ.
النوع الثالث هو المفلس الذي ندرسه الآن. هذا المفلس عنده مال، لكنه لا يكفي لجميع الديون، عنده مليون وديونه خمسة ملايين، إذن هذا هو الشرط الأول للحجر على المفلس: زيادة الديون على المال.
الشرط الثاني: أن تكون الديون حالة. قالوا أنت عليك خمسة ملايين دين، ما كانش صحيح، ولكن هذه الخمسة ملايين لم يحل أجلها، موعد سدادها بعد عشر سنوات، أنا يمديني أدبرها. إذن لا يعتبر مفلسا إذا كانت الديون مؤجلة، إنما يعتبر مفلسا إذا كانت هذه الديون التي تزيد على المال هي ديون حالة.
وهذا معنى قول الناظم: من ضاق ماله عن الدين. هذا هو الشرط الأول: زيادة ديون على المال. من ضاق ماله عن الدين، أو زادت ديونه على ماله، المعنى واحد؛ يعني ضاق ماله عن ديونه، نقص ماله عن ديونه، أو زادت ديونه على ماله، كل شيء واحد.
الشرط الثاني: أن تكون حالا. قال: وحل. هذا معناه أن تكون حالة.
الشرط الثالث: مطالبة الغريم. قال: وطالب الغريم بالحجر فحل. يعني يشترط للحجر على المفلس أن يطالب صاحب الدين بذلك. ليش؟ لأنه صاحب الدين هو صاحب الحق. إذا لم يطالب بالحجر عليه، قال: خلاص خليه، ما عندي مشكلة أنا، لا يحجر عليه، لأن هذا حق شخصي. وطالب الغريم بالحجر فحل؛ يعني فجاز الحجر عليه. وقول الناظم فحل يعني فحل الحجر عليه. والفقهاء -رحمهم الله تعالى- يقولون: وجب الحجر عليه بسؤال غرمائه.
الناظم هنا ليس مراده بالحل هنا أنه ينفي الوجوب، بل إن الحجر على المفلس بطلب الغرماء واجب. ليش نحجر عليه؟ لأن عليه خمسة ملايين دين، والناس يطالبون، عليه خمسة ملايين وليس عنده إلا مليون. لماذا يحجر عليه؟ الغرماء يقولون: يا أيها القاضي، الآن باقي مليون، لو تركته يتصرف فيها ستضيع، حتى المليون ما عاد يبقى لنا من الدين شيء، فكوننا نأخذ جزء من الدين أفضل من أن يضيع حقنا، أن يضيع حقنا كله، كله، أن يضيع حقنا كله.
الشرط الرابع للحجر على المفلس: أن يكون بحكم حاكم. يعني أن المفلس لا يحجر عليه، لا ينحجر عليه بمجرد إفلاسه، ليس المجنون آآ، وليس مثل الصبي محجور عليه من غير حكم حاكم، لا، لا بد من حكم حاكم بالحجر عليه. وهذا معنى قول الناظم: يحجره حاكم.
طيب، ما هي الأحكام التي تتعلق بهذا المفلس إذا تمت هذه الشروط وحجر الحاكم عليه؟ الأحكام المتعلقة، أولا: أن ماله يقسم على الغرماء بالحصص. يعني ايش؟ لما قلنا هذا الشخص عنده مليون وعليه خمسة ملايين.
تعال يا زيد، أنت تطلب يعني آآ هذا المفلس بكم؟ قال: أنا أطالبه بخمسين ألف ريال. كم نعطي زيد؟ كم نعطي؟ ننظر في الدين وفي المال، فنجد أن المال الموجود هو خمس الدين. كم حصة المال الموجود؟ خمسة ملايين، وهو عنده مليون، إذن خمس، خمس الدين.
فنعطي كل واحد من الغرماء خمس دينه، فيجي زيد كم تبغى؟ قال: أبغى خمسين ألف ريال، وهذه هي بينة، وهذه شهادة على أني أطالب بخمسين ألف. نقول: خذ عشرة آلاف، لأن خمس، هذا بكم تطلبه؟ قال: أنا أطلبه بمليون، نقول: خذ آآ خمس المليون، وهي مئتان ألف ريال، وهكذا.
هذا معنى قوله آآ: ثم يقسم بحصة الديون. يعني يقسم المال على الغرماء بالحصص بنسبة المال إلى الدين، ثم يقسمه بحصة الديون وهو ملزم.
من الأحكام الأخرى التي تتعلق بالحجر على المفلس: عدم نفاذ إقراره والتصرف في المال. المفلس لا ينفذ تصرفه في ماله بعد أن يجري عليه حجر، عليه الحاكم في المليون، جاء يبغى يشتري بهذه المليون أو يبيع، نقول: لا يصح تصرفه في المال، خلاص محجور عليه، ممنوع من التصرف، تصرفه غير صحيح.
أيضا، إذا كان تصرفه غير صحيح، ليش تصرفه غير صحيح؟ حفاظا على حق الغرماء، الغرماء يبغوا المليون الآن، فلو سمحنا له يهب أو يتبرع أو يتصدق أو يشتري بالمليون، ضاعت عليهم، ضاعت عليهم المليون. فماذا نصنع؟ نقول: ممنوع تتصرف.
جاء هذا المفلس قال: والله أنا عندي حركة ذكية، أنا لن أتصرف في المليون؛ لأنه قالوا ممنوع من التصرف، لكني سأذهب إلى آآ زوجتي وأقر لها بدين قدره خمسة ملايين. ها، يقر قدره خمسة ملايين. ليش؟ قال لك: عشان تدخل زوجتي مع هؤلاء الغرماء، ويصير بدال ما كل واحد منهم يأخذ الخمس، كل واحد يأخذ العشر، ونص المال يأخذ تأخذه زوجتي، وبعدين أنا وهي نتفاهم مع بعض.
نقول أيضا: لا ينفذ الإقرار، إقراره على أمواله ذريعة للتصرف فيه، فلا يصح حتى إقراره. ولهذا قال: لا ينفذ الإقرار والتصرف في المال دون ذمة، فتنصفه. يعني أن المفلس إذا تصرف في ذمته صح تصرفه في ذمته، ولكن لا يصح تصرفه في عين ماله.
ولهذا إقراره بالمال لا ينفذ، ولا نقول لا يصح، لماذا قال الناظم: لا ينفذ الإقرار والتصرف ولم يقل لا يصح؟ لأن الإقرار بالمال يثبت بعد فك الحجر عنه. يعني هو يعني هو أقر لشخص بدين، نقول: لا يقبل إقراره، لابد من بينة، أما إقرارك فلا يقبل. لكن بعد بعد ما انفك الحجر وجاء هذا الرجل، ذاك يقول: ترى أنت أقررت على نفسك لي بدين خمسة ملايين، أنا أطالبك بالخمسة ملايين بعد فك الحجر، نقول: يطالبه بها، ويكون الإقرار الصريح صحيحا، لكنه غير نافذ في آآ الحال، وإنما يثبت في ذمته.
وهذا معنى قوله إنه لا يثبت، تصرفه لا ينفذ إقراره وتصرفه في المال، لكن يثبت في دون ذمة، فتنصفه. يعني هذا هو الإنصاف، وهذا هو العدل، أن تصحح تصرفه في الذمة دون تصرفه في المال.
هذا ما يتعلق اليوم، وأعتذر إليكم عن الإطالة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت