بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. نستعين بالله ونستهدي به، ونستفتح هذا المجلس من مجالس شرح المنهاج من ميراث النبوة. وهذا شرح لباب من الأبواب المضافة على الكتاب، وهي خمسة أبواب. الباب هو باب في أهمية الوعي بسبيل المجرمين، والحذر من أعداء الإسلام وكيدهم، والتنبه من مكر المنافقين.
هذا الباب لا يستغني عنه المصلح في تكوينه وبنائه، ولا يستغني عنه في طريقه ومشواره الإصلاحي من جهة الأداء. بمعنى أن هذا الباب -نحن تعرفون المنهاج من ميراث النبوة هو متن من مجموع من آيات كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم- يعني المسلم في هذا الزمن الذي يريد أن يثبت على دينه وأن ينفع أمته أن يكون مصلحاً. وواحدة من أهم المعاني الكبرى التي ربي عليها المسلمون في زمن النبوة أنهم ربوا على الوعي. فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ربوا على قضية الوعي، ولم يكونوا يعني مغفلين أو يستغفلون من الأعداء، وإنما كانت عقولهم يقظة، وكان لديهم الحذر دائماً، وكان لديهم المعرفة بسبيل ومعالم سبيل المجرم.
ونحن اليوم في زمن يحتاج المصلحون فيه إلى تأكيد هذا المعنى، لأننا في زمن تطورت فيه وسائل الأعداء بصورة لا تقارن بالماضي، وكثيراً ما يؤتى العاملون في الإسلام ليس من ضعفهم فقط، وإنما يؤتون من غفلتهم. والوعي هذا هو أمر من الدين؛ يعني أحياناً يظن الإنسان أن يتحدث عن الوعي وأهمية الوعي وما إلى ذلك، يظن البعض أنه يعني في مجال اسمه المجال الشرعي هذا اللي هو المجال العالي الكبير، وفي مجالات أخرى لن ترى فيه يعبر عنها بأنها يعني مجالات ليست بتلك الأهمية. بينما سنجد إن شاء الله من خلال هذا الباب ومن خلال هذا المجلس الذي نتحدث فيه عن آيات من كتاب الله وأحاديث من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تبين أهمية الوعي، وتبين كيف كان الله سبحانه وتعالى يربي نبيه وأصحابه على هذا المجال، بل ويبين ويستبين كيف أن هذا الباب يعني هو مقصد من مقاصد الإسلام، ومقصد من مقاصد الشريعة، أو مقصد من مقاصد الوحي في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الآية الأولى، قال الله سبحانه وتعالى: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ. يعني أن الله سبحانه وتعالى يريد ويحب أن يكون سبيل المجرمين بيناً واضحاً حتى لا يلتبس بسبيل المؤمنين؛ لأن من معاني السوء الكبرى التي جاء الوحي لمعالجتها معنى التباس الحق بالباطل، والتباس سبيل المجرمين بسبيل المؤمنين. ولذلك يكثر التحذير في الكتاب من قضية لبس الحق بالباطل، وخاصة عند الحديث عن أهل الكتاب. طيب، إذاً الله سبحانه وتعالى يريد أن يستبين أن يكون سبيل المجرمين بيناً واضحاً.
هذه الآية في أي سورة؟ الأنعام. سورة الأنعام التي ذكرت فيها هذه الآية فيها تطبيق عملي لبيان سبيل المجرمين؛ يعني إذا قرأت سورة الأنعام خاصة في النصف الثاني من السورة ستجد أن الله سبحانه وتعالى يبين كثيراً من أحوال المشركين وطرقهم ومبادئهم ومحركاتهم وأقوالهم ومآلات أقوالهم الفاسدة. لما يذكر: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ، والآيات التي بعدها والآيات التي قبلها. وفيها أيضاً: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا، وإلى آخره من الآيات التي في سورة الأنعام. حتى أن يعني هذا كان له قيمة عند العلماء في بيان معرفة أحوال العرب، يعني هو هذا الواقع الذي كان موجوداً في وقت النبي صلى الله عليه وسلم. فلاحظوا السورة نفسها فيها البيان التفصيلي وفيها ذكر المقصد هذا: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ.
وقال سبحانه وتعالى: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا.
هذه الآية عجيبة في مقدار التفصيل الإلهي في الأمر بالحذر واليقظة والوعي للمؤمنين في سياق قتالهم للكفار، في سياق أدائهم للعبادة. إنه حتى لحظة الصلاة، هذه هي أصلاً تشريع صلاة الخوف هو في مراعاة هذا الواقع، ثم أثناء هذه الصلاة يكرر الله سبحانه وتعالى المعنى فيقول: وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ، هذه في نفس الآية، وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ، وَخُذُوا حِذْرَكُمْ. لاحظ التكرار ثلاث مرات في الأمر بأن يأخذوا حذرهم، يأخذوا أسلحتهم، ثم يبين: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً. يعني هذا التكرار في آية واحدة، أنت يعني هي ليست القضية أنه هي هذه الآية فقط، وإنما هي هذه الآية جزء من وحي شمولي كان يتنزل فيوقظ المؤمنين الذين يتلقون هذا الوحي يجعلهم يقظين. يعني حتى في الصلاة احذروا أن تغفلوا وأنتم يعني في الصلاة لشغلة، ومع ذلك مع كونكم في شغل الصلاة فاحذروا أن تغفلوا عن أسلحتكم حتى لا يميل عليكم المشركون ميلة واحدة.
وقال سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. هذه توعية من الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين بأن لا يغتروا بالأساليب التي ظاهرها الصلاح من المنافقين، وليتبينوا المقاصد، وهذه التبين للمقاصد هو واحدة من الأساليب التي يكشف بها حال المجرمين. الوسيلة التي اتخذها أولئك المنافقون هي وسيلة في ظاهرها هي وسيلة من أعظم وسائل الصلاح والإصلاح، بناء مسجد. والمسجد أي مكان ممكن يخطر في بالك أنه قد يكون فيه فساد وإفساد إلا المسجد، يعني المسجد آخر مكان يمكن أن يخطر في البال أنه يمكن أن يكون مصدراً لفساد. ولكن الله سبحانه وتعالى يبين للمؤمنين أن يتيقظوا ويتنبهوا لعدوهم الداخلي من المنافقين الذين يتخذون مختلف الأساليب للإضرار بالمؤمنين. وهنا يبين الله سبحانه وتعالى ذلك فيقول: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ. بيان المقاصد التي يريد المنافقون أن يحققوها من هذا المسجد ومن اتخاذ هذا المسجد هو تنبيه للمؤمنين إلى -كما قلت- العناية أصلاً بالمقاصد، وأن الأدوات الصالحة والشريفة لا تشفع لصاحبها إذا كانت المقاصد باطلة، إذا كانت المقاصد فاسدة.
ولكن هنا الشاهد من الآية هو قضية التوعية، قضية أنه المؤمن يقظ، وأن المؤمنين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يربون من الله سبحانه وتعالى على هذه اليقظة وعلى هذا التنبه وعلى هذا الوعي. ولك أن تقارن فرق بين حالة تلك المرحلة التي كان يربى المؤمنون فيها على الوعي واليقظة والانتباه وبين مثل زماننا هذا الذي يعني يعيش فيه كثير من الصالحين حالة غفلة عن الأبصار؛ أبصار حقيقة الأعداء وحقيقة كيدهم بالإسلام وحقيقة المقاصد التي يريدون الحصول إليها وحقيقة الأدوات التي يستعملونها. ثم تتعجب أو يتعجب البعض لماذا تظل المشاكل مستمرة ولماذا يعني يتأخر الصلاح والإصلاح، لأن كثير من الصالحين ومن العاملين حتى لديهم غفلة كبيرة في هذا الجانب، هذا واحد من الأسباب بلا شك.
ثم يبين الله سبحانه وتعالى وسيلة مساعدة استعملها أولئك المنافقون زيادة عن المسجد وهي إيش؟ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ، يعني اتخاذ -خلنا نقول- وسيلة مكملة في هذا المعنى، وهذا ذكره الله سبحانه وتعالى مراراً عن المنافقين أنهم اتخذوا أيمانهم جنة، يعني هم يتقون العقوبة النبوية بقضية الإيمان. وتعرف اليمين أمر يعني صعب بالنسبة للإنسان المؤمن، يعني لما يجيك واحد يحلف بالله، أنت كإنسان مؤمن تعظم الله سبحانه وتعالى، اسم الله عندك عظيم، وأنت تعرف من حالك أنك لا تتجرأ ولا يمكن أن يخطر في بالك أن تتجرأ على أن تستعمل اسم الله سبحانه وتعالى للوصول إلى مآرب فاسدة، جيد؟ فتخيل تخيل مثلاً واحد يأتي في مكان يقول لك: أشهد الله، الله شهيد علي أني أريد كذا وكذا، والله في عليائه يشهد أن هذا كاذب. وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ، وإيش؟ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. يعني مو القضية أنه هو يعني التبس عليهم الحال، لا لا، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. ومع ذلك الله سبحانه وتعالى ينبه المؤمنين أن ترى من الناس من قد يستعمل اسم الله سبحانه وتعالى ويشهد الله على ما في قلبه ولكنه ليس كذلك.
طبعاً هذا ليس معناه أنه الإنسان يكون شكاكاً، وإنما لا، الإنسان الأصل أنه يأخذ الناس بالظاهر ويتعامل مع ما بدا كما هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم ومنهج أصحابه، ولكن في نفس الوقت لا يكون هناك اغترار. يعني طيب كيف كيف الواحد ممكن يقيس؟ واحدة من أهم وسائل القياس هي عرض القول على العمل. عرض القول على العمل؛ إذا كان حال الإنسان وحقيقة ما هو عليه بعيد كل البعد عما يحلف عليه، بل هي مناقضة، فهذه من المؤشرات على أنه كاذب وعلى أنه لا يغتر بقوله. إيش الدليل على الاعتبار العملي؟ قال الله سبحانه وتعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، لاحظ هذا القول، وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ، وهذا أيضاً قول طيب. العمل؟ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ. وإذا هنا يعني هذا عمل أيضاً صيغته قولية، لكن: وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. فهذا من المؤشرات التي يعلم من خلالها الأمر، وهي الآية هي هذه الآية هي التالية.
وقال سبحانه: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ۖ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. يعني هذه الآية أيضاً والآيات التي في سورة التوبة عموماً والآيات التي في سورة الفتح، يعني القرآن فيه جزء كبير من آياته في الحديث عن المنافقين وأساليب المنافقين وأدوات المنافقين ومقولات المنافقين وأحوال المنافقين. طيب لماذا كل هذا؟ لماذا كل هذا الحديث؟ كل هذا الحديث لأن بيان سبيل المجرمين من المقاصد الشرعية، ولأجل أن يكون المؤمنون على حالة من اليقظة والتنبه لأعدائهم. وبما أن هذا قد كان بهذا الاعتبار وبهذه القيمة في كتاب الله، فمعنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى يحب من عباده المؤمنين على مر الأزمان أن يولوا قيمة لهذا المعنى. ولذلك نحول هذا إلى صيغة عملية في زماننا، نقول يا جماعة ترى مما يتقرب به إلى الله أن يقرأ الإنسان في الكتب التي توعيه بالواقع، وتوعيه بأهم المشكلات، وتبين حال المفسدين في الأرض وإلى آخره، وأنه هذا ليس من باب الثقافة، أنه في واحد مثقف وواحد غير مثقف وواحد فاهم الواقع وواحد غير فاهم الواقع، لا يا جماعة، أنه طالما أن الإنسان يحمل رسالة الإسلام ويسير بها في الأرض، يعني من مما يتقرب به إلى الله أن يعي ملابسات هذا الواقع الذي يتصل به.
طيب بالنسبة للأحاديث النبوية، الحديث الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين، أخرجه البخاري ومسلم. السؤال الذي يمكن أن يثار في الذهن هو: ما العلاقة بين الإيمان، بين اسم الإيمان وبين أن لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين؟ واضح السؤال؟ سؤال يستحق التفكير. يعني لو قيل لا يلدغ المجرب، لا يلدغ الحصيف، لا يلدغ العاقل، لا يلدغ الحذر من جحر واحد مرتين، لم احتجنا إلى السؤال عن العلاقة، أليس كذلك؟ لأنه هي النتيجة الطبيعية للإنسان العاقل والإنسان الحذر والإنسان المجرب. لكن إذا قيل اسم الإيمان هنا، ما علاقة اسم الإيمان بأن لا يلدغ الإنسان من جحر واحد مرتين؟ أليس سؤالاً يستحق التفكير؟ طيب، بما أنه قد طبعاً الجواب واضح؛ يعني الجواب أقصد أنه هو حتى لو لم نعرف الوجه التفصيلي لكن في الأخير واضح أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ربط بين المؤمن وبين اليقظة، بين المؤمن وبين التنبه والحذر، بين الإيمان وبين أن لا يكون صاحب الإيمان على حال من الغفلة بحيث يلدغ من جحر ثم يلدغ منه مرة أخرى. الخطابي رحمه الله تعالى في شرح البخاري يقول: إن هذا الحديث وإن خرج على صورة خبر إلا أنه يتضمن الأمر، أنه لا ينبغي للمؤمن أن يلدغ من جحر واحد مرتين. جيد؟ كما قلت هذا من الأدلة الواضحة على الربط بين اليقظة والحذر وبين إيش؟ الإيمان.
عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، أخرجه البخاري. لم يكن يريد غزوة إلا ورى بغيرها، يعني النبي صلى الله عليه وسلم يتخذ بعض الأساليب التي يفهم من خلالها بين الصحابة أن الوجهة في هذه الغزوة إلى مكان غير المكان الذي يريد النبي صلى الله عليه وسلم التوجه إليه. لماذا؟ حتى لا ينتشر الخبر، يتسرب الكلام بصيغة أو بأخرى، ثم يصل إلى الأعداء، فيفقد عنصر المفاجأة. ليس كذلك؟ طيب هذا ما اسمه؟ يقظة، وعي، حذر، اتخاذ أسباب، اتخاذ حتى يعني أسباب، هذا السبب يعتبر ليس.
سبباً عادياً يعني لأنه هو يوري بغيرها، بينما الحضورهم الأعداء ولا الأصدقاء، الأصدقاء، الأصدقاء الأصحاب لكن، هذا الكلام لو ذكر فإنه أحد أمرين: إما أن يتكلم بعض الأصحاب إلى بعض الناس الذين يعني لا ينبغي أن يصل إليهم هذا الكلام جيد، وإما لأن من يسمع الكلام مباشرة من النبي صلى الله عليه وسلم قد يكون بعضهم من المنافقين، وكان بعض المنافقين يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم، تعلمون عبد الله بن أبي بن سلول خرج في بعض الغزوات ورجع يوم أحد، وهو الذي قال لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، لأن رجعنا إلى المدينة، وكانوا في غزوة.
فالنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جهز الجيش لا يبين لأصحابه أين الوجهة، لا يبين أين الوجهة. هذا السياق جاء في أو هذا الكلام جاء في أي سياق؟ جاء في سياق قصة كعب بن مالك أنه باستثناء إيش؟ غزوة تبوك نظراً لظروف الاستعداد الخاصة، فتطلب ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكر الحال، وهذا أيضاً يدخل في أساس الباب من جهة الاستثناءات. طيب، الحديث التالي عن المسور بن مخرمة ومروان في قصة الحديبية، قصة الحديبية أخرجها البخاري رحمه الله عن المسور ومروان وهي قصة طويلة جداً من الأحاديث الطويلة في البخاري جيد، لكن لفت انتباهي حقيقة جزء من هذه القصة، الآن يعني قد يأتي في البال أنه أصلاً قصة الحديبية كلها هي من جملة هذا الوعي أصلاً ليس كذلك، أنه في مفاوضات معينة بطريقة معينة، لكن لفت انتباهي موضع معين في القصة غير أساس القصة، وإن كان أساس القصة كما قلت داخل داخل في الباب، وهو هذا الموضع، وهو موضع عجيب في تنبه النبي صلى الله عليه وسلم لخصائص الناس والقبائل والاعتبارات التاريخية والعرفية المتعلقة بكل قبيلة، ثم اتخاذ الأساليب التي تناسب هذه الأعراف فيما يحقق المصلحة الشرعية، وهذه درجة عالية جداً في خلنا نقول في السياق الإصلاحي، في أن يتخذ المؤمن هذه الأساليب، والنبي صلى الله عليه وسلم هو هذه الميزة أن النبي صلى الله عليه وسلم هو القدوة العملية أصلاً في هذا الباب كما أنه قدوة عملية في أبواب الأدب والأخلاق والعبادة وإلى آخره من أبواب الدين.
ما هو هذا الموضع عن مسور بن مخرمة ومروان في قصة الحديبية؟ وفيها فقال رجل من بني كنانة لقريش: دعوني آتِهِ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له، وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له، فبعثت له واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، من قوم يعظمون البدن جيد، سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، موقف قريش كان هو أنه يصدون عن البيت وهذا الآن لسه في طور المفاوضات الأولية، فهذا طلب هو من كنانة طلب من قريش أنه يذهب يعني مفاوض ولا يرى الوضع أو أياً كان، فالنبي صلى الله عليه وسلم تنبه إلى أن هذا من قوم كذا وقوم كذا يعظمون البدن، البدن موجودة، هيا ابعثوا هذه البدن دعوه يراها، تهوي يراها، لاحظ النبي صلى الله عليه وسلم كيف يتصرف اتخذ الأسباب يعرف الفرق بين الناس، هذه قبيلة كذا فيها خصيصة كذا هذا كذا، وهذه خطوة كما قلت عالية جداً وعظيمة جداً، قد يغفل عنها كثير من المصلحين الذين أحياناً يتعاملون لا يتعاملون مع الناس بمراعاة الخصائص والإشكالات وأنه إنسان أصلاً، وإنما أحياناً يعتبر يتعاملون مع الناس باعتبار مكون الحق فقط، يقول لك يا عمي هذا حق أنا أقدمه للناس تريد تقبله وتقبله ما تريد تقبله، جهنم لها سبعة أبواب جيد، لا النبي صلى الله عليه وسلم كان يتألف الناس إلى الإسلام بالمال ممكن واحد يعني يعني لو كذا الإنسان ما ورد هذا في الشريعة ممكن البعض يفكر يقول لا هذه طريقة ممكن تؤدي إلى كذا وتؤدي إلى كذا، لا فكرة مسايسة الناس ومداراة الناس وتأليف الناس هذه مقصد فعل نبوي أساسي، فعل نبوي أساسي من جملتي هذا، قال: فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت، أخرجه البخاري.
الحديث الأخير عائشة رضي الله عنها قالت في قصة الهجرة قالت: واستأجر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من بني الديل ثم من بني عبد بن عدي هادياً خريتاً، والخريت هو الماهر بالهداية، قد غمس يميناً، حلف في آل العاص بن وائل وهو على دين كفار قريش، فأمنناه فدفع إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث، فارتحلا وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الديني، فأخذ بهم أسفل مكة وهو طريق الساحل، أخرجه البخاري.
فائدة من هذا الحديث غير الموضوع الأساسي اللي هو الكمون في الغار واتخاذ هذا السبب وغير تغيير الطريق اللي هو طريق الساحل، لا قضية أن هذه المرحلة اللي هي الخروج من مكة إلى المدينة التي تتطلب الحذر الشديد في الطريق من المتقن لهذا التخصص؟ من المتقن لهذا المجال؟ من الذي يمكن أن يؤدي المهمة؟ وجدوا هذا الرجل الكافر، كان على دين قريش جيد، ومع ذلك اتفق معه النبي صلى الله عليه وسلم على أن يكون هو الدليل الذي يسلك بهم الطريق، وهذه نكتة كبيرة وعظيمة جداً، أنه كيف يعني اتخاذ الأسباب يصل إلى هذه الدرجة، أنه هذا السبب في سبيل نصرة الإسلام لا يتقنه إلا هذا، هنا المصلحة الشرعية تقتضي أن يكون صاحب التخصص هو الذي يدير أو الذي يعني خلنا نقول يعمل في هذا المجال ولو كان مشركاً، جيد وهذا كما قلت أيضاً أنت تجمع الأجزاء الأحاديث والآيات تجمعها لتكون عندك صورة، وهذا ترى الذي ذكرته هنا يعني هو بعض الأحاديث ترى بعض المواقف من السير، بس ترى عموم السيرة النبوية تؤكد هذا المعنى، عموم السيرة النبوية تؤكد هذا المعنى، تؤكد هذه القضية بشكل واضح. طيب، هذا ذكر لي يعني مجموعة من الآيات ومجموعة من الأحاديث في هذا الباب، وبينت المقصد من هذا الباب، وأهمية أن يكون المصلح على هذا الوعي وعلى هذه اليقظة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفهمنا وأن يعلمنا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلي ويسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.
الشيخ أحمد السيد