الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه المصير. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.
نحمد الله ونثني عليه ونشكره وهو أهل للحمد والثناء، ونسأله سبحانه أن يصلي ويسلم على عبده ورسوله محمد. أما بعد، فهذا هو المجلس الثاني من مجالس شرح المنهاج من ميراث النبوة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبلغنا تمام هذه الدروس على خير، وأن يرزقنا فيها البركة والنفع والثمرة بإذن الله تعالى.
هذا المجلس الثاني مع الباب الثاني من الكتاب، وهو باب تعظيم حدود الله والتحذير من مخالفة أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. الباب الأول كان باب مرجعية الوحي، باب في مرجعية الوحي وشموليته ومركزية التسليم لله ورسوله. الباب الثاني باب تعظيم حدود الله والتحذير من مخالفة أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وهناك ترابط بين البابين، ووجه الترابط أنه كان الحديث عن مرجعية الوحي في الدرس السابق، وتحدثت عن أنه من صور تعظيم مرجعية الوحي أو مما هو مطلوب منا تجاه مرجعية الوحي، وهو التعظيم. ذكرت خمسة أمور مطلوبة تجاه مرجعية الوحي: التعظيم، والتسليم، والتحكيم، والتقديم، والاستغناء، والاستبشار. خمسة أمور تجاه مرجعية الوحي، واحدة منها التعظيم.
الآن الباب الثاني بالمنهاج هو باب متعلق بتعظيم مرجعية الوحي، ولكنه بصورة خاصة ومعينة وهو تعظيم حدود الله. وبطبيعة الحال حدود الله من أين تعلم؟ من مرجعية الوحي، والتحذير من مخالفة أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا متعلق بمرجعية الوحي. إذا هذا الباب هو متصل بمرجعية الوحي من جهة تعظيمها وتعظيم ما فيها. وهذا التعظيم له ثلاثة مجالات أساسية: المجال الأول هو تعظيم الله سبحانه وتعالى؛ يعني أنت حين تعظم الوحي فأنت تعظمه لماذا؟ لأنه من عند الله سبحانه وتعالى، فتعظيم الوحي فرع عن تعظيم رب العالمين وعن تعظيم من أنزل هذا الوحي، هذا المجال الأول في قضية التعظيم.
المجال الثاني هو التعظيم المجمل لكتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءت به الشريعة، التعظيم المجمل أي أن يعظم الإنسان كتاب الله، أن يعظم الإنسان سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يعظم الإنسان عامة ما جاء في الشريعة، هذا الآن المجال الثاني من مجالات التعظيم.
المجال الثالث من مجالات التعظيم هو التعظيم التفصيلي لما عظمته الشريعة، بمعنى أن الشريعة لم تجعل لكل ما جاء فيها نفس الدرجة ونفس المستوى من التعظيم، وإنما كانت الأمور في الشريعة متفاوتة الرتب والدرجات من حيث التعظيم، فالمطلوب من المؤمن أن يعطي كل ما أعطته الشريعة من درجة معينة في التعظيم أن يعطيها هذه الدرجة. ولذلك من أعظم صور الفقه في الدين أن يكون تعظيم الإنسان للأمر الشرعي بقدر ما عظمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. إذا كان الأمر بعكس ذلك، أن يعظم الإنسان ما لم يعظمه الله ورسوله مما لم يأت في الشريعة فهذه مصيبة، أو أن يجعل لما جاء في الأمر الشرعي غير تعظيم خاص، أو أن يهمل ما جاء فيه التعظيم الخاص. لذلك الحديث اليوم هو عن تعظيم حدود الله وتعظيم أوامر الله ورسوله، وبالأخص تعظيم ما جاء فيه التعظيم بشكل خاص.
إذًا فيما يتعلق بهذا العنوان الذي هو تعظيم مرجعية الوحي أو تعظيم حدود الله والتحذير من مخالفة أمر الله وأمر رسوله، نحن نتحدث عن ثلاثة صور من صور التعظيم، أو عن ثلاثة مجالات من التعظيم: المجال الأول هو التعظيم لله سبحانه وتعالى وأنه هو الأساس لكل تعظيم آخر متعلق بالشريعة. الأمر الثاني هو التعظيم المجمل للشريعة، التعظيم المجمل لكتاب الله وتعظيم المجمل لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. الأمر الثالث هو التعظيم المفصل الخاص لما عظمه الله ورسوله مما جاء بتعظيمه في كتاب الله، وسيظهر معنا إن شاء الله مع الحديث أن هناك معظمات بعينها؛ سواء معظمات متعلقة بالأماكن، معظمات مكانية، أو أمور معظمة زمانية، أو حتى في أعمال معينة معظمة، وهذه ينبغي أن يكون تعظيم المؤمن تبعاً لما عظم في الشريعة.
طيب، هذا الباب فيه ثلاث آيات وثلاثة أحاديث، أقل من الباب السابق؛ كان الباب السابق ثمان آيات وخمسة أحاديث، هذا الباب مختصر. ثلاث آيات وثلاثة أحاديث، وهذه الأحاديث المذكورة في الكتاب في هذا الباب ليست كلها مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما الحديث الأول مرفوع، والثاني موقوف على أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، والثالث موقوف على عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهذه فيها لطيفة لكنها غير مقصودة، أنه فيها من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، هذا الاجتماع ليس مقصوداً طبعاً.
بالنسبة الآن للأمر المجمل، الآن ندخل فيما يتعلق بالآيات والأحاديث. لكن قبل ذلك، نسيت أمراً؛ هناك من يتعامل مع النصوص الشرعية ومع مرجعية الوحي تعامل الامتثال دون التعظيم، وبطبيعة الحال هناك من لا يمتثل ولا يعظم. فصار عندنا ثلاثة أصناف: الصنف الأول وهو الأعلى والأعظم هو من يمتثل للشريعة ويعظمها تعظيما قلبيا خاصا. الصنف الثاني هو من يمتثل للشريعة ولا يكون في قلبه من التعظيم الخاص لها الأمر الكافي، وإنما همه وطبيعة تعامله مع الشريعة هي: ما الواجب علي؟ ما المفروض؟ ما واجب الوقت الآن؟ فريضة معينة، صلاة، زكاة، كذا، إلى آخره، يؤديها من باب أداء ما عليه من الأمانة وإبراء الذمة. والصنف الثالث هو من لا يمتثل ولا يعظم. وهذا الباب الدعوة فيه إلى أن يكون الإنسان من الصنف الأول، وأن يتعامل مع الشريعة تعظيم من يمتثل أمرها ويعظم هذا الأمر قبل الامتثال.
وقد يقول قائل هنا: وهل يمكن أن يمتثل الإنسان الشريعة دون أن يكون معظما لها؟ فإذا امتثل فإن هذا فرع عن تعظيم، الجواب: لا يمكن أن يكون ممتثلاً وبلا شك يكون عنده أصل التعظيم، ولكن ليس عنده التعظيم الكافي من الشريعة تعظيما قلبيا خاصا. امتثاله للأوامر الشرعية يختلف عن امتثال من يمتثلها وليس في قلبه ذاك التعظيم. ولذلك مثلاً في قول الله سبحانه وتعالى وهو من الآيات الواردة في هذا الباب: "ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ".
يعني مثلاً هنا من شعائر الله سيأتينا إن شاء الله من أولى ما يدخل فيها قضية الأضاحي والهدي وما إلى ذلك، فتجد أن الصحابة كانوا يسمنون الأضاحي، يعني الآن ليس مطلوباً في الأضحية أن تُسمن، أليس كذلك؟ المطلوب أن يُضحى بها، يضحي الإنسان بهذه الأضحية، كان الصحابة يسمنون الأضاحي ثم يضحون بها، وهذا من باب تعظيم شعائر الله. فهمتم الفكرة؟ وهو ليس واجباً، لكن كلما لاحظ الإنسان معنى التعظيم تجاه الأمر الشرعي ثم انطلق في الامتثال، فإن امتثاله يكون فرعاً عن التعظيم، فأداؤه للأمر يختلف عن أداء من يمتثل الأمر وهو غير مستصحب معنى التعظيم.
ومن أعظم النعم التي يمكن أن يرزقها الإنسان المؤمن في حياته أن يُرزق تعظيم الشريعة، وتعظيم ما يعظمه الله، وتعظيم حدود الله. إذا رزق هذا التعظيم فإن الامتثال أسهل شيء عليه، فيمتثل لأمر الله وهو منشرح النفس طيبها، مقبل على العبادة، قد وجد لهذه العبادة في قلبه من العظمة والجلال، وقبل ذلك لله سبحانه، ما يدفعه لأن يحسن في أداء تلك العبادة، غير من يكون همه: صليت الظهر ولا ما صليت؟ أديت الفرض ما أديت؟ أكملت ما أكملت؟ هل الوضوء تم بهذه الطريقة ولا باقي شيء ما غسلت؟ إلى آخره. الذي ينحصر تفكيره في أنه أسقط الفرض أو لم يسقطه، وبلا شك كما قلنا هذا فيه جزء من التعظيم، هذا شيء، ومن يعظم شعائر الله وحدوده وحرماته وينطلق في أداء العبادة باستصحاب هذا التعظيم، هناك فرق كبير بين الصورتين. يعني هذا فيه دعوة لتحقيق الصورة العظمى التي هي الجمع بين التعظيم والامتثال.
الآن ندخل في قضية الآيات والأحاديث الواردة في هذا الباب. الآية الأولى قول الله سبحانه وتعالى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا"، وهذه الآية واردة مرتين في كتاب الله في سورة الأنفال وفي سورة الحج.
شوفوا، واحدة من أهم المعاني التي تكشف عن صورة التعظيم أن تنظر في الصورة المقابلة المضادة المعاكسة التي تكشف لك عن معنى الاستهانة فتفهم قضية التعظيم، والقرآن فيه إبراز للصورتين. يعني سؤال الآن: ما الصورة المقابلة لصورة الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم؟ وقد وردت في القرآن، أليس في آية معينة تكشف عن حالة مضادة لحالة الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم؟ ها، يا سلام: "وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا"، وفي آية أخرى: "وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا".
جيد، وفي أيضاً: "وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ". جيد، وأيضاً، لكن في آية لسا أوضح من هاتين الآيتين، في قضية التعظيم. لا، طيب: "وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ"، لأنه هنا الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وهناك إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم، ما يفرق، ما في فرق عنده بين أن تقول له يا أخي اتق الله، يا أخي أذكرك بالله، ما في فرق، ما في تعظيم. جيد؟ ما في تعظيم. وقد يكون هذا مع الأسف من بعض المنتسبين للإسلام، أنه تذكره بالله، قد يكون شخص مثلاً معتدي على حرمة معينة، معتدي على عرض، معتدي على مال، ويكون الإنسان المقابل ضعيفاً فيقول له: يا أخي أذكرك بالله، اتق الله.
من علامات المؤمنين من أظهر علامات المؤمنين أنه إذا ذُكر بالله تذكر، وإذا خُوِّف بالله يخاف، وهذا من صميم موضوع الباب، هذه من أظهر علامات الإيمان. وبعكس ذلك من علامات النفاق أن يكون الإنسان إذا ذُكر بالله لا يذكر، وإذا خُوِّف بالله لا يخاف، وإذا زُجر لا ينزجر. ولذلك مريم عليها السلام لما خافت قالت: "إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا". ما في شيء الآن تلجأ إليه، ما تستطيع أن تحتمي إلا أن تعوذ بالرحمن.
هنا الله سبحانه وتعالى يبرز لنا صورة المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. وجلت قلوبهم، وجلت خافت وفرقت. لاحظ الآن الوجل ليس، لاحظ أنت الآن تقول لشخص اتق الله، كونه يبتعد عملياً فهذا شيء، وكون الابتعاد يكون مصحوباً بوجل القلب فهذا شيء أعلى وأعظم. لذلك المطلوب، الدرجة التي يسعى المؤمن الحق لتحقيقها هو أن يكون من أهل هذه الآية: "الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ". إذا وصل المؤمن إلى هذا المستوى وهذه الدرجة بأن يكون ممن يجل قلبه إذا ذكر الله سبحانه وتعالى فإن هذا أسعد الناس بامتثال أمر الله، وأشد الناس ابتعاداً عما حرم الله سبحانه وتعالى.
السؤال: كيف يصل الإنسان إلى هذه الحال؟ كيف يصل إلى أن يكون ممن يجل قلبه إذا ذكر الله سبحانه وتعالى؟ وبالمناسبة، ذكر الله المؤدي إلى وجل القلب ليس بالضرورة أن يكون الذكر المسموع أو أن يقال له، لا، حتى الذكر الداخلي، التذكر. ليس المقصود بالضرورة الذكر باللسان. يعني في مجموع الآيات، مثلاً عندك الآية الأخرى: "وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ". وهنا: "وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ". هنا المعنى الأساسي المقصود في هذا هو الذكر الداخلي، التذكر. تذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم. "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ".
إذاً كيف يصل الإنسان إلى هذه الحال؟ إلى أن يكون ممن مرور اسم الله عليه والتذكير بالله وتذكر الله سبحانه وتعالى لا يمر على الإنسان هكذا، وإنما يكون له حساسية معينة داخل النفس بحيث يكون درجة التعظيم عالية. كيف يكون ذلك؟ يعني البوابة الأساسية التي توصل إلى هذا هي العلم بالله. هذه البوابة الأساسية. العلم بالله، كلما ازداد الإنسان علماً بالله ازداد تأهلاً للخشية منه، وقد جمع الله كما تعلمون بين العلم والخشية فقال: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ". فكلما ازداد الإنسان بالله علماً ازداد له خشية، وبالتالي هنا: "الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ"، وبلا شك هذه صورة من صور الخشية؛ يعني أن يجل القلب من الله سبحانه وتعالى ومن ذكره، هذه من صور الخشية. إذاً ما دامت أنها من صور الخشية، فإن من أهم ما يوصل إليها هو العلم بالله سبحانه وتعالى.
فإن قيل: فما سبيل العلم بالله سبحانه وتعالى؟ فالجواب هو أنه لا سبيل إلى العلم بالله أعلى ولا أظهر ولا أوثق من تدبر كتابه سبحانه وتعالى وتأمل ما ذكره الله عن نفسه في كتابه، ثم بعد ذلك التفكر في مخلوقاته، فهذان سبيلان من أعظم السبل الموصلة للعلم بالله سبحانه وتعالى.
جيد طيب، إذا ما علاقة هذه الآية بالباب وتعظيم حدود الله والتحذير من مخالفة أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم؟ العلاقة هي أنه إذا كان القلب وجلاً من الله وفيه خشية منه، فإن امتثاله لأمر الله وابتعاده عما حرم هو من المقتضيات الأساسية لمثل هذا الوجل والتعظيم.
طيب، ووَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا، هذه الجملة زادتهم إيماناً هي من أعظم الثمرات التي ينبغي أن يحققها المؤمن في علاقته بكتاب الله سبحانه وتعالى، لأن الله سبحانه وتعالى ذكر هذا المعنى مكرراً في كتاب الله، أن علاقة المؤمن، أو من أظهر صور علاقة المؤمن بالقرآن، توخي زيادة الإيمان بالقرآن، فيقرأ المؤمن القرآن ليزداد به إيماناً، كما قال سبحانه وتعالى: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وكذلك في هذه الآية: الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا.
طيب، الآية التالية المذكورة في الباب هي قول الله سبحانه وتعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ. الآن هذه آية واضحة العلاقة والارتباط بعنوان الباب، أنه تعظيم حدود الله، تعظيم أوامر الله، هذه تعظيم شعائر الله، وبنفس اللفظ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ. طيب، هذه الآية الآن فيها عمل، وفيها بيان سببه أو بيان علاقته بقضية أخرى، وهي قضية تقوى القلب؛ أنه تعظيم شعائر الله هو نتيجة التقوى الكامنة في قلب هذا الإنسان المؤمن المعظم لشعائر الله.
طبعاً شعائر الله هنا في هذه الآية هي واردة في سورة الحج، والسياق سياق الآيات كله في قضية الحج وما يتعلق بالحج، ولذلك تجد أن العلماء أو المفسرين حين يتناولون هذه الآية، كثير منهم يذكر شعائر الله المتعلقة بالحج، وبعضهم يحصرها في شعائر معينة، وبعضهم يعممها في مختلف شعائر الحج، سواء أكانت الشعائر المكانية أو غير المكانية، ومنهم من يأخذ الآية على ظاهرها فيجعل شعائر الله عامة في الحج وغيره.
وأقرأ عليكم كلام بعض المفسرين في قضية الشعائر؛ عندنا مثلاً ابن عاشور رحمه الله يقول: شعائر الله لقب لمناسك الحج، والشعيرة هي المعلم الواضح. وعندنا مثلاً ابن سعدي رحمه الله يقول: الشعائر أعلام الدين الظاهرة ومنها المناسك كلها. وإذا قرأتم كلام المفسرين ستجدون ما هو أخص من ذلك، فيقول لك مثلاً شعائر الله هي البدن التي تساق، يسوقها الحاج معه في الهدي، كذا إلى آخره، وبعضهم يدخل فيها البقر، وجاء نص في كتاب الله على أنها من شعائر الله، فقال الله سبحانه وتعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ، فهنا نص على أنها من شعائر الله.
طيب إيش في آيات أخرى تبين أشياء أو أموراً تدخل في شعائر الله؟ إيش في آيات أخرى؟ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ، نص واضح ولاحظوا مرتبطة بالحج والعمرة أيضاً، أنه إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ، والبدن جعلناها لكم من شعائر الله، وكذلك في سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ، وهذا واضح تماماً أن قول الله سبحانه وتعالى ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ واضح أن من أولى وأهم ما يدخل في هذه الآية هو ما يتعلق بالحج من أعلام ومناسك، وإن كان قد يدخل فيها أعلام الدين الظاهرة بشكل عام كما قال ابن سعدي رحمه الله تعالى.
طيب إذا قلنا أعلام الدين ظاهرة، فإيش مثلاً يدخل من شعائر الله المطلوب من المؤمن أن يعظمها؟ هنا يتحدث العلماء عن أنواع من الشعائر؛ فمنها مثلاً شعائر مكانية فيدخل فيها مثلاً المسجد الحرام، الكعبة، يدخل فيها المسجد النبوي، يدخل فيها بيت المقدس المسجد الأقصى. وعندك الشعائر الزمانية؛ يدخل فيها شهر رمضان، ليلة القدر، يدخل فيها ما نحن فيه الآن عشر ذي الحجة، وهي من شعائر الله المعظمة من الأيام الزمنية المعظمة جداً في الشريعة، يدخل فيها يوم عرفة من أولى ما يدخل في شعائر الله الزمانية، يدخل فيها يوم النحر، لأنه النبي صلى الله عليه وسلم لما تخاطب أصحابه مريداً أن يبين لهم مقدار حرمة عرض المؤمن دمه وماله، ضرب لهم المثل أو دخل لهم بقضية ما هو معظم من شعائر الله المكانية والزمانية، فقال لهم: أي يوم هذا؟ ثم قال لهم: أي بلد هذا؟ ثم قال لهم: أي شهر هذا؟ وكان الجواب أنه يوم النحر في البلد الحرام في الشهر الحرام ذي الحجة. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. خليكم معانا، الآن هذه شعائر الله.
جيد طيب، ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ، شوف المطلوب هو التعظيم، ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ. هناك آية أخرى في سورة الحج فيها قضية التعظيم لشيء أيضاً وارد، ليس بلفظ شعائر الله، إيش؟ أحسنت، إيش الآية؟ ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ. وأيضاً حقيقة هذه الآية فاتت وغابت أن أضعها في هذا الباب وإلا فهي من أولى ما يدخل في هذا الباب. ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ، الحرمات الآن هي أوسع من الشعائر باعتبار، خاصة إذا فسرت الشعائر بقضية الحج وما يتعلق بها، ومن باب أولى إذا فسرت الشعائر ما يتعلق بالبدن، تعظيم حرمات الله أوسع.
لذلك ابن كثير مثلاً يقول في ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ قال: أي ومن يجتنب معاصيه ومحارمه فيكون ارتكابها عظيماً في نفسه، شوف الجمع بين الأمرين، تذكروا في البداية قلت الثلاثة أصناف: من يمتثل معظماً مستحضراً للتعظيم، ومن يمتثل غير مستحضر هذا التعظيم، ومن لا يمتثل ولا يعظم، وحقيقة حتى من لا يمتثل ولا يعظم يمكن أن نقسمهم إلى قسمين أيضاً، يمكن أن نقول من لا يمتثل وعند عنده شيء من التعظيم، ومن لا يمتثل ولا يعظم مستهيناً إلى آخره. هنا ابن كثير يجمع بين الأمرين، يقول: أي ومن يجتنب معاصيه ومحارمه، هذا الآن اللي هو الامتثال، فيكون ارتكابها عظيماً في نفسه، هذا الآن اللي هو التعظيم. لذلك المطلوب هو الجمع بين الأمرين، وهذا هو الذي ندعو إليه، أو هذا الذي نقول هو من أهم مقاصد هذا الباب، هو أن يجمع الإنسان في امتثاله للشريعة بين أن يكون ممتثلاً وأن يكون معظماً، وأن يكون هذا الامتثال فرعاً عن ذلك التعظيم.
طيب، ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ. الآية الثالثة قول الله سبحانه وتعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. الآن إذا نظر الإنسان إلى أوامر النبي صلى الله عليه وسلم على أنها أوامر معظمة من جهة كونها صادرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً، ومن جهة كونها مما يخشى فيه المخالفة بحيث أن من خالف هذه الأوامر فإن مما يخشى عليه ويخاف أن يفتن في دينه. لأن العلماء يفسرون هنا الفتنة بأنها الكفر والشرك، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك. وكذا بعض المفسرين يفسر الفتنة هنا بالكفر. فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ لا من جهة كون المخالفة كفراً، وإنما من جهة كون هذه المخالفة قد يكون من العقاب الذي يترتب عليها أن يزيغ قلبه، وهذا المعنى هو العجيب، والمفارقة أنه كلما ازداد الإنسان امتثالاً واستقامة وقرباً من الله وكثرة في العمل الصالح، ازداد خوفه من أن يفتن في دينه بسبب تركه لبعض الأوامر، وبعكس ذلك كلما ازداد الإنسان ابتعاداً وتهاوناً وعدم امتثال، فإن الخوف مما يلحق القلب من الفتنة نتيجة البعد عن امتثال الأوامر يقل، مع أن المفترض هكذا بمبادئ الرأي العكس؛ يعني أن يقول المطيع الممتثل المستجيب إنه حسناته تشفع له، وأنه بما أنه ممتثل فإن حسناته تشفع له، بينما الآخر الذي هو متهاون هو الذي يظن فيه وفي مثله أنه بسبب تركه للأوامر أنه قد يفتن.
لكن حال المؤمن مختلف، حال المؤمن لا يخضع لمثل هذه المعادلة، حال المؤمن بعكس ذلك، حال المؤمن كلما ازداد من الله قرباً خاف أكثر، ليس الخوف هنا هو الخوف المبعد عن الله سبحانه وتعالى، ولا هو الخوف المؤدي إلى الجزع، وإنما هو خوف وخشية مشوبة بعلم ومشوبة بحياء، وهذا لا يكون إلا في الدرجات العالية من العلم بالله سبحانه وتعالى ومن التقرب من الله سبحانه وتعالى. وأنتم تعلمون أنه كلما ازداد الإنسان إدراكاً لقيمة ما في يديه خاف عليه أكثر، فالإنسان إذا رزق بمال معين أو بشيء من متاع الدنيا مما هو ثمين وغالٍ وأدرك قيمته وثمنه خاف عليه أكثر، وإذا رزق ولداً نبيهاً ذكياً صالحاً مطيعاً فإنه يخاف عليه أكثر، وإذا رزق زوجة حسناء خاف عليها أكثر، وهكذا.
هذا حال الإنسان، وهكذا الإنسان المؤمن إذا رزق القرب من الله ولاحظ معية الله له وتوفيقه وعونه وتسديده، فإنه يخاف من فقدان هذا المحل، ويخاف أن يفقد هذه النعمة، وفقدان هذه النعمة يكون أول ما يكون بتهاونه في تقدير هذه النعمة، وفي تهاونه فيما يتعلق بأوامر الشريعة وتعظيم الله سبحانه وتعالى. لذلك نجد الحديث الذي سأسبق الآن الترتيب وأذكره، وهو حديث أبي بكر الصديق الذي في البخاري، وذكرته في اللقاء السابق وهو الآن من الأحاديث المقررة في هذا الباب، وهو قوله: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ. لاحظوا الآن هذا هو النموذج الجامع بين الأمرين الذي يجتنب النهي، وهو يجتنب النهي الخشية والخوف من عاقبة هذا النهي، يعني الذي يجمع بين التعظيم والامتثال.
الآن أبو بكر الصديق يقول: أنا لن أفعل هذا تمام، وإني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ. هذا الجمع الذي كان عند أبي بكر الصديق هو المثال الذي ينبغي أن يحتذى، وينبغي أن يكون محل تعظيم عند الإنسان المؤمن. نحن اليوم، وهذه نقطة مهمة، نحن اليوم في زمن كثرت فيه الوسائل الموهنة من كثير من شعائر الله ومن كثير من أوامر الله وما جاء في الشريعة، بل ونحن في زمن كثر فيه التهوين من أساس الدين وأساس الشريعة أيضاً، ولذلك قد تجد أحياناً عند أناس من المسلمين تأثراً ببعض صور هذا التهوين تجاه بعض الشعائر الدينية.
ولذلك من الأمور المهمة، وأنا أعتقد أن هذه من القضايا المهمة للمربين خاصة وللدعاة بطبيعة الحال، لكن المربين المشتغلين على تربية الشباب، أنه من أهم ما ينبغي أن يغرسوه، وأنا أعتقد أن هذا من أعظم المؤشرات في نجاح التربية وفي نجاح العمل الدعوي، هو أن يحرص المربي على أن يعظم في نفوس طلابه شعائر الله وما أنزل الله من الدين، وأن يجعل هناك حساسية في القلب تجاه التخويف بالله، تجاه شعائر الدين، وأن يعظم الطلاب ما عظمته الشريعة، فيكون عندك مثلاً الصلوات الخمس لها قيمة كبرى في نفوس الطلاب، قيمة كبرى عظيمة جداً، وألا يكون لفريضة أخرى من الفرائض العملية في الدين قدر أعلى من فريضة الصلاة، هكذا يجب أن يكون في القلب، ثم بعد ذلك تأتي الفرائض الأركان الخمس لها من التعظيم والجلال والهيبة في القلب وفي النفس ما ليس لغيرها مما هو معظم أيضاً.
أن يصل المربي مع طلابه إلى هذه النتيجة وهي أن يعظموا شعائر الله، وأن يعظموا الفرائض، وأن يكون هناك خوف وحساسية عالية جداً من المحرمات المعظمة والمغلظة في الشريعة، أو المعظم فيها القول والعقوبة، فهذه من أعظم صور النجاح، وهي علامة على الفقه في الدين. ومن الخطأ والإشكال الذي كان موجوداً وربما لا يزال موجوداً في كثير من السياقات التربوية والدعوية، هو أن يسوى بين المحرمات وبين درجاتها، فيخرج الطالب وعنده الأمر الذي حتى أحياناً قد يكون مختلفاً فيه هل هو مكروه ولا محرم، ولا هل هو مثله مثل ما عظم من المحرمات المغلظة في الشريعة، التسوية بين هذين الأمرين هي من قلة الفقه في الدين، فهذا أمر في غاية الأهمية. النبي صلى الله عليه وسلم ربى أصحابه على مثل هذه المعاني التعظيمية ولذلك خرج لنا.
أبو بكر الصديق بمثل هذا القول فقال: إني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ. لاحظوا ما يقول: إني أخشى إن تركت الالتزام بالدين والاستقامة؛ ها، ولا يقول: إني أخشى أن آآ مثلاً آآ لم أقم في الناس. لا، لا، إني أخشى إن تركت شيئاً شيئاً من أمره أن أزيغ. ولاحظ هنا أمراً واضحاً، النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم عن قضية الميراث بشكل واضح.
قضية يؤسسها النبي صلى الله عليه وسلم بشكل واضح، يأتي أبو بكر الصديق يقول: أنا لا أستطيع أن أخالف هذا. ولذلك لما جاءت حروب الردة لما جاءت حروب الردة كان أبو بكر الصديق واضحاً تماماً في مثل هذا القول، فقال: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة. والله لو منعوني عقالاً أو عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. لقاتلتهم على منعها.
آآ إذاً فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. نرجع للسؤال الذي في البداية، أو نقطة في البداية: كيف يعظّم الإنسان ما عظّمته الشريعة؟ إحنا ذكرنا ثلاثة أنواع من التعظيم، إيش تذكرونها فيها؟ التعظيم المتعلق بالله سبحانه وتعالى، الثاني التعظيم المجمَل للدين للوحي، الثالث التعظيم التفصيلي المفصّل. السؤال: كيف يقع مثل هذا النوع الثالث؟ كيف يصل الإنسان لمثل هذا النوع الثالث المفصّل؟ العلم بالشريعة. طيب، أيوه العلم بالشريعة في إيش؟ في المراتب، جيد، وأيضاً يعني كيف أيضاً العلم بالمراتب كيف يكون؟ بمراتب أوامر الشريعة. إيوا كيف كيف يستبين من خلال نصوص الوحي مراتب الشريعة.
جيد، ومن صور التعظيم في سياق هذه الآية: استشعار الوعيد. هنا الآن في سياق هذه الآية: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. هذا الآن يفهم الإنسان أن القضية خطيرة ومعظّمة جداً. وهكذا فيما جاء فيه يعني: والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرّم الله إلا بالحق ولا يزنون. ومن يفعل ذلك يلق أثاماً. يضاعف، شوف، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً. الآن إذا ما كانت هذه الأمور الثلاثة خط أحمر يعني في غاية مستوى الخطورة داخل نفس المؤمن، فمعناه أن هذا المؤمن لا علاقة له بالفقه بالدين أبداً، لا علاقة له بالفقه بالدين أبداً.
وهكذا يعرف مقام الأمر ومقام النهي في الشريعة من طبيعة ما يحتفّ به في الخطاب الشرعي؛ فإن كانت هناك عقوبة مغلظة فينتبه الإنسان؛ هذا معناه معظّم، معظّم من جهة النهي. وهكذا بالنسبة للفرائض، أحياناً الثواب الكثير المكرر العجيب الاستثنائي في قضية معينة تدل على أنها معظّمة، وأحياناً بعكس ذلك ذكر العقوبة الأخروية العجيبة الغريبة في عمل معين -أنا أقصد عجيبة من حيث خطورتها- فإنها تبيّن مثل هذا المعنى. يعني مثلاً في صحيح البخاري، في صحيح البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم: من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله. من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله. وفي صحيح البخاري أيضاً من حديث ابن عمر النبي صلى الله عليه وسلم قال: الذي تفوته صلاة العصر كأنما وُتِر أهله وماله. أو وُتِر أهله وماله. لاحظ الآن صلاة العصر، وهذا يؤيد ما جاء في القرآن اللي هو إيش: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى. وإن الراجح هي صلاة العصر. لاحظ تجد في الصحيحين أو في الصحيح ما يؤيد مثل هذا المعنى. إذاً صلاة العصر، ها صلاة العصر بالنسبة للإنسان المؤمن يجب أن يكون عنده لها قدر من التعظيم أكثر من غيرها، أكثر من غيرها. ولذلك آآ في في صحيح البخاري أيضاً آآ دعوني أذكر لكم النص وهو نص عجيب يدل على مثل هذا المعنى من من آآ مين في باله إيش النص اللي راح أقوله غير غير "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله"؟ عن وقت العصر؟ مم، حديث الأمم؟ لا لا، حديث الأمم ما في اختصاص بقضية وقت العصر. طيب، في البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم آآ: ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم. هذا الحديث مع أنه في البخاري لكن ربما ليس منتشراً كثيراً، لكن تأملوا كيف أن هذه المعظّمات لها تأثير في تغليظ الإثم بمضاعفة الثواب من جهة أخرى. ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، من هم؟ قال: رجل حلف على سلعة لقد أعطي بها أكثر مما أعطى وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم، ورجل منع فضل ماء، فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك.
آآ طيب، مثلاً النووي سريعاً يقول في شرح الحديث، طبعاً حديث في البخاري ومسلم، يقول: وأما الحالف كاذباً بعد العصر فمستحق هذا الوعيد، وخصّ ما بعد العصر لشرفه بسبب اجتماع ملائكة الليل والنهار وغير ذلك إلى آخر الكلام. واضح القضية؟ طيب الآن لاحظوا انعكاس الذي ينظر للدين وينظر للشريعة ويستمد منها نقاط الثقل المعظّمات زمانية مكانية أوامر معينة، ويعطي كل أمر قدره ويكون منطلقاً من كذلك الصورة الثانية من التعظيم اللي هي التعظيم الأيش؟ تعظيم المجمل لكل ما جاء في الشريعة. المؤمن عنده كل ما جاء في الشريعة معظّم، المؤمن عنده كل ما جاء في الشريعة معظّم، هذا هذه نقطة لا نقاش فيها. جيد.
لكن النقطة الثالثة أو الأمر الثالث هو أن يكون هذا التعظيم غير متحد الدرجة، وإنما هو مختلف الدرجة بقدر ما عظّمت الشريعة، وهكذا إذا تتبعت كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ستجد أموراً مغلّظة معينة. مثلاً دعوني أقرأ لكم سريعاً أبواباً مثلاً في كتب السنة؛ مثلاً أبو داوود عنده ولاحظ اللفظ: باب في تعظيم الزنا، باب ما جاء في تعظيم اليمين عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم، هذا وارد في حديث جيد تغليظ الكذب والحلف كذباً عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم، باب في تعظيم قتل المؤمن، في النساء باب تعظيم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب تعظيم السرقة. وهكذا تجد أنه وبالتعظيم وتغليظ التعظيم، تغليظ، وهذه قضايا مهمة جداً أن يكون عقل طالب العلم وعقل المؤمن على هذا المعنى وعلى هذا الفقه.
وسيأتي إن شاء الله في باب يعني في الباب القادم في متن المنهاج وهو بعد بابين تقريباً سيأتي العنوان الثاني: باب في أن الدين على مراتب متفاوتة في الأمر والنهي والخبر، وأن الفقه في الدين تبع لإدراك هذه المراتب. طيب، آآ الحديث الأول في هذا الباب هو عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن قريشاً أهمّهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب ثم قال: إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. أخرجه البخاري ومسلم.
هذا الحديث فيه فوائد كثيرة كثيرة، والعنوان أو الموضوع المرتبط ارتباطاً مباشراً بالباب هو موضوع الحديث الأساسي الواضح وهو أن ما نزل فيه حد من عند الله سبحانه وتعالى، فإن من أهم صور تعظيمه أن يكون غير قابل للتعطيل بسبب الأنساب، الاعتبارات الاجتماعية، الاعتبارات الشخصية، ما نسميه اليوم المحسوبيات، الواسطات، الآلهة. وأن القضية آآ أن من السنن التي مضت على الأمم السابقة وسلكوها هي أنهم تركوا هذا المبدأ في التفريق فلم يتعاملوا في تنزيل الشريعة على الناس مبدأ، فلم يتعاملوا بمبدأ أنها معظّمة من جهة الله سبحانه وتعالى فتسري على الجميع، وإنما تعاملوا معها بمبدأ التجزئة فقالوا: نحن لا نرد الشريعة كلها وإنما ننظر، فما أمكن من ناحية الاعتبارات الاجتماعية أن يسري يسري، وأما إذا كان هناك بعض المحسوبيات أو كذا فإنه هذا يؤخّر ويعطّل. وجعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من أسباب هلاك من قبلنا، بل إن الصيغة التي تكلم بها النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن هذا من أهم الأسباب، بل ظاهرها يدل على أنه هو السبب الوحيد وإن كان بطبيعة الحال هذا الظاهر ليس بالضرورة أن يكون مقصوداً، فقال: إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه. وهذا بلا شك يبين أنه هذا من أهم الأسباب، من أهم الأسباب.
إذاً من عدم تعظيم الشريعة وحدودها أن يجامل فيها بناءً على الاعتبارات آآ خلنا نقول الاجتماعية وما يتعلق بها. هنا هذه امرأة مخزومية، مخزومية يعني من قريش، بطن من بطون قريش، يعني قريش هي كلها قبيلة شريفة، البطن المخزومي من البطون التي لها شرف كبير جداً في قريش. وهذه المرأة لها قرابة أبي سلمة رضي الله تعالى عنه ابن عبد الأسد المخزومي الذي هو زوج أم سلمة الذي بعد أن توفي عنها تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه تكون ابنة أخيه، ابنة أخي أبي سلمة رضي الله تعالى عنه.
وآآ لما سرقت فجاءت قريش أهمّها شأنها، أنه كيف يمكن أن تقطع يد امرأة شريفة؟ الآن شريفة ليست هي القضية أنه فقط نسبها شريف، نتكلم ببني مخزوم، يعني ترى أنت ما تقدر تتخيل اعتبارات اجتماعية معينة، شرف معين، ذكر بين الناس، حسب، وذاك الوقت قضية الأمور القبلية مشهورة ومعروفة. وهذه هذه القبيلة التي منها فلان وفلان وفلان وترى تنحسب كذا، يعني هذول مخزوميون فعلوا كذا ما فعلوا كذا أحياناً، لذلك لاحظوا الآن حتى الاسم، الاسم ترى فيه خلاف بين صح أنه إيش اسمها، طبعاً تابت وحسنت توبتها رضي الله تعالى عنها، لكن هنا الآن لاحظوا حتى الاسم غاب، الذي بقي هو ما كان هاماً بالنسبة لهم وهو أنها مخزومية. واضح الفكرة؟ القضية خطيرة جداً، فكيف تقطع يد هذه المرأة؟ هي ترى مو قضية أنه المعنى أنه والله تتألم ولا المعنى أنه المخزومية والعار وكذا وإلى آخره.
طيب آآ النبي صلى الله عليه وسلم كان معروفاً عند الناس عند أصحابه أنه لا يجامل في حدود الله، ولذلك ما فكروا أن يذهبوا إليه مباشرة، وهذي مهمة مهمة أن هو النبي صلى الله عليه وسلم هناك أشياء تعرف عنه بين أصحابه، هذه حدود الله ما يقترب من النبي صلى الله عليه وسلم فيها. أتوا إلى أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه ودخلوا من مبدأ المحبة، أنه الذي يجترئ يمكن أن يكلمه هو أسامة بن زيد. طيب، الآن المعنى الذي كان مسيطراً على أولئك الذين كلموا النبي صلى الله عليه وسلم هل هو تعطيل الأمر الشرعي؟ ليس تعطيل الأمر الشرعي، يعني القضية لم تكن أنه خلينا نجد حيلة لنعطّل الأمر الشرعي، ما كانت القضية هكذا، وإنما كانت القضية أنه لعله يكون في مخرج، لعله يكون في شيء، لعله يكون في استثناء، لعله كذا إلى آخره. بس المعنى المسيطر هو قضية شرف تلك المرأة المخزومية.
ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم تعامل مع أسامة بن زيد تعاملاً فيه شدة وفيه وضوح وفيه عتاب، فقال: أتشفع في حد من حدود الله؟ فتشفع في حد من حدود الله؟ يعني هذه الصيغة في الاستنكار تعكس أثر التعظيم في قلوب الصحابة، فيتعاملون بعد ذلك بحساسية عالية جداً مع ما يمكن أن يدخل تحت كلمة حدود الله: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم النبي صلى الله عليه وسلم توجّه إلى المنبر وخطب وبيّن القضية وبيّن خطورة الأمر هذا، وهو أن يكون هناك مثل هذه الاستثناءات التي يسعى إليها. ثم مد النبي صلى الله عليه وسلم في المدى أو أعطى الأمر مداه، غاية ما يمكن أن يصل إليه من المدى، أنه فين ممكن توصله؟ فاطمة بنت محمد، تلك الشريفة الكريمة العزيزة على أبيها عليه صلاة الله وسلامه، والعزيزة على المؤمنين، والشريفة نسباً، والتي هي أشرف من تلك المخزومية إن أردتم من جهة النسب، وإن أردتم من جهة كونها آآ يعني أقصد من جهة بني كونها من بني هاشم، أو أردتم من جهة كونها ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، أو أردتم من جهته، قلب حيثما شئت لن تجد، لن تجد امرأة أشرف امرأة أشرف من فاطمة يمكن أن يقاس بها أو عليها.
فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الغاية في المدى فيقول: والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. نقطة. هذا المعنى وهذا الأسلوب يترك في نفوس الطلاب في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم الذين هم الصحابة، يترك في نفوسهم من الأثر التعظيمي الأمر الكبير والأمر العظيم والأمر الشديد جداً، وهذا ما ينبغي أن يكون في السياقات التربوية والاستصلاحية أو الإصلاحية الدعوية.
نأتي للحديث الأخير وهو حديث عمر، حديث أبو بكر تناولته قبل قليل. حديث عمر رضي الله تعالى عنه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس بن حصن، وكان من النفر، أو من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته، كهولاً كانوا أو شباناً. فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي...
هل لك وجه عند هذا الأمير فتستأذن لي عليه؟ الآن واضحة من السؤال واضحة أنه في مشكلة، يعني ما قال: هل تستأذن لي على أمير المؤمنين؟ هل لك وجه عند هذا الأمير فتستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليهم. قال ابن عباس: فاستأذن لعيينة، فلما دخل قال: يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل وما تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يقع به.
فقال الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ، وإن هذا من الجاهلين. فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله. أخرجه البخاري. هذا الحديث فيه فوائد كثيرة، وسيأتي الحديث أو إشارة أو جزء من الحديث بعد ذلك في باب آخر بإذن الله تعالى. لكن هذا الحديث؛ أولاً عمر ومجلسه رضي الله تعالى عنه، مجلس عمر كان مجلساً مهيباً، ومجلساً له شأن، وللإنسان أن يتتبع مستفيداً متأملاً مجالس عمر، عاد يتتبعها من كتب السير، ومن كتب الأخبار، ومن كتب الحديث قبل ذلك.
مجالس عمر مليئة بالخير، ومليئة بالمعاني، ومليئة بالحكمة، ومليئة بالمواقف النافعة، ومن جملة ذلك أن معيار اختيار عمر المداومين على مجلسه، هذا معيار يدرس وينتبه إليه، معيار ينبغي النظر فيه، وهو كما قال هنا ابن عباس: وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته. والقراء، ما المقصود بهم القراء؟ طبعاً القراء لفظ متكرر في الحديث النبوي. يقول ابن حجر رحمه الله في شرح هذا الحديث: يقول وكان القراء أي العلماء العباد، هذا معنى القراء. الآن هنا: وكان القراء أي العلماء العباد. لاحظ استعمال لفظ القراء على قضية العلماء العباد، هذه بحد ذاتها تستدعي التوقف والتأمل، وبطبيعة الحال نحن إذا قلنا القراء اليوم، لا ينصرف الذهن إلى أكثر من كون الإنسان يعني متقناً للتلاوة، صاحب أداء وصوت جميل، وكذا إلى آخره، فهو من القراء، وهذا من حيث الوصف اللغوي وصف صحيح، وحتى من حيث انطباق بعض المعاني الاصطلاحية هو أيضاً وصف صحيح، ولكن هذا المعنى ليس هو المعنى المطابق تماماً لهذا اللفظ في استعمالاته في القرون الأولى. وإن كان ترى أحياناً لفظ القراء قد يستعمل في تلك المرحلة لوصف القراءة المجرد، بل حتى ورد في بعض الأحاديث أنه "وخرج القراء في البصرة"، وشرح وذكر بعض الشراح أن المقصود بالقراء الخوارج، استعمل لفظ القراء في تلك، كانوا مشهورين بقراءة القرآن، جيد، لكن هذا من لفظ قد يطلق ويراد به كل ما يمكن أن يدخل فيه من الدلالات والأجزاء، وقد يراد به صورة من الصور الظاهرة المتعلقة به.
طيب، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته، مما يؤكد أن المقصود بالقراء هنا ليسوا مجرد من اشتهروا بتلاوة القرآن وحفظه، الحديث الآخر المشهور في أن ابن عباس كان من أصحاب مجلس عمر الأساسيين، وكان معيار التفضيل والتقريب لابن عباس هو في فقهه واستنباطه وعلمه.
طيب، وكان القراء أصحاب مجلس عمر. طبعاً قبل أن أتجاوز لفظ القراء، في صحيح البخاري حذيفة رضي الله تعالى عنه، أثر موقوف في صحيح البخاري وأظنه مسنداً يعني من البخاري إلى حذيفة، قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: يا معشر القراء، هكذا يا معشر القراء، استقيموا، فقد سبقتم سبقاً بعيداً، فإن أخذتم يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً. هذا كلام حذيفة رضي الله تعالى عنه، ابن حجر أيضاً يقول في شرح هذا الكلام من حذيفة: يقول بقوله يا معشر القراء، قال المراد بهم العلماء بالقرآن والسنة العباد. لاحظوا الجمع بين الأمرين، وإطلاق لفظ القراء على من جمع بين هذين الأمرين، مما يؤيد ذلك خاصة في المعنى الثاني الذي هو العباد، ذلك الحديث الذي في البخاري المشهور في قصة بئر معونة، ما هي الفكرة فيها؟ مقتل القراء. أنه النبي صلى الله عليه وسلم أرسل، ما أرسل عشرات القراء، سبعين من القراء لبئر معونة، الوصف في الحديث، حديث الصحيح في البخاري قال: فأمدهم النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء، يحطبون بالنهار ويصلون بالليل، ويصلون بالليل، وهذا لإبراز الوصف هنا، ويصلون بالليل، في قضية القراء دليل على ارتباط معنى القراءة بقضية قيام الليل والعمل وما إلى ذلك، واضح تمام.
طيب المعنى الأساسي في هذا الأثر عن عمر رضي الله تعالى عنه هو في قوله: وكان عمر وقافاً عند كتاب الله. وقافاً عند كتاب الله، هذه فرع عن التعظيم، وهذا في أي نوع من أنواع التعظيم الثلاثة التي ذكرناها؟ أقصد، لا أقصد التعظيم المتعلق الذي هو تعظيم الله سبحانه وتعالى، أو التعظيم المجمل للوحي، أو التعظيم الثالث التفصيلي. هو أقرب للثاني الذي هو التعظيم، وقافاً عند كتاب الله، يعني حيثما جاءه أو حيث جاءه نص من كتاب الله وقف عنده. هذا عام لكتاب الله سبحانه وتعالى، بغض النظر عن هل هذا النص من النصوص المتعلقة بأركان الإسلام ولا متعلقة بالكبائر من جهة أخرى؟ لا، خلاص هذا وقافاً عند كتاب الله، وهذا يبرز أهمية التقسيم في قضية أنه التعظيم قد يكون تعظيماً مجملاً عاماً بغض النظر حتى لو لم يستحضر الإنسان فيه أموراً تفصيلية، وبين التعظيم المتعلق درجات معينة من الشريعة. كان عمر وقافاً عند كتاب الله.
طيب، يظهر التعظيم في مثل هذه المواقف التي هي طبيعة هذه المواقف؟ هنا كان موقف الغضب، بس ايش الجامع؟ هو ليس الغضب فقط، في مواقف متعددة يمكن أن تضم في حزمة واحدة وهي ما يمكن أن يعبر عنها بالتالي: أن يستطيع المؤمن أن يهيمن بالنص القرآني على داعي النفس، المهيمن عليه أو الدافع له بسبب غضب أو فرح أو هوى معين، فإن يوقف نفسه نصاً من كتاب الله أو نصاً من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وجود هذا الدافع المعارض، فهنا ميدان الإثبات العملي للتعظيم، ميدان الإثبات العملي للتعظيم. واحدة من أهم صور التعظيم أن يمكن للمؤمن أن يوقف نفسه عن مرادها الذي تسعى إليه، وأن يحجز بينها وبين مرادها بنص من كتاب الله أو بنص من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه من أعظم علامات الإيمان ومن أعظم علامات أن الإنسان معظم لشريعة الله، ولما جاء عن الله، ولما جاء عن رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال الخطابي رحمه الله تعالى في وصف القرآن يقول: يحول بين النفوس ومضمراتها. أن يمكن الحيلولة بين النفس وبين مراداتها بكتاب الله، فهذه من أعظم صور تعظيم كتاب الله وما جاء عن الله سبحانه وتعالى.
هنا عمر غضب حتى هم أن يقع به، كما قال الشراح المقصود أن يقع به يضربه، ويستحق الضرب جيد، أو يعني القضية هو كذاب، يعني هو كاذب في هذه المقولة. عمر رضي الله تعالى عنه ليس بالوصف الذي وصف، ومثل هذه الجرأة ومثل هذا الكلام مع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بالكذب وعدم الاحترام وعدم الأدب وأمام الناس وعدم التقدير، ولو قيلت لإنسان من عامة الناس لما رضي أن يمرر مثل هذا الموقف دون أن يأخذ لنفسه حقها، ثم أن يستطيع عمر رضي الله تعالى عنه أن يحول بين نفسه وبين أن تأخذ حقها وأن ينتقم من هذا الجاهل؛ لأنه فقط سمع آية من كتاب الله وهي: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ، فيوقف غضبه بسبب ذلك، هذه هي غاية التعظيم الذي ينبغي أن يصل إليه المؤمن، وهذا ما قدم أمثال أولئك رضي الله تعالى عنهم.
لذلك لنبلو أنفسنا، لنختبر أنفسنا، لنلاحظ ننتبه لمثل هذه المواطن، هل نحن بالفعل على قدرة أن نتعامل مع أنفسنا بهذه الطريقة؟ دعك الآن من حال الرخاء ومن حال موافقة الأمر الشرعي لهوى الإنسان، أو دعك من حال يكون الإنسان فيها قد روض نفسه في الاستجابة والاستقامة أمر معين من أوامر الشريعة، دعك الآن من هذا، وإنما أبل نفسك بالموطن الذي تعارض فيه رغباتك وتنطلق فيه رغباتك، سواء أكانت من جهة الغضب أو الإرادة والطلب وما يتعلق بها، أبل نفسك هناك، فإن استطعت أن تتغلب على نفسك وتغلبها وتغالبها بحدود الشريعة في تلك المواطن، فاعلم أن هذه من أشرف الأعمال التي يمكن أن تعملها. ما الدليل على أن هذا من أشرف الأعمال التي يمكن أن يعملها الإنسان؟ من يأتي بدليل؟ جيد بس يعني شيء، يعني ما أريد نصاً عاماً بمخالفة الهوى أو شيء.
طيب، في حديث الثلاثة الذين في الغار، حديث الثلاثة الذين في الغار كان أحدهم قد وقف موقفاً من امرأة، كاد أن يقع في الحرام، كاد أن يقع في الزنا، فالذي أوقفه عن ذلك المقام هو كلمة: اتق الله. اتق الله. هذا الآن بعد ما انطلقت نفسه، وخرج عن مجرد أنه إرادة، ولا خلاص الآن هو وصل أن نفسه صارت هي التي تقوده لمثل هذا الفعل، فلما قيل له اتق الله فقام من ذلك المقام، وأمسك بزمام نفسه وقادها إلى عكس ما أرادت الانطلاق إليه، لا لشيء، ولم يكن قد خاف أحداً في ذلك المقام إلا لأنه قيل له اتق الله. وهذا يذكرنا بالآية في هذا الباب: الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ. كان هذا من أفضل الأعمال التي عملها بدليل أنه توسل إلى الله به، بل كان فيما تعلمون من الحديث أنه ليتوسل كل امرئ منكم بأرجى عمل عمله أو نحو ذلك مما ورد في الحديث، فإن يستعرض المؤمن أعماله فيجد أن من أرجاها وأعلاها يعني أقربها في أن تكون سبباً في نجاة الإنسان من مثل تلك الكربة، أن يختار ذلك العمل، فهذا دليل على أن هذا من أعظم ما يمكن أن يصل إليه الإنسان المؤمن، أن يحول بين النفس وبين إراداتها بعد أن تنطلق إلى إراداتها بسيف من زواجر الشريعة، هذا من أعظم ما يمكن أن يصل إليه الإنسان المؤمن.
طيب هذا الآن استعراض متوسط لهذا الباب، وإن شاء الله في اللقاء القادم يكون الحديث عن الباب التالي الذي هو ضبط الأفهام على معيار الوحي، وتصحيح النبي صلى الله عليه وسلم لمقاييس النظر، وأن من أسباب الضلال رد الحق بمعايير نظر خاطئة، هو من الأبواب التي فيها بعض الطول، إن شاء الله يكون هذا في اللقاء القادم.
اللهم لك الحمد ولا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم لك الحمد في الأولى والآخرة ولك الحكم وإليك المصير. اللهم لك الحمد أنت الولي الحميد الذي لا إله إلا أنت، ولك الحمد أنت العزيز الحكيم الذي لا إله إلا أنت، ولك الحمد أنت الرؤوف الرحيم الذي لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم اغفر لنا خطايانا. اللهم اغفر لنا خطايانا. اللهم اغفر لنا خطايانا. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين وأصلح لنا شأننا كله يا حي يا قيوم. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك اللهم نعيماً لا ينفد وقرة عين لا تنقطع، ونسألك برد العيش بعد الموت والرضا بعد القضاء. اللهم نسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.
اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء. اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن. اللهم إنا نسألك العافية في الدنيا والآخرة. اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وأهلينا وأموالنا. اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
الشيخ أحمد السيد