تسجيل الدخول

شرح المنهاج من ميراث النبوة 17 | العناية بالشباب

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد، فاستعينوا بالله، ونستفتح مجلساً جديداً من مجالس شرح منهاج من ميراث النبوة، وهذه المرة مع الشباب: باب العناية بالشباب وتقديم ذوي العلم منهم وتفعيل أدوارهم في العمل الإسلامي.

وهذا الباب -باب العناية بالشباب وما يتعلق به- هو باب له شواهد في كتاب الله وفي سنة رسول الله وسيرته العملية. وقد يظن الظان أنه باب تربوي مستقل وباب مستقل عن قضية مرجعية الوحي، بينما ستجد في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعزز من قيمة العناية بالشباب وأهمية دورهم في الإصلاح وأهمية دورهم في الإيمان وفي حمل الرسالة.

قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى. وهذه السورة سورة الكهف، وذكر أصحاب الكهف هو ذكر لأئمة في الدين، هم محل للاقتداء ومحل للتأسي ومحل لأن يكونوا مثلاً للمؤمنين، وهم في نفس الوقت فتية؛ ليسوا من الشيوخ الذين شبت لحاهم في طريق الإسلام، ولكنهم ثبتوا أمام موجات الفتن وصبروا على دينهم واعتزلوا قومهم الذين كانوا يدعون إلى الشرك، وأحدث الله سبحانه وتعالى لهم تلك الكرامة العظيمة، وكانوا أئمة في الدين خلد ذكرهم. وهذا يدل على أن الشباب، وعلى أن الفتيان -أو خلينا نقول الشباب في زمن الفتوة والشدة والقوة في مطلع العمر- يمكن أن يكون قدوة في الدين، ويمكن أن يكون لهم شأن في الإسلام، ويمكن أن يكونوا محلاً للاقتداء كما حصل في أولئك الفتية. الإمام ابن كثير رحمه الله أشار عند هذه الآية إشارة جميلة جداً، فقال: ذكر تعالى أنهم فتية وهم الشباب، وهم أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا وعسوا في دين الباطل، ولهذا كان أكثر المستجيبين لله ورسوله صلى الله عليه وسلم شباباً، وأما المشايخ من قريش فعامتهم بقوا على دينهم ولم يسلم منهم إلا القليل، وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا في شباباً. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى. وهذا كلام شريف، وهو كلام يمكن أن يستفاد منه في مثل هذه المرحلة الزمنية؛ المراحل التي يسعى فيها إلى النهضة بشان الإسلام والمسلمين، يجب أن تكون مادة هذه النهضة من الشباب.

الآية التالية: قال الله سبحانه وتعالى: قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ. وإبراهيم عليه السلام كان شاباً حين واجه من قومه ما واجه، وحين كان أمة واحدة، وحين كان صامداً على الحق وثابتاً عليه متوكلاً على الله سبحانه وتعالى، وهذا يجب أن يعتز الشاب بمثل هذه الآية، وأن يجد فيها أنساً له ومحفزاً له على أن يقتدي بأنبياء الله سبحانه وتعالى والصالحين ممن كانوا على هذا السن. ويمكن أن يضاف إلى الآيات في هذا الباب قوله سبحانه وتعالى: فَمَا آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ. طبعاً اختلف المفسرون في المقصود بهؤلاء، لكن أقرأ لكم من كلام السعدي رحمه الله تعالى، قال في قوله: فَمَا آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ أي: شباب من بني إسرائيل، صبروا على الخوف لما ثبت في قلوبهم من الإيمان. ثم قال بعد ذلك: والحكمة والله أعلم بكونه ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه أن الذرية والشباب أقبل للحق وأسرع لهم قيادة، بخلاف الشيوخ ونحوهم ممن تربى على الكفر؛ فإنهم بسبب ما مكث في قلوبهم من العقائد الفاسدة أبعد من الحق من غيره. وهذا قريب من كلام ابن كثير في التعليق على أنهم فِتْيَةٌ، وهذا يدل على أن الإصلاح الحقيقي يجب أن يكون متصلاً بالشباب، لا أن يكون خاصاً بهم وإنما يجب أن يكون متصلاً بالشباب؛ فهم كما قال العلماء أسرع قيادة، وبعد ذلكم أكثر قوة على حمل هم هذا الدين.

ثم ننتقل إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد ذلك إلى بعض هدي أصحابه، حتى نرى كيف كانت العناية بالشباب وكيف كان لهم الشأن في حياته عليه الصلاة والسلام. جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، فعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً. أخرجه ابن ماجه. هذا الحديث فيه فوائد كثيرة وسبق الحديث عنها ربما مراراً، ولكن هنا الحديث يُنقى من زاوية ما يتعلق بالشباب، وإلا سبق التعليق عليه ربما في باب أهمية التزكية، سبق التعليق عليه من ناحية المعنى الإيماني وأهميته في بداية التأسيس وأنه تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلم القرآن، لكن هنا الزاوية التي يُنظر من خلالها إلى هذا الحديث هي زاوية عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالشباب. هنا جندب يقول لك: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، يعني قاربنا أو على وشك أو حول سن البلوغ، نتكلم عن عمر ١٣، ١٤، ١٥، وأنت إذا سرحت بخيالك وحاولت تخيل هذا المشهد، ستجد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن محاطاً بالشيوخ فقط، ولم يكن حتى محاطاً بالشباب في سن متقدم في الشباب، وإنما النبي صلى الله عليه وسلم كان محاطاً بكل الفئات العمرية، كان محاطاً حتى بمن هم أصغر من ذلك؛ يعني أنت تأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم زائراً أو متحدثاً في ذلك الزمن، ستجد أن خادمه عمره عشر سنوات، ١٢ سنة، ١٣ سنة؛ هؤلاء الصغار الذين هم على سن البلوغ هم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا محلاً للاهتمام منه عليه الصلاة والسلام، فيعلمهم الإيمان ثم يعلمهم القرآن. وإذا وسعت الدائرة قليلاً ستجد أن الأمر ليس خاصاً بأنهم معه مثلاً في مقامات التعليم، وإنما هم معه أيضاً في مقامات الجلاد والجهاد، فتجد أن أعمار ١٥ و١٦ و١٧ و١٨ إلى ٢٠ هذه الأعمار دافعت وجاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل منهم شهداء، حتى إن من شهداء بدر عمير بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وهو أخو سعد بن أبي وقاص، وقد استشهد في بدر وعمره ١٦ عاماً، عمره ١٦ عاماً، قاصر بالتعريف المعاصر! فهذا ممن بادر وقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفعل ذلك إلا وقد كان هناك اعتبار أصلاً لهذه الفئة العمرية، وأنتم تعلمون يوم بدر، يوم كان يوماً حرجاً ليس يوماً عادياً.

ثم بعد ذلك الصحابة، إلى أن سيأتينا بعد قليل التأمير، أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً. أخرجه البخاري ومسلم. هذا الحديث فيه فضل عظيم لا يدرك قيمة هذا الفضل إلا من هو موقن ومستحضر لأهوال يوم القيامة، الذي يدرك قيمة هؤلاء السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، هم الذين يستحضرون أهوال يوم القيامة وأحداثها وشدة الحاجة في ذلك اليوم إلى الأمان. يعني لو وقفنا الإنسان عمره ليكون آمناً في ذلك اليوم، لا أقول فليس هذا بكثير، وإنما هذا مطلب عزيز جداً، بل ما دون ذلك؛ حتى لحظة الموت نفسها، فضلاً عن اليوم ذاك بامتداده، وقد كان أحد المحدثين والعلماء من القرن الثالث الهجري أو في نهاية القرن الثاني الهجري -غاب عني اسمه الآن لمن ذكرهم الذهبي رحمه الله تعالى في السير، وذكر هذه القصة في السير- كان من العباد الصالحين، أفنى عمره في العبادة وفي التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فلما حضرته الوفاة قال كلمة فقال: يا رب بحبي لك إلا خففت عني، قد كنت أؤمنك لهذا اليوم، يعني يا رب عبادتي تلك في الستين والسبعين والثمانين سنة هي لأني أؤمنك في هذه اللحظات وفي هذا اليوم. فالذين يستحضرون يدركون خطورة هذه اللحظات؛ خطورة لحظات الموت، خطورة يوم القيامة والأهوال. فهنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول لك يسلط الضوء على مساحة أمان بين تلك الأهوال، وهي مساحة من يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، واحدة من هذه الخلال التي تؤهل الإنسان لأن يكون في ظل الله سبحانه وتعالى يوم لا ظل إلا ظله هي خاصة بالشباب، خاصة هنا للشباب وهي: وشاب نشأ في عبادة الله؛ يعني هذه قد تكون للكبار شيء من الصفات، لكن هذه الخصلة من السبعة لا تكون إلا للشباب، شاب نشأ في عبادة الله، بمعنى لو أن شاباً نشأ في غير عبادة الله ثم بعد ذلك هداه الله سبحانه وتعالى والتزم ببعض الصفات الأخرى أو لم يلتزم، هذا شيء، لكن هذه الخصلة فاتت عليه؛ هي شاب نشأ في عبادة الله. وهذا فيه بيان أن الشريعة فيها خلينا نقول فيها مراعاة لمحال الشباب، لأنه شاب نشأ في عبادة الله، وشأن الشباب لما أودع فيهم من القوة والهوى وما إلى ذلك شأنهم أن تقودهم أهواؤهم إلى غير عبادة الله، فإن يتغلب الشاب على هذا وينشأ في عبادة الله، فالشريعة تنتبه لهذا وتراعي وتبرز فضله.

ثم عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: والله يا رسول الله، لا أوثر بنصيب منك أحداً. قال: فتلّه رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده. أخرجه البخاري ومسلم. هذا الحديث لا يبين فقط أن الشباب كانوا قريبين من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يبين أن اعتبارهم اعتبار، يعني أن كون أعمارهم أعمار صغيرة لا يلغي القيمة الاعتبارية لهم؛ لأن القضية هنا ليست مجرد أنه جلس في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم الذي فيه شيوخ؛ يعني أنت تعرفها الآن كثير من أصحاب المجالس لا يرضون إذا كان في ناس من علية القوم من الكبار في السن حتى ما يرضى أنه يجلس الصغار، يبعد الإنسان وكذا. لاحظ الآن ليس فقط أن الغلام -هذا غلام الآن- ليس فقط الغلام أنه حضر في هذا المجلس وكان جالساً لا، وإنما كان جالساً عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه وحدها لها شأن، جالس عن يميني! جيد. الأمر الثالث: لما جاء الإناء كان يحب النبي صلى الله عليه وسلم التيامن، وكان من هديه وسنته، ولكن الآن هناك مانع وهو أن الذي عن يميني هو غلام صغير والذين عن يساري الأشياخ، وهذه القضية لها قيمة عند العرب قضية من يقدم، فهنا جاءت تقدير الثالثة والرابعة، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلغ حقه في الأولوية، ثم جاءت تقدير الأعظم منه وهو أنه استأذنه عليه الصلاة والسلام، ولم يقل: لا، هو صغير ما في قيمة، لا، وإنما استأذن منه عليه الصلاة والسلام. طبعاً هذا إذا تنبأت للنبي صلى الله عليه وسلم نفسه وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم هذا باب آخر، لكن نحن نتكلم الآن فقط من جهة الشباب؛ استأذن منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ والفتى من الواضح أنه كان فتى نبيهاً ومحباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال -ما قال لا آذن- لأنه لو قال لا آذن لم تكن لائقة لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لك أتأذن، تقول لا آذن ليست لائقة، لكنه كان غلاماً فطناً، فقال: يا رسول الله، لا أوثر بنصيب منك أحداً. هذا يذكر بالحديث الصحيح أيضاً في البخاري، لما أبو بكر والصحابة إذ تأخر النبي صلى الله عليه وسلم في الإصلاح بين قبيلتين أو بين قومين في طرف المدينة، حضرت الصلاة وتأخر النبي صلى الله عليه وسلم، فتقدم أبو بكر، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء الصلاة أو في أثناء الصلاة صفق الناس لأبي بكر، قبل أن يشرع التسبيح في الصلاة إذا حدث شيء يريب الإنسان، فصفق الناس حتى التفت أبو بكر فرأى النبي صلى الله عليه وسلم، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن امكث مكانك، قال هكذا في الحديث، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله ثم رجع، فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأكمل الصلاة، ثم قال عليه الصلاة والسلام، فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة.

ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. نفس الشيء هذا الطفل الآن ما يقول يا رسول الله، لا. لا إذن لا يقول يا رسول الله، لا أوثر بنصيب منك أحداً، يعني تأتي فرصة أن أشرب بعدك، ثم والله يا رسول الله، يعني كأنه يقول يا رسول الله لا، لا أقول لك لا ولا أوثر نفسي بمجرد أنني أنا، وإنما لأن في هذه القضية نصيباً من الشراب الذي شربت، فهذا الشرف لن أضيعه، فلا أوثر بنصيب منك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده، هذا التقدير الآن، هذا مشهد من المشاهد، يكفيك هذا وحده، يكفيك لتعرف أن المدرسة النبوية كان الغلمان فيها حاضرين ولهم اعتبار ولهم مكانة، وأنه ليست القضية.

أنا أتعجب من بعض الدعاة أو خلينا نقول بعض المشتغلين في المجال التربوي أو شيء، أنه مثلاً في بداية الطلب لا يأنف أنه يجلس مع، يعلم الصغار أو الفتيان وكذا، ثم بعد ذلك إذا اكتسب مزيداً من العلم أو أخذ شهادة علمية مثل ماجستير ودكتوراه ولا شيء، أنه يعني يشعر أن هذا يعني: خلاص زمان أنا ممكن واحد يعلم وكذا، والجزء الحين أنا كبرت لي مكاني مكتب وبحث وكمبيوتر شغل ولا؟ طيب، بنروح المدرسة النبي صلى الله عليه وسلم، انظر كيف كانوا حوله، وهذا الجسم مو بس يجلس مجالس يرجع، إحنا نقول مجالس الرجال، جالس مجالس رجال كبار، يعني انظر النفسية التي يتربى عليها الشاب، كيف يشعر فعلاً بقيمته بمكانته، غير لما تجد بعكس ذلك فيه همم بعض المجالس.

عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثاً وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمارته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده. أخرجه البخاري ومسلم. وقد كان أسامة حينها شاباً من دون العشرين من عمره، صفحة أخرى من صفحات ما كانت للشباب في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، أو يتعلم، وإنما القضية وليس حتى أن يشارك في القتال والجهاد في سبيل الله، وإنما حتى في أن يكون له تكليف، وأن تكون له مناصب، أو يكون له منصب يكون فيه هو صاحب الكلمة، وكونه صاحب الكلمة ليس صاحب الكلمة على من مثل أعمارهم من الشباب، أو مثل عمره من الشباب، إنما يكون صاحب كلمة على من هو أكبر منه، وعلى من له يعني هنقول صولة وجولة في الإسلام.

ومع ذلك يعين النبي صلى الله عليه وسلم قائداً من الشباب أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه، وهذا فيه دروس وفوائد كثيرة جداً، منها معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بأحوال أصحابه وسماتهم وقدراتهم وإمكاناتهم، ومنها تقديم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه كل في المجال الذي يناسبه، ومنها عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالشباب وهذا موضع الشاهد، وأنهم إذا كانوا أهلاً ومحلاً للتصدير، أو أن يكونوا يتولون أموراً من أمور الدعوة أو نصرة الدين، أنه لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم مانع في كونه شاباً، أو لكون هذا المعين الذي يستحق في كونه شاباً، لم يكن هذا المانع معتبراً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. هناك فوائد أخرى لكن أكتفي بهذا.

ثم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولا تحات ورقها. فوقع في نفسي أنها النخلة، فكرهت أن أتكلم وثم أبو بكر وعمر، فلما لم يتكلما قال النبي صلى الله عليه وسلم: هي النخلة. فلما خرجت مع أبي قلت: يا أبت، وقع في نفسي أنها النخلة. قال: ما منعك أن تقولها؟ لو كنت قلتها كان أحب إلي من كذا وكذا. قال: ما منعني إلا أني لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما، فكرهت. أخرجه البخاري ومسلم.

هذا الحديث أيضاً حديث فيه فوائد كثيرة، من جملتها يعني الحديث يساق كثيراً حين يتحدث عن أساليب النبي صلى الله عليه وسلم التعليمية، وأنه من أهم الأساليب طرح الأسئلة التي طرحها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، هذا السؤال وإن كانت الأسئلة كثيرة لكن هذا من جملة الأسئلة اللي هو أخبروني عن شجرة، ما يكون باللغة يعني، لكن الذي فيه فائدة، فيه فائدة: أخبروني عن شجرة تشبه الرجل المسلم لا تحات ورقها، تأتي أكلها كل حين. الناس يفكرون يميناً وشمالاً، ينقدح في ذهن الفتى اللي هو عبد الله بن عمر، عبد الله بن عمر لجماعة الخير، عبد الله بن عمر كان يوم بدر أقل من ١٥ سنة؛ لأنه البراء يقول: استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر. استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر، يعني لم يبلغ السن التي يمكن أن يشارك فيها في القتال، اللي هو سن ١٥، سن ١٥ الآن ما أبغى أقول يعني البعض يعني جيد هناك ١٥ إذا وصل يعني يسمح له بأن هو يشارك في القتال، هو في حمل السيوف والرماح والدروع وتطاير الأيدي.

فعبد الله بن عمر، أن يشارك في القتال وهو أقل من ١٥، لكنه يستصغر هو والبراء، يعني حين توفي النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان عبد الله بن عمر في بداية العشرين، في بداية العشرينات. طيب أنت تخيل الآن النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن أخبروني عن شجرة تشبه الرجل المسلم لا تحات ورقها، من الذي في المجلس؟ أبو بكر وعمر وكبار الصحابة وعبد الله بن عمر، يعني أنت لو تذهب إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ستجد هذه الأعمار المتفاوتة. الآن حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم موجود أبو بكر وعمر، موجود عبد الله بن عمر، وقد يكون موجود أنس بن مالك اللي أصغر من عبد الله بن عمر، جيد. هذا الآن مهم في الاستحضار، لما بتتكلم عن السيرة النبوية مهم استحضرها، حتى في الأحاديث النبوية، المهم استحضر ترى المجلس متنوع الأعمار، في صغار، في كبار، في فتيان، في شباب، في ناس كبار شيوخ في جيد، هذا مهم جداً في الاستحضار، وهذا موضع الشاهد، وأيضاً من مواضع الشواهد أن الشباب محل العلم والاهتمام العلمي، وقد يفتح عليه ما لا يفتح، يعني على الأقل في بعض المسائل، يعني ما عرفتها.

الحديث التالي عن مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شباب متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيماً رقيقاً، فظن أن قد اشتقنا أهلنا، فسألنا عمن تركنا من أهلنا، فأخبرناه، فقال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم. أخرجه البخاري. متقاربون في العمر، مجموعة شباب، مجموعة شباب، أتوا من بلدهم من مدينتهم من قريتهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم لطلب العلم ولتعلم الدين وللقرب منه صلى الله عليه وسلم.

وماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ استقبلهم وقربهم وانتبه لأحوالهم، انتبه لأحوالهم؛ لأنه لما ظن عليه صلاة الله عليه وسلم أنهم اشتاقوا أهاليهم، وهذا لقربه منهم ولطلاعه على أحوالهم ولمعرفته بنفسياتهم، فلما ظن أنهم اشتاقوا أهاليهم قال لهم: ارجعوا. طيب ارجعوا، ما مكثوا إلا عشرين يوماً، قال: فأقمنا عنده عشرين ليلة. زمن قصير جداً، هذا الزمن القصير هم حين أتوا من عند أهاليهم يعني ربما كانت مكتسباتهم العلمية والمعرفية مقاربة لمن أتوا من عندهم، لما جاءوا في هذا العشرين ليلة النبي صلى الله عليه وسلم اعتنى بهم عناية أهلتهم لأن يكونوا قدوة في الدين، وأهلتهم لينقلوا هذه التجربة العلمية والعملية إلى أهلهم، فقال عليه الصلاة والسلام: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم، ماذا ما تعلموا خلال ٢٠ يوم؟ وعلموهم، هذا معناه أنه في تلك العشرين ليلة قد أخذوا نصيباً وافراً من تعلمهم من النبي صلى الله عليه وسلم، أليس كذلك؟ لأنه واضح أنه كان الاهتمام بهم يعني أهلهم لأن يرجعوا فيعلموا، ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، علموهم ومروهم فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ثم ليؤمكم، في رواية في البخاري: صلوا كما رأيتموني أصلي. حديث مشهور: صلوا كما رأيتموني أصلي.

هذا معناه أيضاً أنه النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا كانوا بمكان المصاحبة القرب منه عليه الصلاة والسلام، أنهم لاحظوا صلاته، انتبهوا لهذه، انتبهوا للاقتداء العملي بالنبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء القولي أيضاً اللي هو متعلق بالتعليم، وما يتعلق بالعلم في صافي كتاب الله وفي الأحاديث التي سمعوها الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث من الأحاديث المهمة حقيقة في العناية بالشباب، يعني العناية بهم من حيث الاهتمام، الاستقبال وتهيئتهم أن هم يستطيعون الإقامة هذه العشرين الليلة، العناية بهم من حيث التعليم، العناية بهم من حيث التقريب، العناية بهم من حيث نفسياتهم والانتباه لها، لأنه لما شعر النبي صلى الله عليه وسلم بشوقهم إلى أهلهم قال لهم: ارجعوا. فهذا حديث شريف في هذا الباب.

ثم الحديث التالي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهنا ستبدأ يعني الأحاديث التالية أكثر من حديث منها عن ابن عباس؛ لأنه كان حقيقة نموذجاً للعلماء الشباب أو النموذج لطلبة العلم الشباب. هذا الحديث يبين أنه الإنسان ليس بالضرورة أن يكمل طريق العلم حتى يبدأ بالنفع، يعني هنا يعلمون ما يحسنون، ومن الواضح أنهم أتوا من قوم يعني من عامة الناس اللي هما لم يكونوا في المدينة ولم يكونوا يعلمون الدين، وهذا يدل على يعني يدل على دور الشباب في التعليم، ويدل على أنه الإنسان يحمل روح المسؤولية ونفسها بحيث يعني يسعى لتعليم ما علم، ولو كان ما تعلمه يسيراً، أما في السياق العلمي في السياق العلمي العام، اللي هو أن يكون الإنسان عالماً يعني متفرغاً للتدريس، هذا يحتاج إلى طريق طويل في البناء، لكن لا يمنع الإنسان أنه يعلم شيئاً مما تعلم أثناء الطريق.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وكنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال: يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف. أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.

هذا الحديث أيضاً فيه صور من صور عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالشباب، وإذا أكملناه مع الذي بعده وهو عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدره وقال: اللهم علمه الحكمة. أخرجه البخاري. ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان أصغر من ابن عمر، يعني ابن عمر استصغر يوم بدر، ابن عباس في أواخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم كان على سن الاحتلام، يعني صغير، كان ابن عباس رضي الله عنه لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وكان ابن بضع عشرة سنة، جيد؟ يعني يمكن في سن مرحلة المتوسطة الآن تقريباً، يعني آخر المتوسطة.

هو الشيء العجيب أن ابن عباس الذي نقل لنا كل هذا العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، والذي كان له أكثر من موقف خاص مع النبي صلى الله عليه وسلم، هو كان بهذه السن، وإحنا بنتكلم عن ابن بضع عشر سنة، يعني تقريباً بحدود ١٥ إلى ١٧، أو بهذا الاسم أو بهذه السن، أقل من ربما حين توفي النبي صلى الله عليه وسلم، إحنا نتكلم عن أنه ترى صحبته مع النبي صلى الله عليه وسلم ممكن كان عمره ١٢، ١٣، ١٤، جيد؟ جداً صغير، ولما ترجع أنت جماعة الصحابة على تنوع أعمارهم وعلى اختلاف، وما إلى ذلك، إحنا الآن لمن ننظر من بعيد إلى ما حصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم غير الصحابة، تشعر أن كل صحابي كان له قيمة عند النبي صلى الله عليه وسلم.

كل واحد له مواقف خاصة بيني وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، صح ولا لا؟ أن كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم قال للنبي صلى الله عليه وسلم، شرب النبي صلى الله عليه وسلم فقلت أمرك، يعني تقول للنبي صلى الله عليه وسلم، يعني عجيب، يعني كيف هذا كله؟ كيف كل هذا الاهتمام بهذا وبذاك؟ طيب، يعني مثلاً كون القصص تأتي بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر هذا معروف، بينه وبين عمر هذا معروف، لكن الصغار هؤلاء أيضاً كان لهم من شأن، انظر هنا يرقيه النبي صلى الله عليه وسلم، هذا واحد، اثنين: انظر كيف القضية أنه الخطاب يا غلام، وهنا واضح أنه يا غلام، واضح أنه هو كان صغيراً، جيد؟ حتى اللقب المستعمل هو لقب متعلق بصغر سنه، يا غلام، يعني زي كأنك تقول لي يا ولدي، ولا تقولي العبارة المعبرة عن صغر السن، أو يا، يعني هس بتتغير بحسب الأعراف، لكن هنا يا غلام، فتى صغير، إني أعلمك كلمات، إني أعلمك كلمات، هذا يدل على أهمية أمرين.

تعليم الفتيان.

أهمية تعليم الفتيان: اثنان، أهمية أو فائدة الاختصاص. أحياناً تحتاج وهذه مهمة في التربية، أحياناً تحتاج أن تختص بعض المتربين بوصية، بنصيحة بناءً على ما تراه منه، بناءً على أي كان موقف معين، أني أعلمك كلمات، وفي قوله كلمات عليه الصلاة والسلام. وهو عموماً النبي صلى الله عليه وسلم كما قالت عائشة كان يتكلم كلاماً لو عده العاد لأحصاه، وتيتم جوامع الكلم. يقول صلى الله عليه وسلم، هذا الحديث يدل أنا برأيي يدل على مادة من أهم المواد، إن لم تكن أهم مادة موجهة للفتيان. من هذا الحديث نفهم أهم مادة أو من أهم المواد التي يجب أن توجه للفتيان وهي مادة ايش؟ العبودية لله سبحانه وتعالى، مادة تطويع القلب لله سبحانه وتعالى، مادة تعليق القلب لله، مادة التي يجتمع فيها أمران: التعريف بالله والحديث عنه، والحديث عن القلب وعلاقته بالله سبحانه وتعالى، الحديث عن الله والحديث عن القلب وعلاقته بالله سبحانه وتعالى، هذا من أهم الموضوعات، وهو المطابق لقول جندب: كنا فتياناً عند النبي صلى الله عليه وسلم فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن. ايش هو تعلمنا الإيمان؟ أرأيتم الكلام الذي قال لابن عباس هنا؟ أرأيتم هذا؟ هذا تعلمنا الإيمان: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف. هذا تعلمنا الإيمان، هذا مثال على تعلمنا الإيمان، واضح؟ طيب.

ثم الحديث التالي في البخاري: ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال: اللهم علمه الحكمة. وهذا يعني تقريب نفسي لهذا الفتى من النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه بيان حب النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس، وهؤلاء كانوا محل اهتمام ومحل محبة من النبي صلى الله عليه وسلم. ومما يدل على ذلك غير هذا الحديث أن أسامة بن زيد على صغره كان يلقب بماذا؟ حب رسول الله. كذلك في صحيح مسلم أظن أو في البخاري ومسلم لما وضع النبي صلى الله عليه وسلم الحسن، من الثاني الذي وضعه؟ كان أبوه عبد الله بن جعفر، إذا ما فاهم فقال: اللهم إني أحبهما، أو نحو من ذلك. فيعني هؤلاء كانوا محلاً للعناية النبوية في قضية التعليم، في قضية المشاعر، في قضية النفسيات، في قضية الانتباه، وهذه بركة للنبي صلى الله عليه وسلم.

نفتح يعني واحدة من الصفحات الصغيرة جداً مقابل بقية الصفحات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنها صفحة مليئة وفيها من الفوائد أهمية الدعاء لمن يحبه الإنسان، أهمية الدعاء للمتعلمين، أهمية الدعاء للمتربين: اللهم علمه الحكمة. والدعاء بتعليمه الحكمة ودعاء مناسب لما تميز به عبد الله بن عباس، وفيه الانتباه لمواطن التميز والفطنة عند الإنسان، فيدعى له بما يناسب ذلك. علم ابن عباس رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، الآن هذا الحديث يبين آثار التربية النبوية لابن عباس، آثار العناية النبوية بهذا الفتى. قال علي بن عباس رضي الله عنه: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار: يا فلان هلم نسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم اليوم كثير. فقال: وعجباً لك يا ابن عباس، أترى الناس أو أترى الناس يحتاجون إليك؟ وفي الناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من ترى. يعني ابن عباس الآن وهو يكلم هذا الأنصاري يمكن كان عمره 16 أو نحو ذلك، تمام؟ بخير. الآن واحد عمره 15، 16 في هذه الحدود، يأتي رجل إلى رجل آخر يقول هلم فنسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، تعلم العلم. فذاك يعني ما نظر إلى المستقبل، أي واحد عمره 15، 16 وأنا رجل من الأنصار يعني واحد ليس من البارزين، ربما يكون في مثل عمره أو شيء: أترى الناس يحتاجون إليك وهناك أصحاب رسول الله الكبار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أحترم الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من ترى. قال: فتركت ذلك وأقبلت على المسألة، فكان لا يبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه فتسفي الريح على وجهه التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك؟ أنا أرسلت إليك فتأتيني، أو فأقول له: أنا أحق وأنا آتيك فأسأله عن الحديث. قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس عليّ فقال: كان هذا الفتى أعقل مني، خرجه الدارمي.

هذا واحد من الأحاديث التي تبين أن العناية النبوية بهذا الفتى ابن عباس رضي الله تعالى عنه أحدثت عنده حالة بإذن الله تعالى من الاهتمام والإقبال والشغف والحرص والصبر. وأن هذا يعني كأنه أخذ من النبي صلى الله عليه وسلم القاعدة المؤسسة، ليست القاعدة العلمية فقط، أخذ القاعدة الشعورية، قاعدة أن أهم ما يحتاجه الشباب ليس المادة العلمية في الدروس، هذه مهمة، بس من أهم ما يحتاجه الشباب هو الاستصلاح النفسي والأخلاقي والتزكوي الذي يجعل النفس سوية، ولديها الاستعداد للصبر والبذل والتحمل والعطاء والفهم، وهذا ما أسس عليه النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس، فأكمل هو الطريق، ولما قاله الرجل الأنصاري: أترى الناس يحتاجون إليك؟ تركه هو ومضى وصبر وكان يأتي إلى باب الصحابي الذي عنده العلم ويتوسد رداءه ويسفي التراب على وجهه وهو صابر محتسب في سبيل العلم، ولا يزال فتى، كانت العاقبة والنتيجة أن احتاج الناس إلى ابن عباس في المستقبل، توفي الكبار، اجتمع الناس إليه، صار إماماً من أئمة الدنيا، ثم قال الأنصاري حين رأى ذلك: لقد كان هذا الفتى أعقل مني. بل وفي مرحلة مبكرة، يعني نتحدث عن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنوات يسيرة جداً، وابن عباس حينها ربما كان في بداية العشرين أو حتى ربما لم يبلغ العشرين، أو لا أعرف الأعمار بالضبط اللي هو في المجلس الذي سيأتي مع عمر رضي الله عنه، لأن عمر تولى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، ففي واحد من سنين عمر حصل هذا الموقف عن ابن عباس وكان قد بلغ ووصل وقطع شوطاً وطريقاً ولكنه لا يزال صغيراً. عن ابن عباس قال رضي الله عنه قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر. أشياخ بدر، يعني جئت للقمة، ليس فقط كبار في السن وإنما أشياخ بدر، بدر، أهل بدر كان لهم قيمة استثنائية بين المسلمين أصلاً، كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، أولاً عمر أخذ هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العناية أيضاً بالشباب، فقال بعضهم: لمَ تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ يعني يا عمر أنت تختص مثل هذا الفتى وتأتي به مجلس، يعني لا شك أنه مجلس عمر، يعني خلينا نقول، لم يكن بنفس البساطة التي كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم، تعرفوا أنه لما جاءت كان في نساء يعني كن يشتكين للنبي صلى الله عليه وسلم، هذا في البخاري قال: فاستأذن عمر فابتدرن الحجاب لأن كأنه لموا نفسهم، انتبهوا لبعض الشغلات وكذا، فقال عمر قال: أي عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلنا: أنت أفظّ وأغلظ أو أنت ايش؟ أنت أفظّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم. على هذا المجلس، في قدر النبي صلى الله عليه وسلم كما قال مالك بن الحويرث كان رحيماً رقيقاً، كان النبي صلى الله عليه وسلم أسمح وكان سهلاً. وعمر رضي الله تعالى عنه كان صاحب هيبة وصاحب يعني، وكان حتى الصحابة كانوا يخافون حتى من عمر، لمَ جاء صحابي تعرف لما أبو موسى قال: استأذنت ثلاثاً على عمر ثم انصرف، فقال بعد ذلك عمر قال: لمَ انصرفت؟ قال: استأذنت ثلاثاً والنبي صلى الله عليه وسلم علمنا هذا، أولاً جعلنا الله، فقال: ليشهد معك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا، وإلا جعلت ظهرك، أبو موسى الأشعري يعني إلى مجلس فيه الصحابة وقال: أحد منكم سمع هذا الحديث؟ قال: نعم، معه، فقال له يا عمر: لا تكن عذاباً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني كان لعمر هيبة وكان إذا كان في مخالفات شرعية أو شيء كان يستعمل العقوبة، يعني يعاقب، يتهاون في بعض الأوامر الشرعية وكذا، فمجلس عمر له هيبة، ومع ذلك كان يدخل ابن عباس الفتى الصغير الشاب إلى هذا المجلس المحفوف، فالناس قالوا: أشياخ بدر، يعني تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه من قد علمتم. قال: فدعاهم ذات يوم عمر رضي الله عنه، يريد أن يثبت لهم أنه أهل لهذا الموقف، ليس فقط لأنه من قد علمتم، ليس فقط لأنه صاحب النسب وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا ليريهم مني. وهذا في يعني أيضاً إثبات أنه ممكن واحد يخلي الشباب يتكلم والفتيان يتكلم ويعرض مشروعه ولا يختبرهم في شيء، يبين لهم استحقاق الاهتمام بهم وأنهم أهل ذلك. قال: ما رأيته دعاني ذاك اليوم يبغى يوريهم مين أنا وليش قدمني في هذا المجلس، قال: ما تقولون في: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، حتى ختم السورة. فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم لا ندري، أو لم يقل بعضهم شيئاً. فقال لي: يا ابن عباس، أكذاك تقول؟ قلت: لا. قال: فماذا تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له، إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فذاك علامة أجلك، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا. قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم، البخاري.

وهنا الجواب لابن عباس في يعني هذا الاستحقاق أو على الأقل سبب هذا الاستحقاق، وهنا يأتي عنوان الباب الذي هو باب العناية بالشباب وتقديم ذوي العلم منهم كما في هذا المشهد. ابن عباس رضي الله عنه قال: كان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته، كهولاً كانوا أو شباناً. كهولاً كانوا أو شباناً، إذاً أيضاً حديث يبين أن القضية أيضاً لم تكن خاصة بابن عباس، وفي بعض المقامات القريبة من عمر رضي الله عنه أنه كان فيها أيضاً الشباب، وكان موجب الاستحقاق ليس هو مجرد شباب وإنما ما لديه من العلم، وهنا القراء ابن حجر يقول في القراء: إنهم الجامع بين العلم والعبادة. نختم هذا الباب بحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة، ويقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ منهن دبر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر. أخرجه البخاري. وهذا الحديث فيه عناية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصغار، ومن أول ما ينبغي أن يكون محلاً لعنايتهم الأبناء، هم الأبناء داخل البيت، وهنا هذا مثال عملي على أن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه كان معتنياً بتعليم أبنائه. قال: إنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة. وهذا واضح في عناية، يعني أنه هو في عناية بتعليم أبنائه كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة. هذا يعني لعلهم أخذوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان له عناية بالغة بقضية التعليم، وهذا يذكرني بكلام ابن مسعود في الصحيح أيضاً قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد كما يعلمني السورة من القرآن. طيب، فقال: اللهم إني أعوذ بك من الجبن، إلى آخره، أعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر. أخرجه البخاري.

هذه الرحلة التي، هذا يمكن أطول باب في المتن أظن أنه أطول باب، والله أعلم، واضح أنهم من خلال هذه الأحاديث، قبل ذلك من الآيات التي قرأت في أول باب: فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، قالوا سمعنا فتى يذكرهم، فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، هذا كله يبين قيمة الشباب والعناية بهم، وأهمية أن يكونوا محلاً للاهتمام ولا يهمشوا ويبعدوا. ونحن اليوم حقيقة في أمس الحاجة، المشاريع الإسلامية الإصلاحية بحاجة إلى العناية بالشباب، عناية بالغة فائقة، وأن تكون العناية شمولية وليست عناية فقط بالتحفيظ، إنما تكون عناية شمولية كما أعطانا النبي صلى الله عليه وسلم، وإن من أولى ما ينبغي أن تكون عناية فيه وتعليمه الإيمان، كما قال جندب: فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، وكما قال ابن عباس في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم إياه. وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ويرحمنا ويهدينا ويسددنا، ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا، اللهم اجعلنا لك ذاكرين، لك شاكرين، لك راهبين، طائعين ومخبتين، ربنا تقبل توبتنا، وأجب دعوتنا، وثبت حجتنا، واهدِ قلوبنا، وسدد ألسنتنا، واسلل سخيمة قلوبنا، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسوله محمد.