تسجيل الدخول

شرح المنهاج من ميراث النبوة 30 | سير المؤمن بين الخوف والرجاء

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله لا نحصي ثناء عليه، وسبحانه كما أثنى على نفسه. نحمد الله سبحانه وتعالى حمدا كثيرا طيبا موصولا بحمد، ونسأله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ويرحمنا وأن يجعلنا من الشاكرين، ثم نسأله وأن يصلي ويسلم على عبده ورسوله محمد، وأن يؤتيه الوسيلة. أما فهذا مجلس جديد من مجالس شرح المنهاج من ميراث النبوة، وهو باب في سير المؤمنين إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء. قال الله تعالى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار. أخرجه البخاري ومسلم.

هذا الحديث والاحاديث التي بعده وعنوان الباب والآية التي تلوتها هي من النصوص الشرعية التي تؤسس عند الإنسان المؤمن في سيره‌ إلى الله حالة من التوازن بين عملين قلبيين من الأعمال الأساسية في حياة المؤمن، وهي الخوف والرجاء. فالمؤمن ينبغي أن يكون على طول الطريق خائفا، والمؤمن كذلك ينبغي أن يكون على طول الطريق راجيا، وهما كما قال بعض العلماء جناحان للمؤمن، جناح خوف وجناح رجاء. ومتى فقد المؤمن أحد الجناحين في سيره إلى الله سبحانه وتعالى وقع اختلال في طريقه.

فمن نسي جانب الخوف أو كان قليلا ويسيرا جدا في نفسه ليس حقيقيين في قلبه بحيث يزعه عن المعاصي والذنوب، وكان دائما مستحضرا للرجاء -وهذا موجود في زماننا كثيرا ويدعى إليه، وأحيانا ينفر من الحديث عن النار وعن عذاب الله وما إلى ذلك، وإنما فقط الحديث عن الرجاء- من كان فاقدا لهذا الجناح المهم الذي هو الخوف، فانه يسير في طريق الآخرة سيرا غير صحيح وغير متزن، وسيتهاون في الذنوب والمعاصي؛ لأن النفس لا يثبتها على الطريق مجرد الرجاء، من أهم ما يثبته على الطريق الخوف كذلك.

وهذا الخوف الذي نتحدث عنه ليس خوفا متعلقا بالعصاة -سياتي بعد قليل- لكن الآن على الجهة الأخرى من فقد جناح الرجاء أيضا وصار على الخوف فقط، فهذا سيفقد شيئا أو نقول سيفقد نعيما من نعيم الإيمان، وهو نعيم الرجاء، نعيم برد الشوق إلى الله سبحانه وتعالى وبرد المحبة وبرد -يعني خلينا نقول- الأمل الذي يؤمله في الله سبحانه وتعالى؛ لأن الرجاء يغذي المحبة والمحبة تغذي الرجاء، فالذي يفقد عنصر أو خلينا نقول مادة الرجاء في طريقه يكون قد فقد روحه حقيقية في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى.

والذي -كما قلت- يفقد جناح الخوف فانه يكون على خطر حقيقي في أن يصل إلى التهاون في الذنوب والمعاصي ومن ثم يفقد أصلا الطريق، وهما جناحان -كما قلت- بينهما توازن. نذهب الآن إلى الخوف، الخوف ليس خاصا بالعصاة والمذنبين، بل الخوف المقصود والمطلوب والمرغب فيه والذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن هو خوف شامل لأهل الإيمان والصلاح والاستقامة كما هو شامل لأهل الذنوب والمعاصي، بل حتى الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وهم الملائكة وصفهم الله فقال: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.

ولما ذكر الله أهل الجنة وأنهم يلتقون ويتحدثون ويتذكرون بعض الأمور التي في الدنيا يقولون: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُ الرَّحِيمُ. والرجاء هو حاد يحدث العمل، والذي يخاف فقط قد يقنط، والذي يخاف يفقد روحا -كما قلت- يفقد روحا عظيمة في العبادة وفي الإيمان وفي لذته وفي حلاوته. فالرجاء عادي، أنت حتى في حياتك لماذا تعمل أي شيء صعب؟ لماذا تعمله؟ أما أن تعمله خوفا من ما لو تركته يترتب مفسدة معينة، أو تعمل العمل رجاء لكذا، لكن تخيل لو أنك تعمل العمل -أي عمل من امور الدنيا كما قلت يحتاج إلى بذل الجهد- تعمله فقط خوفا، كيف يكون شعورك وأنت تعمل هذا العمل؟ شعور -يعني- يولد التوتر والقلق وعدم الارتياح.

بينما لو كان فيه توازن بين الرجاء وبين الخوف ستجد أنك تارة تقلق خشية التقصير فلا تبلغ، وتاره تنفتح نفسك وتنفرج أساريرك وتعمل وكأن رياح السعادة كلها معك؛ لأنك تريد أن تصل إلى ما ترجوه. هكذا المؤمن في سيره إلى الله، تارة يقلق ويفزع ويخاف، وتارة يتنفس الأمل والرجاء -ويعني- يتذكر الجنة ولقاء الله سبحانه وتعالى، مرة يتذكر ذنوبه ومرة يتذكر ما يرجوه من الله سبحانه وتعالى، مرة يتذكر ما ينبغي لله ويعلم تقصيره ومرة يتذكر رحمة الله -يعني- ما يعطيه سبحانه وتعالى وما أعده للمؤمنين وإلى آخره.

فهذان الشعوران يجب أن يكتفي المؤمن على طول الطريق، على طول الطريق، فلا رجاء دائم -يعني- منفصل عن الخوف، ولا خوف مقنط منفصل عن الرجاء. هذه النصوص التي ذكرت هنا في الأحاديث في الباب هي نصوص على قسمين: بعضها في نفس النص تجد شيئا يدعوك إلى الخوف وشيئا يدعوك إلى الرجاء، وبعضها نصوص مفردة تدعو إلى الخوف وبعضها نصوص مفردة تدعو إلى الرجاء، والمؤمن يفهم هذا كله، ويعلم أن موجبات الخوف حقيقية وكبيرة وموجبات الرجاء حقيقية وكبيرة، فيسير بهذا التوازن.

نَبِّئْ عِبَادِي -قال الله سبحانه وتعالى-: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ. وهذان في موضع واحد في كتاب الله في ذكر الموجبين، كذلك الحديث وهو حديث مخيف وفي نفس الوقت حديث فيه رجاء: إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع... وهذا معناها أن الإنسان -يعني- يعيش أكثر عمره في معصية الله سبحانه وتعالى وفي الكفر، ويظن الناس ويظن الضالون أنه سيؤول إلى هذا إلى هذا إلى ما عاش عليه -يعني- تكون وفاته وتكون وفاته على ما عاش عليه، فيسبق عليه الكتاب -ما كتبه الله له من السعادة- ما قال: فيسبق عليه الكتاب فيدخل الجنة، بينما قال: فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، لا تكون إلا بعمل...

هذا من جهة فيه رجاء أنه لا تياس من العاصي، لا تياس من نفسك أولا إن كنت قد ترديت بذنوب وبمعاصٍ كثيرة وتجد أن من الصعب عليك أن ترجع فلا تياس لعل الله سبحانه وتعالى يكتب لك الهدايه وحاول اصدق ولا تياس من غيرك، أم من ابنها أو ابنتها، أخ من أخيه، أستاذ مع طلابه يرى إنسانا وكأن أنواع الشقاء كلها فيه، فلا يياس لعل الله سبحانه وتعالى يكتب له هداية في مرحلة من مراحل الطريق فإذا كتب له هذه الهداية سيهديه إلى عمل أهل الجنة ثم يدخل الجنة.

وفي نفس الوقت الإنسان لا يأمن أنه الآن يسير في طريق الطاعة وفي طريق العلم وفي طريق الإيمان، فليس هذا ضمان أو ليس في هذا الضمان بأنك ستستمر على ذلك إلى أن تموت، لأنه وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، وهذا حصل: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا. ولذلك الصالحون كانوا يخافون لحظة الختام ويقلقون تجاهها، وفي نفس الوقت كانوا يؤمنون، بعضهم كان يقول -يعني- يذكر عبارات تدل على أنه ليس بعد لم أنجُ بعد لم أفز بعد، إلى أن يموت الإنسان على ما كان عليه.

وأحيانا بالعكس الإنسان -يعني- يعبد الله سبحانه وتعالى عبادة طويلة رجاء الثبات عند لحظة الموت أو حسن الختام. وأحد شيوخ الإمام البخاري رحمه الله وهو آدم بن أبي إياس وهو من تلاميذ الإمام شعبة بن الحجاج وكان من الصالحين ومن المحدثين لما حضرته الوفاة وكان من عباد الكبار، لما حضرته الوفاة كان يناجي الله سبحانه وتعالى فيقول: يا ربي بحبي لك إلا ما رافقت بهذا المسرع أو لهذا المسرع، ثم قال: اللهم كنت أؤمنك لهذا اليوم، كنت أؤمنك لهذا اليوم.

وهذا -يعني- هذا فيه قضية الرجاء أن الإنسان يعمل يعمل ويؤمل: يا ربي أنا أعمل وارجو أن أجد ما نتيجة ما أعمل في اللحظات تلك اللحظات الصعبة، وهذا طبعا هذا كان منتشرا عندهم؛ لأنه كانت داء الغفلة بعيدا عنهم، داء الغفلة هو اللي هو المصيبة وهو الكارثة وهو -يعني- خلينا نقول ومن أعظم أواء العصر الذي نعيشه اليوم، من أعظم أواء العصر داء الغفلة. داء الغفلة هو الإنسان أصلا يملك في نفسه بوادر الغفلة في نفسه، لكن اليوم المحركات الخارجية للغفلة أكثر من المحركات الداخلية، بمعنى أن الإنسان في نفسه لو كان في صحراء لحاله ما في ما عنده إلا غنم وبيت وأولاد وانتهينا، حتى وهو كذلك في شيطان وفي نفس تجعله يغفل ممكن -يعني- النبي صلى الله عليه وسلم من تتبع الصيد ممكن ينشغل بالصيد وانشغل المدير، لكن اليوم المشكلة ليست داخلية فقط، اليوم المشكلة أن كل ما هو حولك أو كثير مما هو حول حولنا يدعو إلى الغفلة، يدعو الإنسان يعيش حياة الغفلة فينسى لحظة مغادرة الدنيا.

لحظة مغادرة الدنيا هي التي تقلق الصالحين، لحظة مغادرة الدنيا معناه أن كل شيء انتهى، يعني كل ما عاش الإنسان يحاول فيه ويجمعه ويقلقه ويحزنه ويرضيه ويؤمله كله عند تلك اللحظة ينتهي، ولما تفكر في كلمة ينتهي هذه كلمة عجيبة، يعني كل هذا ينتهي، كل ما حولك الأقارب الأصدقاء كله ينتهي، ينتهي ويغادر الإنسان هذه الدنيا وحيدا، هذا المشهد وليس المقلق ولحظة الموت فقط، والمقلق أن هذه هي البداية للمسيرة الفردية، البداية للمسيرة الفردية، المسيرة الفردية التي هي مسيرة ليست مسيرة عمل، أنه مسيرة أن تتلقى جزاء ما عملت وحدك.

كل ما كان الإنسان -خلينا نقول- يأمن فيه في الدنيا أو يحتمي به في الدنيا أو -يعني- يانس به في الدنيا، كل هذا ينتهي ويقول الإنسان إلى حالة وإلى لحظة -يعني- يكون فيها وحده ومواجه لمصيره، فما عمله من خير هو الذي سيكون -باذن الله- يؤنسه إلى آخره. الشاهد أن هذا الحديث فيه تخويف وفيه رجاء الجنة إلى أن يصل حتى لا يكون من من يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وكذلك من جهة أخرى فيه رجاء أن الإنسان لو عاش كافرا والذي عاش مع في معاصي شديدة وكبيرة جدا فلا يياس، وفي نفس الوقت أنت داع إلى الله لا تياس ولا تياسه فقط -يعني- يعود من حالة إلى حالة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمه... أخرجه البخاري ومسلم. وهذا الحديث كذلك فيه جزء دافع دفعا قويا إلى الخوف، وفي جزء دافع دفعا قويا إلى الرجاء.

سأكمل بعض الأحاديث ثم نعلق على شيء ما سبق. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك. أخرجه البخاري. الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك أخرجه البخاري. هذان الحديثان حديث: لو يعلم المؤمن ما عند عقوبة، وحديث: الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، هما حديثان فيهما -كما قلت- يعني كل الموضوعين موضوع الخوف وموضوع الرجاء.

هذا الحديث الثاني: الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك، هذا فيه أن دخول الجنة ودخول النار قد يكون لما لا يبالي أو لا يلقي له الانسان بالا في العمل الذي يدخل الانسان الجنة قد يكون هو أهون الأعمال في نظره، والعمل الذي يدخل الانسان النار قد يكون أهون الأعمال في نظره وكما في الحديث الذي تعلمون: أن أحدكم يتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا... ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه -يعني- يدخل بها الجنة أو نحو ذلك، وإن أحدكم أن يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، أي النماذج لدخول الجنة من الأعمال تراها قريبة جدا من الإنسان وسهلة، ويمكن للإنسان أن يعمل شيئا من الأعمال التي تكون سببا لدخوله الجنة وهو لا يظن أنها كذلك، وهذا يفتح الباب إلى الرجاء جدا أن الإنسان لا -يعني حنا نقول- يستخف بقيمة العمل الصالح كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: لا تحقرن من المعروف شيئا، لا تحقرن أحدكم من المعروف شيئا، أو لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق.

ماذا تعني أن تلقى أخاك بوجه طلق في قيمة الحسنات بالنسبة لاستحضار الإنسان المؤمن؟ يعني الإنسان المؤمن ممكن يفكر في الصلوات في الزكاة ويفكر في قيام الليل وفكر في الجهاد في سبيل الله ويفكر في الأعمال الكبيرة، لكن أن يلقى المؤمن أخاه بوجه منشرح وابتسامة: يا أهلاً وسهلاً، كيف الحال؟ ممكن احنا نسميها لباقة اجتماعية، ممكن نسميها... طيب النبي صلى الله عليه وسلم يقول لك هذا ترى من المعروف، لا تحقرن. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا...

تحقير الجار لجارتها، يعني فيما تعطيه إياها، حتى لو يعني جاره لو تعطي جارتها لو صحن عادي من الأكل، طبخ العادة التي تسوي، بعدين تهدي لجارتها. اسمع ايش قيمة هذه بالنسبة للعمل؟ يعني ايش التعب العظيم اللي ممكن يصير؟ ما في تعب، ايش ما في ولا شيء. طيب، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تحقرن جار لجارته همم نفس الشيء. هذا الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله. ترى لا تحتقر الأعمال التي توصلك التي امتدحها الله سبحانه وتعالى، قد يكون بسببها دخولك الجنة. وتعلمون تلك المرأة التي نزلت فسقت الكلب ووقع في قلبها من الرحمة ما وقع وكانت سبباً، وذلك الذي أزال الغصن عن طريق المسلمين وإلى آخره. فالإنسان لا يحتقر من العمل الصالح شيئاً، ويحاول أن يضرب من كل عمل بسهم، كلمة طيبة، صدق ولو بشيء يسير، دعوة إلى الله سبحانه وتعالى، أمر بمعروف، نهي عن منكر همم ركعتان يقتنصهما الإنسان لا تكلفانه شيئاً همم تلاوة ورد معين من القرآن همم صبر على أذى، كاضم للغيظ، عفو عن مظلمة، هذه كلها أعمال ممكن يقتنيها الإنسان في الإنسان، فيبدأ يتعود على أعمال.

فأنا مثلاً عشان أكون لكي تكون محبوباً، تبسم في وجه الجميع. طب تمام هو أكيد تكون محبوباً إن شاء الله، بس إنه فكرة إنه احتسب أنه هي أنه هذا عمل صالح، احتسب أنه أنت إما أدخلت سرور على نفس مؤمنة أو أنه همم يعني أنك تتمثل الأخلاق الحسنة. قال جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه كما في البخاري أو في مسلم: ما راني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسم في وجهي، ما راني رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبذل المعروف في كل وجه وفي كل شيء همم فالجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله. طيب، والنار مثل ذلك.

لا يستهين الإنسان بموجبات دخول النار بما حرم الله ولو كان صغيراً. وفي الحديث: إياكم ومحقرات الذنوب. محقرات الذنوب هذا الإنسان يعني يحقرها ولا يرى أنها شيء. وتعلمون يعني قول أنس المشهور رضي الله تعالى قال: إنكم لا تعملون أعمالاً هي يعني يعني معنى كلام أنه هي هينة عندكم لا تأمنون لا تبالون بها يعني قال: كنا نعدها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات. الإنسان وهذا من علامات الإيمان أنه لا يحتقر أو لا يحقر من الذنوب والمعاصي فيحاول دائماً هذه مسألة من الصغائر أو يعني صح أن أغلب العلماء قالوا حرام بس في قول واحد من أقوال أنه مكروه، مش الحال يا عمي الله رحيم الله كريم، الله رحيم الله كريم، متفقون نحن عليها وإلا شك وهي أمر صحيح، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: النار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله. هذا تعرفون هذه الدلالة يعني أو هذا اللفظ يدل على أنه أنه ممكن يكون شيء يعني قريب جداً من إنسان يتقي الله سبحانه وتعالى.

ليس رضي الله تعالى عنه قال طبعاً عفواً بس الحديث الذي قبله: لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد. هذا من موجبات الخوف، أن يعلم الإنسان أن عذاب الله شديد، ليس فقط أن الله سبحانه وتعالى سيعاقب وسيعذب وإنما أن عذاب الله شديد، وهو عذاب لا طاقة للإنسان به، وفي نفس الوقت الرحمة التي عند الله سبحانه وتعالى رحمة عظيمة جداً واسعة وفوق ما يتصور الإنسان، وإذا جاء يوم القيامة همم يعفى عن أقوام ويرحم ناس ويتجاوز عن سيئات ويعفى عن ذنوب وعن خطايا بما لا يتخيل الإنسان، فهذه موجودة وهذه موجودة، والنسان يتقي الله سبحانه وتعالى ما استطاع ويجتنب ما يسخط الله سبحانه وتعالى.

عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، ما سمعت مثلها قط، قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً. قال أنس: فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم خنين، يعني صوت الحزن والبكاء. أخرجه البخاري ومسلم، أخرجه البخاري ومسلم. قلت لاحظوا كل الأحاديث اللي أخذناها إلى الآن في البخاري ومسلم أو في البخاري، والبقية الأحاديث كلها كذلك إما في البخاري ومسلم أو في طيب، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً. ما الذي يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعلمونه؟ الذي يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعلمونه أمور كثيرة، بعضها راجع إلى درجة العلم، وبعضها راجع إلى المعلوم.

درجة العلم اللي هي درجة اليقين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم راى ما لم ير أصحابه. أصحابه كانوا مؤمنين بما رأوا ولكنهم لم يروا، وعدم الرؤية هذه قد تسمى عدم علم، ليس لأنهم ليس نفي لأساس العلم إنما نفي لدرجة من درجاته، والله تعالى أعلم. فلو تعلمون ما أعلم، لأنه كمان في سورة التكاثر: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ. فلو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً. النبي صلى الله عليه وسلم رأى الجنة والنار ونحن لم نر الجنة ولم نر النار، النبي صلى الله عليه وسلم راهما وعرضت عليه الجنة والنار أكثر في أكثر من موضع وأكثر من مرة. وحين رأى النبي صلى الله عليه وسلم الجنة ورأى النار، بطبيعة الحال من رأى النار يعني سيكون تعامله في حياته يختلف عن من لم يرها، وكذلك من رأى الجنة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم يبلغ لأصحابه هذه الرسالة يكون أنتم لم تروا الذي رأيت، لم تعلمون الذي علمته. وكذلك ما يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم من أمور يعني من معلومات معينة متعلقة بالجنة وبالنار وبالآخرة وبما عند الله سبحانه وتعالى مما لا يعلم أصحابه. ما النتيجة التي يؤول إليها هذا العلم؟ النتيجة التي يؤول إليها هذا العلم هي أن يكون الإنسان جاداً في حياته وفي تطلبه لرضا الله سبحانه وتعالى، ومن علامات وصور هذه الجدية أيوه خوف والخشية وعدم همم وقلة الضحك قلة الضحك. لاحظوا ما قال النبي صلى الله عليه وسلم همم لو تعلمون ما أعلم لم تضحكوا، جيد لم تضحكوا لأنه هذا هذه هي الحالة الصحيحة، لأنه هو كان في بعض يعني بعض العباد وبعض الصالحين وبعض من أهل العلم كان يذكر في سيرهم أنه قال مثلاً: ما رأيته متبسماً قط، ما رأيت متبسماً قط.

وليس المقصود ما رأيته متبسماً قط أن هو يعني معصب دائماً إنما يعني لحالة الحزن التي لديه لحالة الخوف، لحالة خلاص يكون غلب هذا الجانب، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ينف جانب الضحك، وإنما قال ضحكتم قليلاً، هذه ضحكتم قليلاً يعني لن تكون لن يكون قضية الضحك هذه هي الأصل في حياتكم، أن تكون هي الأصل ولا هي الأغلب، ستضحكون ولكن قليلاً ولبكيتم كثيراً، تكون حالة الخشية وحالة البكاء حالة متكررة في مساحة أوسع من حياة الإنسان، وهذا يعني يقول النبي صلى الله عليه وسلم لو تعلمون، ولكن لن يعلم الإنسان ما علم وبالتالي لن يصل إلى هذه الحالة، وبمقدار علم الإنسان بالله وبما عند الله سبحانه وتعالى يعني يتلبس حالة الخشية وحالة الخوف من الله سبحانه وتعالى.

رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، طبعا الآن لو تلاحظون الأحاديث الماضية كلها حديث في نفس الحديث، فيه جزء عن الخوف وجزء عن الرجاء، أما الحديث حديث أنس هذا فهو حديث خوف فقط، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً على حديث الخوف فقط، الحديث التالي حديث أبي ذر هو حديث الرجاء، وهو في صحيح مسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك به شيئاً لقيته بمثلها مغفرة.

هذا الحديث من أعظم الأحاديث التي توسع الأمل عند الإنسان وتزيد رجائه وتزيد طمعه في رحمة الله وثوابه، فإن الله سبحانه وتعالى قد قضى وقدر أن الحسنة لا تسجل ولا تكتب للانسان على أنها حسنة واحدة وإنما تكتب له على أنها عشر حسنات أو أكثر، والسيئة لا تكتب له إلا واحدة. هذا الآن قاعدة مطردة في الحياة: الإنسان يعمل الحسنة تكتب بعشر، يعمل السيئة تكتب بمثلها. هذا الآن فقط هذه جانب عظيم من رحمة الله سبحانه وتعالى، وهذا من أهم ثمراته أنه يجعل الإنسان يطمع في الحسنات، أن هو يعني ترى أبذل القليل، ترى الله سبحانه وتعالى ومن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، وهذا من أعظم كما قلت يزيد رجاء الإنسان ويطمعه في العمل، لأنه ترى ما يطمع الإنسان في العمل، وليس فقط الثواب، الثواب اللي خلينا نقول المحسوس في الآخرة ومما يطمع بلا شك، لكن من أهم ما يطمع المؤمن للعمل الصالح هو القرب من الله سبحانه وتعالى وأن تكون في عين الله سبحانه وتعالى وأن تكون محلاً أو تكون ممن رضي الله عنهم، بل لما ذكر الله نعيم الجنة قال: وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ.

في الحديث الذي سياتي في آخر باب لقاء الله قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ قالوا ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل. وفي رواية أخرى في حديث آخر قال: ليحل عليكم رضواني فلا يسخط عليكم بعده أبداً. فما يتطلبه الإنسان في الآخرة وما يتطلبه من الله سبحانه وتعالى ليس هو فقط قصور الجنة ونهارها ونعيمها وأنه لا هم فيها ولا غم ولا حزن ولا لغو ولا نصب ولا تعب ولا أي شيء يمكن أن نقول يكبر خاطر الإنسان، ليس هذا هو فقط ما يؤمله ويطلبه وإنما من أهم ما يطلبه هو القرب من الله، وأن يرضى الله عنه، وأن يحبه الله سبحانه وتعالى. فهذا من أعظم ما يطلبه الإنسان المؤمن ومن أعظم ما يرجوه.

طيب هذا النص مما يفتح هذا الأمل عند الإنسان: من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، من تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة. يعني مهما فعلت أنت من عمل الله سبحانه وتعالى سيجازيك بإذن الله بأكثر مما تتخيل. وإذا أنت يعني تقربت من الله سبحانه وتعالى قليلاً ستجد أن الله سبحانه وتعالى يتقرب من عبده الذي تقرب إليه أكثر مما تقرب به العبد، فالإنسان يعني يسعى في القرب من الله سبحانه وتعالى ثم يبشر يبشر به أن الله سبحانه وتعالى يجازي ويكرم وينعم ويعطي ويتفضل سبحانه وبحمده.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال همم عفواً قبل أن نذكر الحديث، الآن ذكرت حديثاً في الخوف ثم حديث الرجاء، الآن نفس الشيء الحديث في الخوف ثم حديث الرجاء، وإن كان هذا الحديث الذي في الخوف فيه شيء في الرجاء، من كلام ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل النار. شيئاً هذه يعني أي شيء، من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار، يعني ولو كان عنده من العمل الصالح ما عنده. قال ابن مسعود: وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة. أخرجه البخاري ومسلم.

من الفوائد في هذا الحديث، وحتى في الحديث الذي قبله في الجملة الأخيرة: ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك به شيئاً لقيته بمثلها مغفرة. من أهم الفوائد في هذين الحديثين أهمية تحقيق التوحيد والبعد عن الشرك، أن من يعني أرجى ما يرجو الإنسان أو ما يلقى الإنسان به ربه هو أن يلقاه بقلب موحد، يلقاه بقلب التوحيد فيه خالص لله سبحانه وتعالى، ومن أسوأ ما يمكن أن يلقى الإنسان ربه به ولو كان قد أنفق كثيراً وصلى كثيراً وصام كثيراً، هو أن يكون في قلبه شيء من الشرك.

ولأجل ذلك من أراد أن يأخذ يعني خلينا نقول بصمام أمان كبير ويتمسك بشيء فيه ضمان كبير بإذن الله تعالى هو أن يلتفت إلى قضية التوحيد، ومن أهم ما يدخل في قضية التوحيد وهو أعمال القلوب، أعمال القلوب: الإنابة إلى الله وحده، الإخلاص لله وحده، المحبة، الرجاء، الخوف، التوكل، الاعتصام، هذه كلها من صميم التوحيد، هذه كلها من صميم التوحيد وكل ما حققها الإنسان فقد قطع الأواصر التي يمكن أن تكون بينها وبين الشرك.

متى يشرك الإنسان؟ الإنسان متى يشرك؟ متى يقع في الشرك؟ يقع في الشرك كلما كان تعلقه بالله أخف، كلما كان تعلقه بالله أضعف، التفت قلبه للتعلق بغير الله والشرك بوابته الأساسية هو التعلق بغير الله، التعلق بغير الله أما بطلب نفع أو بدفع ضر، فتجد من يتعلق بأموات ويسألهم من دون الله سبحانه وتعالى، وبعضهم يبالغ في هذه القضية إلى درجة أنه لا تأاتي عليه لحظة فزع أو شيء أو خوف إلا مباشرة الاسم الذي يأاتي على لسانه إما يا حسين، يا علي، ولا أياً كان من الأسماء اللي يتعلق فيها الإنسان بغير الله سبحانه وتعالى، وهذا لا يمكن لا يمكن أن يكون لقلب قد تشرب بمعاني أعمال القلوب وأخلصها لله، لا يمكن.

لا يمكن الإنسان امتلى قلبه بالإخلاص لله، وبالمحبة له، وبالرجاء له، وبالخوف منه، وبالاعتصام به، وبالتوكل عليه على علم بالله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك إذا نزلت به الحاجة ينزلها بغير الله، وإذا نزلت به الكرب ينزله بغير الله، وإذا جاءه يعني الطمع والرجاء تطلبه من غير الله، وإذا تعارض عنده أمر الله وأمر غيره قدم أمر غيره على أمره، وإذا تنازعت المحاب في قلبي قدم المحبوب على محبة الله. كيف مو مستحيل؟ لا يمكن أن يكون يعني قلب قد امتلى بمعاني أعمال القلوب حقا أن يكون على هذا، على هذه القضية.

لذلك جماعة، القضية ليست يعني الناس أحيانا تظن أنه الشرك هو يعني فقط هذه الأعمال الظاهرة التي يراها الإنسان، ويظن أن تحقيق التوحيد هو باجتناب بعض الأعمال الشركية الظاهرة. جيد، بينما هذه ما يقع الإنسان في أعمال شركية معينة إلا لضمور تحقيق التوحيد في قلبه، ضمور تحقيق أعمال القلوب في قلبه، وكذلك العكس، لا يبتعد الإنسان عن هذه الأمور إلا لتوقد هذه المعاني في نفسه.

ولذلك تدور القضية على أعمال القلوب، تدور تدور القضية على أعمال القلوب في العناية بها، ومن أهم ما يعني خلينا نقول يدفع الإنسان بإذن الله تعالى إلى تحقيق التوحيد والاعتصام بالله، وبالتالي يكون قد تمسك بأعظم ما ينجيه من عذاب الله سبحانه وتعالى.

عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ، فيستغفرون الله فيغفر لهم أخرجه مسلم. هذا الحديث من أحاديث الرجاء العظيمة، وهي من الأحاديث التي تجعل الإنسان لا يقنط من الذنب، ولا يجعل وقوع وقوعه في الذنب سببا لياسه ولا لقنوطه ولا لمقته نفسه المقت الذي يبعده عن حسن الاستقامة، وإنما ليعلم أن الله سبحانه وتعالى يحب المنكسرة قلوبهم بعد الذنوب، ويحب من يكون حاله بعد الذنب أفضل من حاله قبل الذنب، ويعلم سبحانه وتعالى أن كثيرا من النفوس لا يكسرها إلا وقوعها في شيء من الخطا.

وبطبيعة الحال ليس في هذا الحديث دعوة إلى الوقوع في الخطا، وإنما في هذا الحديث إخبار عن مجموع الحال ومجموع الأمر. أنت انسان قد أودعك الله فيك، قد أودع الله فيك جوانب نقص معينة، هذه الجوانب ستدفعك إلى الوقوع في الذنب، فستقع خلال مسيرتك في هذه الحياة، ستقع في شيء من الذنوب، أما في التقصير في واجب واما في الوقوع في محرم. وهذه كما ذكرت هي متعلقة بأنفس الناس، بما أودعها الله فيها، فهي لازمة في الكل، هذه لازمة في الكل.

لكن الله سبحانه وتعالى يحب أولئك الذين إذا وقعوا في الذنوب بسبب هذه الموجبات النفسية أو بسبب الشيطان، سواء النفس أو الشيطان أو أيا كان، يحب الله سبحانه وتعالى المستغفرين الراجعين المنكسرين، وهذه الحال في الانكسار لا تأتي إلا بعد الذنوب، لا تأتي إلا بعد الذنوب. حال الاقبال الشديد على الله والتوبة والخضوع والانكسار والاعتراف والذل والندم، يعني يفقد الإنسان كل شيء إلا عمله بالله، يعني وأن يرى أنه إن لم يتوب الله عليه فقد خسر كل شيء.

هذه الحال، هذه الحال من أعظم صور العبودية لله، وهذه من الخير الذي يترتب على الشر، ولذلك لا يخلق الله شرا محضا، فهذه الذنوب يقدرها الله سبحانه وتعالى وفي نفس الوقت هي مما يولد الخير في النفوس المؤمنة. بل لو وجد أن هناك أمم من الأمم أو أقوام من الاقوام لا يذنبون فلا يستغفرون الله فسيذهب الله بهم وسياتي بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم سبحانه وتعالى، لأن الله من صفاته أنه من اسمائه أنه الغفور وانه الرحيم، ومن صفاته الرحمة وأنه سبحانه وتعالى رؤوف، وهذه كلها إنما تكون لأناس يقعون في الذنوب فيستغفرون الله ويطلبون منه العفو.

على أي حال هذا الحديث حديث يفتح باب الرجاء في باب معين وهو في باب يعني احنا نقول الوقوع في الذنب والوقوع في الخطا، وأن الإنسان يحاول أن يستثمر هذا الخطا فيما لو وقع، أن يستثمره في أن يكون سببا للخير وسببا للانكسار وسببا للذنوب. بطبيعة الحال لا يدفعه الاستهتار.

الحديث الأخير الأخير عن جابر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بأيام، بثلاثة أيام، يقول: لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أخرجه مسلم. لا يموتنا أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل أخرجه مسلم. هذا الحديث من الأحاديث التي يستند العلماء عليها لتغليب جانب الرجاء في بعض الأحوال، تغليب جانب الرجاء في بعض الأحوال، ويرون أن من الفقه في الدين أن يعني يدفع من حضرته الوفاة أو اقترب منها أن أن يعني يذكر بجانب الرجاء أكثر من تذكيره بجانب الخوف.

فلا يموتنا أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل، يحسن الظن به، كيف يحسن الظن به؟ أنه يقبل توبته وأنه يفدوا إلى رب رحيم. يعني المطلوب من الإنسان في مثل هذه الحالات أن يغلب جانب الرجاء، والا يعني يكون في حال الفزع والهلع والقنوط والياس، ولو كانت لديه ذنوب فليجدد التوبة وليجدد الرجاء.

ومن المواقف العجيبة والغريبة التي حصلت في لبعض أئمة المسلمين من المتقدمين، وما حصل لسفيان الثوري. سفيان الثوري رحمه الله تعالى يعني من أئمة المسلمين التي شهدت لها شهدت لهم الأمة بشكل عام بالصلاح والاستقامه والخيرية والفضل، وهو من يعني خلينا نقول من خيار هذه الأمة على الإطلاق. لما حضرته الوفاة كان حضر عنده أحد الأئمة نسيت من هو الآن من العلماء الكبار، وكان سفيان الثوري ممن يخاف كثيرا من الله سبحانه وتعالى بالرغم من كونه من أهل الفضل والعلم ومن أئمة هذه الأمة.

فكان يقول له هذا العالم، كان يقول له: أترى يغفر الله لمثلي؟ أترى يغفر الله لمثلي؟ هذا سفيان الثوري أن يقوله، تكلم ذاك العالم، نسيت كما كنت من هو، وحدثه بأحاديث الرجاء. وهذا هو المقصود، المقصود أن الإنسان يعني التطبيق العملي لهذا الحديث، إذا الإنسان مثلا حضر عند مريض معين وهذا المريض يعني مريض مرض يعني يخشى أن يهلك الإنسان فيه أو أن يتلف، من الفقه أن يعني يذكره برحمه الله ويذكره بالرجاء ويفتح له باب الامل ولا يقنطه من رحمة الله، بل يجعله يعني فرح القلب، فرح النفس، يتهيا للقاء الله سبحانه وتعالى، من جهه أخرى يعني يكتب الحقوق التي لديه واستغفر الله من ذنوبه يقع إلى آخر. لكن مهم جدا أن ينمي فيه جانب الرجاء.

جانب الرجاء وقول النبي صلى الله عليه وسلم: لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، هذا لا ينحصر في لحظات الموت، وإنما هذا الحديث يؤخذ منه بشكل عام أنه الإنسان يحرص على أن يكون دائما حسن الظن بالله عز وجل. وحسن الظن بالله لا يتنافى مع حالة الخوف. حسن الظن بالله لا يتنافى مع حالة الخوف، لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ، تعرفون أن نفس الإنسان ليست بيده والمقصود لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ أي ليكن على عمل يستمر عليه إلى الموت أو يوافي به الله سبحانه وتعالى وهو حسن الظن بالله، ويتاكد حين يعني تظهر بوادر الموت. وذلك مثل قول الله سبحانه وتعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. فالانسان يعمل من الأعمال الموجبة لموافاة الله سبحانه وتعالى على قدمه في هذه الحياة، فهذا الحديث من الأحاديث المؤسسة لححسن الظن بالله عز وجل والدعوة إلى ذلك. وهذا أمر كما قلت ينبغي أن يكون موافقا ومرافقا للمؤمن على طول الطريق.

طيب، في نهاية هذا الباب ينبغي كما قدمت في البداية أن لا يعيش الإنسان المؤمن في حاله خوف دائم تدفعه إلى القنوط، ولا في حاله رجاء دائم تدفعه إلى التهاون في الذنوب والمعاصي، وإنما ليستصحب الحالين معا. ولا باس أن يغلب عليه أحد الحالين في مقامات معينة، يعني قد يقع الإنسان في مقام ذنب معين فيغلب جانب الخوف، وقد يقع في مقام مصر للدين وعمل وتضحيه في سبيل الله فيغلب جانب الرجاء.

وهكذا الإنسان الفقيه يعني يسير إلى الله سبحانه وتعالى تاره بصوت زجر يسجنه عن الذنوب والمعاصي، وتارة بأفق واسع وأمل عظيم يحدوه لمزيد من العمل. نسال الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يرحمنا، وأن يهدينا سبل السلام، ونسال الله سبحانه وتعالى أن لا يجعلنا من القانطين، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعل لنا المستبشرين ومن من يحسن به سبحانه وتعالى الظن. ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المؤمنين الصالحين البارين الراشدين. اللهم إنا نسالك أن تنزل علينا رحمتك وبركتك إله الحق وأنت عفو عنا وتعافينا. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.