الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم يا ربنا صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد، نستعين بالله ونتوكل عليه ونستغفره ونتوب إليه، ونستعين به مستعينين متوكلين في الابتداء بمجلس جديد من مجالس شرح منهاج من ميراث النبوة، وهذا شرح الملحق، وهو المجلس الثالث في شرح الملحق، وإن كان في تسلسل السلسلة بشكل عام ما أدري وصل 33 ولا 34. نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. للتذكير طبعا هذا الشرح على نظام الشرح القديم الذي هو شرح متوسط لا يوقف فيه عند كل جملة، وهناك نية إن شاء الله لشرح مطول. نسأل الله سبحانه وتعالى السداد.
هذا الباب الثالث في الملحق هو باب مركزية كلمة الإسلام: لا إله إلا الله، وفضلها وتفسيرها وشروطها والدعوة إليها، وخطورة ما يضادها من الشرك الأكبر والأصغر. هذا الباب ترتيبه مقصود؛ يعني هو وضع في الترتيب العام الباب الثامن. لماذا؟ لأن الأبواب قبله من الباب الأول إلى الباب السادس كلها في المرجعية، مرجعية الاستدلال؛ يعني الباب الأول باب في مرجعية الوحي، الثاني في تلقي القرآن على منهاج النبوة -وهذا أيضا من الوحي الذي هو تلقي القرآن-، والثالث في تعظيم سنة النبي صلى الله عليه وسلم -وهذه من الوحي-، الرابع تعظيم حدود الله والتحذير من مخالفة أمر الله ورسوله -وهذا أيضا من الوحي-، الخامس في ضبط الأفهام على معيار الوحي، يعني صارت الخمس أبواب كلها الآن في مرجعية الوحي، السادس في أهمية الاقتداء بطريقة الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم صارت أيضا في المرجعية. واضح؟ طيب، كذا انتهينا من ستة أبواب. الباب السابع ما هو؟ الباب السابع في أن الدين على مراتب متفاوته، هذا أول باب في التفقه في مرجعية الوحي.
واضح؟ الأبواب السابقة كلها في المرجعية، هذا الآن السابع في التفقه في المرجعية، وكان مفتاح التفقه ما هو؟ أنه ترى هذه النصوص التي في الوحي في الكتاب والسنة ليست على رتبة واحدة، وهذه الأوامر التي في الوحي ليست على رتبة واحدة؛ هناك ما هو من أركان الإسلام، هناك ما هو فرائض، هناك ما هو واجبات، هناك ما هو مستحبات، هناك ما هو سنن، وأن الفقه في الدين تبع لإدراك هذه المراتب. ممتاز. طيب، بما أننا قلنا أن الدين على مراتب وهناك أمور عظمى، يأتي السؤال الآن: ما هي هذه الأمور الكبرى؟ أو اذكر لنا أمثلة من هذه الأمور الكبرى في الوحي؟ يأتي الباب الثامن والتاسع والعاشر لتقول لك هذه المركزيات، هذه شيء من المركزيات في الوحي؛ أولها ما هو هذا الباب الذي معنا اليوم: باب في مركزية لا إله إلا الله. فهمتم التسلسل حق الأبواب؟ فهمتم بشكل واضح؟ هذا إذا التسلسل.
الأبواب بعدها ماذا؟ في مركزية التزكية وأعمال القلوب. طبعا ترى في صياغة جديدة للباب التالي في الطبعة الجديدة في المنهاج، سما نزلت صارت كالتالي: باب في مركزية التزكية وأعمال القلوب وأهمية دوام التزود الإيماني والتعبدي ومركزية الصلاة في حياة المصلح؛ أصبحت هكذا وصار فيها زيادة نوعا ما. بعدين يأتي شرف العلم، بعدين يأتي مركزية العمل، بعدين النية والإخلاص وما إلى ذلك إلى آخره من أبواب. واضح الفكرة؟ إذا باب في مركزية لا إله إلا الله هذه آتية في ترتيب الأبواب بعد مرجعيه الوحي، ثم بيان أن هذه المرجعية على مراتب، ثم البدء بهذه المراتب أو بشيء من هذه المراتب، فذكرت أولا لا إله إلا الله، فكانت هذه من الأبواب المهمة جدا وإن كان من الأبواب الملحقة. سابقا كان البداية بمركزية التزكية، طبعا هي مركزية التزكية وأعمال القلوب وما إلى ذلك هي تتضمن خلاصة التوحيد، خلاصة الإخلاص لله سبحانه وتعالى؛ لأنه نقول مركزية أعمال القلوب، من أهم ما يدخل في أعمال القلوب اليقين والإخلاص والمحبة والخشية والتوكل، وهذه هي كلها خلاصات العبودية لله سبحانه وتعالى. لكن الآن تم إفراد مركزية لا إله إلا الله للحاجة إلى إبراز ما يتعلق بهذه الكلمة وسياقاتها وفضلها وشروطها إلى آخره من الأمور.
طيب، هذا الباب لعله أطول باب في المنهاج أليس كذلك؟ لعله أطول باب في المنهاج من ميراث النبوة، وعدد الآيات فيه كثير طويل جدا. والآيات قطعا هذا أكثر باب، وبالمناسبة هذه الآيات الكثيرة في هذا الباب هي مختصرة، يعني أنا اختصرت حذفت كان أكثر، ولكن رأيت أنها طالت فحذفت؛ لأنه حقيقة القرآن يدور على هذا المعنى أصلا، والكلام على لا إله إلا الله وفضلها ومكانتها ومعناها وتفسيرها وفضل تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى، وذكر ما يضاد هذه الكلمة وما يضاد هذه الشهادة وابطال هذا الذي يضاد هذا مليء في القرآن الكريم؛ لأنه أصلا خلاصة دعوة الرسل تدور على هذا المعنى، وبالتالي الآيات كثيرة جدا، لكن حرصت أن أختار من الآيات -الآيات ترى ليست مكررة- بمعنى أنه حرصت أن أذكر في كل آية هذه القضية من جهة من الجهات، سترون بإذن الله تعالى الفكرة المقصودة.
طيب، قال الله عز وجل: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ، وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. هذه الآية تحت أي باب؟ تحت أي جملة في الباب؟ اقرأوا الباب: باب مركزية كلمة الإسلام لا إله إلا الله، وفضلها وتفسيرها وشروطها والدعوة إليها، وخطورة ما يضادها. هذه تحت أي كلمة من هذه الكلمات؟ ها؟ في مركزيتها أم في فضلها أم في تفسيرها أم شروطها أم الدعوة إليها أم خطورة ما يضادها؟ ست جمل. طيب، هي في تفسيرها، هي في تفسيرها في تفسير شهادة أن لا إله إلا الله. لماذا؟ لأنه الله سبحانه وتعالى قال: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ، ما هي هذه الكلمة؟ لا إله إلا الله. طيب، أين ذكر هذه الكلمة في الآية التي قبلها؟ ها؟ ليست مذكورة، مذكور ايش؟ مذكور تفسيرها. ما هو تفسيرها؟ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي. إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي، هذه الجملة هي تفسير لـ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ، هذه الجملة مفسرة لهذه الكلمة التي هي باقية في عقب إبراهيم عليه السلام. ما هو هذا التفسير؟ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي. إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ تساوي ماذا؟ لا إله إلا الذي فطرني، تساوي إلا الله. إذا لا إله إلا الله، هذا النفي الذي فيه لا إله يتضمن معنى ايش؟ يتضمن معنى البراءة، جيد ولا لا؟ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ، أنا أبرأ وأتبرأ مما تعبدون إلا الذي فطرني. صارت كلمة لا إله ليست مجرد نفي مرتبط بالوجود من العدم، ليست مجرد نفي مرتبط بالوجود من العدم أو من الاستحقاق من عدمه لا، وإنما تتضمن ما هو أعلى من مجرد النفي؛ لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى لما ذكر هذه الكلمة الباقية في عقب إبراهيم وهي لا إله إلا الله ذكر معناها أولا، فقال: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ، فجعل هذا النفي يتضمن البراءة مما يعبد من دون الله سبحانه وتعالى.
إذا أول ما تتصل الآن في هذا الباب بهذه الكلمة كلمة لا إله إلا الله، تتصل فيها باعتبار أنها كلمة تتضمن فعلا قلبيا وعمليا يتعلق بالبراءة مما يعبد من دون الله سبحانه وتعالى. وبناء على ذلك إذا كان هناك من يقولها وهو لا يحقق هذه البراءة فهو لم يحققها تحقيقا تاما؛ يعني إذا وجد مثلا من يقول لا إله إلا الله ثم يذهب إلى ما يعبد من دون الله فيقدم له شيئا من العبادة، هنا ناقضها بشكل تام. إذا لا إله إلا الله هي جملة مكونة من كلمتين، كلمة في النفي وكلمة في الإثبات، فالكلمة التي في النفي تتضمن البراءة، هذه الكلمة التي في النفي لا تتضمن البراءة فقط، ستأتي إن شاء الله بعد قليل بعض النصوص التي تبين طبعا احنا الآن بما أننا في أول آية نريد أن نذكر شيئا مهما. هذه الكلمة لا إله إلا الله، هذه الكلمة العظيمة، هذه الكلمة العزيزة، هذه الكلمة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: لو وضعت السماوات والأرض في كفة ولا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن لا إله إلا الله، وكذلك لو أن السماوات والأرض كن حلقة مبهمة لقصمتهن لا إله إلا الله، فلا إله إلا الله هذه الكلمة العظيمة التي لأجلها خلق الخلق أو دعوا إلى تحقيقها، هذه الكلمة إذا تأملنا في مجموع النصوص سنجد أنها جاءت محشدة ومحاطة بالشروط؛ محاطة بالشروط، يعني هي كلمة مقدسة، كلمة عظيمة، كلمة جليلة. هذه الكلمة العظيمة الجليلة لا يتحقق فضلها العظيم هكذا مجردا، وإنما يتحقق بقدر تحقيق ما يحيط بها من شروط ومن مقتضيات ومعاني. من أين أتينا بهذه الشروط؟ من أين أتينا بهذه المقتضيات؟ من أين أتينا بهذه الصفات؟ من أين أتينا بهذه المعاني؟ هذا الباب في المنهاج يأتي لك بالأدلة التي تدل على ذلك، الأدلة من الكتاب والسنة؛ فهي ليست اجتهادات معينة، ليست اجتهادات معينة. تعرفون هذا الباب يعني من الأبواب التي حصلت في نزاعات حتى بين بعض الطوائف الإسلامية، فأصبح البعض يظن أنه الكلام على شروط لا إله إلا الله وما إلى ذلك أنه هو اجتهادات من بعض العلماء أو بعض من جاء في التاريخ الحديث أو في المعاصرين أو نحو ذلك. وهذا الموضوع يجب أن يرتقي عن الخلافات، هذا الموضوع مقدس، هذا موضوع مرتبط بأساس ما خلق الله الخلق لأجله، وما جاء فيه من نصوص يجب أن يكون محل تعظيم من كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. أصلا ترى كلمة يشهد، هذه مجرد كلمة يشهد هذه تتضمن بعض الشروط. كلمة شهادة غير كلمة قول، كلمة شهادة غير كلمة قول، كلمة شهادة تتضمن قدرا من العلم ومن التحقيق، وستأتي إن شاء الله الشروط.
إذا أول شيء ذكرت هذه الآية مرتبطة بتفسير لا إله إلا الله وأنها تتضمن البراءة مما يعبد من دون الله. طبعا إلا الذي فطرني، احنا بنقول لا إله إلا الله المفترض لما نقول إلا الله هذا يفتح لنا أبوابا على كل ما هو من صفات الله وأسمائه، هنا إبراهيم عليه السلام أبرز شيئا معينا أو صفة معينة وهي أن الله سبحانه وتعالى قال هو الذي فطره، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي، فانت وجاءت في القرآن: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وهكذا. لما نقول لا إله إلا الله فأنت تفترض أنك تفتح صفحة قلبية وعقلية -يرحمك الله- للالمام على الإثبات ما يتعلق بأسماء الله وصفاته وعظمته وجلاله. فلاحظ كيف أحيانا تاتي بهذا المعنى، إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي، تساوي إلا الله، فهذه فالنفي في البداية لا إله يتضمن نفيا لأمور كثيرة ويتضمن تحقيقا لحالة من التبرؤ والانفصال، والله تتضمن الإثبات المتعلق بعظمة الله وجلاله ورحمته وعزته وإلى آخره من أسماء الله وصفاته.
طيب، وقال سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، هذه الآية على أنها قصيرة لكنها آية تبين مركزية العبودية لله سبحانه وتعالى، وأن الله لم يخلق الجن والإنس إلا لذلك؛ يعني هذه الآية يجب أن تكون واحدة من الآيات المرتكزة في قلب المؤمن. هؤلاء الإنس كلهم في التاريخ الماضي السحيق والقريب، كبارهم وصغارهم، أمرائهم ومتبوعوهم والتابعون، العلماء والجهال الذين في أقصى شرق الأرض وأقصى غربها، الذين بين الأبراج والبنايات وبين الأدغال والأحراش والأكواخ، والعالم الآخر الموازي لهم والموجود حولهم هو عالم الجن والذي كان قبلهم أصلا قبل الإنس؛ كل هؤلاء ما خلقوا إلا لعبادة الله وحده سبحانه، أنه لا شريك له. وهذه الآية المفترض أنها ترتب غايات عند البشر، تحدث ما شئت عن إنجازات، عن مخطط مستقبلي، عن حياة دنيوية، تمام، لكن اعلم أنك خلقت لما هو أعظم من ذلك، وهذا الذي خلقت لأجله أنت مكلف بتحقيقه، فإن حققته فزت، وإن لم تحققه خسرت، وهذا هو الفوز الحق الحقيقي وهذا هو الخسران الحقيقي. إذا هذه الآية: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، هذه فيها معنى التوحيد لله سبحانه وتعالى، هناك من فسرها ليعبدون ليوحدون، وهذه الآية في بيان الغاية وليست كما قال البعض أنها في مجرد ذكر العاقبة وليست لبيان الغاية أو الحكمة، لا، هي لبيان الحكمة والغاية، خلق الله الخلق ليعبدوه سبحانه وبحمده، ومن خرج منهم عن هذه العبادة بمقتضى أن الله جعل لهم اختيارا فسيحاسب على ذلك في الآخرة. طيب، إذا هذه الآية متعلقة بأي كلمة؟ احنا قلنا عندنا ست كلمات في الباب: باب مركزية كلمة الإسلام لا إله إلا الله، وفضلها، تفسيرها، شروطها، الدعوة إليها، وخطورة ما يضادها، سبع جمل صارت، هذه الآية مرتبطة بأي شيء؟ مرتبطة بمركزيتها؛ يعني هي الغاية من الخلق. وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، ما هو أظهر.
شيء معبر عن هذه العبادة هو لا إله إلا الله وتحقيق العبودية له وحده لا شريك له. طيب، وقال سبحانه: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ. هذه الآية أيضاً في تحقيق العبودية لله وحده لا شريك له، وفي أن هذا الإقبال على الله وحده لا شريك له يتضمن كل شيء في حياة الإنسان المسلم، إحنا نقول في حياة الإنسان المسلم؛ لأنه هذه الآية ذيلت بماذا: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ. هذا الآن شعار المسلم. وإذا تأملت في هذه الآية تجد في ثناياها لا إله إلا الله، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ، لله رب العالمين، الآن لو قلت: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هي تتضمن الإخلاص لله سبحانه وتعالى، لكن لَا شَرِيكَ لَهُ تأكيد في النفي، ولذلك الكلمة التي جعلت شعاراً للإسلام لم تكن مجرد إثبات، لابد فيها النفي، يعني ما جعل شعار الإسلام مثلاً كلمة: الله هو المعبود الحق، مع أنها جملة صحيحة وهي تتضمن معنى لا إله إلا الله، لابد استحضار قضية النفي، ليش استحضار قضية النفي؟ لأنه هذا النفي، عفواً، ما يضاد هذا النفي اللي هو الانحراف هذا متحقق عبر تاريخ البشر، ومتحقق قبل خلق البشر، ومتحقق قبل أن ينزل آدم عليه السلام من الجنة، فلذلك ملاحظ في حياة الإنسان المسلم أنه يعدل عن شيء إلى شيء، يعدل عن شيء اللي هو الشرك والكفر والضلال إلى الشيء الذي هو الاستقامة والتوحيد والعبودية.
ولذلك لقب إبراهيم الذي هو أبو الأنبياء هو الحنيف، الحنيف هذا هو فيه معنى العدول والميل عن الشرك والانحراف إلى تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى، لذلك دائماً حتى في عبوديتنا لله سبحانه وتعالى يجب أن نستحضر هذا يا جماعة، حتى في سورة الفاتحة أنت تقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، هذا دعاء واضح تحقق، لكن تأكيداً في هذا: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، يعني هو صراط بين طرق منحرفة، وحين تقول لا إله إلا الله هو إثبات بعد نفي وتبرؤ، إحنا قلنا تبرؤ؛ لأنه إبراهيم قال: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ، هذه الكلمة هي التي تتضمن معنى البراءة ومعنى الإثبات، ولذلك هذا مهم في حال العبودية لله، أنه الإنسان يستحضر أنه مقبل على الله إقبالاً قصد فيه وجهه، وقصد فيه الابتعاد عن غير وجهه، واضح وهذا ما يتضمنه حتى ترى بالمناسبة قول الله سبحانه وتعالى: قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، دائماً تجد فيها هذا التحقيق، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، استحضار وجود الانحراف والعدول عن الانحراف إلى الاستقامة هو أمر مهم ومركزي في تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى وتمام التوحيد له، وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، هذا فيه تفسير معنى الإسلام، وهو معنى مرتبط بالاستسلام لله والانقياد له وتحقيق التوحيد له وتحقيق الإخلاص له سبحانه وبحمده، وهو المتمثل في: إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، أنا أول المستسلمين لله المحققين لهذا الإقبال عليه سبحانه وتعالى وحده لا شريك له.
وقال سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، هذه الآية أيضاً في تأكيد مركزية لا إله إلا الله وأهميتها، وأيضاً فيها قدر من تفسيرها، يعني أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ، اجتنبوا الطاغوت تمثل إيش؟ لا إله، اعبدوا الله تمثل إيش؟ إلا الله، صار أيضاً يعني إذا تأملت في آيات العبودية لله سبحانه وتعالى في القرآن، ستجد أنها تفسر لك وتكشف لك المعاني والآفاق المرتبطة بلا إله إلا الله، لأن هذا النفي عظيم، فمن جملة النفي في لا إله إلا الله اجتناب الطاغوت، اجتناب الطاغوت.
وهذا الطاغوت الإمام الطبري له تعريف له، قال فيه: الطاغوت كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، إنساناً كان ذلك المعبود أو شيطاناً أو وثناً أو صنماً، فالطاغوت كلمة جامعة تجمع وصف كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه، هذه الكلمة الجامعة التي هي الطاغوت التي تدخل كل من عبد من دون الله، من أول من يدخل فيها الشيطان، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في سورة يس: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ، هذه العبادة للشيطان على أقسام، منها عبادة صريحة، ومنها عبادة غير صريحة، العبادة الصريحة عند عبدة الشيطان وعند السحرة والكهان، فهم يعبدون الشياطين عبادة صريحة، يعني يقدمون لهم القرابين، سواء بالذبح أو بغيرها، تقربون إليهم، وكما قال الله سبحانه وتعالى في سورة الجن: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا، هذه العبادة التي تصرف لغير الله سبحانه وتعالى، إذا كان من صرفت له هذه العبادة وهو طغى على الله سبحانه وتعالى بهذا الرضا فهو طاغوت، فهو طاغوت، وهذه الكلمة ربما توسع بعض العلماء وبعض الناس في إطلاقها على كل شيء يصرف الناس عن حسن الاستقامة، يعني مثلاً الهوى طاغوت، أو حتى بعض المقولات البدعية أو بعض المقولات التي أدت إلى إشكالات معينة، البعض من العلماء يسميها طاغوتاً، كما سميت بعض المقولات، بغض النظر عن لا أريد أن أذكرها، وهذا اجتهاد من بعض العلماء، لاحظوا فيه المعنى، وهو معنى أنه كان هناك شيئاً عبد من دون الله وقدس من دون الله وصارت تدور عليه أنواع من التقريرات، وصار كأنه مرجعية وصار كأنه يتحاكم إليه من المقولات التي اصطلح عليها البشر، وهذا توسع في الإطلاق ليس هو الأصل، الأصل أن الطاغوت هو إطلاق مرتبط بصرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، وسياقه في القرآن مرتبط بسياق الكفر الأكبر، فهذا هو الأصل، هذا الذي مذكور في كتاب الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك هذا التوسع اجتهاد محل نظر ولا ينبغي التوسع في هذه الكلمة، كل ما رأى الإنسان مثلاً اجتهادات معينة أو كذا قال ما نبغى مثلاً لا للصنمية لا للطاغوتية، هذه الكلمات التوسع فيها خطير إذا كان على عباد الله المسلمين، بناءً على أنه والله ممكن واحد يقول والله حزب إسلامي معين صار طاغوتاً ويعبد من دون الله، هذه الكلمة فيها مبالغة، لا ينبغي أن تطلق مثل هذه الإطلاقات، نعم قد يكون هناك غلو، استعمل كلمة غلو، قد يكون هناك انحراف، لكن التوسع في إطلاق كلمة طاغوت على الاجتهادات أو الانحرافات التي تقع سواء بهوى أو بنوع تأويل، مثل هذه الانحرافات التي تقع من عباد الله المسلمين الذين اجتهدوا في إطلاق معين أو في فعل معين، وصف هذه الأشياء بالطاغوتية هذا إشكال.
لكن الذي يصح عليه إطلاق مثل ذلك هو أن يستدبر كتاب الله وأن تستدبر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يستدبر أحكام الله التي أنزلها الله لتكون حاكمة، ويستبدل هذا بتحاكم إلى غيره سبحانه وتعالى، بتحاكم إلى غير شريعته، هذا النوع من التبديل والاستبدال والعدول عن أن تكون الشريعة هي المصدر الذي يتحاكم إليه ويحكم به بين الناس إلى أن يكون ما اصطلح عليه البشر هو المرجع لحياة الناس، وهو القانون الذي يسير أمورهم، فهذا إذا تأملنا في كتاب الله نجد أن فيه أنه يصح إدخاله ضمن هذا الوصف، كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة النساء: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا * وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، وبناءً على ذلك نجد أن مركزية التحاكم إلى الشريعة في الإسلام داخلة في قضية التوحيد وفي قضية العبودية لله سبحانه وتعالى.
طبعاً نحن في زمن فيه إشكالات في هذا الباب، وهذه الإشكالات مركبة وهي ليست إشكالات نابعة عن مجرد انحراف عن الشريعة، وإنما هي إشكالات جزء كبير منها مرتبط بحالة الاستضعاف والقهر والهيمنة، استضعاف وقهر على الأمة الإسلامية والهيمنة عليها من أعدائها، لذلك أنا أذكر في سلسلة السياسة الشرعية، شرح كتاب السياسة الشرعية لابن تيمية لما ذكرت ذكرت النبذة التاريخية المختصرة ليست مفصلة عن هذه القضية اللي هي قضية أنه ترى عدم الحكم بالشريعة أو غياب الحكم بالشريعة عن كثير من أحوالنا اليوم أو عن مظاهر الحياة اليوم، هو جزء منه ترى مرتبط بحالة من الهيمنة والاستعمار والقهر والاستضعاف الذي حصل خلال مئة سنة سابقة، فهو ليس مجرد حالة انحراف عابرة بقدر ما هي سلسلة من الهيمنة وسلسلة من السيطرة، طبعاً اليوم الحالة المشهد مركب، انعكاس لكثير من الظروف في أحوال بلادنا يعني بلاد المسلمين، اضطر كثير من أبناء المسلمين للذهاب إلى بلاد أوروبا وأمثالها، هنا بلاد أوروبا وأمثالها مرجعية الحكم بطبيعة الحال قوانين بشرية وضعية، ومن هنا تأتي أسئلة كثيرة لكثير من المسلمين هناك: ما هي حدود التحاكم الذي يمكن أن نتحاكم إليه؟ طب ماذا عن حقوقنا؟ ماذا عن أحوالنا؟ ماذا لو سرق لي شيء؟ ماذا لو كذا؟ هل أتحاكم إلى مثل هذه القوانين؟ فتولدت أسئلة جديدة كثيرة ليست مثل الحالة التي كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه النبي صلى الله عليه وسلم هو المرجع وهو الذي يحكم بما أنزل الله، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا، وكذلك في سورة النور الذكر لهذه الحالة: وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، شاهد أن هذه القضية قضية كبيرة ولا يسع لها المقام، إحنا الآن هذا الباب طويل جداً، إحنا في الآية كم الثالثة أو الرابعة، لكن هذا كله مرتبط بلا إله إلا الله، أنه وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ، اجتنبوا الطاغوت هذه في كلمة لا إله إلا الله تمثل النفي، لا إله، اعبدوا الله تمثل إيش؟ إلا الله، طبعاً إحنا بنقول نفي وإثبات، نفي وإثبات، هذا أساس واضح في الآيات صح ولا لا؟ واضح في أساس الكلمة، من هنا يعرف انحراف بعض الطوائف الذين اقتصروا على الإثبات دون النفي، يعني بعضهم يبدأ بلا إله إلا الله بعدين تصير إلا الله، بعدين تصير الله، بعدين تصير هو، فيصير في تركيز على الإثبات وحتى على الدلالة على شيء من الإثبات، بينما هذه الكلمة النفي فيها مقصود وليست هي مجرد حالة من التحقيق وحالة من الإثبات، مهما ادعي في ذلك من شعارات أو من أحوال نفسية أو قلبية أو ذهنية أياً كان، هو نفي وإثبات، لا يمكن أن يكون إلا نفياً وإثباتاً، وتأمل في الآيات ستجد ذلك ابتداءً من قول إبراهيم: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي، ومروراً بـ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ، وكذلك مروراً بالآيات الأخرى التي ذكرت: وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إلى غير ذلك.
الآية التالية أو قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا، هذه الآية راجعة إلى أي شيء في الكلمات؟ مركزيتها أم فضلها أم تفسيرها أم شروطها أم الدعوة إليها أم خطورة ما يضادها من الشرك الأكبر؟ طيب، خطورة ما يضادها، مما يبين عظمة هذه الكلمة وعظمة هذه الشهادة خطورة ما يضادها، خطورة ما يضادها، أكبر مصيبة يمكن أن يقع فيها الإنسان هو أن يدخل في هذه الآية، أن يقع في الشرك الذي لا يغفره الله، وكل شيء دونها يهون، مهما كان عظيماً فإنه يهون بهذا الاعتبار بهذه النسبة، وإن كان في ذاته عظيماً، إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ، ما هو ما دون ذلك؟ أول ما يدخل فيه إيش؟ أول ما يدخل فيه إيش؟
كبائر، أول ما يدخل فيه الكبائر ويدخل فيه الصغائر، طيب ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء بتوبة أو بدون توبة؟ بدون توبة، لأنه بالتوبة ايش اللي يغفر؟ حتى الشرك، إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ. طب إذا تاب المشرك يغفر له، واضح يعني هذه الآية تتحدث عن ايش؟ عن ما كان بدون توبة أكيد، جيد، لكن إذا كانت هناك توبة، فإن الله سبحانه وتعالى يغفر لمن أشرك به إذا تاب. طيب معنى ذلك أن الإنسان مهما وقع في ذنب كبيراً كان أو صغيراً، فإنه تحت المشيئة الإلهية ما لم يكن مشركاً، تحت المشيئة الإلهية إن شاء الله سبحانه وتعالى غفر له وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه بذنبه ثم أدخله الجنة، ولا يخلد في النار إلا من كان من أهل الكفر والشرك، وهذا ثابت بالنصوص قطعية متواترة كما سيأتي إن شاء الله.
ومن هنا ينبغي على المسلم أن يفر من الشرك، أن يفر من الشرك فراره من أعظم ما يخاف منه؛ لأن كل مصيبة يمكن أن تقع فهي أهون ألف مرة من مصيبة الوقوع في الشرك بالله سبحانه وتعالى. وقد يقول قائل: يعني أنا ما علاقتي بالشرك؟ الحمد لله إحنا نحن مسلمون، نقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، ما علاقتنا بهذه القضية؟ جواب: ومن كان يخاف الله سبحانه وتعالى ويعلم حقوقه، ينبغي أن يبقى محاذراً خائفاً حتى من الشرك إلى أن يلقى الله سبحانه وتعالى. ومن الأدلة على ذلك وستأتي في هذا الباب، دعاء إبراهيم الخليل عليه السلام، دعاء إبراهيم الخليل يعني إبراهيم إمام الموحدين وأبو الأنبياء، ومع ذلك كان من دعائه: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ، تخيل إبراهيم الذي كسر الأصنام يقول: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ، لأنه هذا يعني خلاص هذا أخطر شيء يمكن أن يقع فيه الإنسان، فيجب أن يتخلص الإنسان منه بقلبه وأن يواظب على الدعاء.
ها يعني مثلاً خلينا نعطيكم مثال بس على فكرة أنه كيف أنه شيء واضح، ولكن يبقى أهمية التحرز منه، الآن ما حكم من يتبع المسيح الدجال؟ كافر في النار. تمام، ايش مدى وضوح فتنة المسيح الدجال بالنسبة للإنسان المؤمن؟ واضح جلي، ايش مكتوب على جبهته التي الكتاب التي يقرأها المؤمن؟ كافر. ما بقي نبي إلا حذر من الدجال، النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الدجال، يعني صح ولا لا؟ ايش تقول في كل تشهد؟ في كل تشهد ايش تقول إذا كنت تتبع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الدعاء؟ اللهم إني أعوذ بك من فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح. كل صلاة كم مرة تقول؟ 60 سنة، 70 سنة. طب كم قالتها الأمة من وقت النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن؟ وما خرج الدجال في كل تلك الأزمنة، هذا عشان تعرف أنه الأمور العظيمة والخطيرة يجب أن تظل محاذراً منها؛ لأنه ما إن تجاوزت بنفسك دائرة الخطر إلا وقد وقعت في الخطر، وقعت يعني أقصد إلا وقد تركت الأمن؛ لأنه دائماً من أهم وسائل الأمان عدم الأمان، أن تخافهم، أهم وسائل الأمن الخوف والحذر، هذا يؤدي إلى الأمن.
فلذلك وطبعاً هذا من جهة، من جهة أخرى لو أخذنا مفهوم الشرك بمعناه العام الواسع الذي يشمل الشرك الأصغر والخفي، والأكبر وما إلى ذلك، فتزداد دائرة الخطر، وقد صح عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: الربا 73 باباً أو بضعة وسبعين باباً والشرك نحو ذلك، أو الشرك مثل ذلك، يعني الشرك أيضاً أبواب ترى كثيرة جداً. طبعاً هذا بس تنبيه استطرادي، اللي هو حديث الربا أيضاً بضعة وسبعون باباً أو شعبة أو نحو ذلك، أدناها كان ينكح الرجل أمه، حديث باطل ومنكر سنداً ومتناً، ولا يمكن أن يصح، ومن صححه أو حسنه اجتهاداً فهو مخطئ لا شك ولا ريب في ذلك، وقد ضعف الحديث جماعة من العلماء، لكن البعض يحسنه ويصححه، وهذا فيه إشكال حقيقة كبير جداً في تحسين مثل هذه الأحاديث والروايات التي أصلاً هي ضعيفة من جهة الصنعة الحديثية في نفس الأسانيد، وكذلك من جهة المتن، ويعني سبق الكلام في بعض التأصيلات الحديثية، منهج المتقدمين والمتأخرين وما إلى ذلك، لكن هذا استطراد فقط، استطراد من جهة كلام ابن مسعود، أما كلام ابن مسعود صحيح، الربا بضعة وسبعون باباً أو لا أتذكر قال بضعة وسبعين أو 73 باباً والشرك نحو ذلك، هذا صحيح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، المتن والمعنى لا غبار عليه.
طيب إذاً الخوف من الشرك هو معنى شرعي ومعنى تعبدي يجب أن يحافظ عليه المؤمن، ويجب أن يحافظ عليه المسلم ولو كان بعيداً عن ذلك، ممكن واحد يقول: أنا دائرتي أصلاً حتى ما فيها شبهة من هذه الأشياء، إحنا نقول ترى من أعظم ما يمتدح به المؤمن أنه لا يشرك، يعني وهذا إذا استحضر، طبعاً ايش الدليل على أنه من عظمة المؤمن يعني ترى يذكر في الصفات يعني مثل ما تقول يقوم الليل ويجاهد في سبيل الله ولا يشرك بالله، أبغى دليل كذا يعني؟ أحسنت، أحسنت، أحسنت سياق الآيات من بدايتها ايش هي؟ شوف الآيات تتحدث عن رتبة إيمانية عالية، ما تتحدث عن أساس الدين فقط، تتحدث عن رتبة إيمانية عالية: إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ، وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ. وهذه الآيات في امتداح رتبة عالية في الإيمان، وليس في أساس الإيمان، ومع ذلك ماذا؟ يمتدحهم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ، هذا مثل يعني هذا منهج إبراهيم عليه السلام، لذلك استحضار هذا المعنى مهم جداً.
وأما إذا عاش الإنسان خلاص تحت بطاقة أنا مسلم، وخلاص وماشي، لا هو يخاف من الكفر، لا يخاف من الشرك، لا يعرف أصلاً ما هو الكفر والشرك، لا يخاف من النفاق، الصحابة كانوا يخافوا من النفاق، جاهدوا مع رسول الله وصبروا وثبتوا وأوذوا في سبيل الله، وبعد هذا كله يخاف أنه يكون منافقاً، أو يخاف أنه يقع في النفاق، ويجيك واحد حياته عربدة وفجور وفسق، وظلم للناس وإجرام وموالاة لأعداء الله وكذا، بس تقول له الله يهديك، يقول لك ايش فيني أنا؟ تقول لي الله يهديك؟ أنت ما قلت له الحين لا منافق ولا شيء، ولا قلت له حتى مؤمن ناقص الإيمان ولا شيء، بس قلت له الله يهديك، ايش قصدك الله يهديني؟ ايش قصدك الله يهديني؟ ايش شايف في شيء؟ أحسن ما ندعي دعوة ثانية، خليها الله يهديك.
الآية التالية، قال سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ. هذه الآية داخلة تحت أي كلمة في الباب؟ مركزية لا إله إلا الله أم فضل أم فضلها؟ هل هي في مركزيتها أم فضلها أم تفسيرها أم شروطها أم الدعوة إليها أم فضلها؟ الفضل: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ. هذا فضل، وكما تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه فسر الظلم هنا بالشرك، وقد خاف الصحابة من هذه الآية، طبعاً شوف بس هي خلينا نقف على خاف الصحابة يا جماعة، يعني لازم نوصل، لازم أن يصل المؤمنون إلى حساسية تلقي القرآن، بحيث أن الإنسان يتلقى الآية ويسمع الآية، فإن كان فيها شيء يعني مخوف يخاف، إن كان فيها رجاء يرجو، كان فيها يعني هذا سبحان الله لو قيل لي ما الفرق بيننا وبين الصحابة، أقول لك هذا من أهم الفرق، من أهم الفرق، ترى بعد الصحابة كثير من الناس جاهدوا وصبروا وبذلوا، ولا شك أنه من أعظم الفروق وجودهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وجهادهم معه، لكن من أعظم الفروق طبيعة تعاملهم مع القرآن، طبيعة تعاملهم مع القرآن.
مثلاً نزلت لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ، بالله مين عند مين منا لم يرجف على مثل هذا؟ الصحابة جاؤوا جثوا على الركب، هي هي هذه الفكرة، هم ما جاؤوا جثوا على الركب إلا لأنه يعرفوا ايش معنى الآية، هي هذه الفكرة يا جماعة، هذا الفرق بينا وبينهم، يعني يأخذوا الموضوع بجد، فهمت الفكرة؟ يعني يأخذوا الآية بجد، يعني كل كلمة في القرآن بالنسبة لهم أنه يعني فعلاً تقع في القلب موقعاً مهيباً. الصحابة يعني في ذاك اليوم انقلبت حياتهم لما نزلت هذه الآية، جاءوا جثوا عند النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله أمرنا بالجهاد فجاهدنا، وأمرنا بالصدقة فتصدقنا، أما هذه الآية فلا نطيقها، مين منا إذا مر على هذه الآية كذا يشعر أنها آية ممكن تقلب كيان الإنسان؟ وما أدري ايش ما نطيقها. فأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يقولوا سمعنا وأطعنا، فقالوا سمعنا وأطعنا، فأنزل الله سبحانه وتعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ. لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، إلى آخره، وكانت هاتان الآيتان من أعظم ما نزل من القرآن. طب ليش من أعظم ما نزل من القرآن؟ هو هذا معنى الإخبات لله والاستسلام له والإيمان به والتسليم له. شاهد من هذا أنه لما نزلت: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ خافوا، بالله مين منا إذا سمع هذه الآية كذا تخيل ما في القصة، هذا المشهد: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ، أصلاً الآية في الأمن، الآية في الأمن، هم خافوا، خافوا لماذا؟ لأنهم يتعاملون بحساسية شديدة مع الآيات وبجدية بالغة مع الآيات، أنه ترى الآية يأخذون الأمر بجد، خذون الأمر بجد: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ. ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، طيب كلنا ظلمنا أنفسنا يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ خافوا، خافوا من من الموضوع، جملة وسط آية، يعني ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، خافوا، رسول الله، أي لم يظلم نفسه؟ قال: ليس ذاك، وإنما هو كما قال لقمان وكما قال الرجل الصالح، ايش؟ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. فالقضية مرتبطة في هذه الآية بالشرك، فارتاح الصحابة واطمأنوا أنه لأنه يعني صح الشرك يخاف منه، لكن ليس مثل ظلم النفس الذي قد يقع فيه الإنسان يعني بشكل متكرر.
أو طيب ما هو فضل ذلك؟ أن يحقق التوحيد لله سبحانه وتعالى ويحقق الإيمان له، وألا يلبس أو يلتبس أو يخالط هذا الإيمان بالشرك أو بشيء من الشرك، النتيجة هي الأمن التام والهداية التامة. وقال سبحانه: وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ، هذه ذكرناها قبل قليل، هذه أيضاً هذه في أي شيء؟ بمركزيتها، فضلها، بأي شيء من الجمل؟ في فضلها: أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ. الإمام الطبري لاحظ يعني سجل ملاحظة جميلة من قال: وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ، ذكر أمثلة، يعني الاستحضار السياق مهم لأنه هذا في سياق المؤمنين، قال: وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ، ذكر الأصنام والأوثان والرياء، كيف انتبه لقضية أنه وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ يذكر فيها الرياء هنا؟ لأنه هو السياق سياق المؤمنين، ومن هنا وكما تعلمون الرياء من الشرك، إن كان من الشرك الأصغر، لكن إذا فتحت هذا الباب فهو باب مخوف أيضاً، مخوف على المؤمنين مخوف على الصالحين، وهو باب من الشرك، فهو من جملة ما يمتدح الإنسان إذا تركه، ومما ينبغي أن يخافه على طول الطريق.
وقال سبحانه: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ، أيضاً هذا سبق لك التعليق عليها قبل قليل، وأنه هذا مما ينبغي أن يخاف منه، إذا كان إبراهيم عليه السلام قد قال ذلك. وقال سبحانه: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، هذه الآية في أي شيء؟ طيب هو في بيان شيء مما يضادها، وأيضاً في تفسيرها، لأنه لو تلاحظ هذه الآية، شوف الآن هذه الآية والآية التي بعدها: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، والآية التي بعدها: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا، والآية التي بعدها: وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ، والآية التي بعدها: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ، والآية التي بعدها: قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا، هذه كلها كلها في بيان صور من صور الشرك، صور من صور الشرك، يعني مما ينبغي أن ينفى تحت قول لا إله إلا الله، ومما ينبغي أن يجتنب، فهو في بيان خطورة الشرك من جهة، وفي بيان تفسير لا إله إلا الله من جهة أخرى، لأنه لا إله إلا الله يضادها الشرك، يضادها الكفر عموماً. طيب ما هو هذا الشرك الذي يضاد لا إله إلا الله؟ ويمكن أن تسأل بطريقة أخرى، لا إله إلا الله ما هو؟ ما هي صور العبودية التي تحقق عبر هذه الكلمة؟ ما الذي يدخل تحت هذه الكلمة من جهة إخلاص العمل لله سبحانه وتعالى؟ هل هو العمل الظاهر أم؟
العمل الباطن هل يدخل فيه الطاعة والانقياد أو هو الصلاة والصيام والزكاة والحج؟ إذا تأملنا في مجموع النصوص سنجد أن الأمر شامل وعام، وأن الشرك كما يقع بالقول فيقع بالفعل، وكما يقع بالفعل والقول فيقع في القلب كذلك، وأن العبادات التي ينبغي صرفها لله سبحانه وتعالى تشمل العبادات الظاهرة والعبادات الباطنة، وأنه كما ينبغي صرفها لله وحده فإذا صرفت لغير الله فإنها تدخل في الشرك. وبناءً على ذلك يتوسع مفهوم العبودية لله سبحانه وتعالى عند المؤمن، وتتوسع دائرة الخوف من أن يقع الإنسان في شيء مما يضاد هذا الإخلاص لله، ومما يضاد هذه العبودية لله، ومما يوقعه في شيء من الشرك؛ لأنه كما قلنا اسم الشرك واسم الكفر يشمل دوائر، ليست الدوائر بالضرورة المخرجة من الملة، يعني فيها درجات ورتب صغرى، ولكنها داخلة في هذا الاسم ومخيفة يخاف الإنسان منها.
طيب، الآية الأولى في هذه في سلسلة الآيات هذه: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ. هنا ذكر الله أنهم اتخذوهم أربابًا، اتخذوهم أربابًا. ومعنى اتخذوهم أربابًا أنه لما تقول لا إله إلا الله، لما تقول لا إله أنت تنفي تنفي الربوبية والألوهية عن غير الله سبحانه وتعالى، معنى أنك تنفي هذه الصورة من صور اتخاذ الناس أربابًا، صح ولا لا؟ ما تقول لا إله، أنت تنفي كل صورة من الصور التي اتخذ فيها الناس غير الله آلهة أو أربابًا، صح؟ أليس كذلك؟ سواء في اتخاذ الشياطين أو في اتخاذ من أي باب من الأبواب ولأي صورة من الصور. طيب، الله سبحانه وتعالى ذكر أنهم اتخذوهم أربابًا، أنت لما تقول لا إله أنت تنفي هذه الصورة وتقول إلا الله تثبت ما ينبغي من صرف العبادة لله وحده. حسنًا، ما هو اتخاذ هؤلاء أحبارهم ورهبانهم أربابًا؟ ما هو هذا الاتخاذ؟ كيف اتخذوهم أربابًا؟
هنا جاء التفسير المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم، كان في إسناده يعني شيء من الضعف ولكنه تفسير مشهور وأيضًا مشهور عند العلماء والمفسرين، وهو أن هذا الاتخاذ لم يكن اتخاذ يعني بالصور الظاهرة المرتبطة بالسجود والركوع أو بالتأليه اللفظي أنهم هم آلهة أو أنهم يخلقون وإلى آخره، وإنما هو بالطاعة المطلقة لهم وباتخاذهم شركاء لله في التحليل والتحريم، طاعة تشريعية في التحليل والتحريم. وهذا يقودنا إلى شيء، وهو هل من خصائص أو خلينا نقول من صفات الله ومن أفعال الله التي ينبغي أن تكون مستقرة في قلب المؤمن أنها له وحده سبحانه وتعالى هو ما يتعلق بالتشريع وما يتعلق بالحلال والحرام بالتحليل والتحريم؟ إذا تأملنا في كتاب الله سبحانه وتعالى سنجد أن القضية نعم؛ بمعنى أن الله سبحانه وتعالى ذم المشركين على منازعتهم لله سبحانه وتعالى في هذا المعنى، فقال سبحانه في سورة الشورى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ، وقال سبحانه وتعالى في سورة الأنعام: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ، إلى غير ذلك من الآيات التي كما في قول الله سبحانه وتعالى: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا، فحكم الجاهلية يبغون، إلى آخره من الآيات الكثيرة.
فهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا تركوا ما أنزل الله وبين فيه من الحلال والحرام واتخذوا هؤلاء البشر أربابًا؛ أي أنهم مصادر تشريعية مطلقة تحدد للناس الحلال والحرام والصواب والخطأ على غير قانون الله وعلى غير مراد الله سبحانه وتعالى. وليس هذا يعني في اجتهاد في التفسير والنظر للنصوص الشرعية، فهذا باب للعلماء في الاجتهاد فيه، وإنما هو باب في منازعة الله سبحانه وتعالى في هذا المعنى. وهذا يوسع القضية ويجعلها قضية مهمة جدًا؛ أنه الإنسان ينتبه إلى أن من صور العبادة لله سبحانه وتعالى أن يرجع إليه في حكمه وفيما أحل وفيما حرم، ويعلم أنه لا يحق لأحد أن ينازع الله سبحانه وتعالى في هذا المعنى. وهذا في مثل هذا الزمن اليوم يعني خطير جدًا وينبغي التنبه له.
وينبغي على المسلم أن يسعى -هذا واجب على كل مسلم- أن يسعى أو على الأقل أن يتمنى بقلبه ويدعو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه المرجعية الشرعية هي الحاكمة على الناس. ويعني اليوم هذا الأمر فيه منازعة وفيه إشكال على درجات؛ هناك صور إشكال كبيرة، هناك صور إشكال صغيرة، هناك إشكال كلي، هناك بحسب البلدان بحسب الأحوال بحسب الأوضاع، لكن ينبغي أن يعلم، لأنه في مشكلة اليوم صايرة؛ أنه تصنيف المسلمين إلى مسلم وإسلامي، الإسلام يريد الحكم بالشريعة، مسلم ما يريد الحكم بالشريعة. ما في شيء اسمه مسلم ما يريد الحكم بالشريعة، مو بكيفك، يعني هو ما هو خيار لجماعات إسلامية وأحزاب إسلامية، والإعلام طبعًا اليوم الإعلام يسهم في صناعة مثل هذه الحال، أنه عادي، يعني أنه عادي إنسان يكون مسلم بس إنه مو لازم يعترف بنظام الشريعة. طبعًا بحسب كمان التأويلات والكلام، البعض يقول لك لا إحنا ما قصدنا كذا، إحنا قصدنا أنه يعني آراء البشر ما يؤخذ بها، واللي يقول لك يعني هو الناس اختلفت في فهم القرآن، واللي يقول لك كذا واللي يقول لك كذا.
جيد، وعموماً الكلام في هذا كثير ولا يسع له أيضًا هذا المقام المختصر جدًا، لكن مما ينبغي على المسلمين اليوم أن يعتنوا به أن يدركوا أنهم مأمورون بأن يكون نظام الشريعة الإسلامية، ما أنزله الله من القرآن والسنة، هو الحاكم عليهم، عاد يمنع من ذلك العجز، يمنع من ذلك كذا، هذا شيء آخر، هذا شيء آخر، لكن باعتبار العقيدة القلبية يجب أن تكون هذه عقيدة، يجب أن تكون هذه عقيدة، أما أنها تكون أنه والله هذا آراء بعض الجماعات الإسلامية، إحنا ما ندخل في السياسة، القرآن كله يقول لك الحكم بما أنزل الله، يقول لك ما ندخل في السياسة! ما يعني لازم تفهم، يعني لازم تحاول تستوعب خلاص. أنا ما لي دخل، لا أنا ولا كل واحد قد طلع في التلفزيون يتكلم بشريعة ولا أفتى، انساهم كلهم، أي أحد سمعت عنه؛ جماعات إسلامية ولا مو جماعات إسلامية ولا مشايخ ولا دعاة، انساهم كلهم مرة، اتركهم كلهم ولا تعتبر منهم أحد. خلاص يلا عندك القرآن، ما هو آية ولا آيتين ولا ثلاثة ولا أربعة ولا عشرة، آيات محكمة وواضحة وبين في أن هذا القرآن لم ينزل ليتلى فقط في المسجد، وإنما نزل ليكون حاكمًا على أفعال الناس وليكون مهيمنًا وليكون نظامًا سياسيًا.
كذلك يدخل في السياسة؛ يعني في حكم الناس، وبطبيعة الحال الذي يحكم به هو أناس يجتهدون، وهؤلاء الذين يجتهدون يصيبون في أشياء ويخطئون في أشياء، هذا على مر التاريخ، وبقدر علمهم وأمانتهم تكون إصابتهم، ما في إشكال، إحنا كيف هذا؟ هذا تمام، هذا كله سؤال إجرائي تنفيذي تطبيقي تعقد له المجالس، لكن أن يكون ما عندك اعتراف قلبي أصلاً بهذه القضية فهذه مصيبة، هذه مصيبة. إيش الأدلة على ذلك؟ الأدلة على ذلك كثيرة جدًا في كتاب الله سبحانه وتعالى، منها مثلاً قول الله سبحانه وتعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. إيش معنى يحكم؟ إيش معنى ما أنزل الله؟ يعني هذه، ما تمام. طيب هذه الآية آيات مثلاً ما استوعبتها، أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ، طيب هذه الآية ما استوعبتها، فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، يعني ليس فقط حتى في الحكم الظاهر وإنما حتى في الباطن، طيب هذه أيضًا ما استوعبتها، وهكذا عدد ما شئت من الآيات القرآنية.
فالموضوع ينبغي أن يكون خارج النزاعات، يعني عادي أنت عندك تحفظات على أناس، تحفظ عليهم بكره، بس هي هذه ما هي قضايا علشان نخليها صراعات حزبية ولا جماعات، ولا ما له دخل يا أخي هذا توحيد وإيمان بالله. يضحك عليك، يعني يصير ضحك، الإعلام يضحك عليك في كل شيء، كل شيء يدخله في صراعات سياسية وصراعات أحزاب إسلامية وصراعات، ما يصير يعني هذا دين. هذا دين، وكما قلت هذا الآن من باب العقيدة، وقد يكون الواقع فيه صعوبة، قد يكون الواقع، بغض النظر هذا شيء آخر، إحنا نتكلم الآن عن العقيدة القلبية، والله المستعان.
ثم قول الله سبحانه وتعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ. هنا فتح للباب القلبي وفي قضية العبودية لله سبحانه وتعالى، وفي خطورة الدخول على الشرك والكفر من هذا الباب القلبي، الباب باب الشعوري، باب المحبة، وهذا عجيب؛ هيمنة الإسلام حتى على المشاعر. هناك هيمنة قلبية ينبغي أن تكون على قلب الإنسان المؤمن في قضية مشاعره المرتبطة بالعبادة لله سبحانه وتعالى. هنا ذكر شرك المحبة: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ. وهذا من جهة نفي أو ذكر الصورة المشكلة اللي هي "يحبونهم كحب الله"، ومن جهة أخرى إثبات أو ذكر للحث أنّه ترى أنت عبد لله، يجب أن تكون محبتك لله فوق كل محبة: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ، وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ إلى آخر الآية.
ومن هنا ينبغي أن يحاسب الإنسان نفسه في موضوع علاقته بالمحبوبات التي يحبها من الأمور الدنيوية. الآن المحبة للأمور الدنيوية هي أمر فطري وجائز ومشروع، ما في إشكال، يعني بالعكس قد يكون شيء منه يؤجر عليه الإنسان، محبة الأهل والأولاد والرحمة بهم، ها، والله سبحانه وتعالى قال: وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً. لكن ينبغي أن يعيد الإنسان تعريف علاقته بهذه المحبوبات إذا تنازع الأمر بينها وبين ما أمر الله سبحانه وتعالى. ولذلك أين تظهر حقيقة المحبة لله سبحانه وتعالى؟ عند التعارض. ما الدليل؟ أحسنت، أبرز ميدان للتعارض هو الجهاد في سبيل الله، هو الجهاد في سبيل الله. لذلك انظر كيف ذكر الله سبحانه وتعالى قضية المحبة في الجهاد في سورة التوبة واضحة تمامًا، سبحان الله: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ، ها، وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ.
ولذلك هذه القضية خطيرة جدًا، ولما ذكر ابن تيمية رحمه الله في كلام جميل وربما تكرر مرارًا في الدروس، لما قال: عامة الناس إذا أسلموا بعد كفر أو ولدوا على الإسلام، فإنه يكون معهم إيمان مجمل، وذكر حالة من النقص، قال: ولا يكون معهم من اليقين ما يدرؤون به الشبهات، ولا من المحبة لله ورسوله ما يقدمونه على الأهل والمال، اللي هو في الجهاد في سبيل الله، وأنه يفضل المؤمنون بهذين الأمرين: باليقين التام الذي لا شك فيه، وبالمحبة التامة التي يؤثر الإنسان بها أمر الله وما يحبه الله على ما تحبه نفسه، وخاصة في الجهاد في سبيل الله. ولذلك جمع الله بينهما في سورة الحجرات في قوله سبحانه وتعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا هذا اليقين، وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هذا الجهاد.
فاليقين يعني بابه باب العلم، تفكر، تأمل، الوصول إلى حالة الاستقرار القلبي اليقيني، والجهاد بابه باب إيثار الآخرة على الدنيا وإيثار الله سبحانه وتعالى على خلقه، وإيثار ما يحبه الله على ما تحبه أنت، هذا باب اليقين وهذا باب الجهاد. فلذلك ينتبه الإنسان، وطبعًا ليست كل منازعة في المحبة هي كفر مخرج من الملة بطبيعة الحال، لأنه الله سبحانه وتعالى هنا فيها أشياء هي ذنوب ومعاصي، وفيها أشياء قد لا تكون ذنبًا ولا معصية، وإنما قد تكون يعني إيش؟ معارضة لتمام المحبة لله. يعني أقصد علاقة الإنسان بمحبوباته، إحنا قلنا قد يكون جزء منها أصلاً يؤجر عليه الإنسان حين تكون تحت مظلة ما يحب الله سبحانه وتعالى، وفي جزء منها يدخل تحت دائرة المعصية حين تتضخم، ها، وتؤدي إلى تعلق، وقد تؤدي إلى شيء من التقصير في أمر الله سبحانه وتعالى، وقد تصل إلى كفر وشرك نسأل الله العافية حين يترك الإنسان كل ما يحبه الله ولا يحرك فيه هذا المعنى شيئًا، ويستقبل بقلبه محبوباته الدنيوية وكأنه يتخذها صنماً، يعني يوجه ويأمر وينهى وفي نفس الوقت هو يعرض عن الله سبحانه وتعالى، ما يحب بأي درجات؟
يعني ثم بعد ذلك جاءت النصوص المرتبطة بالدعاء، والنصوص المرتبطة بالدعاء، وأنه لا يعني وأن الدعاء لله وحده، أنه إن الإنسان يخلص لله في الدعاء ولا يدعو غير الله، هذه نصوص كثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى، وهذه النصوص التي ابتدأت هنا من قول الله سبحانه وتعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ.
أحدًا، ثم قوله سبحانه: وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ. وحتى النصوص التي في الشفاعة هذه نصوص مهمة حقيقة، وهي نصوص تحقق يعني يحقق ما فيها من إخلاص الدعاء لله سبحانه وتعالى بقدر العلم بالله سبحانه وتعالى، وبقدر العلم بالناس وبالبشر وبما يُدعى من دون الله؛ لأنه كلما كان قلب الإنسان أكثر امتلاءً بعظمة يعني امتلاءً من جهة العلم بعظمة الله وجلاله وبأسمائه وصفاته، كان أكثر توجهاً له سبحانه.
وفي نفس الوقت مع هذا العلم، إذا علم أحوال عباده من الضعف والفقر والذلة والقِلة، ازداد زهداً وإعراضاً، فأخلص العبادة لله وحده. ولذلك يا جماعة دائماً نجد النصوص القرآنية تتكلم عن الأمرين وليس عن الأمر الواحد، يعني نجد النصوص القرآنية تتكلم عن الله وعظمته وجلاله، وبناءً على ذلك لا يُدعى إلا هو، وتتكلم في نفس الوقت على أن من يُدعى من دون الله ترى لا يضر ولا ينفع. ولا والآيات كثيرة جداً في هذا المعنى، في هذين المعنيين.
واجتماع هذين المعنيين يحقق الإخلاص لله وحده، ويحقق العبودية لله وحده، وهذا مهم جداً جداً. دائماً إحقاق الحق وإبطال الباطل، بيان محاسن الحق وبيان مساوئ الباطل، هذا المنهج القرآني الضروري الذي ينبغي سلوكه في كل شيء، ليس فقط في أصل الدين وتحقيق العبودية لله، وإنما في سائر أمور الحق: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. لازم الناس تفرق بين المسلم والمجرم، بين الظالم والعادل، بين الخائن والأمين، ويذكر محاسن هذا ومحاسن هذا. لازمة هذه، هذه ترى من قضايا الإسلام الكبرى هذه، التفريق. وهذه يعني نصوص كثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى في هذا المعنى.
طيب، على مر التاريخ في الأمة الإسلامية خاصة بعد القرون الأولى، حصل انحراف في هذا الباب، اللي هو في باب دعاء، باب تحقيق الدعاء والعبودية لله وحده. حصل انحراف في هذا الباب، وهذا الانحراف بابه ومدخله الأساسي هو الغلو في الصالحين. الغلو في الصالحين، هذا الباب سارت عليه طوائف من الأمة وفئات من الناس في تاريخها، ففتح عليهم باب شر. هذا باب الشر الذي انفتح عليهم جعلهم -وهم طبعاً على رتب متفاوتة- لا يتعلقون ولا يتمسكون بحبل الله والاعتصام به والالتجاء إليه عند الشدائد والأحوال وعند الرخاء، والذهاب إلى من دار فلك القلب حوله من الصالحين، بحيث إنه تجاوزت القضية المحبة، تجاوزت إلى الدعاء، وتجاوزت إلى بحسب الإنسان أحياناً إلى رتب عالية جداً من الانحراف.
وكله هذا أصلاً دعاء لغير الله سبحانه وتعالى، هو رتبة عالية جداً في الانحراف، لكن أحياناً وصل في بعض المراحل التاريخية إلى تأليه صريح، وأحياناً لا، صرف العبادة لغير الله، وكل هذا من سوء الانحراف والضلال المبين. هذا الانحراف الذي حصل في التاريخ سببه الغلو في الصالحين في الأساس. هذا الغلو يتنامى يتنامى يتنامى، إلى أن يحصل من الإنسان شيء من هذا التوجه إلى أولئك الصالحين بشيء من الطلب والعبادة، وهذا لا يزال موجوداً إلى اليوم.
موجود في بقعة من العالم الإسلامي، وهذا طبعاً فيه أكثر من فرقة وطائفة، توجهت هذا التوجه، حتى وجدنا بعض الطوائف -الرافضة تحديداً- أصبح هناك ما يشبه بسلسلة العبادات الموازية: الحج، يوجد ما يشبه الحج أو ما هو حج موازي، العبادة، الدعاء، طلب الرزق، الحلف وغيرهم أيضاً. وبالمناسبة هذا كان في التاريخ كان من جملة ما احتج به بعض النصارى على بعض علماء المسلمين، لما قالوا لهم: أنتم تدعون مريم وتطلبون، قالوا: أنتم عندكم ناس يدعون ويطلبون من الصالح، نفس الشيء. فقال إنه نفس الشيء، يعني إحنا ما نجامل في هذه القضية. هذا الباب باب خطير جداً، باب خطير جداً. دائماً الموقف من الصالحين ينبغي أن يكون معتدلاً ما بين الغلو فيهم، وما بين التقصير والجفاء؛ لأن البعض قد يصل إلى حالة من الجفاء والتقصير بسبب وجود الانحراف.
الخلاصة أن باب الدعاء لغير الله باب من الشرك خطير وعظيم، ووقع في هذه الأمة في تاريخها، لكن بعد المراحل الأولى -ليست في بداية المراحل، ليس في بداية القرون الأولى- وتضخم وتنامى، وصار من الأمور المنكرة التي ينبغي معالجتها في الأمة، وبحسب التركيز عليها بحسب انتشار مثل هذه المشكلة في منطقة ما، في بلد ما، ولا تكون هي تعالج هذه المشكلة بنفس النسبة في كل البلدان. هناك بلدان ما فيها هذه المشكلة، وهناك بلدان فيها هذه المشكلة منتشره، هناك مناطق، وهكذا. وينبغي أن يكون هناك نصح لمن ضل في هذا الباب، وتوجيه وإرشاد، ولا تكون القضية مناكفات وحروباً كأنها تمنع الناس من اتباع الحق، وإنما يخلص فيها لله سبحانه وتعالى في توجيه الناس.
طيب، ثم الآية الأخيرة في هذا الباب: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ. هذه الآية مخيفة حقيقة، وهي راجعة إلى خطورة ما يضاد هذا التوحيد لله سبحانه وتعالى؛ نتيجة لذلك أنه لا يُستغفر للإنسان الذي مات على الشرك، ولو كانت له في الدنيا أعمال طيبة أو أعمال صالحة، يعني أقصد أعمال مفيدة ونافعة.
وهذا أيضاً من المسائل الموجودة اليوم، أنه يموت شخص كافر، فيقال إنه اخترع المكيف، وضبط شو اسمه الطريق، اخترع ألوان جميلة للرصيف، وساعد البشرية في الوصول إلى كذا. مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ. وإذا نزلت هذه الآية بشأن من نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي مو شغل المكيف ولا ضبط، نصر النبي صلى الله عليه وسلم وحمى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه أبى أن يقول لا إله إلا الله. وهذا الحديث مرتبط بالباب ارتباطاً وثيقاً، فكيف بمن لم يفعل شيئاً من ذلك؟ فضلاً عن من اخترع الأسلحة النووية، واخترع.. ليتهم اخترعوها يا أخي. تطور الحين في كثير من المخترعات ترى بحد ذاتها، كثير منها هي قد تكون خيراً وقد تكون شراً بحسب استعمالها.
الآن إحنا جزء أساسي من قتل إخواننا في غزة مرتبط بقضية الذكاء الاصطناعي مثلاً، سلاح، كل الأسلحة المتطورة هذه هي عبارة عن اختراعات وصناعات معينة، تطور معين، من أكثر ما قتل الناس شيء من المتفجرات اللي يضعها الصهاينة، زي الروبوتات، هذا كله تطور علمي وتقدم تقني وذكاء صناعي وإلى آخره، فهي ليست خيراً مطلقاً. اليوم شفت خبر تو كأنه طالع، اللي أعلنوا عن القنبلة النووية أضعاف قوة اللي ألقيت على هيروشيما، ما أدري بكم، 30 ضعف ما أدري كم، وتشوفها تلقاها صاروخ قد كذا صغير، كله يمكن مترين ونص ولا 3 متر ولا شي، نص متر يمكن العرض، هذا كفيل بقتل ما أدري عاد كم مليون إنسان. طيب هذا تطور وتقدم وتقنية وإلى آخره، عموماً الكلام كثير.
طيب عندنا ما شاء الله مجموعة كبيرة من الأحاديث، إحنا تأخرنا، ما أدري نخليها بدرس ثاني؟ كم حديث؟ من 12 إلى 27، كم يعني؟ 15 حديث. ما أعتقد نأخذها، يعني كان على أساس نأخذها بنص ساعة. طيب حتى لا يقصر في حق ما ينبغي أن يقام من الشرح لهذه الأحاديث، أحاديث كثيرة مهمة، فلعلنا نأخذها بدرس آخر، الله المستعان. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد