تسجيل الدخول

شرح المنهاج من ميراث النبوة 15 | صفات المصلحين

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء الله من شيء بعد.

الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه المصير، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. ثم أما بعد، نستعين بالله ونستهدي به ونتوكل عليه وننطلق في هذا المجلس من مجالس شرح المنهاج من ميراث النبوة، وهو كما أسلفت متصل أيضا بسلسلة أخرى وهي سلسلة مركزيات الإصلاح؛ لأن في مركزيات الإصلاح التي أخذناها مركزية صناعة الحملة والمصلحين، وهذا باب في صفاتهم.

وهو يعني آثرت أن يكون بدل أن يكون موزعا على السلسلتين أن يكون مباشرة في شرح المنهاج من ميراث النبوة، هذا هو الباب الثاني عشر من الكتاب، وللتذكير المنهاج من ميراث النبوة أحاديث منتقاة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة، اختيرت بملاحظة أن من يقرأها ويستفيد منها ويحفظها، والشاب المسلم الذي يرجو أن يكون مصلحا ويرجو أن يكون نافعا لأمته ويرجو أن يصل إلى الله سبحانه وتعالى بطريق معتدلة متبع فيها للنبي صلى الله عليه وسلم، هذا الباب هو الثاني عشر من هذا الكتاب وفيه باب صفات المصلحين وما ينبغي أن يكون عليه العاملون للإسلام.

قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.

هذه الآية الأولى من الآيات المهمة والأساسية في معرفة من القوم؟ ما صفات القوم الذين يهيئهم الله ليكونوا مصلحين؟ لكن قبل أن نذكر صفاتهم، هذه الآية فيها فائدة أخرى مهمة جدا، ألا وهي أن الله سبحانه وتعالى دائما من سنته أنه يعلق نصرة دينه على وجود من يحمله، لأنه قال: مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ، ما قال مثلا يعني أنت تتخيل أنه طيب إذا حصلت حالة ارتداد عن الدين ما الذي سيحصل؟ هل مثلا سيأتي شيء من السماء يقطع حالة الفساد المستشرية؟ هل تنزل الجنود من السماء؟ لا، مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ.

يعني هي في الأخير أنت في الأرض، والأرض قد جعل الله سبحانه وتعالى في السير فيها وفي القيام بصلاحها قوانين، ومن جملة هذه القوانين في إصلاح الأرض أن الذين يصلحون الأرض هم من البشر، وهؤلاء البشر يسيرون بما حكم الله على البشر من صفات ومن أحوال إلى آخره، لكن يعطيهم الله من قوته أو قوة من عنده، ويعطيهم الله من مدده حين يسيرون على صفات معينة.

والشأن كل الشأن هو في تطلب هذه الصفات، فمتى ما وجدت واستقام عليها المصلحون فيأتيهم المدد من الله سبحانه وتعالى والعون، وإذا أتى المدد والعون فلا تسل عن أنواع العقبات التي يمكن أن تمهد، وعن أنواع الشدائد التي لن تفت في عضدهم، وإلى آخره. لكن المشكلة دائما وخاصة في واقعنا وفي زماننا أنه لكثرة المشكلات والتحديات والعقبات صرنا ننظر إليها مباشرة إلى هذه التحديات والعقبات، فإذا قال قائل: ما السبيل إلى الإصلاح؟ مباشرة يقفز في ذهنك كيف تسأل هذا السؤال وعندنا واحد واثنين وثلاثة وأربعة من التحديات الكبرى المحيطة بالعالم الإسلامي إلى آخره؟ بينما الشأن كل الشأن في الجواب عن هذا السؤال ليس بالتفكير بهذه الطريقة، وإنما بالاتيان بهؤلاء القوم وصناعتهم وتهيئتهم، فإذا جاؤوا وسلكوا السنة التي يحبها الله سبحانه وتعالى فالله سبحانه وتعالى هو الذي يمدهم ويعينهم ويبصرهم.

إذا: مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ، وفي الأخير سيأتي قوم لن يكونوا من السماء وإنما سيكونون من الأرض، ثم يبرز الله صفاتهم، وهذه الصفات مهمة جدا أن يسلط المؤمن الضوء عليها وينتبه إليها سواء هذه المذكورة في الآية، أو في الآيات التي بعدها، أو في الأحاديث التي ستأتي في هذا الباب.

حسنا، ما صفات القوم الذين سيأتي الله بهم ليكونوا البدل عن المستبدلين؟ اليس كذلك؟ وقال سبحانه وتعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ. أول شيء يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، هذه تذكرنا بحديث سيأتي في نفس الباب في صفات المصلحين، وهو حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في ليلة خيبر أو يوم خيبر لما قال: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. وهنا فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، صفة أو وجود حالة الإيمان القلبي الذي من أهم شعاراته المحبة لله سبحانه وتعالى، هذا من أهم الصفات في المصلحين.

ولذلك من يظن أن صناعة المصلحين تكون بالإعداد الظاهري لقدراتهم ومهاراتهم وخبراتهم والدورات التي يأخذونها فقط، ويظن أنه هذا هو صناعة المغيرين لواقع المسلمين فهو واهم. أول شيء ذكره الله من صفات هؤلاء القوم صفة باطنة في صميم القلب: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، ولذلك نرجع لمركزيات الإصلاح: مركزية التزكية، إذا لم تكن مركزية التزكية حاضرة في بناء المصلحين من بداية الطريق إلى آخره فهذا البناء ناقص ونتائجه ستكون مشوهة. إذا أولا: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، وبالتالي الإنسان هنا يسأل عن ما السبيل إلى الوصول إلى محبة الله سبحانه وتعالى، وهذا باب شريف تحدث عنه العلماء المهتمون بقضية السلوك وما إلى ذلك.

إذا هذه الصفة الأولى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، الصفة الثانية طبعا هنا الصفة الأولى الأساس فيها يحبونه؛ لأن هذا الذي من جهتهم، أما يحبهم فهي هبة من الله سبحانه وتعالى. الصفة الثانية، حقيقة لأجل كثرة الآيات والأحاديث في هذا الباب يعني سأختصر الكلام إلى قدر المستطاع، وإلا في الحديث يمكن أن يكون الدرس عن هذه الآية فقط.

أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، لاحظ أنت لا تأخذ هذه الصفات منفكة عن السياق، ترى السياق سياق استبدال، يعني السياق سياق أناس يكونون على الميزان الذي يريده الله في نصرة دينه، وبالتالي كل صفة من هذه الصفات هي صفة مركزية في المصلحين وليست صفة مكملة، لأن هذه الصفات حين تأتي في سياق الاستبدال الإلهي لأناس ارتدوا عن دينهم ثم يأتي بأناس ينصرون دين الله، فانتبه لهذه الصفات فهي التي عليها الشأن والمدار. إذا تحت يحبهم يدخل التزكية والعبودية لله والإخبات القلبي والعناية بالصفات القلبية وما إلى ذلك، والذي يفصل هذه الصفة عن تكوين المصلحين فقد فصل بين ما وصله الله سبحانه وتعالى.

طيب، أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، هذه الصفة الثانية في صفات المصلحين الذين سيأتي الله بهم بدلا عمن ارتد عن دينه، هذه تذكر بآية أخرى أيضا مذكورة في الباب وهي متعلقة بصفات المصلحين وهي ايش: مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ. طيب، أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ، أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، هذه تفسر هذه وهذه تفسر هذه.

إذا من الصفات المهمة في حملة رسالة الإصلاح والسائرين على طريق الأنبياء هي أن يجمعوا بين صفتين، بين صفة لين ولطف ورحمة وخفض جناح وذلة إذا كان الطرف الآخر من المؤمنين، ونفس الشخص هذا الرحيم الرفيق موطأ الأكناف، نفس هذا الشخص هو عزيز شديد على الكافرين، يعني ليس أنه في أناس تخصصهم رحمة وفي ناس لا، هو نفس الإنسان في محله الواحد في قلبه الواحد يحمل هذا التنوع، وموجب هذا التنوع، وانتبهوا لهذا جيدا، موجب هذا التنوع هو ما ذكر في الجملة التي سلفت، ايش هو؟ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ.

ما العلاقة بين يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وبين أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ؟ جيد، طيب، الدافع لمحبة المؤمنين واللين لهم هو الاشتراك في معنى محبة الله، والدافع للعزة على الكافرين والشدة عليهم هو أنهم ضادوا محبة الله سبحانه وتعالى، فلأن المؤمنين محل لمحبة الله فالمؤمن يحبهم، ولأن الكافرين محل لبغض الله سبحانه وتعالى فالمؤمن يبغضهم ويكون عزيزا وشديدا عليهم. إذا من أهم الصفات في المصلحين الذين يحملون رسالة الله سبحانه وتعالى هي أنهم يحددون معايير المحبة والبغضاء ومعايير الرحمة والرفق والشدة والعزة بناء على المبدأ الأصلي الأساسي الذي هو العبودية لله سبحانه وتعالى ومحبته.

فهذه العبودية كأنها هي المحور الذي يولد حوله كل الصفات الأخرى، حتى الصفة التي ستأتي: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حتى يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هذه مرتبطة بـيُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، والدليل ما جاء في سورة التوبة في قول الله سبحانه وتعالى: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ.

القانون الباعث للمؤمن المصلح على أن يسترخص نفسه، وأن يضحي في سبيل الله، وأن يبذل من جهده ووقته وفكره ووإلى آخره، المحرك الأساسي هو محبته لله سبحانه وتعالى، هذا المحرك الأساسي. وفرق كبير بين من يعمل لدين الله والمحرك له هو محبة الله سبحانه وتعالى، وبين من يعمل لدين الله وهو فاقد لهذه الصفة العظيمة المركزية الكبرى، ولأنهم يحبون الله ويقدمون هذه المحبة على كل شيء تهون عليهم أنفسهم، فتتحقق الصفتين الأخيرتين في الآية: الأولى يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، والثانية وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ.

لماذا لا يخافون لومة لائم؟ لأنهم ما يحسوا، ما يشعروا، ما يتألمون؟ هم يتألمون، وترى حتى لوم اللائمين هنا الآية لا تنفي عنهم أنهم يحزنون بسببه أو يتألمون، لكنهم لا يخافون، يعني يقدمون على ما أمر الله سبحانه وتعالى به ولو كانت النتيجة المعروفة لديهم مسبقا لوم اللائمين واستهزاء المستهزئين وكلام المغرضين والمبغضين. ما الدافع لهم على كل هذا؟ وما أزداد لهم؟ من أهم الدوافع والزاد المنشئ لهذه الصفات بإذن الله تعالى والمعين على الثبات عليها هو يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، هو المحبة، المحبة لله سبحانه وتعالى.

وبالتالي حين نعرف المحبة، أو حين نصف المحبة بأنها ليست كما يصفها البعض أنه كأنها حالات من الهيام الشعوري والدخول في حالات الفناء الروحي وما إلى ذلك، لاحظ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أدّت إلى صبر وذلة على المؤمنين وعزة على الكافرين وجهاد في سبيل الله وأنهم ما يخافون لومة لائم. وفرق بين الذي يجعل محبة الله سبحانه وتعالى هي الدافعة إلى مجرد إغماظ العينين والسرحان في الذهن بالخواطر التأملية الروحية الانعزالية المدري إيش، فرق كبير بين الحالتين.

إذا متى ما كانت محبة العبد لربه محركة له ودافعة له لنصرة دينه والتضحية في سبيله والصبر على اللأواء والشدائد وتحمل الآلام فهذا مقياس على أن المحبة تسير في الطريق الصحيح، ومتى ما كانت المحبة عازلة للإنسان عن العمل لدين الله سبحانه وتعالى والصبر على البلاء والشدائد فهذا فيه إشكال، فيه إشكال.

الآية التالية قال سبحانه وتعالى: مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، هذه الآية ترى تشبه تلك الآية ولكن فيها يعني خلنا نقول لما تأتي بعض الصفات المشتركة تأتي إما إشارة لفرع منها أو شيء متصل بها. هناك ما الأمور المذكورة؟ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، واحد، أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ، يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ، خمس صفات صح؟ طيب هنا لاحظ: مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ، هذي تساوي هناك ايش؟ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ. رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.

طيب، مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، هذه آية، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ، هذه راجعة إلى ايش؟ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، فهي في الأخير أمور متعلقة بصلاح القلب وتزكيته وخشوعه وابتغاء ما عند الله سبحانه وتعالى، صار هناك مشابهة لما ذكر في سورة المائدة من من يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ. طيب باقي يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ هل هي مشار إليها أو مذكورة في الآية لا.

جيد، طيب أحسنتم، المثال الذي ذكره الله في نفس الآية: ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ، هذا مثال ذكره الله سبحانه وتعالى لحالة الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم في نصرته، كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ، الشطأ اللي هو الزرع الصغار هذا الذي يحيط أساس الزرعة فيقويها، أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ. إذا الله سبحانه وتعالى ذكر فيهم هذه الصفات فيحبهم ويحبونه، هناك هنا لا ذكرت تفاصيل تزكوية تفصيلية، فقال سبحانه وتعالى: تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا، الصلاة من أعظم شعارات المحبين، الصلاة من أعظم شعارات وأعمال المحبين لله سبحانه وتعالى، يعني ايش الصيغة العملية المعبرة عن خلنا نقول فيضان القلب بمحبة الله سبحانه وتعالى؟

كأن هذا الشعور الذي يخرج من القلب في محبة الله سبحانه وتعالى كأنه لا يحتويه عمليا إلا السجود، إلا السجود، يعني السجود يعني يسكب ما في القلب من محبة الله سبحانه وتعالى لتفيض على بقية الروح والجسم والجسد، ولذلك دائما تجد أن المحبين لله سبحانه وتعالى قائمين في المحراب، لا بد أن يكون لهم صلة بالله سبحانه وتعالى في الصلاة تحديدا، ولذلك تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا، هذه معبرة جدا عن يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ.

يعني المحبة هذه من أعظم صور إثباتاتها الإكثار من الصلاة، لذلك تراهم ركعاً سجداً، وهذي تراهم ركعاً سجداً ليست متوجهة إلى الفرائض فقط، يعني تراهم ركعاً سجداً فيها إشارة إلى الكثرة.

وأشار إلى ذلك بعض المفسرين، كأن بعض المفسرين ذكر أن تراهم يعني حيثما أردت أو وقت ما أردت أن تراهم تراهم ركعاً سجداً، جبت هذا الرؤية الآن الظاهرة التي أنت تراهم ركعاً سجداً. جيد، طيب الله سبحانه وتعالى الآن يبرز لك ما لا تراه وهو راكع ساجد، هذا المصلي الراكع الساجد يبرز الله لك ما في قلبه مما لا تعرفه أنت، فيقول لك: تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً. ركعاً سجداً هذا العمل الظاهر الذي تراه أنت، لكن يبتغون فضلاً من الله ورضواناً هذا ما في القلب مما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، إلى آخر الآيات أو الآية.

طيب ثم الآية الثالثة، وقال سبحانه وتعالى: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ. لاحظوا الآن التنوع في قضية الصفات، الصفات الماضية كانت في قضية يحبهم ويحبونه وأذلة إلى آخره، الآن في صفات أخرى يجب أن تكون في المصلحين ومن جملتها القوة، إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ. وهذه القوة قد يفكر البعض أنه أول وأهم ما يدخل فيها هي القوة المادية، بينما أول وأهم ما يدخل في هذه القوة هي القوة المعنوية والقوة المادية أيضاً. القوة المادية في كل حالة بما يناسبها، يعني هنا إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، هنا القوة ليست قوة حرب وقتال، وإنما القوة تناسب حالة العمل الذي قالت الفتاة لأبيها عن موسى عليه السلام: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ.

القوة قد في مواطن القتال والجهاد في سبيل الله يأتي تسليط الضوء على القوة حتى القوة البدنية وتكون ممتدحة، كما قال الله سبحانه وتعالى: أَنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ، وجاء هذا في سياق الامتداح لأنه أصلاً السياق كان سياق القيادة بالقتال في سبيل الله. وأحياناً يأتي لفظ القوة مطلق كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. ما المقصود هنا بالمؤمن القوي؟ حقيقة لا أفتي، أكرر كلام الإمام النووي رحمه الله في شرح وتفسير هذا الحديث لأنه يعني النووي معروف رحمه الله في علمه، لكن أحياناً يأتي بالتقاطات هو أو غيره من العلماء، تكون هناك التقاطات بديعة وتكون هناك التقاطات في غاية الجمال، منها كلام النووي رحمه الله في قضية المؤمن القوي.

يقول رحمه الله تعالى شارحاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، يقول: والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمر الآخرة. عزيمة النفس والقريحة في أمر الآخرة، المشكلة هذه صعب تفسر اللي يقول لك عنده قريحة الشعر، قريحة في الشعر، جيد، النووي ما أدري كيف جلب هذه الكلمة هنا واجعلها في أمور الآخرة، عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، عجيبة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقداماً على العدو في الجهاد، وأسرع خروجاً إليه وذهاباً في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في كل ذلك واحتمال المشاق في ذات الله، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات وأنشط طلباً لها ومحافظة عليها ونحو ذلك. هذا تفسير شمولي للمؤمن القوي وأنه خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

طيب، على أية حال هذه من الصفات التي ينبغي أن يكون عليها المصلحون، ومن جملة القوة ما يمكن أن يشار إليه في قول الله سبحانه وتعالى في الآية التالية، وقال سبحانه على لسان يوسف عليه السلام: اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ. لاحظوا إحنا نتكلم عن صفات المصلحين، وهنا تأتي صفات تبرز في الأنبياء أو في أتباعهم في سياقات إصلاحية معينة، والقصد هو التنبه لهذه الصفات ومن ثم الاقتداء، اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ. ذكر هاتين الصفتين بعد اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ معناه أن لهذه الصفة كالعلة لذلك الطلب، أنه اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ، فلاجل كوني حفيظاً عليماً فاجعلني على خزائن الأرض.

طيب، الحفيظ العليم هنا، خزائن الأرض يعني إيش نقدر نسميه في المجال؟ المجال الاقتصادي صح؟ أو خلنا نقول مجال الإدارة الاقتصادية، بس هذه ما هي مؤسسة ولا شي هذه دولة، فيوسف عليه السلام بيستلم خزائن الأرض التي هي أرض المقصود بها مصر طبعاً، اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ، هنا تأتي صفة العلم والعلم المتعلق بالمجال الذي سيعمل فيه الإنسان. وحفيظ هذه فيها صفة الأمانة والجانب المالي، والجانب المالي فيه أهمية أن يكون الإنسان أميناً، هذه صفة عامة لأنه قبل قليل إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، ومع ذلك هنا الجانب المالي يحتاج ويتطلب قدراً أكبر من الأمانة، وبعض المفسرين أشار في قضية حفيظ إلى أنه عندي قدرة على قضية الحساب والمعرفة وما يتعلق بالداخل والخارج وما إلى ذلك.

طيب، الصفة التالية وهي أيضاً متعلقة أَنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ، هذه راجعة إلى أي صفة؟ أول شي أَنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ هذا اختيار من الله سبحانه وتعالى، ثم من جملة ما يشار إليه في هذا السياق أنه أيضاً زاده بسطة في العلم والجسم، تأتي هنا القوة والعلم، والقوة والعلم، وكذلك في يوسف إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ، وبالتالي تأتي صفة العلم، وهذا يذكرنا بمركزية العلم في السياق الإصلاحي وقد أخذناها في بعض الدروس السابقة.

نأتي للآية التالية وهي آية تتطلب وقفة وهي مهمة جداً، قال الله سبحانه وتعالى: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. هذه الآيات عجيبة بل هي في غاية العجب، وسياقها قبل أن نقف معها سياقها مهم جداً، هذه الآيات في أي سورة؟ آل عمران، في أي سياق؟ في أي سياق يعني الحديث عن إيش؟ غزوة أحد تحديداً، غزوة أحد تحديداً. طيب، في أي سياق من غزوة أحد؟ خبر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وحالة التشتت التي حصلت يعني فرار البعض واضطراب البعض وما إلى ذلك، هذا هو السياق جيد. لذلك مهم استحضار السياق عند الولوج إلى الآية، بالمناسبة ترى استحضار السياق أحياناً يرجح قولاً على قول في التفسير عند بعض أئمة التفسير، يعني مثلاً الإمام الطبري يرجح هنا قراءة وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قُتِلَ بناءً على سياق غزوة أحد، فهمتوا الفكرة؟ هي في قراءة وين؟ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قُتِلَ، جيد فهنا يرجح قراءة قُتِلَ، بعدين يأتي أيضاً هنا الاجتهاد التفسيري وين؟ لما تكون قُتِلَ هل المقصود قُتِلَ معه ربيون كثير ولا كأين من نبي قتل معه ربيون كثير؟ فهمتوا الفكرة؟ يعني قُتِلَ معه يعني الذين قتلوا هم الربيون ولا الذي قتل هو النبي ومعه ربيون كثير فما وهنوا لخبر مقتل نبيهم، فهمتوا الفكرة؟ فيكون هذا التفسير هو أقرب لسياق ما حصل في غزوة أحد، واضح الفكرة؟ فاستحضار السياق مهم جداً، بغض النظر الآن لكن هي الفكرة أنه حتى طبعاً وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ هي تنطبق على نفس السياق لأن المعنى الأساسي موجود.

طيب، وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ، لاحظوا الآن في فائدة مهمة قبل ما نذكر أي صفة من هذي الصفات الواردة في الآية في أمر مهم جداً جداً جداً مستفاد من هذه الآيات مع السياق، ألا وهو أن الله سبحانه وتعالى ينبهنا إلى أهمية استحضار واستذكار قصص الثابتين قبلنا والمصلحين قبلنا واستجلاب هذه القصص عند الأزمات والحوادث، واضح؟ لأنه الأزمة التي حصلت أنزل الله سبحانه وتعالى في هذه الآية وفيها عتاب للمؤمنين، كما قال ابن جرير الطبري قال هذه عتاب أصلاً وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ هذا عتاب للمؤمنين الذين اضطربوا يوم أحد؛ لأنه الله سبحانه وتعالى يقول لهم ألم يكن لكم فيمن ثبت قبلكم من الأمم الذين عرفتم أخبارهم، ها ممن ثبتوا مع الأنبياء ولم يضطربوا وما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا ألم يكن لكم فيهم أسوة وقد أصابكم ما أصابهم؟ واضح الفائدة من هذا قبل لا نذكر الصفات؟ الفائدة هي أهمية أولاً معرفة قصص النبيين والمؤمنين والمصلحين وحملة الدين، ثم أهمية استحضار ما جرى لهم وحصل لهم واستجلاب هذه الأحداث وهذه المعاني عند النوازل والشدائد والكربات.

والعجيب أنه في نفس ذلك اليوم وفي نفس ذلك المشهد الذي هو مشهد يوم أحد يذكر الله المؤمنين بما حصل، لكن النبي صلى الله عليه وسلم هو بنفسه استجلب قصة نبي قبله وصبر في ذلك اليوم، وكان من أسباب صبره تذكره عليه صلاة الله وسلامه لما جرى لمن قبله، كما في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول كأني أرى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء، يحكي نبياً من الأنبياء وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. يعني النبي صلى الله عليه وسلم كان الدم يسيل في وجهه وهو يمسح الدم عن وجهه، يحكي نبياً من الأنبياء أيضاً أصيب في وجهه وسال الدم على وجهه ويمسح الدم عن وجهه. وتذكر النماذج السابقة من أهم ما يعين على الصبر والثبات، وقد قال الله سبحانه وتعالى: وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ، ولما أوذي النبي صلى الله عليه وسلم بكلام أحد السفهاء وكان كلاماً مؤذياً غاية الأذى حتى أن وجه النبي صلى الله عليه وسلم تغير، تذكر ما حصل لمن قبله فقال: رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر.

لاحظوا أهمية استذكار ما حصل لمن قبلك، هنا الله سبحانه وتعالى يذكر المؤمنين بما حصل لمن قبلهم أنتم معكم نبي وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، أيضاً هناك ربيون والآلاف مؤلفة جماعات كثيرة من أتباع الأنبياء خاضوا ما خضتم ونالهم ما نالكم، فما الذي فعلوه وهلا تذكرتم صنيعهم فاستقمتم على مثل ما صنعوا؟ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ. حسناً ماذا صنعوا؟ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، هذي الجملة تبين لك أنهم أصيبوا إصابة في سبيل الله ولكنهم لم يهنوا، لما يتكرر الوصف على أنهم أيضاً وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا، تستفيد من هذه الجملة الثلاثية أو ثلاثية الأجزاء تستفيد أمرين، الأمر الأول أن البلاء كان شديداً والإصابة كانت شديدة، الأمر الثاني أن الصبر كان شمولياً عجيباً لأنهم ما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا، وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ.

طيب ما الذي نستفيده الآن؟ نحن هذا الخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ما الذي نستفيده نحن من بعدهم؟ أكيد الصبر تمام، يعني هي خُتمت وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، هذه يعني الكلمة الجامعة الصبر، طيب أول ما نستفيده هو أن أهمية إبقاء سنة الاقتداء بمن قبلنا وأهمية استحضار أحوال من كان قبلنا إذا جاءت حالات مشابهة من حالات الابتلاء، ثم بعد ذلك النظر في الصفات التي كانوا عليها ومن ثم تطبيقها، وهي هنا الثبات والصمود والتماسك وعدم الانهزام. الصبر يؤكد هذا الآية التي بعدها وهي قوله سبحانه وتعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ، هنا تأكيد للآيات التي سبقت، وأن وصول المؤمنين إلى حالة الإمامة في الدين لا يمكن أن يكون بدون صبر.

وهذا الحديث عمن في هذه الآية؟ وجعلنا منهم، نعم عن بني اسرائيل وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ، هنا مباشرة تتذكر الذي قاله موسى عليه السلام لقومه الذين آمنوا به: وَقَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ. وبسورة أخرى وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ، ولا لقومه في سورة يونس وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۖ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.

طيب حالة طويلة حالة طويلة من الأذى والابتلاء والصبر والثبات كانت مسبوقة كانت مسبوقة بوعد إلهي أو بإخبار إلهي في بداية الطريق يناسب الآية التي ذكرناها هنا في سورة القصص، ايش الوعد أو الخبر؟ مسبوقة وليست متبوعة في سورة القصص الآية اللي معانا وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، تمام؟ هذه هي الإرادة الإلهية الآن، الإرادة الإلهية فيها إخبار عن أمة من الأمم هي في غاية في والتسلط عليها من أشد الجبابرة بطشاً في التاريخ وهو فرعون، يريد الله أن يمن عليهم ليس فقط أن ينجيهم وإنما أن يجعلهم أئمة وأن يجعلهم الوارثين لفرعون ولجنوده.

هذه هذا الخبر الإلهي قبل بعثة موسى عليه السلام، وقبل أن ثم جاءت الأحداث بعد أن انتهت الأحداث وحصلت الإمامة والوراثة ذكر الله لنا سبحانه وتعالى خلاصة الطريق الذي به أورث الأرض، خلاصة الطريق الذي به أورث الأرض فقال إيش: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ، مع أنه في بداية سورة القصص إيش؟ أيوه عن الذين استضعفوا، وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا. وفي سورة الأعراف الذين كانوا يستضعفون، خلص انتهى.

انتهت مرحلة الاستضعاف، وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا، إيش؟ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا. فالصبر هذا بالنسبة لطريق الإصلاح هو الرفيق المصاحب الذي يعني نصيحة، استجلبوا من ما يمكن أن يوثق الرفيق المصاحب للإنسان، حبال سلاسل، آه أقفال ها واربطوا واربطوا بها الصبر من حولكم. إنسان يريد أن يكون في المستقبل مصلحاً، مؤثراً في واقعه، متبعاً للأنبياء والمرسلين، سبباً في تغيير الواقع، سبباً في نهضة المسلمين، سبباً في ثم لا يصاحب الصبر، ها يصاحب الصبر؟ الصبر مو في مرحلة من المراحل يصاحب.

يعني لازم تسوي تطبيع مع الصبر دائم المرافقة، وخلاص ما في يعني لا تأتي لا يأتي في بالك أنه في مرحلة من المراحل ستكون مرحلة بدون صبر، إلا إذا تنكبت الطريق. أما أن تسير في طريق الأنبياء والمرسلين وتظن أنك في لحظة من اللحظات ستتخلى عن الصبر أو لن تحتاج إليه فأنت واهم. وهذا ترى هذا اللي يقوله العلماء مثلاً توطين النفس على كذا، أنت وطن نفسك على الصبر، فهذه قضية في غاية الأهمية بالنسبة لصفات المصلحين. طيب هو أصلاً الباب أحاديث بس هذه الآيات مقدمة للباب وأساس فيه، باقي آخر آية وبعدين ننتقل للأحاديث، فاحنا حنكون التركيز بالعكس يعني الآيات اللي ركزنا عليها وبعدين الأحاديث تمر عليها مروراً سريعاً.

قال الله سبحانه وتعالى: هذه آخر آية في صفات المصلحين: وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ. هذه الآية من الآيات التي من يفهمها يفهم أساساً في المنهج الإصلاحي الذي سار عليه الأنبياء والمرسلون. الله سبحانه وتعالى ماذا يقول: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ. كونوا ربانيين أي ولكن إيش؟ فهمت أي ولكن إيش بعد ولكن؟ أيوه ولكن يقول هذا ولكن يقول كونوا ربانيين، يعني ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله، ولكن كونوا ربانيين، يعني ولكن يقولوا كونوا ربانيين.

طيب هذا الخطاب من الأنبياء هل هو موجه للمشركين الذين لم يلتحقوا برسالتهم أو موجه للمؤمنين الذين اتبعوهم؟ للمؤمنين الذين اتبعوهم. الخطاب مع المشركين مختلف، الخطاب مع المشركين ليس هو كونوا ربانيين، أليس كذلك؟ وإن كان قد يشملهم بالمعنى العام يعني بما يؤول إليه أمر المؤمن، لكن هو في الأساس هو خطاب للمؤمنين. طيب إذا الأنبياء يخاطبون أتباعهم المؤمنين ليكونوا ربانيين. وأنا برأيي أن هذه الآية من أهم الآيات وأدلها على قضية صناعة المصلحين، وعلى قضية صناعة المصلحين، وأنه صناعة المصلحين هي منهج للأنبياء؛ لأنه هنا النبي لا يكتفي بأن يقول لقومه المؤمنين أنه مثلاً كونوا ثابتين على الإيمان فقط، وإنما كونوا ربانيين. والربانية هذه المقصودة في الآية فيها معنى متعدٍ متجاوز الشخص في نفسه، لأن الربانية هنا مأخوذة من الربان، والربان الذي يقود. فهنا كما قال الإمام الطبري رحمه الله في كُونُوا رَبَّانِيِّينَ، يقول: فالربانيون إذاً هم عماد الناس، شف عماد الناس بالفقه والعلم وأمور الدنيا وأمور الدين والدنيا. ثم قال: فمعنى الآية وهذه الخلاصة، فمعنى الآية ولكن يقول لهم كونوا أيها الناس سادة الناس وقادتهم في أمر دينهم ودنياهم ربانيين بتعليمكم إياهم كتاب الله وما فيه من حلال وحرام وفرض وندب، وغير ما حواه من معاني أمور دينهم، وبتلاوتكم إياه ودراستكموه.

واضح؟ واضح ولا مو واضح؟ يعني لما يقول الإنسان لطلاب العلم والمتربين أنه يا جماعة شدوا حيلكم عشان تكونوا مصلحين في المستقبل، عشان هذه: وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ. الطبري يقول: ولكن كونوا، يعني الأنبياء أو النبي يقول: ولكن يقول لهم كونوا أيها الناس سادة الناس، كونوا سادة الناس وقادتهم في أمر دينهم ودنياهم، إلى آخر الكلام. طبعاً الوسيلة الأساسية المذكورة للوصول إلى الربانية في هذه الآية ما هي؟ لا في هذه الآية: وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ. لو تتذكرون أول مرجعية من أول مركزية من مركزيات الإصلاح اللي أخذناها، إيش قال الصديق حسن خان في تفسير الآية: فدلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانياً، فمن اشتغل بها لا لهذا المقصود فقد ضاع علمه وخاب سعيه.

ننتقل الآن سريعاً للأحاديث، الأحاديث فيها تأكيد لبعض الصفات المذكورة وقد يكون فيها بعض الإضافات. عن حذيفة رضي الله عنه قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا من النصارى يريدان أن يلاعناه، فقال يعني اللي هو اللهم من كان منا على الحق، إن كان محمد على الحق، يسألون يدعون على أنفسهم وعلى ذرياتهم باللعن تمام؟ اللي هو مذكورة في سورة آل عمران: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ. هذه فأراد يريد أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبياً فلاعنّاه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قال: أنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلاً أميناً، ولا تبعث معنا إلا أميناً. فقال: لأبعثن معكم رجلاً أميناً حق أمين، فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أمين هذه الأمة. أخرجه البخاري ومسلم.

هذا الحديث فيه إبراز لصفة مهمة من الصفات التي يُكلف بسببها المصلح، والصفة من الصفات التي ترشح وترجح بعض المصلحين على غيرهم. واللافت للانتباه في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه عليه صلاة الله وسلامه كان منتبهاً وملاحظاً ومدركاً لصفات أصحابه، وبالتالي كان عليه صلاة الله وسلامه يرشح ويكلف بناءً على ما يعلمه من صفات هؤلاء الأصحاب. ومتى فقد هذا المعنى في السياقات التربوية والسياقات الدعوية، فقد فقد ركن أساس من أركان بناء المصلحين وتفعيلهم. يعني متى ما كانت الصيغة الجامعة بين ورثة الأنبياء من أهل العلم والإمامة في الدين وبين طلابهم، متى ما كانت الصيغة الجامعة بين العلماء أئمة الدين اللي هم ورثة الأنبياء وبين طلابهم هي علاقة -خلنا نقول- هي العلاقة التي فيها تداول المعلومة فقط، بمعنى أن الطالب يأتي فيسمع المعلومة وينصرف دون أن يكون هناك اهتمام بقضية المستوى الإيماني، دون أن يكون هناك اهتمام بقضية السمات، دون أن يكون هناك خلونا نقول صحبة أو قرب بحيث أن العالم أو الوارث للنبي صلى الله عليه وسلم ينتبه لمثل هذا، دون أن يكون هناك أصلاً سياق مشترك في العمل لدين الله سبحانه وتعالى يتبعه انتباه من هذا -خلنا نقول- الذي يرث النبي صلى الله عليه وسلم لمن ينبغي أن يعمل كذا أو يكون في كذا، فهذه الحالات هي حالات ناقصة فيها فقدان لشيء مهم جداً كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، وكان عليه الأنبياء قبله مع أصحابهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ، كما قال عيسى ابن مريم للحواريين: مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ، إلى آخره. وكذلك الآية التي قبل قليل: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ. فهنا ملاحظة النبي صلى الله عليه وسلم لأمانة أبي عبيدة هذه ملاحظة متكررة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم إبراز صفة الأمانة كواحدة من الصفات التي ينبغي أن يكون عليها المصلحون والعاملون وترجح بعض المصلحين على غيرهم، هذه كذلك وهي مشار إليها في الآية: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، وكذلك إيش في آية أخرى: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ. أحسنتم، طيب.

ثم حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه، كما قلت لكم لن أعلق على الأحاديث سريعاً لأننا أخذنا الصفات في الآيات، عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: لأعطين هذه الراية رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. قال: فبات الناس يخوضون ليلتهم أيهم يعطاها، قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه، أُتي به، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية. فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم. أخرجه البخاري ومسلم.

هذا الحديث جليل شريف وفيه فوائد لا تحصى وفيه أبواب شتى ومتنوعة، لا يسع المقام لذكرها خاصة وأنه طال بنا الوقت في هذا المجلس. لكن من الأمور المهمة التي ينبغي أن تذكر في السياق الإصلاحي في صفات المصلحين، أولاً: ما ذكرته في بداية اللقاء من أن من أبرز صفات المصلحين محبتهم لله ولرسوله، كما قال سبحانه وتعالى: مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ. فهنا يُحِبُّ الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. سؤال: هل الذين لم يعطوا الراية لم يكونوا ممن يحب الله ورسوله أو ليسوا ممن يحبهم الله ورسوله؟ نعم الجواب كان كذلك، كانوا ممن يحب الله ورسوله وممن يحبهم الله ورسوله، ولكن -وهذا متكرر في النصوص الشرعية- حين يذكر الإنسان بصفة من الصفات ويكون غيره مشتركاً معه فيها، ثم يذكر بتفضيل معين وهذا التفضيل لا يذكر فيه موجب وسبب إلا هذه الصفة، فالمقصود هنا والله تعالى أعلم هو الدرجة في هذه الصفة. كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق. فقالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها أحد بعدهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين. وأنتم تعلمون أن الذين في الطبقة الدنيا الذين رأوا تلك المنازل هم أيضاً آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، والذين فوقهم آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، ولا يدخل الجنة أحد إلا وقد آمن بالله وصدق المرسلين. لكن حين يفضل أصحاب الغرف ثم تكون الصفة التي فضلوا بها أنهم آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، فهنا الإيمان والتصديق في درجة لم تكن عند من دونه. فهنا من أبرز صفات علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه محقق للدرجة العالية من محبة الله ورسوله، وأنه أيضاً عند الله ورسوله بمكان. وهذا يقودنا إلى أمر ذكرته أيضاً في بداية اللقاء وهو أن التفضيل في الأعمال الإصلاحية والبناء بناء المصلحين إذا كان التركيز فيه على ظواهر الأعمال فقط فهذا تركيز فيه خلل، تدريب المهارات، تكوينها، تقوية الوعي، بالمدري إيش، تأخذ دورات، هذا كله يمتدح في سياق تقوية الإنسان في سياق، حتى ممكن يدخل في النص العام: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ. جيد؟ لكن هذا كله إذا عزل عن الصناعة الباطنية والتركيز على باطن الإنسان وقلبه، فهو فصل لما لا يصلح أبداً أن يفصل. وهنا أنت ترى السياق سياق فتح، وسياق قتال، وسياق صبر، ومع ذلك الصفة التي تبرز في هذا القائد أنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. واضح الفكرة؟ يعني لم يفضله عليهم لأنه أشد منهم بدناً مثلاً جيد، وإن كانت فيه هذه الصفة صفة القوة، لكن إبراز هذه الصفة وعلاقة هذا بالتكاليف الإصلاحية هذا أمر يجب الانتباه إليه كثيراً.

فقط أنبه على شيء أخير في هذا الحديث وهو أمر عجيب، يعني الآن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عن الفتح، الفتح حاصل تمام، والصحابة يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لهم يفتح الله على يديه يعلمون أنه سيفتح، جيد بس الشأن مين اللي راح يحمل الراية؟ لكن هو راح يفتح، سيفتح سيفتح. طيب وأولئك اليهود الذين حوصروا في ذلك المقام كانوا من المسرفين في إعداء النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا ممن سبق لهم أصلاً هم كانوا ممن أجلي من المدينة سابقاً، جيد؟ وكان لهم علاقات استخباراتية دائماً مع قريش ومع مكة، بحيث أنه راح النبي صلى الله عليه وسلم مستعدين تحريض على العداوة، ابطشوا بالنبي صلى الله عليه وسلم نحن معكم، غزوة الأحزاب تعرفون هو كانت أصلاً غزوة الأحزاب بسبب تحريض اليهود أنه تعال وكذا وإحنا معاكم وكذا، ومع ذلك كله والمقام مقام قوة ومقام مجالدة، وهذه من علامات ربانية هذا الدين وأنه دين الله سبحانه وتعالى.

قلب صفحات التاريخ ما شئت؛ حضارات الأمم، تاريخ الأمم، تكوين... اللي تبغاه، اجلب لي مثل هذا الموقف، اجلب لي مثل هذا الموقف. ما هو؟ الفتح حاصل، اليهود مجرمون، القتال حول الكتائب محدقة بهذه القلاع والحصون، ما في مفر. ثم مع ذلك تكون الوصية لقائد، لحامل الراية الذي سيفتح، تكون له: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام.

ادعهم إلى الإسلام. طيب سؤال: لو أن اليهود قالوا: أسلمنا ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ايش اللي كان حيحصل؟ ستعود الجيوش إلى المدينة. جيد، ستعود الجيوش إلى المدينة. طيب خيبر بخيراتها وثمراتها وأنهارها ومياهها؟ ستذهب. ايش؟ ليش؟ طيب ليش؟ بعد أن أحدق عليهم بالحلقة والسلاح، وأحاطت وأحدقت بهم هذه الكتائب، تكون الفكرة أنه: ادعوهم إلى الإسلام.

طيب هل هذه خاصة بخيبر؟ لا، في صحيح مسلم عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً، ثم يقول لهم: اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا... وإلى آخره. ثم يقول: وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال أو خلال: وادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. نفس القضية هنا، ومحمد صلى الله عليه وسلم في قلب الجيش.

شوف المشهد الآخر، عائشة رضي الله عنها تقول كما في الحديث الصحيح: ما شبعنا من التمر -من التمر مو اللحم- ما شبعنا من التمر إلا بعد أن فتحت خيبر. المسلمون، الخزائن فارغة، في احتياج، في فاقة، في كذا، ومع ذلك: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه. فوالله -ها، شف، شف النفسية اللي رايح فيها علي بن أبي طالب، مو نفسية أنه يعني أدِّ اللي عليك وخلاص- يعني استجابوا استجابوا ما استجابوا، شف كيف النبي صلى الله عليه وسلم يفتح له أفق أنه يعني ليكن في قلبك محبة أن يستجيبوا، قال: فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم. بتعرفوا المقاتلون سيصيبهم من الغنائم، الغنائم للمقاتلين جيد، وبالتالي النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعلي بن أبي طالب هنا: يقول له ترى أمامك أموال وأمامك ناس يدعون إلى الإسلام، ترى إذا أسلموا هذا خير من كل ما يمكن أن يحصل من الأموال.

هذا المعنى هو من المعاني التي تفهم الإنسان ما هو الإسلام. ترى أنا ماني جالس أطرح المعنى أو هذا الكلام من باب أنه إسلام ناعم، لا مو من هذا الباب. من باب أن تفهم أن الأمر الأعظم من ذلك والمقصد الأعظم هو تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى، فإذا دخلوا في الإسلام خلصنا، خلصنا. واضح الفكرة؟ ومع ذلك لم يدخلوا، ومع ذلك لم يدخلوا.

أتى الله بنيانهم من القواعد. طبعاً هذه في بني النضير، لكن أولئك يعني حصل الفتح وصالحوا على الثمار والخيرات التي تخرج من النخل، فكانت تأتي للمدينة منها أطنان. أذلهم الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك عمر بن الخطاب أجلاهم من خيبر، وبقيت مساكنهم وبقيت ديارهم إلى اليوم. يعني أظهر معلم من المعالم الحسية الباقية من وقت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، الآن لا أستحضر معلماً أظهر ولا أبقى من حيث الوضوح من خيبر. حصون خيبر باقية، يعني تقدر تدخل الآن حصون خيبر، تعرف، تتصور كيف كان الوضع؟ طبعاً هي حصون مختلفة، والله المستعان.

طيب، عن معاوية رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس. أخرجه البخاري ومسلم. ما الصفة الإصلاحية؟ لماذا أورد هذا الحديث في الباب صفات المصلحين؟ لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس. استمرارية، الثبات والاستمرار بالرغم من حديث ايش؟ لا يضرهم من خذلهم ولا أو خالفهم. طيب جميل، الاعتماد والتوكل على الله سبحانه وتعالى. جميل. يا سلام، متمسكة يعني محافظة على ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

طيب، الحديث التالي هو حديث ليس مقصوداً لذاته. الحديث التالي ليس مقصوداً لذاته، الحديث التالي هو متصل بالحديث السابق فقط، يعني امتداد للحديث عن الطائفة. عن جابر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، فهذه فيها صفة زائدة عن أن هناك قائمة بأمر الله وهذا مجمل، وهنا مبين أنه فيها أيضاً مدافعة للباطل، قتال في سبيل الله. لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول أميرهم: تعال صلِّ لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة. أخرجه البخاري ومسلم. هذا الحديث من المبشرات أنه هذه الأمة لن يقضى عليها، هذه الأمة لن يقضى عليها، وتجيب بطيخ، تبغى تجيب تملأ السماء ناراً، تبغى تقضي على الدنيا كلها، هذه الأمة لن يقضى عليها، سيبقى فيها من يقوم بأمر الله إلى آخر الزمان.

تريد أن تؤمن بهذا، الحمد لله، في شخص آخر ما يبغى يؤمن، يقول ابن حزم: لقد طال هم من غاضه الحق، لقد طال هم من غاضوا ليغيظوا الحق، ترى سيطول همه، ما في، فهذا وعد من النبي صلى الله عليه وسلم، وعد صادق ثابت عنه عليه صلاة الله وسلامه، وهو وعد مبشر. هذا الوعد لا يبشر بأنه لن تكون هناك نكبات، ولا يبشر بأنه لن تكون حالات ضعف كبيرة، ولا يبشر لا، وإنما يبشر أنه مع كل هذا ستكون هناك من يبقى ثابتاً على دينه، قائماً بأمر الله، مدافعاً للباطل، وأن هذا سيستمر إلى آخر الزمان.

هذا سيستمر إلى آخر الزمان. ولو كان لشيء من أحداث التاريخ أن يبطل هذا الحديث -وحاشى أن يبطل- لكان حدث التتار حرياً بأن يبطل هذا الحديث لو كان، لكن لن يكون. لأنه ما حصل للأمة الإسلامية في تلك المرحلة -وبالمناسبة قبلها أيضاً- ما حصل للأمة الإسلامية في قضية الحروب الصليبية أمر ليس بالسهل أبداً. ليس قضية الحروب الصليبية فقط، وإنما لأنها وافقت حالة ضعف داخلي غير مسبوق، وهو حالة هيمنة الباطنية وهيمنة الرافضة على العالم الإسلامي. أنت تتكلم من أواخر القرن الثالث الهجري إلى منتصف القرن السادس الهجري، أنت تتحدث عن حالة هيمنة متفاوتة الحالات، اقرأ في البداية والنهاية لابن كثير، اقرأ في سير أعلام النبلاء للذهبي، اقرأ فيما شئت من كتب التاريخ، بتجد أنه يقول لك مثلاً ابن كثير في القرن الخامس الهجري قال: ورجع الأذان في دمشق بحي على الصلاة حي على الفلاح بعد أن غير إلى حي على خير العمل أكثر من مئة سنة. جيد، قال: ونزعت المعلقات أو الأوراق أو الصحف التي كانت معلقة على بعض مساجد دمشق في لعن أبي بكر وعمر. جيد؟ أتكلم عن مئة سنة، وبعدين فين دمشق؟ الحرمين، الحرمين كان يؤذن فيهما بحي على خير العمل، وكانت تابعة بالولاء للفاطميين. جيد، فتجد ابن كثير يقول لك: وفي سنة كذا قطع خطيب الحرم الدعاء للحاكم الفاطمي. جيد، تتكلم عن شرق الجزيرة العربية تابعة للقرامطة الباطنية اللي سرقوا الحجر الأسود. من اللطائف، اللطائف المبكية المحزنة، الخرقي رحمه الله من علماء الحنابلة الكبار مشهور معروف، كتب في المختصر في كتاب الحج قال: ويقبل الحجر الأسود إن كان موجوداً، لأنه الحجر الأسود سرق في تلك المرحلة من القرامطة الباطنية، ترك سنة الحجر الأسود، أخذ إلى المنطقة الشرقية في الجزيرة العربية. والشام، بلاد الشام مو من دمشق، بلاد الشام بشكل عام كانت تابعة أيضاً، كانت تحت نطاق التشيع العام. الخلافة العباسية كانت تحت سيطرة البويهيين الشيعة. جيد، كل هذا ترى اجتمع تقريباً في قرن واحد اللي هو القرن الرابع الهجري، القرن الخامس الهجري يعني بدأت الأمور تتحسن شوية، وجاءت يعني فُتحت قليلاً من جهة السلاجقة ومن جهة المشرق، هناك في بلاد الهند صار في أيضاً، المهم أنه في تلك المرحلة لا تزال الدولة الفاطمية مهيمنة، ولا تزال كثير من المشكلات الموجودة، يأتي الصليبيون بجيوشهم ويحتلون الأقصى عام 491 و492 للهجرة، وتسقط مجموعة من الحصون الكبار والمدن الكبار على أيدي الصليبيين، ويستمر المسجد الأقصى في أيديهم من 492 للهجرة إلى 583، تتكلم عن تسعين سنة أو أكثر. هذه كلها، ما الذي تبعها؟ ما الذي جرى على أحوال المسلمين بعد ذلك؟ قضي على الإسلام؟ انتهى أمر الدين؟ انتهى أمر الملة؟ لم يقض عليه ولم ينتهِ.

أنت الآن تفتح المصحف وتقرأ القرآن غضاً طرياً كأنه للتو أنزل، وتقرأ الآية فتهيمن على قلبك وتهز بدنك، يخشع لها قلبك، وكأن القرآن للتو أنزل، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيامه وأحواله تقرأها وكأنك كنت معه، تعرف أحواله في اليوم والليلة، وفي الصباح وفي المساء، وفي الجهاد وفي السلم، ومع أهله وأسرته ومع الناس، كله محفوظ وموجود، وطالما أن هذا الأصل لا يزال محفوظاً، فإن إمكان إعادة الاستقاء وإعادة الإحياء من خلاله لا تزال قائمة. وهكذا في كل زمن من الأزمان، كل زمن له تحدياته ومشكلاته ومصاعبه وإلى آخره. الذين يأتي الله بهم سبحانه وتعالى ويصطفيهم هم القادرون بإذن الله تعالى على أن يسلكوا مسلك الأنبياء وأتباعهم في العمل لهذا الدين والإصلاح، وأن يسخروا حياتهم لأجل ذلك، وتدور عجلة الزمان إلى أن يأذن الله سبحانه وتعالى بأن تعود قوة المسلمين وعزتهم، وهذه عائدة لا شك فيها ولا ريب، وهذا ثابت في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم. متى يكون ذلك؟ الله أعلم، لكن الإنسان ليس مطالباً بالتتبع الزماني والتفصيلي والأعوام والحسابات، هذه ليست مطالبة الإنسان بها، وإنما الإنسان مطالب بأن يثبت ويعمل ويتعلم ويعلم ويصلح ويتخذ ما يمكن من الأسباب.

آخر حديث في الباب: عن أسامة رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، نسأل الله العافية، فيجتمع عليه أهل النار فيقولون: أي فلان، ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه. أخرجه البخاري ومسلم.

هذا الحديث لماذا أورد في صفات المصلحين؟ لأنه أمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إصلاح. طب هذا للمصلحين؟ لماذا أورد في صفات المصلحين؟ لأن هذا الحديث يبرز صفة من أهم ما ينبغي على المصلحين أن يكونوا عليه، وهو العمل بالعلم، وألا تكون الدعوة إلى الله مجرد وظيفة أو عادة يتعودها الإنسان، خطيب جمعة مثلاً، خلاص أنا عندي كل خميس أحضر للخطبة، كل جمعة أرتقي المنبر وأكلم وعندي راتب في آخر الشهر بناء على هذه الوظيفة. التحدي الحقيقي والابتلاء الحقيقي في أن تحافظ على نيتك وتحافظ على الإخلاص لله سبحانه وتعالى في أنك كلما صعدت المنبر فأنت تصعد في مقام أنت مسؤول فيه عن الكلمة وهو مقام أمانة ومقام تبليغ أنت محاسب عليه، تحافظ على هذا المعنى. نفس الشيء تعلم الصبيان القرآن، تربيهم على معاني الدين والإسلام، عندك حساب في شبكات التواصل، عندك خمسين ألف متابع ولا خمسمائة وخمسين، أثر كبير، جيد، فجالس يعني ما شاء الله تبارك الله، لابس ثوب الحسن البصري ها وتذكير وكذا، الله يجزيك الخير ممتاز جداً، بس يعني أنه إذا كان شعار الإنسان هو القول بلا عمل فانتبه، لأنه هذا الحديث خطير جداً، وحديث صحيح في البخاري ومسلم، وهو حديث مخيف في قضية: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه. العقوبة -نسأل الله العافية- هي النار.

هذه نفس الشيء، الجنة، يعني أنت يكفيك أن يأتي الثواب حتى لو ما في ولا تفصيل، الجنة أنه في جنة الله سبحانه وتعالى أعدها للمؤمنين، يكفيك. فما بالك حين تأتي يأتي ذكر أنهارها وقصورها وما فيها من خيرات، نفس الشيء النار، يكفيك أن تسمع نار الله الموقدة، انتهى نار الله الموقدة، خلاص يعني هذا كافٍ في الخوف، بقى لك حين يأتي العذاب التفصيلي الذي يذكر في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عذاب تفصيلي. هذا الآن يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه، منظر لا يتحمله الإنسان ولا يمكن أن يتحمله ولا يستطيع أن يتخيل كيف يمكن أن تمر عليه لحظة يمكن أن يعيش فيها هذا المشهد. وهذا يعني عموماً تذكر النار والآخرة هو الذي أرق الصالحين على.

على مر التاريخ، بل أشار الله إليه في القرآن فقال سبحانه وتعالى عن الصالحين الذين يقومون الليل يقول: تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا. لاحظ يعني الذي يحركهم ليس مجرد المحبة محبة الله سبحانه وتعالى، وليس مجرد الرجاء. هذا أساس.

ولكن أيضاً الذي يحركهم الخوف، أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ، لذلك مهم جداً أن الإنسان، وهذا يعني كما قلت هذا أهم وازع يزع الإنسان عما حرم الله.

من أهم خلينا نقول من أهم ما يمكن أن يجعل الإنسان عما حرم الله سبحانه وتعالى أن يستحضر الدار الآخرة، ويستحضر العذاب، ويتذكر ويؤمن أنه حق، ويؤمن أن الذي سيعذب ليس فقط هم المشركون، ليسوا المشركين فقط، وإنما سيعذب في النار أناس ممن شهد أن لا إله إلا الله، فمن عقيدة أهل السنة والجماعة أن هناك أناساً من الموحدين سيدخلون النار ثم سيخرجون بالشفاعة، لن يخلدوا فيها كما في الحديث الصحيح: أخرجوا أقواماً قد امتحشوا، أيضاً في بعضها كأنهم يعني كالفحم، ها، ثم ينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل.

فنسأل الله سبحانه وتعالى النجاة والعافية، نسأل الله سبحانه وتعالى المغفرة والرحمة، وأن يجعلنا ممن يدل على الحق ويهتدي به، وأن يجعلنا ممن يأمر بالمعروف ويأتيه، ونسأل الله أن يجنبنا أن نكون ممن يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، ونسأل الله المغفرة والعون والسداد والتوفيق والفتح والبركة، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.