الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. استعينوا بالله، ونستفتح مجلساً جديداً من مجالس شرح المنهاج من ميراث النبوة، في باب من الأبواب المضافة إلى المتن، وهو باب في مركزية حسن الخلق والبر والإحسان في حياة المسلم.
ولو نلاحظ أن الباب ليس فيه بيان أو ليس فيه ذكر أنه مثلاً فضل لحسن الخلق، وإنما ليس فقط الفضل، وإنما مركزية حسن الخلق والبر والإحسان في حياة المسلم. وحقيقة من يقرأ في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم متعملاً متفكراً متدبراً مستنبطاً رابطاً بين النصوص الجزئية ليستخرج المقاصد الكلية، سيجد أن هذا الباب، الذي هو باب حسن الخلق وما يتبعه من البر والصلة والإحسان إلى الخلق، أنه باب عظيم من أبواب الإسلام، وأن هذا التخلق بأخلاق الإسلام وخصاله ليس كما يظن البعض أنه باب من أبواب الكمال التكميلي، يعني كمال ليس الكمال الواجب أو الكمال المهم، وإنما الكمال الذي إن وجد فهو حسن، وإن لم يوجد فلم ينقص من الإنسان ذلك الأمر العظيم. وإنما ينظر الإنسان إلى مثلاً أبواب التعبد على أنها هي الأبواب المركزية، وعلى أن أبواب الأخلاق هي الأبواب التكميلية، بينما من يتأمل في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سيجد أن باب الأخلاق ليس باباً تكميلياً أبداً، وإنما هو باب أصلي مركزي أساسي مقصود لذاته.
وإن كان بلا شك هو مقصود بالقصد، ليس القصد الغائي النهائي، وإنما هو تحت قصد ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى، حتى هذا الباب باب التعاملات هو يراد منه التقرب إلى الله سبحانه وتعالى. حسناً، هذا استعراض لبعض الآيات ولبعض الأحاديث في هذا المعنى، وخاصة الأحاديث فهي فيها نصوص واضحة تبين قيمة ومركزية هذا الباب في الإسلام.
الآية الأولى، قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وهذه الآية هي آية تبين قيمة هذه الأعمال من جهة أن الله يأمر، هذه الصيغة "إن الله يأمر" صيغة أولاً ليست هي من الصيغة المتكررة كثيراً في القرآن، وإنما الصيغة المتكررة كثيراً في القرآن هي الأمر المباشر، "يا أيها الذين آمنوا" أو صيغ الأمر المعروفة. لكن هذه الصيغة فيها تعظيم، إن الله يأمر بكذا وينهى عن كذا، هذه صيغة فيها بيان ما هو معظم. فما الذي يأمر الله به في هذه الآية؟ قال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وهذه أيضاً الخاتمة تبين مزيداً من قيمة هذه الأوامر وهذه النواهي. ومما يزيد اعتبار هذه الآية هو محلها في واقع المسلمين، يعني هذه الآية يعتني بها المسلمون كثيراً خاصة في مقامات خطب الجمعة، فتجد أن عامة مساجد المسلمين يعتنون بذكر هذه الآية باعتبار أنها آية جامعة لأهم الخصال التي يؤمر بها ولأهم الأفعال التي ينهى عنها، وهي اختيار الخطبة؛ فالخطبة مكان لاختيار جوامع الكلم، جوامع الأمر وجوامع النهي، والخطبة في هدي النبي صلى الله عليه وسلم ليست مدة طويلة، وإنما ينتقى فيها الكلام ويختصر فيها من جهة الوقت.
الآية الثانية، قال سبحانه وتعالى: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. وهنا ذكر لجوامع الدين، ولاحظوا كيف ذكرت فيها الأمور المتعلقة بدوائر الإحسان والإنفاق والإيثاق وكذا ضمن سلسلة الأمور الكبرى، اللي هي الإيمان بالله والملائكة. والأمور المنصوص عليها هنا في الإيتاء ليست هي الزكاة المفروضة، أو لا نقول لا تنحصر إن كانت قصدت في هذا، لكن لأن الزكاة مذكورة أصلاً: وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ. لكن قبلها ذكر إيتاء ذي القربى، وعلى الإنسان أن هذا يدخل من جملة البر والصلة، هذا يدخل من جملة البر والصلة غير دخول الإنفاق اللي هو الزكاة المفروضة المعروفة.
أول حديث مذكور في الباب هو مرتبط بهذه الآية، وتعمدت أن أذكر هذا الحديث أول شيء لأنه له ارتباط بهذه الآية ويبين قيمة حسن الخلق. عن النواس بن سمعان الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم، ولاحظوا الآن البر اسم جامع كبير في الإسلام، وذكر قبل قليل في الآية ربط بهذا البر الإيمان بالله وملائكته وكتبه إلى آخره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ. أخرجه مسلم. هذا حديث عظيم في بيان مركزية حسن الخلق وأهمية حسن الخلق، خاصة وأن السؤال عن البر في مقابل الإثم، فكان أن يعرف البر بأنه حسن الخلق، هذا يبين قيمته ومركزيته في الإسلام.
عن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: قالوا يا رسول الله، ما خير ما أعطي العبد؟ قال: خُلُقٌ حَسَنٌ. أخرجه ابن ماجه وأحمد. وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ. أخرجه أبو داود والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح. الحقيقة هذا الحديث في غاية الوضوح، حتى ما يحتاج إلى شرح وتعليق وتفصيل، واضحة في صميم الاستدلال على عنوان الباب في مركزية حسن الخلق وأهميته في الإسلام.
عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ. أخرجه البخاري ومسلم. ما العلاقة بين هذا الحديث وبين الباب؟ جميل، أول شيء: مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، هذا باب أخلاقي، صح؟ من سلم المسلمون يعني أن يسلم المسلمون من لسانك ويدك، هذا باب أخلاقي، يعني أنت كف لسانك، وأنت كف يدك. كف لسانك عن الغيبة والنميمة والفري والأعراض والسب والشتم وما إلى ذلك، وأنت كف يدك عن الضرب والأذى والأخذ والسرقة وما إلى ذلك. هذا الآن باب يدخل في الأخلاق وفي التقوى أيضاً، لكن هو باب واضح فيه قضية الخلق. ما علاقته بالمركزية بأن يكون الخلق مركزياً؟ علاقته أنه ربط باسم الإسلام، ربط في تعريف المسلم، فحين يقال المسلم من فعل كذا وكذا، يعلم من هذا أن قيمة هذا الفعل مرتبطة بأساس المعرفة، بمعنى أنها قيمة مركزية فيه.
فعادة الإنسان من يذكر لفظاً من الألفاظ ثم يذكر خصلة من خصالها، فهذه الخصلة يجب أن تكون معبرة عن هذا، مثلاً إذا قلت الكرم، لو قلت الكرم هو في مثلاً خلينا نقول إطعام الطعام، إطعام الطعام له صور كثيرة، لا يختصر في الإطعام، اليس كذلك؟ في كرم الإنفاق المادي، في الكرم إلى آخره. أو لو قلت الكرم هو كرم النفس. أو لو قلت الصدقة هي حفر الآبار، الصدقة واسعة بس بقول الصدقة حفر الآبار، يعني الصدقة فعلاً اللي هي صورة من أهم صور الصدقة هي حفر الآبار، هذا الصيغة. أو حتى في صيغة أخرى قريبة وهي صيغة الشرط أنه: إن كنت مؤمناً فكذا، إن كنت كريماً فكذا، يعني لما تتعلق شيئاً على شيء معناه أن هذا الشيء المعلق عليه هو شيء مهم في أساس الاسم، مثلاً: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. هذه معناه أن التوكل قيمة مركزية في الإيمان والإسلام. فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. معناه أن عدم رد التنازع إلى الله والرسول إخلال بقضية الإيمان. فحين يقال المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، يعني من لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فقد أخل ونقص شيئاً عظيماً من أمور الإسلام، فقد أخل بأمر عظيم من أمور الإسلام. واضح.
وهنا يتفكر الإنسان المسلم في قضية في هذه القيمة، قيمة أنه يسلم المسلمون من لسانك ويدك، ويتفكر من جهة أخرى في من قد يكون منَّ الله عليه بشيء من العلم، ثم تجده يفري بلسانه في أعراض المسلمين، ولو كان أعراض المسلمين المستهدفة بهذا الفري والاتهام هم أئمة المسلمين وعلماؤهم، فهذه شر على شر، فلك أن تنظر إلى مقدار الإشكال في مثل هذا.
الحديث التالي والذي يليه والذي يليه ثلاثة أحاديث كلها تبين مركزية حسن الخلق أو ما يتصل بحسن الخلق من جهة معينة، هذه ثلاثة أحاديث كلها تعبر من نفس الجهة، ما هي الجهة؟ ما هي هذه الجهة المتفقة بين ثلاثة أحاديث؟ أتلو الثلاثة أحاديث ثم قولوا لي ما هي هذه الجهة.
الحديث الأول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما بلغ أبا ذر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثم ائتني. فانطلق الأخ حتى قدمه، وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاماً ما هو بالشعر. أخرجه البخاري.
الحديث التالي عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال في قصة هرقل أنه قال لأبي سفيان يسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا يأمركم؟ ماذا يأمركم؟ قال قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. أخرجه البخاري ومسلم.
والحديث الثالث هو عن عمرو بن عبسة رضي الله تعالى عنه قال: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل يخبر بمكة أخباراً، فقعدت على راحلتي فقدمت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفياً جرأ عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: نبي. قلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله. قلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء. قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: حُرٌّ وَعَبْدٌ. أخرجه مسلم.
ما الجامع بين هذه الثلاثة أحاديث وبين الباب؟ اللهم صل على رسول الله. جيد، وأيضاً أساس الدعوة حتى في مكة، جميل، هذه لفتة جميلة، وأيضاً وضوح حتى للأعداء. جميل جداً، هو من أهم مؤشرات نجاح الداعي والمصلح أن تكون مضامين الدعوة التي يدعو بها قد وصلت إلى الآخرين، وصلت بغض النظر سيجيب له أم لم يستجب، أهم شيء فهموا ما الذي يريد، ما هي هذه الدعوة، بعد ذلك هم يفسرون المقاصد يدخلون في النيات هذا شيء آخر، لكن أن يفهم الناس ما الذي تريد، ما هي مضمون الدعوة. لاحظوا هنا ثلاثة مواقف كلها حصلت من أناس لم يكونوا على الدين، أليس كذلك؟ يعني الأول أخو لأبي ذر ولم يكن مسلماً، والثاني أبو سفيان ولم يكن مسلماً، والثالث عمرو بن عبسة ولم يكن مسلماً. فالخطاب النبوي خلص إلى هؤلاء إما بالحديث المباشر أو بمجموع الحديث كما في حال أبي سفيان، وأبو سفيان أولى بهم أن يقدم الرسالة المجملة نظراً لطول الاتصال بالنبي صلى الله عليه وسلم، هو متصل به طبعاً في معسكر المشركين ولكن هو سمع منه كثيراً، فلخص هذه الرسالة النبوية في هذه المفاهيم. وأخو أبي ذر يأتي بعد أن يسمع استماع المستكشف المتتبع المتحري لما عند هذا الرجل عليه صلاة الله وسلامه، ثم يأتي فيختصر، يقول لك: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاماً ما هو بالشعر. واضح. وعمرو بن عبسة يقول: بما أرسلك؟ يقول: بصلة الأرحام. وهذه صلة الرحم توافق كلام أبي سفيان لما قال: أيش؟ لا يأمرنا بالصدق والعفاف والصلة. الصدق والعفاف والصلة، لاحظ كيف مركزية صلة الأرحام أنه تذكر في مكة، المرحلة المكية لم تنزل كثير من الشرائع، لكنها ذكرت في مكة وخلصت إلى المخالفين، وتعرف به الرسالة أنه هذه مفردات تعرف بها الرسالة النبوية، فيذكر معهم. أما يذكر مكارم الأخلاق في حديث أبي ذر، أو تذكر الصلة في حديث أبي سفيان، وكذلك في حديث عمرو بن عبسة صلة الأرحام، والصدق كذلك، يعني الصدق يدخل في قضية مكارم الأخلاق، وكذلك العفاف، كلها تدخل في مكارم الأخلاق.
بعد هذا كله، ما الذي ينبغي أن يتعامل به المؤمن؟ تعامل به طالب العلم، تعامل به المصلح، تعامل به عموم المسلمين مع باب الأخلاق، وما يتعلق بمكارم الأخلاق. وأولى الناس بأن يتخلق بهذه الأخلاق الإسلامية وأن يعظم باب الأخلاق هم المشتغلون بالحديث النبوي، والمشتغلون به علم شرعي عموماً، هذا وقد اعتنى علماء المسلمين بهذا الباب.
واهتموا به، وكانوا يضمنونه لعلوم الشريعة، ويفردونه بالتأليف، كذلك باب الأخلاق؛ فتجد أن طائفة من العلماء ألفوا وكتبوا في باب الأخلاق والآداب وهذا كثير. ومنهم من ألف في باب الآداب والأخلاق وجعله ضمن أبواب الدين، كالإمام البخاري الذي جمع كتاب الجامع -تعرفون هو صحيح البخاري الذي تسميه يعني تسميه باختصار يعني باسم شهرة معين وإلا فكتاب البخاري ليس اسمه صحيح البخاري، وإنما اسمه الجامع المختصر الصحيح من أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأحواله- هذا الجامع لأبواب الدين ماذا تجد فيه؟ الإيمان، العلم، الطهارة، تهجد، الزكاة، الجنائز، الصلاة، الحج، النكاح، والأدب والرقاب والاعتصام، بس لكن تجد فيه باباً كبيراً اسمه الأدب. إذاً هذا من أبواب الدين جيد، ولضخامة هذا الباب في ذهن البخاري وصدره وفي نظره أخرجه؛ لا لم يخرجه، أفرجه في كتابه يعني أبقاه في الصحيح كما هو، ثم جمع إليه ما زاد وما يعني ليس على شرطه وما إلى ذلك، وجمعه أفرده في كتاب اسمه الأدب المفرد. المفرد، أدب المفرد جيد، كتاب كبير كله في الأدب.
وكذلك تجد في صحيح مسلم أبواب الدين وتجد فيه البر والصلة، فهذا تأليف ليس بالتأليف المفرد، لكن من العلماء ألف التفريد التأليف المفرد في الآداب والأخلاق، وهذا معروفة يعني كتب كثيرة في تاريخ المسلمين، الخطيب البغدادي، ابن جماعة إلى آخره، لهم كتب في هذا المجال المعروف وغيره كثير من العلماء في هذا الباب. وبعضهم ألف كتاباً مفرداً في الأدب؛ اللي خلنا نقول نوع معين من الطلبة أو الطلبة المهتمين بشيء معين، فتجد النووي يكتب التبيان في آداب حملة القرآن جيد، وكذلك الخطيب البغدادي، كتاب الخطيب البغدادي الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، لأخلاق الراوي وآداب السامع.
وهناك من ألف أو من خلنا نقول كتبت كتباً شرعية في علوم شرعية متخصصة، ثم من خلال هذه الكتب يضع باباً للأدب، مثل ابن الصلاح رحمه الله في كتابه علوم الحديث، تجد علوم الحديث التي قصدها ابن الصلاح ما هي هذه العلوم؟ الصحيح، الحسن، الضعيف، الشاذ، المنكر، مختلف الحديث، ومن علوم الحديث آداب المحدث وبعده آداب طالب الحديث، هذا علم وهذا علم، وتجد يذكر مجموعة من الآداب، ثم يأتي يعني حتى المختصرون والشراح وكذا فيذكرون هذا الباب أيضاً تبعاً لذلك؛ هذا كله معناه إيش؟ معناه أن العلماء أدركوا قيمة هذا الباب واعتنوا به وجعلوا له يعني تأصيلات وتفصيلات وما إلى ذلك.
وبالتالي من يأتي من طلبة العلم فيزهد في هذا الباب أو يقلل من قيمته أو هو في نفسه لا يعتبره الباب المعظم، بعض الناس ترى مثلاً يهتم نقول علوم عقلية معينة من ضمن يعني خلنا نقول الوسط الإسنادي؛ في البعض أحياناً يظن أنه هذه هي العلوم هي الأفق الأعلى وهذه مقامات كمل الناس وكمل الرجال، يعني ينظر إلى هذه العلوم العقلية المتصلة، وقد يزهد في أبواب السلوك وما إلى ذلك، وأحياناً يعني يخوض الإنسان في تخصص علمي دقيق ويرى أن التحقيق حقاً هو هذا التخصص، هذا أو ما شابه من التخصصات، فأن يكون الإنسان متخصصاً محققاً في باب من أصول الفقه مثلاً أو باب من أبواب الفقه أو كذا، فإنه هذا هو المقام العلي الشريف الكبير، ولو كان يعني عنده سوء خلق أو تعد أو ظلم أو بغي، فهذه يعني أمور نفصلها عن العلم.
وفي الحقيقة الفصل هذا فصل مناقض للفقه في الدين، ونحن اليوم بحاجة حقيقة إلى الوصل لا إلى الفصل، وإلى الوصل إلى وصل ما وصلته الشريعة وما جاء في علوم الوحي موصولاً، وأما هذا الفصل ففيه إشكال كبير كبير جداً، وحقيقة في هذا الظرف الزمني المحدود الضيق الذي يعيشه أعني السنوات هذه الأخيرة، يزداد تأكيد على أهمية حسن الخلق والأدب وما إلى ذلك وما يتصل بذلك، يزداد يعني هو في ذاته مركزي وفي ذاته مهم في هذا الظرف الزمني، العلم بالواقع؛ بالواقع الخاص واقع طلاب العلم يقول بأهمية زيادة الحديث في هذا الباب والعناية به.
ولذلك حقيقة يعني في أبواب المنهاج هنا من ميراث النبوة هذا من الأبواب الملحقة، يعني كان أهمية أنه يضاف هذا الباب ويكون باباً أساساً من أبواب المنهاج، يعني استشعار لهذا المعنى. ولذلك نعوذ بالله من سوء الخلق ونسأل الله حسن الخلق، بل نسأل الله أحسن الأخلاق كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو الله سبحانه وتعالى بأن يهديه إلى أحسن الأخلاق فقال: اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت. ونحن نسأل الله سبحانه وتعالى وندعوه بأن يهدينا إلى أحسن الأخلاق، فإنه لا يهدي لأحسنها إلا هو سبحانه، ونسأله أن يجنبنا مساوئ الأخلاق فإنه لا يجنبنا مساوئها إلا هو سبحانه وبحمده لا إله إلا هو، ونسأله أن يصلي ويسلم على عبده ورسوله محمد الذي كمل في خلقه، والذي قال عنه سبحانه وتعالى: وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ. والذي أينما وحيثما قلبت النظر في باب من أبواب الكمال وباب من أبواب محاسن المروءة ومكارم هذه الأخلاق؛ إلا وجدت النبي صلى الله عليه وسلم على أو في الذروة من الامتثال والتطبيق لهذا الخلق الحسن.
وإنك لا تتعجب من وجود هذا التمام في يعني رجل من الرجال أو في امرأة من النساء في باب من أبواب الخلق، فأنت لا تتعجب كثيراً أن تجد إنساناً كريماً جيد، ولكنه إذا ضم إلى الكرم الحلم فقلت والله يعني هذا شيء عجيب، ما شاء الله كيف كمل في هذين البابين؟ فإذا ضم إلى الحلم الحياء فقلت سبحان الله كريم حليم حيي عجيب كيف يجمع الإنسان كل هذه الصفات؟ فإذا قلت وهو كذا أيضاً ثم كذا ثم ثم في سائر الأبواب والأخلاق؛ ومن يكابد الأخلاق -ليكابد يعني مصاعب الامتثال بالأخلاق- يدرك يعني أن باب التخلق بالأخلاق الحسنة ليس باباً سهلاً، لأن من الأخلاق الحسنة مثلاً كاظم الغيظ جيد، لأن من أخلاق الحسنة كاظم الغيظ، فالكظم هذا ليس أمراً سهلاً؛ الإنفاق والكرم والصلة والبر، أنا مختلف أحوال الإنسان قد تضيق يضيق عليه الحال قد كذا إلى آخره، من الصعب أن يمتثل الإنسان مكارم الأخلاق في مختلف الأبواب ويكون على الذروة فيها.
إذا التفت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أصلاً الآن إذا تريد أن تتحدث عن أي خلق من الأخلاق، أول ما يخطر في بالك كيف كان محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الخلق؟ صح؟ افتح أي خلق من الأخلاق مباشرة سيأتي في ذهنك أنه الصورة العملية التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخلق، فصلى الله على محمد وسلم، هذا يعني باب من أبواب أو داعم من دواعي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وداعم من دواعي محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وداع من دواعي تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، فصلى الله عليه وسلم وبارك وآتاه الوسيلة وبعثه مقاماً محموداً الذي وعده وهدانا لأن نتخلق بأخلاقه عليه صلاة الله وسلامه بفضله وكرمه وجوده وإحسانه، والحمد لله رب العالمين.
الشيخ أحمد السيد