الحمد لله حمدا مباركا فيه، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجه الله وعظيم سلطانه. الحمد لله الذي أكرمنا بالإسلام وببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، والحمد لله الذي حفظ لنا ميراثه وما جاء به وما علمه.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد، أستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس شرح منهج من ميراث النبوة، وهذه المرة مع باب مفاتيح الهداية والبصيرة ودوام احتياج المسلم إلى الهداية الربانية.
بما أن هذا المتن المنهاج من ميراث النبوة، وهو متن مهيأ للسالك في طريق الآخرة، للسالك في طريق العلم، للسالك في طريق الإصلاح، فإن هذا الباب هو من الأبواب المهمة في مبتدأ الطريق. ما هو الباب المتعلق بمطلب الهداية؟ وبرأيي أن من أعظم الأمور الفارقة بين المسلمين، يعني الفارقة بين الدرجات العليا والدرجات الدنيا في عامة المسلمين كلها، سواء كانوا من طلاب العلم أو من عامة الناس، أيا كان، من الأمور الفارقة الحقيقية بين ذوي الدرجات العليا ومن دونهم هو إدراكهم لمركزية باب الهداية في الإسلام، ولمركزية مطلب الهداية. من يستطيع أن يدرك أن الهداية من أعظم ما ينبغي أن يتطلبه الإنسان في كل يوم، في كل يوم، هذا تفتح له أبواب من الخير لا تفتح لمن لا يستحضر هذا المطلب، وكما قلت هو من الفرق الكبير بين ذوي الدرجات العليا ومن دونهم.
وإذا أردت أن تدرك أو تأخذ شيئا مما يصدق هذا القول، مفتاح من المفاتيح التي تبين عظم هذا المطلب هو أن تتذكر أنه مفروض عليك، واجب عليك أن تدعو كل يوم بالهداية بضعة عشر مرة في كل يوم على سبيل الفرض والإلزام في سورة الفاتحة في قول الله سبحانه وتعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. لاحظ الآن هذا المطلب اليومي مفروض على سبيل الإلزام تقوله في كل يوم، هذا دعك الآن من أي شيء آخر أو باب آخر تدعو فيه بالهداية مما قد يتكرر في اليوم والليلة من الأدعية النبوية الواردة التي يستحسن الإنسان المواظبة عليها. أنا برأيي أن هذا هو المفتاح الأعظم الذي ينبغي أن يصرف ذهن الإنسان إلى التنبه لهذا الباب العظيم. لماذا؟ لماذا كان هذا هو الدعاء المفروض يوميا؟ بمعنى أنه ألا ينبغي أن يفتح ذلك للإنسان أفقا على أهمية هذا المطلب، بخطورة هذا المطلب، ومركزية هذا المطلب؟ فهذا هو خلينا نقول الباب الأعظم لإدراك مركزية قضية الهداية في الإسلام وتطلبها.
وإذا استحضر الإنسان ذلك، أي أنه في كل يوم المطلوب الأعظم منه هو أن يوافق الطريق الحق، وأن يكون على هداية، وأن يبصره الله سبحانه وتعالى بما ينبغي عليه، وأن يكون عمليا على الطريق الذي يوصف بأنه طريق هداية، إذا استحضر الإنسان ذلك في كل يوم يكون قد أخذ بزمام عظيم من أزمة الخير. هنا هذا الباب يبين ما بعد هذا الإدراك، الآن النقطة الأولى هي إدراك أهمية هذا المطلب وقيمة هذا المطلب وأنه احتياج يومي للمؤمن. جيد، هذا الباب الآن لم يوضع لأجل ذلك، وإنما هذا الذي ذكرته قبل قليل كله مقدمة للباب. الباب ما هو؟ الباب هو فيما بعد هذا الإدراك، بعد أن تدرك قيمة الهداية وأنها مطلب أساسي وأنها من أشد الاحتياجات التي يحتاجها الإنسان المؤمن في حياته بشكل متكرر دائما يومي، بعد أن تدرك هذا الإدراك يأتي هذا الباب ليقول لك: أين هي الهداية؟ ما مفاتيحها؟ كيف الوصول إليها؟ من الأمور التي إذا تمسك بها الإنسان فإنه يهتدي. واضح الفكرة؟ لكن هذه القضية أنت لن تحرص على هذه الأسباب إلا إذا كنت مدركا قيمة هذا الباب في أصله، فإذا أدركت هذه القيمة بعد ذلك تبحث عن الكيفية، كيف يصل الإنسان إلى قضية الهداية.
هذا الباب فيه عدة آيات وأحاديث كلها فيها أسباب الهداية. هذه طبعا لمن سنقول أسباب، لأن الهداية هي من الله سبحانه وتعالى، يعني أن يكون الإنسان مهتديا فهذا من الله سبحانه وتعالى، أما الأسباب فهو يبذلها هو، يبذلها من جهة تطلب الأثر الذي يأتي من الله سبحانه وتعالى، لأن الله قال: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ. فالله سبحانه وتعالى هو الهادي، وهو الذي يكتب الإيمان في القلوب كما قال سبحانه وتعالى: أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ. فالله هو الذي يهدي، وهو الذي يكتب الإيمان في القلوب، وهو الذي يضل، وهو الذي يحول بين المرء وقلبه. والإنسان المطلوب منه أمران: الأمر الأول أن يدرك خطورة باب الهداية وقيمة باب الهداية من جهة، والأمر الثاني أن يبحث عن المفاتيح التي توصله إلى الهداية.
قال الله سبحانه وتعالى: وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. هذه الآية تتحدث عن أي باب أو عن أي مفتاح من مفاتيح الهداية؟ الاعتصام، الاعتصام بالله سبحانه وتعالى. طيب، من يعرف شاهدا من القرآن آخر يؤيد هذا المعنى بشكل مباشر؟ في سورة النساء، من يتذكر؟ الدليل الثاني الذي يؤيد هذا المعنى هو قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ. فالآيتان فيهما أن الاعتصام بالله سبحانه وتعالى سبب من أسباب الهداية. الاعتصام هو الالتجاء، يعني خلينا نقول الاعتصام طبعا هو بحسب المتعلق، حين نقول اعتصام بحبل الله يكون فيه معنى الاستمساك بكتاب الله سبحانه وتعالى وبشريعته، وحين نقول الاعتصام بالله فهو الاحتماء به. يعني نحن نقول يتصل هذا أيضا بباب التوكل والتفويض من بعض الوجوه، من بعض الجهات. لكي يمسك الإنسان بزمام من أزمة الهداية في كل يوم، فليعتصم بالله سبحانه وتعالى، وهذا الاعتصام أساسه في القلب. هذا الاحتماء بالله والرجوع إليه والالتجاء إليه سبحانه وتعالى هو من أعظم الأمور التي يهدي الله بها العبد، وهذا لا يكون إلا بتمام التوحيد، حين يتم التوحيد في قلب الإنسان فيعظم الله حق التعظيم فيحتمي به ويلتجئ إليه ويستعين به سبحانه وتعالى، فهذا التحقيق القلبي لمعنى الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى هو من أعظم ما يجعل الله سبحانه وتعالى به هداية في القلب.
ثم قال سبحانه: قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ، والآية التي تليها قال تعالى: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ. في فضل الإنابة وأن من ثمراتها تحقيق الهداية. الله سبحانه وتعالى يهدي إليه من أناب، يهدي إليه من ينيب. والإنابة هي دوام الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى والإقبال عليه. الإنابة فيها معنى الرجوع وفيها معنى توحيد الوجه والقصد، وهي من أعظم الهبات والنعمة التي يمكن أن يهبها الله للإنسان أن يرزق صفة الإنابة، والإنابة هذه متعلقة بالقلب كما قال سبحانه وتعالى: مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ. فالإنابة صفة قلبية وهي صفة هي من أعظم المحركات إلى الخير. كلما ابتعد الإنسان، ولو كان ابتعاده بغير ذنب، فقط ابتعد، يعني قصر في ذكر الله، قصر في العبودية، قصر في شيء، ينيب يرجع يعود إلى الله، ومن باب أولى أنه يعود إلى الله إن أذنب. فالإنابة واسعة لا تقتصر على العودة وقت الذنب، وإنما فيها معنى الإقبال، الرجوع الدائم والإقبال على الله سبحانه وتعالى. طيب، ما الثمرة؟ ليس فقط تكفير الذنوب والسيئات، وإنما الثمرة العظيمة التي تتحقق من الإنابة هي الهداية. ولذلك سنجد إن شاء الله من خلال هذه النصوص أن الهداية ليست متعلقة كباب أو كمفتاح أو كسبب ليست متعلقة بالدعاء فقط الذي هو اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، هذا نوع من الأسباب، لكن من أعظم الأسباب أيضا بعض الأعمال القلبية التي أخذنا منها الاعتصام، ثم هنا الإنابة.
وقال جل شأنه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا. هذا سبب ثالث من الأسباب الجالبة للهداية، والأسباب التي يمنح الإنسان بسببها الهداية وهي المجاهدة في طاعة الله سبحانه وتعالى. المجاهدة لأي شيء؟ مطلقة فتشمل المجاهدة للنفس، للشيطان، مجاهدة للعوائق المحيطة بالإنسان التي تقطع الطريق عليه، سواء من جهة شياطين الإنس أو شياطين الجن، من جهة ما في الواقع من فتن وأهواء. من يجاهد ليثبت، من يجاهد؛ شوفوا معنى المجاهدة هذا، معنى مهم جدا أنه كان يستحضر أنه في مجاهدة، يعني يجد الإنسان عسرا وشدة ثم هو يدفع ويجاهد. وأنت تعلم أن هذا اللفظ هو يستعمل في القتال، والقتال فيه إزهاق للأرواح والأنفس، تخيلوا هذا الحال الصعب الذي يتصور في القتال إلى معنى مجاهدة النفس ومجاهدة الشيطان حتى ندرك أن القضية فيها مشقة وفيها مغالبة وفيها صعوبة. لذلك من أعظم ثمرات المجاهدة تحقق الهداية، سواء كانت مجاهدة النفس عن الأهواء والتحديات والفتن، مجاهدة الأعداء، مجاهدة المنافقين، المجاهدة القولية، المجاهدة البدنية؛ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا أن تكون المجاهدة لله وفي الله سبحانه وتعالى، وتكون متعلقة بمختلف الطرق. هذا الذي يعيش في حال من المغالبة والمدافعة والمجاهدة ولا يستسلم، هذا الذي يبشر بأمرين: الأمر الأول يبشر بأنه قد اتخذ جنة ووقاية مما يجاهد، هو النفس أو الشيطان، والأمر الثاني قد أخذ منحة إلهية وهي الهداية. ومن الثمرات العظيمة التي تتحقق على المجاهدة وهي من آثار الهداية، أن تكون المجاهدة في أول أمرها، خاصة فيما يتعلق بالنفس والشيطان، أن تكون المجاهدة في أول أمرها صعبة ويجد الإنسان فيها شدة، فإذا نزلت الهداية على القلب سيجد أن هذه المجاهدة قد سهلت على الإنسان. فكثير من الذنوب والمعاصي التي تحيط بالإنسان يجد الإنسان صعوبة في تجاوزها، حتى إذا سلك مسلك المجاهدة الخالص لله سبحانه وتعالى يجد أن الله يمنحه من الإيمان ومن الهداية ما يستسهل به بعد ذلك الابتعاد عن مثل هذا الذنب الذي أحاط به.
ثم آخر آية في الباب وهي قول الله سبحانه وتعالى: قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي. وين وجه الدلالة في هذه الآية مع الباب؟ الاتباع. طيب، ما رأيكم في هذا الكلام؟ إذا قلنا إن الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم هو سبب من أسباب الهداية، هنا البصيرة، جيد. وإن كانت البصيرة هنا فيها جزء مبذول سببه من العلم والمعرفة ودلائل اليقين وما إلى ذلك، لكن هل هناك دليل آخر في كتاب الله يدل صراحة على أن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم سبب من أسباب الهداية؟ أحسنت، وأيضا واتبعوه لعلكم تهتدون. أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي، هذه الآية فيها أن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم عصمة، وأنه سبب من أسباب البصيرة، أو أن للاتباع علاقة بقضية البصيرة. فالبصيرة هذه هي سبب يبذل له أسباب خاصة، وهو في نفس الوقت نور يقذفه الله في القلب، وهذا النور الذي يقذفه الله في القلب بسبب أسبابه عملها العبد، ومن أهمها اتباع النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم ننتقل إلى الأحاديث. عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم. أخرجه مسلم. هذا الحديث فيه فائدتان مركزيتان: الفائدة الأولى هي في أهمية مطلب الهداية كما قدمت في بداية الباب، والسبب في ذلك هو أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بهذا الدعاء علي بن أبي طالب، وعلي بن أبي طالب له شأنه ومكانته في الدين، وله باع في هذا الطريق وفي نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم مع ذلك تكون وصية النبي صلى الله عليه وسلم له بأن يدعو بهذا الدعاء اللهم اهدني وسددني، مما يدل على أهمية هذا الدعاء، حتى إن الصالحين، بل سادات الصالحين يوصون به، وهذا يؤكد المعنى الذي ذكر في بداية اللقاء. الفائدة الثانية المهمة المركزية هي أن الدعاء بالهداية هو من أعظم أسباب تحصيلها، وهذه في هذا الحديث فيها أمر إضافي على مطلق الدعاء أو على مجرد الدعاء وهو الاستحضار، الاستحضار أثناء الدعاء والتذكر والانتباه وحضور القلب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين أوصاه بالدعاء بالهداية ماذا قال: واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم.
ثم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. أخرجه مسلم. النبي صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه كما في الحديث السابق بأن يدعوا بالهدى والسداد، وهنا وهو عليه صلاة الله وسلامه يلتزم هذا الدعاء أو يلتزم الدعاء بالهداية. كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول، وهذا اللفظ يدل على الاستمرار أو على التكرار: اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. وعموما أدعية الأنبياء دائما هي باب عظيم من أبواب العلم بالله سبحانه وتعالى.
عظيم من أبواب الهداية.
فلن يوجد الإنسان أفضل من أدعية النبيين، وهو أعظم قدر من أدعية الأنبياء حفظ ووصل إلينا هو دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقد نقل في سنة النبي صلى الله عليه وسلم من الأدعية الصحيحة الشيء الكثير، وكان من جملة ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بالهداية، بل تكرر هذا منه ليس فقط بهذه الصيغة وإنما بصيغة أخرى، كما سيأتي في الحديث في آخر حديث مثل الباب الآن. الحديث التالي، أو دعوني أذكر الحديث الأخير بحكم الاتصال بين الحديثين، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة بأي شيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. أخرجه مسلم وأبو داود واللفظ لهما.
هذه الحديث مع الحديث السابق، حديث ابن مسعود: اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، يبين باباً عظيماً من أبواب العبودية، يعني النبي صلى الله عليه وسلم يوحى إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم هو الهادي هداية الدلالة والإرشاد، والنبي صلى الله عليه وسلم هو الداعي إلى الخير، ثم مع ذلك هو عبد لله سبحانه وتعالى، يستحضر هذا المعنى ويستحضر احتياجه إلى الهداية الإلهية، فيدعو بهذا المعنى الذي هو الدعاء بالهداية، والله سبحانه وتعالى قد قال له: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا.
من هذا الالتزام النبوي للدعاء بالهداية يؤكد أصل الباب، وكذلك يتمسك بهذه الوسيلة التي هي وسيلة الدعاء للوصول إلى الهداية، ومن هنا يعلم الإنسان أن الهداية ليست أمراً محدوداً، ليست أمراً محدوداً صغيراً، لأن الهداية يعني إنسان ضال فيه يهتدي، وإنما الهداية هي كل الخير أصلاً، والهداية الثبات على الخير، والهداية الإرشاد في أمور العلم، والهداية التوفيق لأفضل طرق العبادة، والهداية متعلقاتها كثيرة، وأنتم تعلمون حتى الأخلاق.
الدليل على ذلك في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم -هذا يضاف إلى هذه الأحاديث- كان يقول: اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت. وفي مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم إني أستهديك لأرشد أمري، لاحظ هنا الهداية إلى إيش؟
إيوه، وبالتالي صارت متعلقات الهداية واسعة، فيكون أول متعلق من متعلقات الهداية هذا بشكل عام هو الهداية من الضلال إلى الهدى، ومن الظلمات إلى النور، ومن المعاصي إلى الطاعات جيد، ومن الانحراف والتشتت في طريق المعاصي إلى الاستقامة، وهذا معنى في الهداية، ولكن حتى يمكن أن نقول قبله هو الهداية من الكفر إلى الإيمان، هذا واحد، ثم الهداية من طرق الذنوب والمعاصي إلى الاستقامة على أمر الله هذه الاثنين، ثم الهداية بمعنى الثبات على الإيمان والثبات على الطاعة، ثم الهداية في أمر الملتبسات والمختلفات في داخل، خلينا نقول الواقع الإسلامي، سواء في المسائل الخلافية يدعو الإنسان بالهداية فيها، أو في المسائل الخلافية أقصد الاجتهادية مسائل الخلاف بين العلماء أو حتى المسائل التي وقع فيها التفرق بين الأمة فيدعو الإنسان فيها بالهداية والبصيرة، ثم الهداية -الآن هذا أربع متعلقات صح- المتعلق الخامس الهداية إلى باب الأخلاق والسلوك، وأن يهتدي الإنسان ليكون على خلق حسن، ودليله: اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، ثم الهداية إلى أفضل الدرجات وأفضل المراتب وأفضل الخير وليس فقط الهداية إلى الخير أو الثبات عليه، وفيه: اهدني لأحسن الأخلاق، وفيه: اللهم إني أستهديك لأرشد أمري وأعوذ بك من شر نفسي.
وكذلك يعني عموماً متعلقات الهداية كثيرة، لكن يمكن أختم بالمتعلق السابع الذي هو الهداية الإصلاحية، الذي هو الهداية إلى طرق الإصلاح، الهداية إلى طرق نفع المسلمين، حتى هذا حتى تدخل فيها الوسائل، حتى الوسائل الإصلاحية يشملها معنى الهداية، على ذلك ماذا؟ ما الدليل على أنه حتى الوسائل الإصلاحية أو الوسائل التي يعني خلينا نقول يحتاج الإنسان أن في بعض الأزمات في بعض المشكلات في بعض التحديات؟ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ، كلنا: إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ، هداية يهديه الله للطريق الذي سيخرج به من هذه الأزمة، المتعلقة بفرعون وجنوده إلى آخره، فلاحظوا يعني لما الإنسان يدرك متعلقات الهداية الواسعة تزداد قيمة الهداية عنده جيد، ولما يعني يعرف أن الثمرة المرجوة من قراءة القرآن ومن قراءة العلم هو الاهتداء به تزداد القيمة. طب الوسائل؟ إحنا ذكرت وسائل جملتها هذه الوسيلة التي هي الدعاء، ثم نختم بحديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي عن الله تبارك وتعالى أنه قال: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. أخرجه مسلم. يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، هذا يرشد هذا الحديث يرشد إلى وسيلة ثم ذكرها من وسائل الهداية وهي وسيلة إيش؟ الدعاء، طلب الهداية من الله سبحانه وتعالى، ولكن فيه من الفائدة أن الله سبحانه وتعالى يبين لنا مقدار الافتقار للهداية، مقدار الاحتياج للهداية، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم.
بهذا يعني نكون مررنا مروراً سريعاً على أحاديث الباب وآياته بالتأكيد على ما سبق ذكره من أهمية مطلب الهداية، ثم من مفاتيح الهداية وأسبابها، ثم من متعلقات الهداية، في هذه ثلاثة عناوين داخل هذا الباب، نسأل الله سبحانه وتعالى الهدى والسداد، وأن يغفر لنا ويرحمنا، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
الشيخ أحمد السيد