السلام عليكم ورحمة الله. الحمد لله. هذا هو الدرس التاسع وستون بعد المئة في شرح النظم الجلي في الفقه الحنبلي نتكلم فيه بإذن الله عز وجل عن تتمة الشركات، وهو القسم الأخير من أقسام الشركات، شركة المفاوضة، ثم عن المساقاة. قال الناظم وفقه الله تعالى: وشركة التفويض أن يفوض كل إلى الآخر ما فيه الرضا من التصرفات في المال سوى ما كان نادراً كإرث إن حوى، دفع لأشجار إلى من يعمل فيها بجزء شاع مما تحمل.
أولاً آي ها الأخوة الكرام، نتكلم عن القسم الأخير من أقسام الشركة، وهو شركة المفاوضة. شركة المفاوضة عندنا، ما الذي يجوز أن يدخل في شركة المفاوضة وما الذي لا يجوز أن يدخل فيها؟ شوفوا يا جماعة الخير، شركة المفاوضة هي شركة تجمع جميع أنواع الشركة السابقة. تلاحظون في الشركات السابقة أن المضاربة فيها عمل من طرف وفيها مال من آخر، وأن العنان فيها مال من الطرفين وعمل من الطرفين، إذاً عندنا مال وعندنا عمل، والوجوه فيها بذل للذمة أنه يشتري بثمن مؤجل ويشتركان فيما يتحملان في ذممهما يعني في الضمان. إذاً عندنا شراكة في العمل وفي المال وفي الضمان، وأيضاً عندنا في الأبدان عمل.
طيب، إذا جمع هذه كلها مع بعضها قال: أنت شريكي فتضمن عني ما نشتريه بالأجل، واضمن عنك ما تشتريه بالأجل، وانت شريكي في العمل، فإذا عملت أجرة بالراتب الشهري مثلاً الذي تستلمه يكون منه خمسين بالمئة لي وخمسين بالمئة لك. وكذلك في المال تضع مالاً جزءاً من المال وأضع جزءاً من المال، وهكذا، هذه تعتبر شركة مفاوضة. لاحظتم؟ شركة مفاوضة، ما فائدة شركة المفاوضة؟ من المعلوم في الناحية الاقتصادية أن الإنسان إذا نوع مجالات الربح ومجالات التجارة ومجالات العمل فإن هذا يقلل احتمالية الخسارة، لا تضع، يقولون لا تضع البيض كله في سلة واحدة.
فآتي أنا وانت مثلاً، أنت موظف في شركة اسمها مثلاً شركة ملابس، وأنا موظف في شركة سيارات، وأنا أتفق: اسمع يا أخي، الذي تأخذه من الراتب نصفه يكون لي ونصفه يكون لك، هذا رقم واحد. رقم اثنين، يا أخي أنت عندك تجارات في العقار ما شاء الله عليك شاطر في العقار، أنا ما أعرف في العقار كثيراً ولكني أنا ممتاز في السيارات، اسمع، نتفق أن الربح الذي ينتج من تجارة العقار نصفه يكون لي ونصفه يكون لك، وكذلك الربح الذي ينتج من تجارة السيارات نصفه لي. هو يقول لك: صار أنت الآن كأنك تتاجر في السيارات وفي العقار، وأنا أيضاً أتاجر في السيارات وفي العقار.
إضافة إلى ذلك، أقول إضافة إلى ذلك، أنت ما شاء الله دائماً تطلع وتحتطب، تأخذ حطب من البر وتبيع هذا الحطب، اسمع، هذا الحطب الذي تحصله نصفه يكون لي ونصفه يكون لك، وأنا أيضاً دائماً في نهاية الأسبوع أذهب وأصطاد السمك من البحر، هذا السمك نصفه يكون لي ونصفه يكون لك، هذه الآن شركة مفاوضة، نوعنا جميع مجالات الربح والدخل وجعلناها كلها تقسم بيني وبينك خمسين بالمئة وخمسين بالمئة. واضح؟
طيب، ما الذي يجوز أن ندخله في الشركة المفاوضة؟ قال لك جميع التصرفات والأرباح المعتادة، شيء معلوم معروف، أنا والله مجال العمل الفلاني والتجارة وكذا، لكن هناك شيء آخر لا يجوز أن يدخل في شركة المفاوضة، وهو الكسب والغرامة النادران. الكسب والغرامة النادران، يعني الكسب النادر والغرامة النادرة. كيف الكسب النادر؟ لنفترض نحن أنا وانت الآن قلنا شركاء، طيب، لو فرضنا أن أحد الشريكين مات أبوه فورث منه مبلغاً وقدره مليون ريال، هل هذه المليون ريال نقول والله أدخلها في الشركة نصفها تكون لي ونصفها لك؟ فإذا مات أحد من قرابتك وورثته تقسم الميراث بيننا، وإذا مات أحد من قرابتي وورثته أقسم الميراث بينك؟ قال لك: لا، هذا كسب نادر، لا يصح أن يدخل في شركة المفاوضة. الميراث أمر نادر، ليس أمراً معتاداً يمكن أن يدخل في دراسات الجدوى في احتمالات الربح ونحو ذلك، إنما هو أمر يحصل عرضاً، هذا لا يجوز أن يدخل.
كذلك الخسارة النادرة، مثل ما لو حصل منه قتل خطأ وتحمل دية، أو قتل مثلاً عمد وحمل فيه الدية ولم يطلب فيه القصاص، فهل نقول والله تتحمل معايا الخسارة، تدفع نصف الدين وأدفع نصف الدين؟ نقول لا، هذه الغرامة النادرة هذه لا يجوز أن تدخل في شركة مفاوضة، كذلك مثلاً ضمان المتلفات، أتلفت شيئاً وهكذا. إذاً، هذا معنى قول الناظم: وشركة التفويض أن يفوض كل إلى الآخر ما فيه الرضا، كل شيء ها، مما فيه الرضا، جميع التصرفات، شوف، كل إلى الآخر ما فيه الرضا من التصرفات في المال سوى ما كان نادراً. هذا اللي قلنا ما كان نادراً، إذاً يجوز أن يدخل فيها كل التصرفات هذه ما عدا ما كان نادراً. قال: كإرث إن حوى. يعني إذا حوى أحدهما إرثاً لا يجوز أن يدخل هذا في الشركة وفي التشارك.
ننتقل الآن إلى قضية المساقاة. قال المصنف: المساقاة، ما هي المساقاة؟ المساقاة هي رجل عنده مزرعة، عنده نخل، يفترض الرجل عنده أشجار، عنده نخل أو غيره من الأشجار، ولكن ما عنده وقت للاعتناء بها وسقيها والاهتمام بها وبذل ما يصلحها. ماذا قال؟ جاء إلى شخص مزارع، قال له: يا أيها الرجل، يا سعيد صاحب الخبرة زراعياً، أنت مهندس زراعي ما شاء الله، اريد منك أن تهتم بالنخل وتعتني به حتى يثمر. مقابل ماذا؟ قال: إذا استخرجنا الثمرة، إذا قطفنا الثمرة، فإنها تكون بيني وبينك، نصفها لي ونصفها لك، أو ثلثها لي مثلاً والثلثين لك، على حسب ما يتفقان، لكن يكون ذلك بنسبة، إما الثلث أو الربع أو النصف أو الثمن، وهكذا.
فجاء هذا وبدأ يسقي النخل واعتنى بالنخل حتى أثمر هذا النخل، انتهى العمل وجاءت الثمار. ماذا سنصنع؟ نقول: نصف الثمرة ستذهب لصاحب النخل، ونصف الثمرة ستذهب للمزارع الذي اعتنى بهذا النخل. وليس بلازم أن يكون نصف نصف، ممكن يكون الثلث والثلثين، وهكذا حسب ما يتفقان. قال الناظم: دفع لأشجار إلى من يعمل، ها، اللي هو هذا صاحبنا، إلى من يعمل فيها بجزء شاع مما تحمل. إذا شف ها، دفعها مقابل ايش؟ عنايته بها مقابل هذا الجزء من التمر، جزء. قوله: شاع جزء، يعني أن المساقاة تكون بجزء شائع، بحصة شائعة، يعني النصف أو الربع أو الثمن، ولا يصح أن يقول والله مقابل مئة كيلو من التمر، إذا كانت بتذكيرة هذه تصير عقد إجارة، لكن المساقاة تكون بحصة شائعة مما تحمله، يعني مما تحمله من الثمرة.
هذا ما يتعلق بدرسنا اليوم، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
الشيخ عامر بهجت