الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى، والحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، نحمدك اللهم ونثني عليك، ونستغفرك ونتوب إليك، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
مستعينين بالله ونستفتح المجلس الختامي من مجالس شرح المنهاج من ميراث النبوة، ونحمد الله على التوفيق والتيسير، وهذا المجلس سيكون فيه شرح البابين الأخيرين سويا، اللي هو باب الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وباب الشوق إلى الله سبحانه وتعالى.
طيب، نستعين بالله سبحانه وتعالى، الحديث عن الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديث عن الشوق إلى الله سبحانه وتعالى هو حديث عن قضية من أهم القضايا التي يحتاجها المؤمن في سيره إلى الله سبحانه وتعالى.
هذا الدين ليس دين معرفة فقط وليس دين خلينا نقول أحكام تحفظ، وإنما هو دين أساسه المحبة، أساسه المحبة.
وهذه المحبة من شأنها في الإسلام، كما يبين الله في كتابه، أنها محبة دافعة إلى العمل والتضحية ودافع للإيثار، إيثار ما يحب المحبوب على ما يكرهه مما قد يحبه المحب.
المحب الآن يحب أشياء مختلفة وكل واحد من هذه الأشياء لها آثار ولها واجبات ولها مقتضيات، يبين الله في كتابه أن محبة الله سبحانه وتعالى الحقيقية هي المحبة المقتضية لإيثار محبته سبحانه وتعالى على محبة غيره.
سأبدأ أولا بالحديث عن الشوق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الباب يعني فيه عدة أحاديث، والوقوف معها هو يعني نقول وقوف مع كما ذكرت قضية عظيمة جدا وهي قضية الشوق والمحبه.
وهذه القضية ليست بدعا من القول ولا مستحدثا من الرأي، وإنما هي قضية يعني أولا هي ثابته عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني الشوق إلى الله سبحانه وتعالى كما سياتينا بعد قليل في الحديث الصحيح، النبي صلى الله عليه وسلم كان من دعائه الثابت: أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إليك.
فهذا الشوق إلى الله سبحانه وتعالى هو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى لا يظن البعض أن هي يعني عبارة عن آراء واجتهادات شخصية وما إلى ذلك.
أما الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والحنين إليه، فهذا قد حدث في حياته من جماد من الجمادات، وهذا ثابت ثبوت صحيحا قطعيا، وكان بعض العلماء من المتقدمين من أئمة المسلمين يقولون: إذا كان ذاك الجماد الجذع قد حن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أفلا تحنون إليه؟
قلوبكم ألا تحنوا إليه؟
كما في الحديث الأول هنا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو راني بأهله وماله.
أخرجه البخاري ومسلم.
هذا الحديث من الأحاديث العجيبة في محبة النبي صلى الله عليه وسلم، لاحظوا الآن يعني مجرد الرؤية، مجرد الرؤية أن النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث عن أناس من أمته يود أحدهم لو راني باهله وماله مجرد رؤيه، جيد! فضلا عن المصاحبة، يعني الذهاب والمجيء معه عليه صلاة الله وسلامه.
ويخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أن هؤلاء الذين هم من أمته، الذين لم يروه وأتوا في زمن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، ثم اشتاقوا لرؤيته وتحركت قلوبهم ممتلئة محبة له حتى إن أحدهم ليتمنى أن يفدى أو أن يقدم أهله وماله في مقابل أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم.
هذه الصورة صورة تبعث المحب على مزيد من المحبة.
يعني أنت الآن تحب النبي صلى الله عليه وسلم وتشتاق إليه، ثم حين تسمع منه هذا الكلام في الحديث الصحيح تزداد محبة ويتحرك شوقك أكثر، لأنه يتحدث عنك هنا، النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث عنك.
يعني أنت أيها المؤمن المحب للنبي صلى الله عليه وسلم الذي لم تره ثم تتمنى أن لو قدمت أهلك ومالك في سبيل أن تراه عليه صلاة الله وسلامه.
وشأن محبة هذه الأمة للنبي صلى الله عليه وسلم شأنها عجيب، يعني شأن لا يشبه محبة الآخرين، هذا أمر عجيب، يعني الأمة الإسلامية هذه على توالي قرونها اختلفت في كثير من الأمور، لكن في محبة النبي صلى الله عليه وسلم ما تجد مؤمنا إلا وهو يحب النبي صلى الله عليه وسلم، بل ودرجة المحبة التي تحصل عند المؤمنين درجة يعني لا تشبهها درجة أخرى في محبة البشر.
فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم تبعث على شوق وتبعث على حنين كبير جدا في نفس المحب.
وما حصل من الخير لهذه الأمة بسبب النبي صلى الله عليه وسلم هو السبب الأساسي لمحبه النبي صلى الله عليه وسلم.
يعني أنت ترى أن الناس في جهل وضلال، خاصة في زمن البعثة، الناس كانوا يعبدون الشجر والحجر.
وأنت لم تكن لتكون فيما لو وجدت في ذلك الزمن أو فيما لو اقتصر على ذلك الزمن دون أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم، أن تكون مرة من أن تكون في تلك الجاهلية، كما قال الله سبحانه تبرج الجاهلية، سماها الله الجاهلية، ثم يبعث الله هذا النبي الكريم فياتي بالخير والبركه والهدى والنور والفلاح.
ويتعب ويضحي ويبذل، ثم يفكر في شان أمته، ثم يبكي لأجلهم، ويسهر لأجلهم، ويتعب لأجلهم، ثم أنت تتفكر في هذا الحال فتقول: كل هذا الخير الذي جاءنا من عند الله جاءنا عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن هذا من أعظم البواعث على محبة النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم من أعظم البواعث على حب النبي صلى الله عليه وسلم ما كان عليه في ذاته، ما كان عليه في ذاته من كمال الخلق ومن الحلم ومن الصبر ومن الرأفة ومن الرحمة، وحين ترى أن كمال خلقه هو جزء كبير منه متعلق بنا نحن المسلمين، فهذا يزيدك محبة إلى محبة: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ.
ثم ها هو في هذا الحديث يتحدث عن أمته التي لم تكن في زمانه فيقول: من أشد أمتي لي حبا ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو راني باهله وماله.
أخرجه البخاري ومسلم.
هؤلاء الناس الذين ياتون من بعد النبي صلى الله عليه وسلم، يود أحدهم لو راني لو راه باهله وماله، كما قلت يمتدون في الزمان مما بعد النبي صلى الله عليه وسلم، إلى زماننا هذا إلى قيام الساعة، كل هذه الأمة تدخل في هذا الحديث.
لكن أنا حين أقرأ هذا الحديث يخطر في بالي تخطر في بالي صورة يعني مؤلمة من المحبة والشوق، وهي شوق من عاش مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم عاش بعده، فقد النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كان يعني يتقلب صباحا مسام بين يديه ويذهب معه ويجيء معه.
وإذا كانت قلوب المحبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم تتقطع شوقا أو تكاد تتقطع شوقا لرؤيته مع أنها لم تراه سابقا، فقط لما تؤمن به ولما تعلم من أحواله وأخباره، فكيف بمن راه وعاش معه وراى كل ما نسمع عنه اليوم من حيث من ناحية الأخبار نقرا عن خلقه صلى الله عليه وسلم وعن كماله وعن وعن كيف بمن راوا كل ذلك بأعينهم وعاشوا معه كيف بالذين يعني كما قال عمر في نفس هذا الباب قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيدي مستت يده يده... أو كما قال ابن عباس قال: ضمني النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال: اللهم علمه الكتاب، كما في البخاري.
أو أي يعني الصور الكثيرة التي كان فيها الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم يتقلبون في هذه النعمة، ثم بعد ذلك عاشوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، كيف كان شعورهم في الشوق إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟
ليس بعد وفاته، إلا الأيام المعدود التي فقدوا فيها النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم حين مرضه، وهذا في البخاري أيضا ثابت، النبي صلى الله عليه وسلم غاب عن الصحابه عده أيام بسبب مرض، مرض كان مرضا شديدا، وكان يصلي بالصحابه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.
وفي اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يوم الاثنين، فتح النبي صلى الله عليه وسلم أو أزاح الستار عن النافذة أو عن الباب حتى ينظر إلى أصحابه وهم يصلون.
الآن المشهد: النبي صلى الله عليه وسلم غائب لعدة أيام في مرض وتعب شديد، الصحابة يصلون وقلوبهم وقلوبهم كأنها غير موجودة في أماكنها، أو أصبحت قلوبهم فارغة حزنا على فقدانهم النبي صلى الله عليه وسلم.
حتى جاء ذلك اليوم، وهو يوم الاثنين، فأزاح النبي صلى الله عليه وسلم الستار والتفت ونظر إلى الصحابه وهم يصلون، ثم تبسم، تبسم النبي صلى الله عليه وسلم، تبسم الرضا وتبسم الطمأنينة وتبسم السكينة وتبسم السعادة وتبسم السرور وتبسم الارتياح أنه هؤلاء الذين ربهم والذين علمهم والذين كانوا معه والذين جاهدوا معه وهو إلى آخره، الآن قد اجتمعت كلمتهم ولا يزالون يحافظون على ما تركهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
وبالمناسبه ترى الإنسان يعني من أهم ما يسعد به النبي صلى الله عليه وسلم أن يسلك ما كان يسعده في حياته، فلعل الإنسان إذا التقى بالنبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة أن يكون هذا مما يعني يرفعه عند الله سبحانه وتعالى.
لاحظوا الأمر الذي أعجب النبي صلى الله عليه وسلم وجعله يبتسم تلك الابتسامة العظيمة، ابتسامة الرضا والسرور والارتياح، كان هو اجتماعهم وشأنهم وعدم تفرق كلمتهم والتفافهم على العبادة والالتفاف حول أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.
طيب، لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم الستار ونظر إلى أصحابه وكان قد غاب عنهم لأيام وتبسم، قال أنس وهو راوي الحديث: كدنا أن نفتتن من شدة الفرح برؤية النبي صلى الله عليه وسلم أنه عن صلاتنا.
هم كانوا في الصلاة، فلما راوا النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليهم ابتسم تلك الابتسامة، كادوا أن يشغلوا أو أن يفتنوا عن صلاتهم بهذه الحال.
وهذا كما قلت يعني الإنسان يعني يقول: إذا كان المؤمنون بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم يعيشون حالة الشوق الشديد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهم لم يروه، فكيف بمن رأو وعاشوا معه ثم افتقدوه؟
ولذلك عن زيد بن أسلم رضي الله تعالى عن أبيه قال: كنا مع عمر رضي الله تعالى عنه فأذن بلال، بلال طبعا انقطع تقريبا، فأذن بلال فتذكر النبي صلى الله عليه وسلم، يعني الأذان بلال في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، قال أسلم: فما رايت يوما أكثر باكيا منه، ما مر علي يوم كان البكاء فيه أكثر من ذلك اليوم اللي بكى فيه الصحابة تذكرا للنبي صلى الله عليه وسلم تذكرا لتلك الأيام التي عاشوها.
ثم الحديث الثاني عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبرا؟
قال: إن شئتم.
فجعلوا له منبرا، فلما كان يوم الجمعة أو فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم فضمه إليه كأنه أنين الصبي الذي يسكن.
قال عليه الصلاة والسلام: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عنده.
أخرجه الإمام البخاري في صحيحه.
ونشك أن الله سبحانه وتعالى، كما أخبرنا في كتابه: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ، أن الله سبحانه وتعالى قد جعل لهذه الجمادات خصائص ويعني أحوالا هو يعلمها في شأن الغيب سبحانه وبحمده، ولكن أحيانا قد يطلع بعض عباده على شيء من ذلك، ومنها ما حصل في حالة الجذع الذي حن واشتاق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأظهر هذا الشوق أو ظهر أثر ذلك الشوق عليه فسمعه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ويعني هذا شيء مما يمكن أن يحدث من حالة الشوق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤكد ما ذكرته قبل قليل أن من أصعب وأشد ما يمكن أن يعني يحدث للإنسان هو من عاشوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم افتقدوه.
كما قال أنس رضي الله تعالى عنه في السنن: لما كان اليوم الذي دخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي خرج أو مات فيه النبي صلى الله عليه وسلم أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن أيدينا التراب من دفنه إلا وقد أنكرنا قلوبنا.
يعني هذه أو تلك حال حال من أصعب الحالات، ثم قد يجبر الله بعض المحبين بما يعني يسدد شيئا من الشوق، ويجبر شيئا من النقص أو حالة الاشتياق الشديد.
ولا أعلم مجبرا جبرا إنسانا، لا أعلم جبرا جبره إنسان في شوقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، كما جبر أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم.
أنا في تاريخ الأمة الإسلامية لا أعلم أحدا جبر في شوقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما جبر أنس بن مالك في شوقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويا هنيئا لهم.
وهذا أثر ثابت عن أنس بن مالك أخرجه الإمام أحمد في المسند قال: ليلة أنام فيها إلا وأرى حبيبي صلى الله عليه وسلم. ثم بكى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وكونه يراه كل ليلة أو ما قارب كل ليلة في منامها هذا جبر لا يشبهه جبر آخر، يعني يبلغ تعرف حتى الشعراء وكذا يعني تبلغون في محبتهم للمحبوب بأن يروه على الأقل في منامهم، فذاك جبر عظيم، جبر أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.
طيب، عن عبد الله بن هشام رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر: يا رسول الله، لانت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال له عمر: فإنه الآن والله لانت أحب إلي من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر. أخرجه الإمام البخاري في صحيحه.
تلك المحبة التي تكون في قلوب المؤمنين للنبي صلى الله عليه وسلم هي محبة في أساسها واجب، في محبة في أصلها واجبة، هي محبة من تمام الإيمان بالله سبحانه وتعالى، ثم هي كم الشعب في محبة الله سبحانه وتعالى، محبة الله تعالى واجبة، ثم هي لها أسباب، لها مقتضيات، ولها موجبات ومحركات كثيرة جدا.
هذا الحديث من الأحاديث التي تؤكد قيمة ومنزلة وأهمية أن يكون حب المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم مقدما على كل المحبوبات البشرية، وأول أو ومن أهم ما يدخل في ذلك محبة النفس، أن تكون محبة النبي، محبة الإنسان للنبي صلى الله عليه وسلم أعظم من محبته لنفسه وولده وأهله وماله.
ومن يحقق هذه المحبة بهذه الدرجة ويكون صادقا فيها فلا تسأل عن استقامة أحواله، ولا تسأل عن مقدار اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا موجب المحبة أصلا.
على أي حال، هذا النبي الكريم عليه صلاة الله وسلامه من أعظم، من أعظم ما تركه الله له من الأثر الحسن في أمته هو ما كتبه في قلوب المؤمنين من المحبة له، محبة عجيبة لا تشبهها محبة أخرى من المحابة التي يصرفها البشر، محبة النبي صلى الله عليه وسلم هي من أعظم، من أعظم ما تركه الله، أو من أعظم ما قدره الله وأكرم به نبيه صلى الله عليه وسلم.
والمحب مكرم، والمحب مكرم، المحب مكرم ليس بمحبة شخص واحد، وإنما باجتماع هذه الأمة كلها على محبته عليه صلاة الله وسلامه، وإذا كان قد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله إذا أحب عبدا قال لجبريل: إني أحبه، ويقول جبريل، ثم يوضع له، فيحب اهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، فما شأنكم بالنبي صلى الله صلى الله عليه وسلم الذي يحبه الله سبحانه وتعالى المحبة المعلومة، همم يعني كان للنبي صلى الله عليه وسلم هذا القبول وتلك المحبة، وهي كما قلت محبة يعلمها أهل المحبة الحقيقية له، لا تشبهها محبة أخرى فيما يتعلق بشر.
يوجد معنى في المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم والشوق إليه يدركه المحب، يدركه المحب معنى مختلف، مختلف عن محبة الأهل، مختلف عن محبة الأولاد، مختلفة من محبة، حتى مختلف عن محبة سائر الصالحين الذين نحبهم الإنسان.
محبة النبي صلى الله عليه وسلم لها شأن خاص في قلب المؤمن، ومن لم يدرك بعده هذا الشان الخاص، ومن لم يصل إلى أن يعيش الشوق الحقيقي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومن لم يصل إلى أن يحن قلبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فليرجع إلى سيرته جيدا وإلى سنته جيدا، وليحاول أن يصلح قلبه، لانه من فقد ذلك فقد فقد خيرا كثيرا جدا جدا.
فهذه المحبة وهذا الشوق إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو من أعظم ما يعيش الإنسان فيه في سعادة وسرور، ويذوق به لذة الإيمان وحلاوته، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم، لقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك قال: ثلاث من كن فيه وجد بهن ايش حلاوه الايمان ما هما؟ اول واحد: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا. طيب.
ثم ننتقل إلى المعنى الآخر وهو الشوق إلى الله سبحانه وتعالى، باب الشوق إلى الله عز وجل.
إذا تفكرت فيما مضى من الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا تفكرت فيما مضى من الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ستدرك، ستدرك أن السبب أيا كان، وهي أسباب كثيرة التي تبعث إلى الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي أو في ينبغي أن تكون باعثة بدرجة أعلى إلى الشوق إلى الله عز وجل.
كل سبب يبعث إلى محبة الرسول صلى الله عليه وسلم والشوق إليه في ينبغي أن يكون باعثا بدرجة أعلى إلى الشوق إلى الله سبحانه وتعالى وإلى محبته، لان النبي صلى الله عليه وسلم، يعني الاعتبار الأول لمحبه النبي صلى الله عليه وسلم هو كونه رسول الله، وكونه رسول الله سبحانه وتعالى، وكونه أتى بهذا الخير وأخرجنا باذن الله من الظلمات إلى النور، لكن من انزل هذا الخير؟ والله سبحانه وتعالى، من الذي أوحى بهذا الخير؟ هو الله سبحانه وتعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي بلغ وعاش وتعب وضحى في سبيل هذا التبليغ، لكن هو كل خير، كل خير في أصله هو من الله سبحانه وتعالى.
وبالتالي في الشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يجب الأمور الموجبة للشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تكون موجبة للشوق إلى الله سبحانه وتعالى.
قال الله سبحانه وتعالى: مَّن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ. هذه الآية ذكر بعض العلماء أن فيها ما يدل على الشوق إلى الله سبحانه وتعالى، بل قال ابن القيم في مدارج السالكين بعد أن ذكر هذه الآية قال: قيل هذه تعزية للمشتاقين وتسلية لهم هذه الآية.
والشيخ ابن سعدي رحمه الله في تفسيره الجميل العظيم يقول في هذه الآية اللي هي مَّن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ، يقول: يعني يا أيها المحب لربه المشتاق لقربه ولقائه المسارع في مرضاته، أبشر بقرب لقاء الحبيب، أبشر بقرب لقاء الحبيب فانه آت، وكل آتي إنما هو قريب، فتزوج لقائه وسر نحوه مستصحبا الرجاء مأملا الوصول إليه، هذا كلام الشيخ ابن سعدي رحمه الله في تفسير الآية، فجعل هذه الآية في الشوق إليه، بل ويقول فيها: أبشر بلقاء الحبيب فانه آت إلى آخره.
وابن القيم رحمه الله أيضا قال: وقال بعض أهل البصائر في قوله تعالى مَّن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ قال: لما علم سبحانه شدة شوق أوليائه إلى لقائه، وأن قلوبهم لا تهتدي أو لا تسكن دون لقائه، قال: أو أن قلوبهم لا تهتدي دون لقائه ضرب لهم أجلا وموعدا للقاء مَّن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ... لا تهدأ أو نحو ذلك.
على أي حال من هذه الآية في كتاب الله أخذ جماعة من أهل العلم ومن أهل المعرفة أن الشوق إلى الله سبحانه وتعالى مذكور في كتاب الله سبحانه وتعالى، غير المحبة، المحبة مذكورة كثيرة يعني في كتاب الله سبحانه وتعالى، كما قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ. وقال سبحانه وتعالى في سورة البقرة: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ. وهنا مَّن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ.
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ. أخرجه البخاري.
رواية أخرى في الصحيح أيضا قالت عائشه وهي قد روت الحديث، هذا الحديث مروي من وجوه ثابتة ثبوتا قطعيا عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصحيحين يعني، سمعت عائشه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ. فقالت عائشة: يا رسول الله، كلنا نكره الموت، يعني فكرت في قضية الموت تحديدا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس ذلك، وإنما المؤمن إذا حضر الموت بشر برضوان الله ورحمته فليس شيء أحب إليه مما أمامه، أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإن الكافر أو الفاجر إذا حضر بشر بسخط الله فليس شيء أكره إليه مما أمامه، كره لقاء الله فكره الله لقاءه، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا الحديث هو من الأحاديث العظيمة التي تبين أن شوق المؤمنين إلى الله سبحانه وتعالى ومحبتهم للقائه هو أمر مستمر في الحياة وحتى عند حضور الموت، بل عند حضور الموت يزداد الأمر محبة ويزداد شوقا، لأن المؤمن يبشر في تلك اللحظة الصعبة من رضوان الله سبحانه وتعالى، عند تلك اللحظة لا يريد المؤمن أن يرجع إلى الدنيا ولو لحظة، ليس شيء أحب إليه مما أمامه.
وليد الشاعري بعض من نبكي عليهم، أو من يبكي عليهم عند لحظات الموت، عند لحظات الفراق ويكونون من الصالحين ومن أهل محبة الله فعلا، وإن التفتوا إلى دموع من حولهم، فان من يحقق الأمر فعلا، أو من يكشف الله له سبحانه وتعالى حقيقة ما يجري ويدرك أن هذا الميت ليس شيء أحب إليه مما أمامه، وانه لو خير بين أن يمضي وبين أن يرجع لما اختار إلا المبين.
وهذا مما يعني ينبغي أن يستحضره أهل الميت، من يرجع له الخير، من يرجع له الخير، من عاش على صلاح، من عاش على خير، من عاش على استقامه، ومن كان من أهل العبادة والمحبه لله والصدق معه والصبر والعمل لدينه، فمن اعظم ما يعز الميت أو عفوا أهل الميت عنده فقدان الميت هو ما جاء في هذا الحديث.
وعن ابيه رحمه الله قال: صلى بنا عمار بن ياسر صلاة فأوجز فيها، فقال له بعض القوم: لقد خففت أو أوجزت الصلاة. فقال: أما على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما قام تبعه رجل من قومه -غير أنه كان عن نفسي- فسأله عن الدعاء، يعني هو أوجز الصلاة ولكنه دعا بدعوات سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، قام الرجل تعال، يعني ما هي هذه الدعوات؟ ثم جاء فأخبر به القوم: ما هي هذه الدعوات التي دعا بها عمار بن ياسر وكان قد سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم؟
هذه الدعوات من الفلاح والخير أن يحفظها المؤمن وأن يدعو بها كثيرا، من الفلاح والخير أن يحفظها المؤمن فيدعو بها كثيرا. كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بما يلي: اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ. أخرجه الإمام النسائي.
ما يخفاكم أن موضع الشاهد من هذه، من هذا الدعاء هو قوله صلى الله عليه وسلم: وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك والشوق إلى لقائك، لكن كل الدعاء هذا دعاء مبارك طيب، وفيه خير عظيم جدا لملتزمه، وميزة أو من ميزات هذه الدعاء أن فيه أسئلة وأدعية لاستصلاح الباطن في مختلف الأحوال، استصلاح الباطن الإنسان في مختلف الأحوال، وللزوم الاستقامة في مختلف الأحوال.
هذه الميزة من ميزات الدعاء أنه أنه في أحوال مختلفة، ويطلب الإنسان الصلاة في مختلف هذه الأحوال والتصرفات.
فمنها قوله: وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأنتم تعلمون يخشون الله أو يظهر عليهم ما يدل على الخشيه في الشهادة عند رؤية الناس لهم وفي حضور، يعني حضور أمام أعين الناس، ولكنهم في الغيب، إذا غابوا يستخفون من الناس. فهذا الحديث: وأسألك خشيتك متى ومتى؟ في الغيب والشهادة.
طيب، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأنتم تعلمون أن كلمة الحق يسهل قولها حال الرضا، ولكن يصعب قولها حال الغضب، وخاصة إذا كان هناك ظلم على الإنسان، فقد يصعب عليه أن يقول كلمة فيتجاوز أحيانا ما ينبغي أن يستوفي به، لكن في هذا الدعاء: وأسألك كلمة الحق في الغضب، عفوا في الرضا والغضب.
وكذلك: وأسألك القصد في الفقر والغنى، وهذا أيضا فيه في قضية الحالين، سواء كان القصد في الإنفاق بحيث يكون هو التوسط في الحال أو كان أعم من ذلك.
وأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنه مضللة، يعني ما يكون حنقول تمني أو دعاء لقاء الله سبحانه وتعالى بسبب ضر معين أو مرض معين نزل بالانسان أو بسبب فتنه، وإنما يكون الشوق إلى الله سبحانه وتعالى لمحض الشوق إليه، لمحضر الشوق إليه، اللهم زينا بزينة.
الإيمان واجعلنا هداه مهتدين، وهذا الدعاء هو من جملة جملة البركات النبوية؛ بركة النبي صلى الله عليه وسلم.
من أعظم صور البركة البركة في أدعيته؛ البركة في أدعيته، فمن يلزم أدعية النبي صلى الله عليه وسلم فقد لزم شيئاً مباركاً. والبركة يعني في النبي صلى الله عليه وسلم متصلة يعني بما تركه من الميراث من الأمر والنهي والأدب والأخلاق والعبادة، ومن جملة البركة البركة في أدعيته، ولذلك ولذلك نحن المساكين، نحن المساكين ذوي الضعف والجهل والفقر حين نقرا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ونقرا في تعبده تحديدا وفي دعائه ضمن التعبد خاصة، ندرك أن الشقة بيننا وبينه صلى الله عليه وسلم بعيدة جداً، وأن هذه الأمور التي في أدعيته صلى الله عليه وسلم هي من جملة العلم بالله الذي لا نعلمه نحن، يعني كثير من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم ما نقدر، ما نستطيع أن نأتي بمثلها، ما نستطيع.
فالتزام أدعية النبي صلى الله عليه وسلم هو من جملة البركة العظمى، ومن جملة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء بالشوق إلى الله: أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إليك والشوق إلى لقائك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، وهذا يدل على أن الشوق إلى الله سبحانه وتعالى مطلب من المطالب الإيمانية، مطلب من المطالب الإيمانية. وهذا الشوق إلى الله لا يكون إلا بعد امتلاء القلب بالحب له سبحانه وتعالى.
والحب لله سبحانه وتعالى والشوق إليه له أسباب، له أسباب لا يأتي هكذا، ليست هي لحظة من السكون يعني الإنسان فجأة يقرر أنه يشتاق إلى الله سبحانه وتعالى، وليست هي يعني لفحة تريح من الإيمان، تلفح القلب سريعا وتمر مرورا فتحرك القلب للشوق إلى الله سبحانه وتعالى، وإنما ما ينبغي أن يكون سببا وموجبا ومحركا إلى الشوق إلى الله سبحانه وتعالى هو أعمق من ذلك بكثير، أعمق من ذلك بكثير، وبوابته الأساسية هي العلم بالله سبحانه وتعالى، وبوابة العلم بالله هي في كتابه وفي تعامل أنبيائه التعبد مع الله سبحانه وتعالى.
هذه البوابة الأساسية للعلم بالله، ما ذكره الله في كتابه عن نفسه من الأسماء والصفات، وما ذكر الله سبحانه وتعالى عن نفسه من سننه وأفعاله في خلقه، ثم من موجبات محبة الله سبحانه وتعالى النظر إلى النعم الخاصة العامة، وأعلى من ذلك أعلى من مجرد النظر إلى النعم هو أن يعيش الإنسان أو أن يدرك الإنسان آثار المعية الخاصة من الله للعبد. أنتم تعلمون أن معية الله للعبد لها نوعان أو فيها نوعان: معية عامة، ومعية خاصة.
المعية العامة التي تشمل معية الإحاطة، يعني أنه شهيد سبحانه وتعالى على كل شيء، مثل قوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَكُنتُمْ، وهو معكم أينما كنتم، هذه لا تختص بالمؤمنين وإنما تشمل حتى الكفار والملحدين وإلى آخره. وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ يراكم، يسمع ما تقولون وما تتحدثون، وهو على كل شيء شهيد وبكل شيء محيط، هذه المعية العامة.
وأما المعية الخاصة فهي معية النصر والتأييد والهداية والتوفيق وما يخلقه الله في قلب المؤمن من الإيمان والمحبه والرضا والسكينة، هذه المعية الخاصة هي في مثل قوله سبحانه وتعالى: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، هذه معية خاصة وليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإنما معية خاصة بالمؤمنين أولياء الله سبحانه وتعالى ومن يسير على طاعة الله سبحانه وتعالى.
طيب، ما العلاقة بين المعية الخاصة وبين الشوق إلى الله سبحانه وتعالى ومحبته؟ ميزة هذه المعية الخاصة أنها تنقل الإنسان إلى أحوال ومقامات إيمانية عالية؛ لأن المؤمن يعاين ويرى في هذه المعية الخاصة من حقائق عون الله وتوفيقه وتاييده ولطفه ما لم يكن سابقا، فيعلم كثيرا من الحقائق المتعلقة بالله سبحانه وتعالى، فيعيش معنى أن الله مع المؤمنين، ويعيش معنى أن من يتصبر يصبره الله، ويعيش معنى أن مع العسر يسرا، ويعيش معنى أن الله لطيف بعباده، ويعيش جنة العلم بالله.
وجنة العلم بالله ليس كله يعني خلينا نقول يأخذ من ناحية يعني نقول مثلا قراءة كتاب معين ولا حتى فهم نص معين، وإنما العلم بالله هو من جملة الهداية التي يهدى إليها الإنسان، فيتعرف على الله سبحانه وتعالى من خلال كتابه، ومن خلال سنة النبي صلى الله عليه وسلم، من خلال قصص الأنبياء. ثم هناك نوع من العلم بالله لا يتأتى إلا حين يرى الإنسان آثار معية الله.
مثل ما تقول للإنسان، مثل ما تقول للإنسان نفترض انسان عنده عمى ألوان، ما يميز بين الألوان، فتقول له ترى في لون أحمر، في لون أصفر، الأحمر ترى يعني زي كذا تمام. لو افترضنا لو افترضنا أنه يمكن أن تعبر عن الألوان شفهيا فتقول هذه خاصتها كذا وهذه خاصتها كذا، ونفترضنا جيد هذا يكون قد اكتسب علما عن هذه الألوان لكنه لم يعلم حقيقتها.
فإذا شوفي وابصر الألوان فيقول: آه، هذا هو الأصفر، والله سبحان الله والله ما كنت أتوقع أنه هكذا! نفس الشيء فيما يتعلق بالععلم بالله، أنت تقرا رحمة الله بالمؤمنين ومعيته بالصابرين، وتقرا ما يعني يجعله، وتقرا لذة الإيمان، وعن حلاوة الإيمان، وعن معنى القرب من الله، تقرا وتقرا وتقرا، ولما تعشها بعد إلى عشتها تقول: بالله يا الله، سبحان الله، هي هكذا! هذا العلم بالله الذي لا يتأتى بمجرد المعرفة، وإنما يتأثر بالعمل، فحين يطابق ما يعايشه الإنسان ما قراه نظريا يعلم حقيقة الأمر وحقيقه هذه العبادات وما فيها من اللذة والسعاده والسرور، ويفهم كلام من كان يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، ويفهم كلام من يقول: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه، وفهم لماذا قال السحرة: لَن نُؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. هو مسكين ذاك فرعون كان يظن أنه هو هذا تمام السعاده بما هو فيه من القوه والسلطة والهيمنة وما إلى ذلك، بينما هم حين راوا حقيقه اليقين وراءه حقيقه ما أخبر به موسى عليه السلام عن الله سبحانه وتعالى هان عليهم كل شيء، واختلفت مقاييسهم معاييرهم.
لذلك من أهم آثار المحبة، محبة العبد لله سبحانه وتعالى والشوق إليه، أنه ترى تختلف عنده كثير من المعايير، وتهون عنده بعض الأمور التي كانت تشكل له أزمات كبرى، تختلف تأخذ حجمها الطبيعي ومكانها الطبيعي، ويبقى ممتلئ القلب بالمحبه لله سبحانه وتعالى وبالشوق إليه.
ولذلك نحن اليوم، نحن اليوم في حاجة إلى أن ننقذ أنفسنا إذا كنا لم نعيش هذه الحقائق بعد، حرام نغادر هذه الدنيا ولم نعش هذا الجمال وهذه السعادة وهذا السرور، أن نعيش في أوهام السعادة وفي زيف السرور وفي كذب كثير من المظاهر والالوان التي نراها من حولنا، ونعلم ما تخلفه في قلوبنا وفي نفوسنا حين ننعزل وحين تنقضي ينقضي بريق تلك الألوان وتلك الملاذ، نععلم ما الذي تخلفه من ضيق في الصدر يعني أسا في النفس، وبعد ذلك كله نحرم من السعادة الحقيقية واللذة الحقيقية.
السعادة الحقيقية والسرور الحقيقي هو السرور بالله سبحانه وتعالى، اللذة الحقيقية هي لذة الإيمان، الطعم الحقيقي الذي يذوقه الإنسان هو طعم الإيمان، وهذه كلها هذا الذوق هذا أيضا لفظ نبوي في صحيح مسلم: ذاق طعم الإيمان، وفي الصحيحين: وجد بهن حلاوة الإيمان. وكما استفت قبل قليل هذا الكلام الذي أقوله هو أمور نظرية، لا يفهم الإنسان حقيقتها إلا إذا عاشها عملية. كما تقرا أنت في هذه الأحاديث حلاوة الإيمان، إذا لم تعش حلاوة الإيمان حقا وحقيقة فلن تفهم ما هي حلاوة الإيمان على وجهها التام.
ثم ختام هذه الأحاديث بحديث عظيم من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث صهيب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إليه، وما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إليه. اخرجه الإمام مسلم في صحيح الحديث.
والحديث الآخر الذي في صحيح مسلم أيضا أو في البخاري الذي فيه بمثل هذا الحوار بين أهل الجنة وبين الرحمن سبحانه وتعالى، ثم يقول لهم في هذه الزيادة: إنه اليوم حل عليكم رضواني، فلا أسخطه عليكم بعده أبدا. هذا يبين أن مطلب المؤمن في الآخرة ليس مجرد التمتع بنعيم الجنة الحسي الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه وذكره النبي صلى الله عليه وسلم -وإن كان مطلبا- وإنما كما قال من قال من العلماء: الجنة اسم جامع للنعيم الأخروي الذي أعلاه رؤية الله سبحانه وتعالى.
فالمطلب الذي يحرك الإنسان المؤمن للاخرة ليس مجرد القصور التي في الجنة والأنهار التي فيها والخيرات التي فيها، ومن أعظم النعيم الذي في الجنة من هذا الباب اللي هو أنه لا يمسهم فيها نصب، يعني مجرد أن تعيش حياة في مكان جميل حتى لو لم يكن بدرجة الجنة ولكن تضمن أنه ما في أمراض ولا في لغو ولا في أحد ممكن يزعج راسك، ولا أي شيء ممكن يكذب عليك، وما في ملل ولا فتور ولا طفش، ولا تطلب منك أنك تغير المكان، لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا، ما تبغى تتحول عن هذا المكان. مجرد أنه يكون في مكان أنت تعيش فيه زي كده، أنت يعني خلاص ما تبغى شيء أكثر.
فما بالكم لو كان الجنة اللي هي أدنى منزل فيها أدنى منزلة فيها لإنسان خرج من النار ثم طهره الله فأدخله الجنة، فيقول له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ الله سبحانه وتعالى، فان لك مثله ومثله وفي عشرة أمثاله، جيد غير ما فيها من الأمور الأخرى التي ليست عند كل ملوك الدنيا على مر التاريخ.
وأما أعلى أهل الجنة قال الله سبحانه وتعالى يكون في الحديث القدسي الصحيح، قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عيني ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر.
نقول مع هذا كله، مع كل هذا النعيم فليس هذا هو محرك المؤمن في شوقه إلى الجنة فقط، وإنما المحرك الأعظم من ذلك كله هو شوقه إلى لقاء الجنة، وشوقه إلى منزلة رضوان التامة من الله سبحانه وتعالى، وكانه الطريق أصلاً منذ أن تكلف وتبلغ إلى أن تموت أنه الهدف الأكبر الذي تريد الوصول إليه هو رضوان الله سبحانه وتعالى. ولما ذكر الله نعيم الجنة في كتابه قال: وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ، فأنت تصل إلى درجة أنه تعلم أن الله قد رضي عنك رضا تام لا سخط بعده، هذا آخر ما يمكن أن تبلغه من السعادة والسرور، وهو الذي عنده تكون قد حططت أو تضع أو وضعت لحالك من ونصب السفر وتعبيه.
فذا الحديث يبين أن أهل الجنة مع كل ما هم فيه سيزادون على هذا النعيم بلذة النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى، كانوا في الدنيا يسألون الله لذة النظر إلى وجهه، ثم تتحقق، وقد قال الله سبحانه وتعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ. والزيادة هذه طبعا الحسنى الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجهه سبحانه وتعالى كما ورد في الحديث.
ولأجل ذلك إذا علم الإنسان هذا وادركه وآمن به، وايضا فينبغي أن لا يضع لنفسه مطلوبا أقل من ذلك، مطلوبا فيما يتغياه ويطلبه من شأن الثواب من الله سبحانه وتعالى. ينبغي أن يكون هذا الثواب متعلقا بالدرجات العليا، بالدرجات العليا من الجنة، ومن أعظم ما فيها هو رؤية الله سبحانه وتعالى والنظر إلى وجهه.
اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم لك الحمد في الأولى والآخرة ولك الحكم وإليك المصير، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
اللهم ربنا بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، حينا ما علمت الحياة خيرا لنا وتوفنا ما علمت الوفاة خيرا لنا. اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك اللهم نعيما لا ينفذ وقرة عين لا تنقطع، ونسألك اللهم برد العيش بعد الموت.
اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مظلة. اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداه مهتدين. اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم اصلح قلوبنا وأعمالنا، اللهم اصلح قلوبنا وأعمالنا، اللهم إنا نعوذ بك من شر ما عملنا ومن شر ما لم نعمل.
اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن، اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء. اللهم طهر قلوبنا من النفاق والرياء والكبر والشك يا رب العالمين، اللهم طهر قلوبنا من كل ما لا يرضيك عنا.
اللهم بلغنا رضوانك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم بلغنا رضوانك واجعلنا من أهل الفردوس يا رب العالمين، وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم جنبنا الفتنة ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
اللهم لك الحمد أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، ما بنا من نعمه فهي منك، سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم انك حميد مجيد، وبارك على
محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
الشيخ أحمد السيد