السلام عليكم ورحمة الله، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فهذا هو الدرس التاسع والشمسون من شرح النظم الجليل في الفقه الحنبلي.
في هذا الدرس نستكمل ما يتعلق بالأعذار المسقطة للجمعة وللجماعة، ثم نبدأ بعد ذلك فيما يتعلق بقصر الصلاة في السفر. قال الناظم وفقه الله تعالى في تكملة الأعذار المسقطة للجمعة وللجماعة: مدافعا ممرضا ومن مرض، وخائفا من أي ضر قد عرض. ثم تكلم عن القصر والجمع صلاة الخوف فقال: وسنة قصر للرباعيات، لغيرهن بشروط تأتي. بسفر المرحلتين وهو حل، وفارق العامر ثم قد حصل.
نستكمل أعذار ترك الجمعة والجماعة، وقد سبقت معنا في الدرس الماضي عدة أعذار؛ منها الخائف من ضياع ماله، والريح الباردة في الليلة المظلمة، والمطر، ومن بحضرة طعام يشتهيه، وشرحنا هذا في الدرس الماضي. وفي هذا الدرس أضاف الناظم وفقه الله عذرا آخر، وهو من مدافع لأحد الأخبثين. قال مدافعا، والمراد بالمدافع هنا من يدافع البول أو غائط الإنسان.
أحيانا إذا حضرت الحاجة يريد أن يقضي حاجته ينشغل ذهنه، فحينئذ إذا كان محتاجا لقضاء حاجته وحضرت الصلاة؛ فإما أن يذهب إلى الصلاة من غير حضور قلبه، وإما أن يتخلف عن الجماعة ويقضي حاجته، نقول حينئذ يسقط عنه وجوب الجماعة. واضح؟ يعني مثلا أحيانا يكون فيه مثلا دورة المياه بعيدة أو الإنسان قد يطول قضاؤه للحاجة، فنقول يسقط عنه حينئذ وجوب الجماعة.
كذلك من الأعذار قال ممرضا، والمراد بالممرض هو الشخص الذي يكون مع شخص مريض يحتاج هذا المريض إليه، فتسقط الجماعة عن هذا الشخص الملازم للمريض للعذر الذي ذكرناه. كذلك من الأعذار قال ومن مرض، والمريض نفسه إذا عند المريض تسقط عنه الجماعة، وكذلك الشخص الذي يحضر المريض ويمرضه فإنه تسقط عنه الجماعة أيضا.
ومن الأعذار التي تسقط بها الجماعة الخوف من أي ضرر. قال من يخاف ضررا، قال الناظم: وخائفا من أي ضر قد عرض. وهذا عذر عام وقاعدة عامة في أن الإنسان إذا كان له آآ إذا كان للجماعة يؤدي إلى ضرر عليه، فإن الجماعة تسقط عنه، سواء كان الضرر عليه في ماله، أو في نفسه، أو في قريبه، أو رفيقه، أو حرمته، أو ماله.
إذا، هذه هي الأعذار المسقطة للجمعة وللجماعة، وهي تدل على رحمة الشريعة، وهو مقصد من مقاصد الشريعة، وهو التيسير على المكلفين.
ننتقل الآن إلى الكلام عن القصر والجمع. قال الناظم: سنة قصر للرباعيات لا غيرهن بشروط تأتي. جملة هذه الشروط التي ذكرها الناظم وفقه الله ما يأتي:
أولا، الشرط الأول: استحباب القصر. طبعا تلاحظون أن الناظم قال: وسنة قصر. إذا، أول مسألة قبل أن نذكر شروط القصر نقول: ما حكم القصر؟ نقول: القصر بشروطه سنة وليس مباحا، يعني لا نقول هو مباح متساوي الطرفين، لا، القصر افضل من الاتمام بشروطه التي ستأتي.
وسنة قصر للرباعيات لا غيرهن بشروط تأتي. أول شرط هو أن تكون الصلاة رباعية، وهذا عرفناه من قول الناظم: وسنة قصر للرباعيات. وبهذا الشرط نعرف أن الجمع عفوا أن القصر لا يكون في صلاة المغرب ولا في صلاة الفجر؛ فصلاة الفجر ثنائية وصلاة المغرب ثلاثية، وإنما يكون القصر في صلاة الظهر والعصر والعشاء. إذا، هذا معنى قوله: وسنة قصر للرباعيات لا غيرهن، غيرهن مثل الثنائية والثلاثية.
طيب، هل هذا القصر له شروط؟ قال: نعم، من شروط تأتي. ما هي هذه؟ الشرط الثاني قال: في سفر المرحلتين. إذا، الشرط الثاني من شروط القصر هو طول السفر، أن يكون السفر طويلا. وما هو حد السفر الطويل؟ حده مرحلتان، وهاتان المرحلتان أربعة برد، وهاتان البرد الأربعة اختلف العلماء أو المعاصرون في تحديدها بالكيلومتر؛ فبعضهم قال إنها نحو من ثمنين كيلومترا، وبعضهم زاد على ذلك حتى أوصلها بعضهم إلى مئة وثلاثين كيلومترا.
الشرط الثالث للقصر ذكره الناظم في قوله: وهو حل، يعني أن يكون السفر حلالا مباحا، كون السفر مباحا. فلو كان السفر لا يحل للانسان أن يسافره، فهذا سفر معصية لا يجوز فيه الترخص. إذا، لابد أن يكون السفر مباحا، والسفر المباح هو الذي يكون المقصد منه مباحا، وأما سفر المعصية فهو الذي يكون الغرض الأساس منه هو المعصية.
وبناء على ذلك تعرف أن السفر إذا كان في أصله سفر طاعة أو سفرا مباحا وحصل فيه معصية، لا يتحول إلى سفر معصية؛ يعني الإنسان الذي يسافر للحج ولكنه في الطريق طول الطريق إلى الحج وهو يتكلم في الناس ويغتاب، هل هذا سفر معصية؟ نقول: هذا ليس سفر معصية، هذا سفر طاعة وإن تخللت فيه معصية.
الرابع من الشروط قال: وفارق العامر. يعني مفارقة عامر البلد، والمقصود بعامر البلد عمران البلد. فلا يجوز للإنسان أن يقصر الصلاة وهو في بلده، حتى لو عزم على السفر ووضع الأغراض في السيارة وركب السيارة وانطلق، لا يجوز أن يترخص حتى يفارق عمران البلد؛ فإذا خرج من البلد جاز له القصر بشروطه، وأما داخل البلد فانه لا يقصر. والمقصود بداخل البلد يعني داخل البلد الذي هو بلد الإقامة، وأما بلد السفر فهذا لا إشكال فيه.
الخامس من شروط القصر: قصر إمامه. قال الناظم: ثم قد حصل قصر إمامه، وهذا في البيت الذي محله الدرس القادم، لكن لأنه يرتبط بنفس الموضوع فقدمناه. قال: ثم قد حصل قصر إمامه إذا كان ابتدى، آآ قصر إمامه إذا كان اقتدى. فاذا صلى الإنسان مأموما فلا يجوز له أن يقصر إلا إذا كان إمامه يقصر. فلو صليت وأنت مسافر خلف إنسان فيه من يتم الصلاة، وجب عليك أن تتم الصلاة لأن الإمام لابد أن يقتدى به: إنما جعل الإمام ليؤتم به.
السادس من الشروط: نية القصر عند ابتدائها، وهذا ذكره الناظم في قوله: ونية القصر تكون في ابتداء. نية القصر عند ابتدائها معناها أنه لا يجوز لك أن تقصر ما لم تكن قد نويت القصر من بداية الصلاة. فإذا دخلت الصلاة وأنت تنوي الاتمام، تنوي صلاة العشاء مثلا أربع ركعات تمام؟ ولما صليت ركعتين قلت: خلاص، ما دام أني مسافر أكتفي بركعتين، نقول له: لا يجوز لك أن تقتصر على ركعتين، ويجب عليك أن تتم الصلاة لانعدام النية، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: وإنما لكل امرئ ما نوى. وهذا ذكره الناظم في البيت الرابع الذي محله الدرس القادم، قال: قصر إمامه ثم قد حصل وإمامه إذا كان اقتدى ونية القصر تكون في ابتداء.
هذا ما يتعلق بشروط القصر. هناك شرط يمكن أن يضاف، وهو أن الإنسان لا يقصر الصلاة إذا عزم على الإقامة في بلد من البلدان مدة تزيد على أربعة أيام. فإذا ذهبت سافرت مثلا من بلدك إلى بلد آخر، وذهبت إلى ذلك البلد وأنت تعزم على الإقامة في ذلك البلد مدة تزيد على أربعة أيام، فلا يجوز لك أن تترخص منذ وصولك إلى واضح؟
وأما إذا عزمت على الإقامة في ذلك البلد مدة أقل من أربعة أيام، أو لم يكن عندك مدة محددة، وإنما ذهبت لقضاء غرض معين ربما ينقضي في يوم، ربما ينقضي في ثلاثة، ربما ينقضي في عشرة أيام، أما تدري أنت تريد قضاء هذه الحاجة، فاذا انقضت فإنك سوف ترجع إلى بلدك، فأيضا في هذه الحالة يجوز لك القصر. إذا، لا يجوز لك أن تقصر إذا أزمت على الإقامة مدة تزيد على أربعة أيام، وإذا كنت عازما على الإقامة مدة تزيد على أربعة أيام، فإنك بمجرد ما تدخل هذا البلد الذي أنت على الإقامة فيه مدة تزيد على أربعة أيام لا يجوز لك أن تقصر منذ أن تدخله، ما نقول تقصر في اليوم الأول والثاني والثالث والرابع، لا، من الأول ما تقصر.
هذا ما يتعلق بدرسنا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين، والحمد لله رب العالمين.
الشيخ عامر بهجت