تسجيل الدخول

شرح المنهاج من ميراث النبوة 04 | معيار الوحي وتصحيح المعايير

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى، اللهم ربنا لك الحمد في الأولى والآخرة، ولك الحكم وإليك المصير. الحمد لله الذي وفقنا لحمده؛ فإن حمد الله سبحانه وتعالى من أعظم العبادات، من أحق ما يفعله العبد أن يثني على الله سبحانه وتعالى، ثم اللهم صلِّ وسلم ربنا وبارك على عبدك ورسولك محمد. أما بعد، فهذا هو المجلس الثالث من مجالس شرح المنهاج من ميراث النبوة.

كان المجلس الأول في باب مرجعية الوحي، والمجلس الثاني في باب إيش؟ تعظيم حدود الله، وكان هناك ارتباط بين البابين الباب الثاني والباب الأول، الآن الباب الثالث وله كذلك ارتباط بالبابين السابقين. بمعنى أن الباب الأول الذي هو باب مرجعية الوحي كان هو البداية والأساس، ثم تأتي الأبواب بعد ذلك مم يعني بعضها لها ارتباط مباشر به مثل هذا الباب الثالث.

هذا الباب هو باب ضبط الأفهام على معيار الوحي، وتصحيح النبي صلى الله عليه وسلم لمقاييس النظر، وأن من أسباب الضلال رد الحق بمعايير نظر خاطئة. هذا الباب يتحدث عن أمرين اثنين: عن المعايير التي تكون عند الناس، وما من أمة ولا بيئة ولا حالة من الحالات إلا وتكون لديها معايير، هذي المعايير تتكون من خلال الثقافة، من خلال التاريخ، من خلال مكونات الهوية. يكون هناك معايير معينة، أه في مثل حالتنا اليوم معايير مثلا جزء من مما يسهم في تكوينها مثلا التعليم العام، بحكم أن يعني جميع مثلا الشعوب يعني الشعب في دولة ما يشترك في تعليم معين، فهذا التعليم آآ تصنع فيه معايير معينة، آآ الثقافة المتعلقة بالشعوب سواء ما كان متصلاً منها بالتاريخ، أحيانًا يكون هناك معايير خاصة متعلقة بعوائل معينة، بقبائل معينة، بانتماءات معينة، فتتكون لدى الإنسان معايير، والمعايير أخطر من المعلومات.

المعلومات أو أفراد التصورات الجزئية أمرها سهل، يعني التصور يفكك بسهولة، طبعا هذا بشكل مجمل. لكن إشكالية المعيار أنه كأنه كالباب الذي تدخل من خلاله المعلومات الكثيرة أو ترد، فمثلا أنت عندك معيار أنه مثلا هذا النمط من الناس أنت لا تقبل منه شيئا، هذا معناه أنك تمتلك من خلال المعيار بوابة إما أن تدخل من خلالها أو تخرج، تمتلك من خلال المعيار أداة للتقييم، فأنت مثلا قد يكون من المعايير التي تربيت عليها ونشأت عليها أنه مثلا إذا لم يكن عند الإنسان شهادة علمية معينة فليس له حق أن يتحدث في كذا وكذا إلى آخره، هذي الآن الشهادة معيار آآ عندك مثلا، وهكذا قل ما شئت أنه مثلا الذي يقدم ويصدَّر في الناس وكذا يجب أن يكون عنده مثلا خلفية اجتماعية معينة، انتماء قبلي معين، رصيد ما، آلية معينة، هذي كلها معايير.

حين بعث الله الأنبياء -وهذه القضية الثانية- حين بعث الله الأنبياء بعثهم إلى أمم لديهم تلك المعايير، كانت تلك الأمم وأولئك الأقوام يحاكمون الأنبياء إلى معاييرهم. فمثلا كما في الآيات هنا: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ، ومثلا: وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا، قالوا: أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ، يعني كيف يكون ملكًا علينا ولم يؤت سعة من المال؟ هذا معيار. طيب، مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا. طيب، وأيضًا هناك آيات كثيرة، لكن منها مما لم أذكره هنا في الباب قول فرعون: فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ، لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا إلى آخره، يعني نحن لا نؤمن حتى تتحقق هذه الأشياء، لا بد أن نرى كذا وتفعل كذا أو أن يكون معك كذا، أو أن هنا قد تجاوزت كذا حتى نؤمن لك.

الوحي حين جاء عن طريق الأنبياء كان من جملة الأمور التي أتى بها تصحيح المعايير، وتصحيح المعايير قضية خطيرة جدًا في الإصلاح. يعني المصلح الواعي هو الذي يركز على إصلاح المعايير؛ لأن المعيار إطار كبير تدخل تحته أمور كثيرة، والمصلح الذي يعني هو أقل درجة في الوعي والفهم فهو يتعامل مع أفراد القضايا فقط. فهمتم الفكرة؟ يعني المصلح الواعي ينبغي أن يجمع بين أمرين: بين أن يصلح المعايير والأطر، وبين أن يصلح في التفاصيل والمعلومات الجزئية. لكن هناك تفاوت، أحيانًا تجد بعض المشتغلين بالعلم والدعوة لا يصلحون في قضية المعايير، وإنما يصلحون فقط في قضية المعلومات الجزئية. إصلاح المعلومات الجزئية وما يتعلق بها هو جيد ونافع، ولكن من الإشكالات أحيانًا أنك قد تبني معلومات كثيرة ها، ثم بمعيار خاطئ توظف هذه المعلومات الصحيحة في مجال خاطئ. اليوم نحن نرى أناسًا طلبة علم شرعي مثلاً يتلقون معلومات صحيحة، لكن بمعيار معين يوظفون هذه العلوم وهذه المعلومات في مجال خاطئ، إما في أه نصرة من لا يستحق النصرة، أو في إسقاط أه، أو في خصومات، أو في إلى آخره، وبالتالي ينبغي على المصلح أن يفهم أه قضية تصحيح المعايير وضبطها من خلال الوحي.

فأنا هنا في هذا الباب حاولت أن أتتبع مجموعة من الآيات والأحاديث التي تعود إلى أحد أمرين: إما أن تذكر معايير خاطئة كانت عند الأقوام والناس سواء أكانوا كفارًا أو مسلمين حتى، لأنه وجود المعايير الخاطئة بالنسبة للكفار تعتبر بدرجة عالية متعلقة برد الحق، لكن بالنسبة للمسلمين قد يكون هناك بعض التصورات المعيارية الخاطئة. فسواء ذُكِرَت النصوص إما من جهة إيش؟ ذكر المعايير الخاطئة، وإما من جهة تصحيح المعايير، والتركيز على الناحية الثانية أكثر. طيب، أه ذكرت الآيات قبل قليل: قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ، وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا، هذا كله من القسم الأول. ولو تلاحظون هذه الآيات مذكورة عن أقوام لأمم أو أقوام مختلفين، شيء من بني إسرائيل، شيء من قوم نوح، شيء... ولكنها متقاربة، كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ. وفي سورة البقرة: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ.

فنلاحظ أن معايير أهل الباطل وإن اختلفت الأزمنة فإنها تتشابه. لماذا تتشابه؟ لأنه في مصادر كبرى من الحق تؤثر على المعايير غائبة لديهم، آآ ولوجود الهوى ولوجود آآ يعني خلنا نقول فكرة... يعني دائمًا الإنسان الحق واحد، الحق واضح، متى ما ابتعد الإنسان منه فإنه يشترك في معنى معين وهو قضية الهوى، ثم تختلف صور الهوى. هذه النفوس والقلوب تتشابه من حيث الأصل، فالقلوب التي تتبع الهوى دائمًا تولد إشكالات واعترضات على الحق الواضح الثابت، فهذا التوليد طبيعته واحدة وإن كانت صوره الجزئية مختلفة.

طيب، أه من الآيات التي لم أذكرها وفيها تصحيح للمعايير، إحنا قلنا القسم الأول المعايير الباطلة، طيب القسم الثاني فيها تصحيح المعايير، قبل أن ننتقل للأحاديث هناك بعض الآيات وحقيقة أيضًا فاتتني، يعني الكثير من الأمور تكمل بالشرح، كتابة المتن قد تغيب، يعني في آية مهمة جدًا جدًا في القسم الثاني هي تصحيح المعايير، في سورة البقرة أيضًا: وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ، وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ. لاحظ كيف! أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ. طيب، وأيضًا آية أخرى فيها تصحيح آآ للمعايير: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ. هذا يُذَكِّر أيضًا بآية أخرى وهي قول الله سبحانه وتعالى: مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ، وهذي كلها فيها تصحيح معياري. طيب، الآن هذا بالنسبة للآيات، حتى ترى بالمناسبة حتى آية: أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ، إكمالها فيها تصحيح معياري: قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ. ها، هذا فيه تصحيح معياري.

طيب، نبدأ الآن بالأحاديث. مم أولاً عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير، فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، ومثلها قرظًا في ناحية الغرفة، وإذا أفيَقٌ معلق، قال: فابتدرت عيناي. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوته وهذه خزانتك؟ فقال: يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ قلت: بلى. أخرجه البخاري. الآن هذا الحديث من أي القسمين؟ من القسم الثاني اللي فيه تصحيح المعايير، ها، أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟

طيب، قبل ما نذكر يعني الفائدة المباشرة خلينا نذكر مجموعة من الفوائد من هذا الحديث. أول شيء بالنسبة يعني معنى الحديث، أه طبعا هذا الحديث له قصة يطول المقام بذكرها فتجاوزت قصة الحديث، لكن آآ قال: فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، ومثلها قرظًا القرظ: ورق شجر يوضع به الجلد، أو يدبغ به الجلد -عفوًا- يدبغ به الجلد. طبعا تعرفوا الجلد، جلد الحيوانات يدبغ، فإذا دبغ أه يطهر، على خلاف كبير بين الفقهاء في ضابط هذا يعني هل يطهر أو لا يطهر، وهل يعني... في كلام كثير في مسألة في باب الآن يعني عادة يذكره الفقهاء في أه قضية طهارة جلود الميتة، وطهارة جلود الميتة هل تطهر بالدباغ أو لا، بغض النظر. وإذا أفيَقٌ معلق، أفيق: جلد. ابتدرت عيناي: سالتا بالدموع.

طيب، الآن هذا الحديث فيه عدة فوائد: الفائدة الأولى في حال النبي صلى الله عليه وسلم ورضاه بالقليل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعيش حياة -وهذا ثابت في كثير من الأحاديث- كان النبي صلى الله عليه وسلم يعيش حياة غير مترفة، بل وحياة فيها كثير من المشاق والصعوبات، وآآ يعني خاصة في الأيام أو خلنا نقول في السنوات الأولى من عمر النبوة، آآ بل وحتى في السنوات الأولى في المدينة، بمعنى أن عائشة رضي الله تعالى عنها تقول في الحديث الصحيح: ما شبعنا من التمر إلا حين فُتِحَت خيبر. خيبر فُتِحَت في السنة السابعة للهجرة، ما بقي من عمر النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاث سنوات وشيء. وكذلك ثبت في الصحيح قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كان يمر علينا الهلال ثم الهلال ثم الهلال وما يُوقَد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. وآآ الأحوال النبوية فيما يتعلق بضيق حال اليد أو ضيق ذات اليد هذه كثيرة جدًا. ومم حين ترى في الأثر النفسي لنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم في مقابل ضيق ذات اليد ستجد أن الأمر عجيب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ينعكس هذا الضيق في ذات يده على نفسه بالضيق والحزن والكآبة وإلى آخره، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعيش في رسالته صابرًا محتسبًا، منشرح الصدر، أه قويًا في الحق إلى آخره، وكأنه ليس هناك تحديات مادية تحيط به، وآآ هذا يعني أمر عظيم متعلق بدلائل النبوة حتى، والباب فيه باب كبير جدًا.

الأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم غير قضية ذات اليد، أنه كان يعني يعاني أو يعني تمر به أنواع من الهموم، وهذه الهموم التي تمر به مختلفة المصادر. فالحديث، هذا الهم الذي ركب النبي صلى الله عليه وسلم كان من جهة -كما نقول اليوم- من الجهة الاجتماعية، كان بسبب بعض المشكلات داخل بيوته عليه صلاة الله وسلامه فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه واحدة من المصادر التي أه كانت بسببها بعض الابتلاءات أو بعض الشدائد التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم.

الأمر الثالث: حال الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم وحرصهم الشديد دائمًا على أن يكونوا بقربه ويكونوا بجواره. وهذا الحديث أصلًا في بعض رواياته أن عمر أصلًا قال: والله لأُضحِكَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم في بعض روايات القصة، وجاء للنبي صلى الله عليه وسلم وحاول يُضحِك حتى ضحك النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا موقف عمر، وهنا بكى عمر لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وحاله وتأثره. هذا القرب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو سمة واضحة ظاهرة في الصحابة، وهو آآ يعني مما فُضِّلوا به، وهو من الأمور التي يعني انقطع إمكان عملها، يعني ما يمكن أن الإنسان اليوم مثل عملهم، أنه يقوم النبي صلى الله عليه وسلم في مقام وقد تأثر وجهه من الهم -آآ ليس بسبب ضيق ذات اليد وإنما يعني بسبب المشكلات والتحديات المحيطة- ثم يأتي من يكون دوره أن يُسَرِّيَ عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ويتبدل وجه النبي صلى الله عليه وسلم من تلك الحال إلى حال السرور والإشراق. هذه القضية انتهت، وهذي من أعظم الأعمال الصالحة التي يمكن أن يعملها الإنسان وحازها الصحابة وفازوا بها.

الفائدة الرابعة: قضية مركزية الآخرة وآثار ذلك على الصبر والزهد. يعني النبي صلى الله عليه وسلم لما خاطب عمر بن الخطاب لم يخاطبه أنه يعني فقط يتصبر الإنسان أو يعني الحال... لا، لما تكون مركزية الآخرة هي المهيمنة على الإنسان فإنه يستعلي على النقص الدنيوي يستعلي، وهذه صعبة جدًا، أمر صعب في غاية الصعوبة ما تكون إلا يعني لمن إيمانه بالآخرة إيمان عظيم جدًا. فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا يخاطب عمر أصلًا بأسلوب أنه: أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم آآ الدنيا؟.

ثم الفائدة الخامسة والأخيرة: هي المتعلقة بأساس الباب اللي هي المعيار، أن هنا النبي صلى الله عليه وسلم يصلح المعيار فيقول: أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ بمعنى أنه ولو كان كسرى وقيصر فيما هم فيه وهم كفار، فإن لهم الدنيا، الدنيا لهم، فلا عجب أن يكونوا مع كفرهم قد أوتوا من الدنيا ما أوتوا، وأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وهو رسول الله بالدنيا في هذه الحال، فلا عجب ولا غلط ولا خطأ ولا أمر يُستغرَب، فإن الآخرة له والدنيا ليست له من حيث أه هذا المقياس الدنيوي. ولذلك يأتي الحديث التالي ليؤكد هذا المعنى.

الحديث التالي: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر. أخرجه مسلم. هذا الحديث مكون من أربع كلمات أو أه خمس كلمات، ولكن هذا الحديث فيه إصلاح معياري، بل أنا ممكن أسميه انقلابًا معياريًا يعني. يعني هذا الحديث من يضعه نصب عينيه ويتفكر فيه ويفهمه بشكل جيد تزول عنه كثير من الإشكالات.

لم يخلق الله آآ الدنيا لتكون محلاً لثواب المؤمنين، ما جعلها محلاً لثواب المؤمنين، ولم يخلق الله الجنة ثم يجعل الطريق إليها عبر جنة مادية توصل إليها، وإنما جعل الجنة في الآخرة وجعل الطريق إليها محفوفًا بالمكاره، وجعل النار في الآخرة وجعل الطريق إليها محفوفًا بالشهوات، هذه سنة الله. هذه القضية من حيث القسم الأول -اللي هي المعايير الخاطئة- هي من أكثر القضايا التي فيها معايير خاطئة في الحياة، حتى عند كثير من المسلمين، أنه يظن الإنسان أنه المفترض أن يعيش في الدنيا في سعادة بالغة وبعيدًا عن الهموم والكدر، وبعيدًا عن الابتلاءات، وبعيدًا عن ضيق ذات اليد، وبعيدًا عن... ثم أيضًا يكون في جنة الآخرة. آآ نعم، الله سبحانه وتعالى يقسم الأرزاق ويرزق المؤمنين، وقد يكون المؤمن في هذه الحياة مُوَسَّعًا له في الرزق إلى آخره، ولكن حين يبتلى بشيء من نقص الأموال أو الأنفس أو الثمرات لا يرجع إلى الأساس فيقول: لماذا يأتيني مثل هذا وأنا طائع لله؟ المفترض أن تفكر بالعكس: إذا كنت طائعًا لله فلا بد أن تأتيك اختبارات وامتحانات في هذه الدنيا، هذه الاختبارات والامتحانات ستصل إلى يعني ستزيل الطبقات الخارجية منك حتى تصل إلى قلبك، وتعالج تلك الابتلاءات قلبك، فإذا لم تكن مستعدًا لمثل هذه الابتلاءات فقد تسقط. طيب، كيف يستعد؟ واحدة من أهم سبل الاستعداد هذا المعيار: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.

طيب، ترى الدنيا سجن المؤمن قضية ليست مجرد ابتلاءات، لا؛ هي التكاليف الشرعية، يعني الآن السجين مقيد أليس كذلك؟ أبرز صفة في السجين أنه مقيد الحرية، هذي يعني أهم صفة، يعني أبرز صفة في السجين ليس هو أنه معذب، وإنما أبرز صفة في السجين أنه مقيد، جيد؟ فهو مقيد الحركة، مقيد المساحة التي ينطلق إليها، مقيد عن كذا وعن كذا وعن كذا. وهكذا الدين، الدين قيد يقيد الإنسان، فأنت جعل الله فيك رغبات وأهواء تريد أن تنطلق، الدين جاء يقيد هذه الرغبات. ولذلك -وهذا بس يعني من باب اللطائف- أنه ورد في البخاري أنه القيد في المنام ثبات في الدين، تعبير القيد في المنام ثبات في الدين جيد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب القيد في المنام. ها، المؤمن مقيد، الدنيا سجن المؤمن.

طيب، سجن بماذا؟ ليس بالضرورة فقط ابتلاءات، لا، وإنما أهم صورة في كونها سجنا هي في أن الإنسان مقيد فيها بحدود الله، فليس صحيحًا أن الإنسان المؤمن مفتوحة له كل الخيارات ليعمل ما يشاء، أبدًا. والذي لا يفهم الدين بهذه الطريقة سيستشكل كثيرًا من الأحكام، سيأتي لهذا الحكم فيقول: لماذا حرم الله كذا؟ طب يا أبو الشباب هو أصلًا الدين جاء يقيد الرغبات والأهواء، قد تكون هناك بعض التشريعات الحكمة الأساسية فيها هي قضية الابتلاء والاختبار، الابتلاء والاختبار بأنك هل تنقاد أو لا تنقاد؟ والدين هذا قائم على قضية التسليم والانقياد لله سبحانه وتعالى. نعم، فيه براهينه وأدلته العظمى والكبرى والواضحة والتي لا يدانيها أي شيء، لكن في نفس الوقت هو لا بد أن يكون فيه تسليم وانقياد، فـ الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.

هذا تصحيح معياري رهيب، وهو من أعظم المعايير التي ينبغي أن يضعها المؤمن نصب عينيه. قال النووي رحمه الله عن هذا الحديث، قال: معناه أن كل مؤمن مسجون ممنوع في الدنيا من الشهوات المحرمة والمكروهة ومكلف بفعل الطاعات الشاقة، فإذا مات استراح من هذا وانقلب إلى ما أعد الله تعالى له من النعيم الدائم.

الآن إيش فائدة التصحيح المعياري هذا؟ فائدة التصحيح المعياري هذا أنني مستعد نفسيًا لمخالفة الهوى، ومستعد لتلقي التكاليف الشرعية، ومستعد للصبر سواء بالصيام في الحر، سواء بالصلوات في أو يعني الوضوء في أوقات المكاره في البرد والصلاة وكذا، أستيقظ والفجر لأصلي وكذا، هذي كلها اسمها قيود، قيود من حكيم خبير، تقود الإنسان بإذن الله إلى أول رضوانه ثم إلى جنة الخلد. أما الكافر فالدنيا جنته بهذا باعتبار إيش؟ أنه هو غير مقيد، أنت تجد أنه يبغى يعمل، يبى ينام، يبي يصحى، اللي يقيده هو الأمور الدنيوية اللي تختارها، وظائف معينة لازم يصحى عشان دراسة عشان ما أدري إيش عشان كذا، لكن هو خير الدنيا مفتوح، إيش يبغى ياكل، إيش يبغى يشرب، إيش يبغى ينكح، إيش يبغى مدري إيش، كله مفتوح وسيحاسب على هذا، فهي هذه الدنيا جنته. إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ.

الحديث التالي: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. الآن هذا تصحيح معياري داخلي، داخل الإطار السلوكي، داخل الإطار الأخلاقي، وهذا له علاقة كبيرة في تصحيح المعايير الداخلية للتصورات الداخلية للإنسان المسلم. أما الحديث السابق فهو في التصورات الكبرى العامة: الدنيا سجن المؤمن، أما هذا الحديث فهو في التصورات الداخلية الخاصة: ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. حديث من أوضح الأحاديث في تصحيح المعايير، لأنه أه تعرفون هو أصلًا في الحديث أه يعني حتى الحديث التالي أه أنه: ما تعدون الرَّقُوبَ فيكم؟ يعني في تصور معين أنه أنتم إيش تعدون كذا. فليس الشديد بالصُّرَعَة، يعني إذا كنتم تعتبرون أن الشديد والقوي هو الذي لا يصرعه أحد -وهذا طبيعي يعني، وهذا أصلًا يعني الأقرب للغة، والأقرب للعرف، والأقرب لتصورات الناس- فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا يريد أن يقول -عليه الصلاة والسلام- أن الشديد حقًا وفعلاً والذي هو في كمال الشدة هو الذي يستطيع أن يسيطر على نزواته أو مشاعره الداخلية بحيث لا تغلبه، ومن أقوى هذه المشاعر شعور الغضب، فإذا استطاع الإنسان أن يتغلب على مقتضى هذا الشعور بحيث أنه لا يهزمه فهو الشديد حقًا. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

وبالتالي لا يسقط المؤمن أمام فخ التعريفات الخاطئة لمثل هذه القضايا: من الشديد؟ من القوي؟ من الناجح؟ من الفائز؟ من الكذا؟ هذا الحديث يمكنك أن تقيس عليه، ولكن في موضوعه الأساسي هو موضوع فيه تصحيح معياري مهم جدًا، وهو يفتح أفقًا أمام الإنسان المؤمن أن بعض الألفاظ التي يمكن أن يعني تضاف بسبب أفعال خارجية ظاهرية، الإسلام يأتي ليضيف إليها مكونات داخلية فيلحقها بها. مثلاً الحرية والعبودية، الحرية والعبودية معروفة، إنسان حر أو إنسان رقيق عبد له سيد يملكه، يأتي الإسلام يوسع من هذا المفهوم أن العبودية ترى ليست هي فقط عبودية الرق، بل هناك عبودية أدنى منها وهي: تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، بينما لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: تعس العبد الذي... لا، تعس عبد الدينار وعبد الدرهم. طب عبد الدينار وعبد الدرهم هذه تعريفات لم تكن موجودة، يعني لم يكن في التصور العام أن الذي يلهث خلف المال ولا يبالي من الحلال أو من الحرام ويبيع لأجله كذا وكذا... لم يكن تصور أنه هذا تدخل ضمن قضية العبودية، خلاص العبودية معروفة: الرقيق ومن رقيق. لكن هنا لاحظ في فتح للتصور حتى المعيار يتسع.

وهكذا ليس الشديد بالصُّرَعَة الذي يصرع الناس ولا يُصرَع، إنما الشديد حقًا، الشديد الكامل هو الذي يملك نفسه عند الغضب. وهذا الحديث فيه شرف كبير جدًا لمثل هذا السلوك الذي هو جزء من مخالفة الهوى: القدرة على التحكم بالنفس، القدرة على منعها عن رغباتها، وخاصة إذا كان هناك داعٍ داخلي يدفع الإنسان كالغضب، فالغضب كأنه إنسان داخل الإنسان، كأنه نفس داخل النفس تحدث النفس البشرية وتدفعها دفعًا، جيد؟ فإذا استطاع الإنسان أن يسكت هذه النفس الداخلية ويمنعها ويعزلها يكون شديدًا حقًا. ولذلك الله سبحانه وتعالى لما ذكر موسى عليه السلام قال: وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ. كأن الغضب داعٍ داخلي يتحدث، فلما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح.

والحديث التالي مثله: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تعدون الرَّقُوبَ فيكم؟ قال: قلنا: الذي لا يُولَد له، قال: ليس ذاك بالرَّقُوب، ولكنه الرجل الذي لم يُقَدِّم من ولده شيئًا. أخرجه مسلم.

الرقوب في اللغة: الذي لا يعيش له ولد. سؤال: هل النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس ذاك بالرقوب يقصد أن من يقول عن الذي لا يولد له إنه رقوب فهو مخطئ من حيث التعريف؟ لا، ولكن يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول أن من لا يولد له... عندنا صورتان: عندنا شخص لا يولد له، وشخص لم يمت له أحد من أبنائه، جيد؟ واضح أن الرقوب من حيث العرف، من حيث اللغة، هو الذي لم يولد له، يأتي هذا الحديث فيقلب المعادلة تمامًا، يقول لك: الذي لم يقدم من ولده شيئًا، لم يمت من أولاده أحد فهو الرقوب، وكأن الشخص الذي يعني أه يعيش في هذه الحياة وقد اكتمل بنوه ولم يُصَب فيهم بشيء ولم يمت أحد منهم، كأن هنا كأنه فيه نقص من هذه الجهة، وأن من مات له أحد فهو الذي يعني... طبعا بطبيعة الحال هذا من حيث القضاء والقدر، يعني الله سبحانه وتعالى يقدر على الإنسان، من جملة الابتلاءات أنه قد يفقد بعض أولاده: وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ. ومن جملة الابتلاء بهذا اللي هو النقص الذي يحصل في أنفسهم الأولاد، فيبتلى الإنسان بوفاة أبنائه. النبي صلى الله عليه وسلم حين يتحدث بهذا يتحدث وقد توفي جميع أبنائه -عليه صلوات الله وسلامه- في حياته إلا فاطمة رضي الله تعالى عنها ولحقته بعد وفاته بستة أشهر. لاحظ التصحيح المعياري في القضية، يعني عكس مدلول أصلًا أه ما قد يتبادر إلى الذهن.

طيب الحديث الثاني: عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه عن رفع الأمانة من الناس، قال: فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، حتى يقال للرجل: ما أجلدَه! ما أظرفه! ما أعقله! وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. أخرجه البخاري ومسلم. هذا الحديث حديث عظيم، حديث حذيفة وهو حديث طويل في البخاري ومسلم، آآ وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم تحدث عن رفع الأمانة من قلوب الناس، وشبه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرفع بطريقة متدرجة، أنه ينام الرجل فيُرفَع شيء من الأمانة حتى يظل أثرها مثل الوَكْت (لون مختلف عن الذي قبله مخالف لما حوله)، ثم يظل أثرها مثل المَجْل (مثل الانتفاخة هذي التي تحصل بسبب الحرق أو بسبب عمل الفأس فتكون داخلها ماء)، ثم أه وهكذا، يتحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن نزع الأمانة من قلوب الناس أو من قلوب الرجال حتى تبقى لها تلك الآثار، ثم يصبح الرجل ليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان. والأمانة هنا أه يعني مثل النووي رحمه الله لما يذكر التفسير أو شرح الحديث، يتحدث عن الأمانة التي في مثل قوله سبحانه وتعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ، اللي هي التكاليف الشرعية، اللي هي الدين بشكل عام.

وكيف أنه تأتي الأمانة؟ يعني كيف أنه الإنسان قد تنزع منه مثل هذه المعاني؟ ينزع منه الدين، والنزع هذا قد يكون تدريجياً، وهذا النزع له أسبابه، والحديث في هذا يطول يعني، لكن الآن فقط أركز على ما هو متعلق بالباب.

إنه نتيجة هذه الأمانة، شف الناس لابد أن تكون لهم معايير مهما كانت، سواء كان في سبب غير، أقصد كان في معايير صحيحة، في معايير خاطئة، لابد الناس أن يكون لها معايير، فإذا لم تشغل الناس بالمعايير الصحيحة سينشغلون بالمعايير الخاطئة. من جملة المعايير الخاطئة التي تأتي في مثل هذه الحالات حين تنزع الأمانة ينزع الدين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: حتى يقال للرجل ما أجَلده؟ ما أظرفه؟ ما أعقله؟ وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. وهنا السياق قد يدل والله أعلم أنه ما أجَلده وما أظرفه وما أعقله قد يكون من جملة أسباب ذلك هو المعيار المادي المالي، لأنه هنا يصبح الناس يتبايعون اللي هو البيع والشراء، لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال إن في بني فلان رجلاً أميناً، حتى يقال للرجل ما أجَلده ما أظرفه ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.

وكأنه والله أعلم هنا أنه ليس أميناً، خاصة في البيع والشراء، فهنا الحديث أيضاً ينبه إلى معيار خاطئ عند الناس، أنه ترى سيأتي زمن على الناس يقال فيه للرجل، يقال فيه للإنسان ما أعقله ما أجَلده ما أظرفه، وإذا نظرت إلى المعيار الحقيقي الذي ينبغي أن يقيم عليه الإنسان فهو لا يمتلك شيئاً منه وهو ما في قلبه من الإيمان، وإنما لأجل معايير مادية معينة. ونحن اليوم حقيقة في مثل هذه المرحلة نعيش مثل هذه التقييمات الزائفة، يعني نحن اليوم في زمن طبيعة النظرة خلنا نقول التكوينية فيه هي نظرة نجوم ورموز وتابعين ومتابعين وما إلى ذلك، وهناك معايير معينة تقذف بالإنسان إلى الأعلى في مثل هذه المكونات أو تنزل به إلى الأدنى.

إحنا اليوم نرى كثيراً من الناس يستضافون، يعني يحضرون افتتاحات كبرى والناس تتعلق حولهم، وقد يأتون في أماكن عامة بحماية وبمدري إيش وكذا من مشاهير شبكات التواصل، هو فعلاً لا يمتلك أي شيء، لا يمتلك لا علماً ولا يعني فيما يظهر من الحال صلاحاً واستقامة وديناً وإيماناً وإلى آخره، وإنما غاية ما لديه طبعاً ويقال فيه ما أجَلده وما أظرفه وما أعقله وما إلى آخره وأشباهها وأمثالها، ثم لا يكون هذا مبنياً على أي معيار صحيح ينبغي أن يقدم لأجله الإنسان.

ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من الأحاديث العجيبة حقيقة وإن كان بعض العلماء يتحدث في شيء من إسناده، اللي هو سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويخون فيها الأمين ويؤتمن فيها الخائن وينطق فيها الرويبضة، قالوا: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتحدث في أمر العامة، رجل التافه يتحدث في أمر عام. وهذا مثال على انقلاب معياري هائل في كيف أنه الصادق يكذب والكاذب يصدق، الأمين يخون، الخائن يؤتمن، والرجل التافه يتحدث في أمر العامة. هذا تنبيه الحديث هذا فيه تنبيه للمعايير الخاطئة، وفيه أيضاً تصحيح للمعايير، أما التنبيه على المعايير الخاطئة اللي هو ما أجَلده ما أعقله ما أظرفه، جيد، غالباً لأجل المعايير المادية وما إلى ذلك أو من مقتضيات دنيوية معينة، والتصحيح هو ليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، معناه أن إيش؟ معناه أنه كلما ازداد إيمانه كان أوجب وأدعى لأن يقال له مثل ما قيل لذلك الذي يفتقد حقيقة ما ينبغي أن يقدم لأجله الإنسان.

الحديث التالي قبل الأخير، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ. أخرجه مسلم.

وحديث التعريف سأتحدث عنهما سوياً، قال مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يستمع. قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال ألا يستمع. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا. أخرجه البخاري.

الآن هذان الحديثان هما أيضاً في التصحيح الداخلي، أو لتصحيح المعيار الداخلي داخل التصورات الإسلامية، التصورات الإسلامية الداخلية، حتى بين المؤمنين قد يكون هناك بعض المعايير الخاطئة المتأثرة أياً كان من المؤثرات. النبي صلى الله عليه وسلم استعمل أسلوباً مثل الأسلوب الذي استعمله في قوله: ما تعدون الرقوب فيكم؟ ما تعدون الرقوب فيكم؟ الحديث السابق، وهنا ما تقولون في هذا؟ وهذا أسلوب نبوي متكرر، النبي صلى الله عليه وسلم ينبه، استعمل السؤال: أي يوم هذا؟ كما في الحديث الصحيح في البخاري ومسلم، أي يوم هذا؟ طب أنت عارف أنه اليوم، يعني تخيل مثلاً إحنا بكرة إن شاء الله يوم عرفة، ترى لما يجي يوم عرفة كلنا عارفينه يوم عرفة، يجي يقول لكم يعني أي يوم هذا؟ سؤال الذي كأنه سؤال عن معلومة، فأنت عارف المعلومة هذي والكل عارف هذه المعلومة، فأنت تنتبه أنه إيش في.

فيقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث: أليس يوم النحر؟ قالوا: بلى يا رسول الله. أي بلد ها؟ أي شهر هذا؟ قالوا ظننا أنه سيسميه بغير اسمه بغير اسمه. قال: أليس ذي الحجة؟ قالوا: نعم. أي بلد هذا؟ ظننا أنه سيسمي بغيره بغير اسمه، أليس البلد الحرام؟ قالوا: نعم. لاحظوا التنبيه، هذا أسلوب نبوي مهم، مهم أن يتخذه المصلحون، أن يتخذه الدعاة، مهم أن يعتنوا بالأسلوب خاصة إذا كان الكلام متعلقاً بأمر معظم أو متعلقاً بتصحيح معياري، تصحيح معياري، ما تعدون الرقوب فيكم؟ فهو يقررهم بهذه المعلومة التي يعلمونها جميعاً ثم يصلح، ثم يصلح وهكذا، ما تقولون في هذا؟

ثم حين مر ما تقولون في هذا، وكأنه إيقاظ وإثارة للمعلومة المستقرة أصلاً والموجودة أصلاً، تضعها أمامهم، تضع أمامهم المعلومة الخاطئة جيد، تجعلهم ينطقون بالمعلومة الخاطئة، لما ينطق بالمعلومة الخاطئة وتضعها أمامه تنسفها له، جيد، وهذا أسلوب مهم جداً أنه تخرج ما في أنفس الناس من الخطأ من التصورات الخاطئة، تجعلهم ينطقون بها، تجعلهم يعني يعرضونها، فإذا عرضها وكأنك قل لهم ترى أنا عارف هذي القضية وفاهم الموضوع بس ترى هذا كله بعد ما تكلمتم به ترى هذا كله غلط، والصواب كذا وكذا وكذا وكذا إلى آخره. ما تعدون الرقوب فيكم؟ قالوا كذا، أتى لهم بعكس ما يتصور. رب أشعث مدفوع بالأبواب، هذا مدفوع بالأبواب مثل الذي قالوا قبل قليل: حري أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع، هذا معنى مدفوع بالأبواب أصلاً، وإن قال ألا يستمع يعني إن جاء في مكان لا يصدر، إن جاء في طلب طلب ما راح يستجاب، إن جاء مدفوع بالأبواب، أشعث أغبر، رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره.

الحال أنه ليس فقط أنه هو ينبغي ألا يكون مدفوعاً بالأبواب، بل هذا عند الله بمكان، عند الله بمكان أنه لو أقسم على الله سبحانه، ها؟ ذي الجلال والعظمة، لأبره الله سبحانه وتعالى، لأبره الله سبحانه وتعالى، أي لوفى له قسمه هذا الذي أقسم به. وهذا فيه حديث كثير أو طويل وفيه قصة أيضاً حصلت في وقت النبي صلى الله عليه وسلم للربيع بنت معوذ كذا لكن لا يسع المقام لذكرها الآن.

هذا الحديث متصل بحديث آخر صحح النبي صلى الله عليه وسلم فيه مثل هذه المعايير، فقال كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. لاحظ، فعند الله سبحانه وتعالى هذا المعيار، كونه أشعث وكونه الناس زاهدين فيه ولا يعتبرونه كذا، هذا عند الله سبحانه وتعالى ليس معياراً، فكون الإنسان ليس مصدراً عند الناس هذا لا يعني أنه كذلك عند الله سبحانه وتعالى، بل قد يكون الأمر بعكس ذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم امتدح الإنسان الذي لا يبالي أين يكون مكانه في الدنيا، وهو في سياق العمل للدين خاصة يعني خاصة إذا كان في سياق العمل في الدين، وإذا جاء هذا المدح فمعنى ذلك أنه هناك ذم لعكسه، هناك ذم لمن لا يشتغل في المجالات الدعوية والإصلاحية إلا إذا كان له مكانة معينة، أنا لي تاريخ كان ممكن تحطني هنا كذا، أنا مفروض أكون هنا.

وهذا الحديث أيضاً فاتني أن أضعه وكان من المفترض أن يوضع، وهو في تصحيح معياري وأختم به، وهو حديث أبي هريرة في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش. هذا الآن هناك الآخر، طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الساقة كان في الساق، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع. أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا أتذكر الألفاظ بشكل جيد، لكن هو في هذا المعنى، لاحظ أنه يعني في حالة مفارقة جداً بأنه هو امتداح لهذا الذي لا يبالي أين يكون، سواء في الحراسة في الساقة هو أهم شيء في سبيل الله وهذا طوبى له، وهنا نفس الشيء: لو أقسم على الله لأبره، مع أنه في الواقع في الحال ليس له مكان معين، ما له كرسي كبير يجلس أمام في الناس وأمامه الطلاب، ليس بالضرورة أن يكون هذه هي في حال مقبول عند الله سبحانه وتعالى، والذي هو عند الله سبحانه وتعالى بمكان أن يكون لو أقسم على الله سبحانه وتعالى لأبره.

على أية حال الحديث في هذا يطول وأنا مضطر للإغلاق الآن. خلاصة ما في هذا الباب أن الناس لديهم معايير دائماً، وأن من أهم أسباب رد الحق هو وجود المعايير الخاطئة، وهذا مذكور في أقوام الأنبياء: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ؟ أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من إلى آخره. وأن من أعظم صور التصحيح التي جاء بها الأنبياء والتي ينبغي على أتباع الأنبياء أن يفعلوها هي أن المعايير، وأن تصحيح المعيار أخطر وأهم بكثير من تصحيح التصورات الجزئية. وأن كثيراً من المشتغلين اليوم بالدعوة لا ينتبهون إلى قضية تصحيح المعايير، وإنما يعني هناك من ينتبه بطبيعة الحال، لكن هناك نقص في هذا الجانب في هذا الباب. فمن أعظم صور الإصلاح المحتاج إليه اليوم: الإصلاح في المعايير، الإصلاح في المعايير.

ونحن اليوم في زمن وفي مرحلة من أكثر الأزمنة التي تبنى فيها المعايير الخاطئة، تبنى بناءً ضخماً، منصات إعلامية هائلة، شبكات إلى آخره، تبنى فيها معايير، حتى إذا أخذت المعايير أوقاتها، المعايير الخاطئة أوقاتها، الإشكال في ذلك أنها تصبح سنة، هذه المعايير الخاطئة تصبح سنة، كما قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في حديث في مسند الدارمي فهو من قوله، أنه قال كيف أنتم إذا بزمن يكثر فيه قراؤكم ويقل فقهاؤكم ويكثر أمراؤكم وإلى آخره، وذكر فيه أنه يصبح الأمر الخاطئ سنة، فإذا غيرت قالوا غيرت السنة، هذه المعايير تكون المعايير الخاطئة. نحن اليوم في قلب هذا الزمن، في قلب الزمن الذي يمكن أن يوصف بأنه زمن ضخ المعايير الخاطئة التي تبث في الناس حتى تصبح سنة، فإذا أراد أن يأتي من يغيرها يقال غير السنة، غير السنة، هذا الذي يوجب أصلاً أن يشتغل الإنسان بإصلاح المعايير، ولذلك التأثير الحقيقي اليوم هو في إصلاح هذه المعايير، وأن من هدي الأنبياء والمرسلين إصلاح المعايير، وذكرت مجموعة من الأحاديث، وأن هذه المعايير ليست بالضرورة أن تكون فقط المعايير المتعلقة بالكفار الذين يردون أساس الحق من هذه المعايير، وإنما حتى داخل التصورات الإسلامية الداخلية نحتاج إلى إصلاح معايير جزئية قد تؤثر في طبيعة الدعوة، في طبيعة الإصلاح، في طبيعة التصورات إلى آخره، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا ويسددنا، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.