السلام عليكم ورحمة الله. الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فما زلنا في شرح النظم الجلي في الفقه الحنبلي، وهذا هو الدرس العشرون من هذه الدروس، ونسأل الله عز وجل الإعانة والتوفيق. وفي هذا الدرس بإذن الله عز وجل سنكمل ما يتعلق بنواقض الوضوء.
سبق معنا في الدرس الماضي الناقض الأول من نواقض الوضوء، وهو الخارج الكثير النجس من البدن؛ فكل شيء خرج من البدن إذا كان كثيرا، إذا خرج منه قدر كثير، فإن الوضوء ينتقض بذلك. وقد عرفنا أن الكثير في ذلك هو ما يفحش في نفس الإنسان، كل إنسان بحسبه. والآن نكمل بقية نواقض الوضوء. قال الناظم وفقه الله -طبعا هو البيت الذي سبق معنا في الدرس الماضي، قال فيه الناظم: وينتقض وضوء من ثمان... كثير خارج من الأبدان-.
ثم الآن قال: ومن وكل شيء ظهر من السبيلين، ولو ما ندر، ومس فرج، وزوال العقل، لمس بشهوة، تولي الغسل لميت، وأكل لحم الإبل، وكل ما يوجب غسلا فعقلي.
الناقض الأول، كما سبق معنا في الدرس الماضي، الخارج الكثير من البدن. الثاني من النواقض هو: الخارج من السبيلين. قال الناظم: وكل شيء ظهر من السبيلين ولو ما ندر. فكل شيء يخرج من السبيلين، من سبيل البول أو من سبيل الغائط، فانه ناقض للوضوء، ولا فرق في ذلك بينما لو كان هذا الخارج نجسا مثل البول والغائط، أو كان حتى لو كان شيئا طاهرا مثل المني، أو شيئا طاهرا مثل الحصا، لو إنسان ابتلع حصاة فخرجت هذه الحصاة من غير تغير، من غير يعني تنجس، خرجت كما هي من دبره مثلا، فإن الوضوء ينتقض، ولهذا قال الناظم: ولو ما ندر، يعني ولو كان الخارج من السبيلين شيئا نادرا كالحصى مثلا إذا ابتلعها الإنسان.
الثالث من نواقض الوضوء: مس الفرج، فمن مس فرجه وجب عليه الوضوء، سواء في ذلك الذكر للرجل، وكذلك حلقة الدبر، وكذلك أيضا قبل المرأة؛ فإذا مست المرأة قبلها، أو مس الرجل ذكره، أو مس الإنسان حلقة الدبر -المقصود بحلقة الدبر هنا هي فتحة الشرج تحديدا، وليس الأليتين أو ظاهر الدبر-. إذا، هذا هو الناقض الثالث، ولا بد أن يكون المس مباشرة، أما لو مسه بحائل من وراء الثياب هذا لا يسمى مسا ولا ينتقض به الوضوء.
الرابع من النواقض هو: زوال العقل. كالجنون والإغماء والسكر، وكذلك يدخل فيه النوم؛ فالجنون والإغماء والسكر هذه ناقضة للوضوء، وكذلك النوم ناقض للوضوء، لكن الفقهاء نصوا -أعني الحنابلة- أنه يستثنى من النوم النوم اليسير، إذا كان من قاعد أو قائم، إنسان جالس أو إنسان واقف ثم نام نومة يسيرة جدا، فهذا لا ينتقض وضوءه؛ وما سوى ذلك من النوم فانه ينقض الوضوء، النوم من المضطجع أو النوم الكثير من القاعد والقائم، فهذا ينقض الوضوء.
الخامس من نواقض الوضوء ما هو؟ الخامس من نواقض الوضوء هو: لمس المرأة بشهوة. فإذا لمس الرجل المرأة بشهوة انتقض وضوءه، وكذلك عكسه، يعني إذا لمست المرأة الرجل بشهوة انتقض وضوءها؛ فينتقض وضوء الرجل إذا مس المرأة، والمراه إذا مست الرجل، لكن بشرط أن يكون هذا اللمس بشهوة.
وأما الناقض السادس من نواقض الوضوء فهو: تولي غسل الميت. غسل الميت إذا غسل الإنسان الميت، يعني باشر تغسيل الميت وتولى تغسيله بنفسه، فانه ينتقض وضوءه بذلك؛ وقال الناظم: تولي الغسل لميت، تولي الغسل لميت، لأن من أعان المغسل في غسل الميت لا ينتقض وضوءه، الذي يناوله الماء أو نحو ذلك لا ينتقض، إنما ينتقض وضوء المغسل الذي يباشر تغسيله وتقليبه.
السابع من نواقض الوضوء: أكل لحم الإبل. كيف أكل لحم الإبل؟ إذا أكل الإنسان لحم الإبل ينتقض، وهذا أمر تعبدي جاء الشرع به فيعمل به ولا تعرف علته، يعني ليس أمرا معقول المعنى، والمسألة محل خلاف بين أهل العلم، لكن مذهب الحنابلة أن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء. والناظم قال: أكل لحم الإبل، ويعرف بهذا أنه لو أكل شيئا من الإبل غير اللحم لا ينتقض وضوءه، كما لو أكل شحمها فإن الوضوء لا ينتقض، كذلك لو أكل كبد الإبل فإن الوضوء لا ينتقض، والإبل هو الحيوان المعروف.
الثامن من نواقض الوضوء هو: كل ما أوجب غسلا، فانه يوجب الوضوء. قال الناظم: وكل ما يوجب غسلا فعقلي. كل شيء أوجب الغسل فانه يوجب الوضوء؛ الجماع يوجب الغسل، إذا الجماع يوجب الوضوء، وبناء على هذا لو حصل مثلا من شخص حصل منه جماع ثم ذهب واغتسل بنية رفع الحدث الأكبر فقط ولم ينوي رفع الحدث الأصغر، فإنه لابد له أن يتوضأ، لأن الحدث الأكبر أو موجب الغسل يوجب الغسل ويوجب أيضا الوضوء.
هذا ما يتعلق بنواقض الوضوء، ويبقى معنا إن شاء الله في الدرس القادم بعض الأحكام التي تتعلق بالمحدث، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت