تسجيل الدخول

شرح المنهاج من ميراث النبوة 19 | الثبات على الاستقامة

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس شرح المنهاج من ميراث النبوة، وهذه المرة الحديث عن الثبات على الاستقامة والحذر من الانتكاس. هذا المطلب، مطلب الثبات على الاستقامة والحذر من الانتكاس، مطلب من أهم المطالب الإيمانية بالنسبة للمؤمن. المؤمن دائما ينبغي أن يشغل باله أمران: الأمر الأول هو الاهتداء إلى الحق، الاهتداء إلى الطريق الصحيح، والأمر الثاني الثبات على ما هدي إليه من الطريق.

بعض الناس يفكر في القضية الأولى فقط دون القضية الأخرى، والبعض يفكر في القضية الثانية دون القضية الأولى؛ يعني البعض يفكر في قضية الثبات دون أن يفكر فيما قبلها هل هو أصلا على طريق صحيح أم لا؟ والبعض بالعكس، يفكر في قضية أين الطريق الصحيح ويريد أن يعني يلتزم بدين الله سبحانه وتعالى وبالاستقامة، ثم ينسى قضية الثبات ولا تشغل باله، وهذا من أسباب السقوط ومن أسباب عدم الثبات؛ يعني من أسباب الانتكاس وعدم الثبات أن لا تكون القضية عند الإنسان أصلا، لا تكون قضية الثبات على هذا الدين والخوف من الانتكاس، لا تكون قضية حاضرة عند المؤمن.

ولذلك فيما سيأتي بعد قليل من الآيات والأحاديث سنجد أن مما يشغل المؤمنين والصالحين بل والأنبياء أنهم كانوا منشغلين بهذه القضية، وكان مما يهمهم ومما يعني يحركهم في قضية الدعاء هو ما يتعلق بالثبات وعدم الانتكاس. ولأجل ذلك، بغض النظر الآن يوجد فتن، لا يوجد فتن، يوجد زمن صعب، ما ليس زمنا صعبا، دائما المؤمن ينبغي عليه أن يتحرى قضية الثبات ويحرص عليها ويكرر الاهتمام بها ويجعلها قضية حاضرة دائما في قلبه وفي نفسه.

من الآيات القرآنية التي تثبت هذا المعنى وأهميته وحضوره عند المؤمنين، بل ليس عند عامة المؤمنين بل عند الراسخين في العلم، هي هذه الآية التي ذكرت في أول الباب، وهي قول الله سبحانه وتعالى: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ. هذه الآية آتية بعد أي آية؟ الآية التي قبلها إيش هي؟ الآية التي قبلها: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ.

لاحظ من الذي يدعو بهذا الدعاء؟ من الذي هو منشغل بقضية الهداية والاستقامة والثبات على الدين؟ هم الراسخون في العلم، مع أن الظان قد يظن لأول الأمر في بادئ الرأي أنه بما أنهم راسخون في العلم فيعني خلاص أكيد أنهم طبيعي سيكونون ثابتين، بينما الله سبحانه وتعالى يبين لنا أنه حتى الراسخون في العلم يهمهم ويعنيهم ويقلقهم شأن الثبات، فيدعون الله سبحانه وتعالى به، ذلك كما بين في هذه الآية.

ثم الآية التالية قوله سبحانه وتعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ. الله سبحانه وتعالى يقول: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ إلى آخر الآية. هذه الآية مخيفة، وفيها يعني خلينا نقول بيان لأن الإنسان وإن حصل على شيء من العلم بالشريعة أو على حتى مقام عالٍ من علم الشريعة وكان على هداية فهو غير آمن من أن يسلب نعمة الإيمان.

ترى يا جماعة، الانتكاس ليس قرارا اختياريا بالضرورة، الانتكاس قد يكون أمرا قدريا يخلقه الله سبحانه وتعالى في قلب العبد نتيجة مقدمات هو عاملها، هو بلا شك على كل الأحوال هو أمر قدري، لكن أقصد أحيانا الإنسان يختار أن ينتكس، ولكن أحيانا الإنسان يعني يريد هو أن يظل ثابتا، إرادة عامة مجملة باهتة، ولكن عمله يكذب هذه الإرادة فيبتلى، كما قال الله سبحانه وتعالى: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ؛ يعني الله هو الذي أعقبهم هذا النفاق في قلوبهم.

وكذلك قال سبحانه وتعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. هنا الله سبحانه وتعالى يقول: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا؛ تعرف يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ. وهذان أمران في غاية الخطورة على المصلح، على المؤمن، عليكم السلام، على المستقيم، أنه ينتكس بسبب ذلك، الإخلاد إلى الأرض واتباع الهوى.

طيب، في الآية الأولى اللي ذكرناها رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، إيش السبب اللي ممكن يكون سببا أو ممكن يكون الأمر المتعلق بالانتكاس؟ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا: اتباع المتشابه وترك المحكم.

طيب، الآية التالية قول الله سبحانه وتعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. هذا ذكر من الله سبحانه وتعالى لثلة المؤمنة من عباده الصالحين المؤمنين الذين ثبتوا حين جاءت الفتن العظيمة الكبيرة التي كانت متمثلة بمجيء الأحزاب إلى المدينة وحصار النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين والمؤمنات فيها، وكان هذا الذي حصل في المدينة سببا لظهور نفاق بعض المنافقين، لأن من صفاتهم دائما الجبن والخوف، وتعلمون أن الله سبحانه وتعالى ذكر أنه قالوا: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ؛ يريدون الفرار في نفس المقام، في نفس المشهد. لكن المؤمنين الصادقين ذكر الله سبحانه وتعالى عنهم أن هذا المقام ما زادهم إلا إيمانا وتسليما. ثم قال: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.

هذه القضية التي، أو هذه الصفة التي ذكر الله فيها أولئك المؤمنين والتي تظهر قوة الثبات الذي كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لاحظوا الثبات الآن الذي ذكره الله سبحانه وتعالى، ليس الثبات أنه بمجرد أنه هو لم يفتر أثناء الطريق؛ لأنه أحيانا الانتكاس يكون بسبب طول الطريق، أن الإنسان يعني مرت عليه سنوات وأعوام وهو في الاستقامة وبعدين يعني تعب، خلاص تعب من التمسك. لا، القضية حين يكون الثبات ليس فقط أمام طول الطريق، وإنما الثبات أمام الفتن الكبيرة والشديدة جدا، كمثل فتنة الأحزاب التي حصلت في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يبرز الله أمثلة هؤلاء الثابتون الذين أبرزهم الله وخلد ذكرهم في القرآن، لمن ينتهي أن كانوا الاقتداء بهم، ومن ثم لمن ينتهي أن يكون المؤمن عند الله بمكان بسبب ثباته؛ يعني لماذا أبرز الله ذكرهم؟ لماذا خلد الله ذكرهم؟ لماذا وصفهم بهذه الصفة؟ لأن هذه الصفة عند الله بمكان؛ يعني الله سبحانه وتعالى ينظر إلى عباده الثابتين، ينظر إلى عباده الثابتين ويبرز هذه الصفة فيهم، والله سبحانه وتعالى يعني يحب عباده الثابتين، والله سبحانه وتعالى يصف الثبات بأنه شكر.

يصف الثبات بأنه شكر، شكر ليس فقط بعد ما يأكل الإنسان الوجبات الجميلة الدسمة والحلويات وبعدين يقول الحمد لله ويظن أنه هو يعني خلاص من الشاكرين. الشكر المطلق الشمولي هذا لا شك أنه شكر، ولكن ليس هو الشكر بكل صوره، الثبات على الدين من أهم صور الشكر، والدليل على ذلك حتى تكون القضايا مبرهنة؛ الدليل على أن الثبات شكرا هو قول الله سبحانه وتعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ. وسيجزي الله الشاكرين؛ ذكر الشاكرون هنا في مقابل من؟ في مقابل من ينقلب على عقبيه.

حتى يكون الإنسان عند الله بمكان فليكن من الثابتين، وحتى يؤدي الإنسان شكر النعم فليكن من الثابتين. يعني الآن تتعدد الأسباب والموجبات التي تدفع الإنسان للثبات؛ الثبات من جهة شكر، والثبات من جهة يحبه الله، والثبات من جهة، ومن جهة عدد ما شئت من الجهات التي تبين قيمة وفضل ومنزلة الثبات.

إذا نحن اليوم بحاجة إلى الحديث عن الثبات وبحاجة لإبراز قيمة هذا الثبات لأكثر من سبب، السبب الأول: لكثرة الفتن والمشكلات، وهذه الفتن أنواع وصور؛ في فتن شهوات لا حصر لها وتكاد تكون غير مسبوقة في التاريخ البشري، وفي فتن شبهات أيضا واسعة ومصادرها كثيرة، وفي فتن ابتلاءات ومصاعب تواجه من يتمسك بهذا الدين ويدعو إليه، إلى آخره من الموجبات أو صور الفتن التي تدفع إلى قضية الثبات.

بالإضافة طبعا إلى أن من أهم أسباب الثبات هو أن هذه يعني احتياج الإنسان المؤمن للثبات هذا ملازم له على طول الطريق؛ هناك نوازع من داخل النفس، ليس بالضرورة أن يكون هناك فتن خارجية، هناك نوازع داخل النفس أودع الله في النفس البشرية نوازع أو دواعي تدفع الإنسان إلى عدم الثبات، ويكون مطلوبا من الإنسان على طول الطريق أن يظل مجاهدا لهذه النوازع. وعلى طول الطريق هناك شياطين، أو شيطان يؤز الإنسان أزا للمعصية، يحاول يوسوس يغري، ولذلك من أهم الأسباب التي تدفع لأهمية الحديث عن الثبات هو أن هناك من هو متخصص، بل هو متفرغ، متفرغ، مو ثمانية ساعات في اليوم، متفرغ 24 ساعة في اليوم لإغواء الإنسان وإغواء بني آدم، ولذلك الإنسان دائما يحتاج إلى قضية الثبات، وهي ترى داخل ضمن الهداية؛ يعني أنت لما تقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ كل يوم، ترى الهداية هنا ليست مجرد أن يكون الإنسان في ظلام ثم يعني يسأل الله النور والإرشاد، وإنما الهداية الهداية المستمرة التي من مقتضياتها أو من لوازمها الثبات على طريق الهداية.

الحديث الأول مذكور هنا وهو حديث عظيم في قضية الثبات والاستقامة، وحديث من الأحاديث التي ينبغي أن تحفظ والدعاء الذي فيها ينبغي أن يكرر كثيرا، وهو حديث عجيب، وقد أخرجه البخاري ومسلم رحمه الله تعالى. هذا الحديث حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون، أخرجه البخاري.

هذا الدعاء العجيب العظيم الذي يعني يعيد بيان أهمية الثبات ويعيد بيان قضية الخوف من الضلال، يعيد بيانها وتعريفها في قلب الإنسان المؤمن. هذا محمد بن عبد الله خاتم النبيين عليه صلاة الله وسلامه يدعو بهذا الدعاء، ماذا فيه؟ فيه أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، والله قد بين لنبيه صلى الله عليه وسلم أنه هو الذي يثبته، وأنه لولا فضل الله عليه ورحمته كما قال سبحانه وتعالى في سورة النساء: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا.

النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله سبحانه وتعالى ويستعيذ به، يستعيذ بالله أن يضله، وفي هذا تأسيس لأهمية هذا المجال وأهمية هذا الباب وأهمية هذا الموضوع، وفي هذا حث على أن يقتدي الإنسان المؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه هذا. وكما قلت لكم من أهم ما ينبغي أن يخرج به في قضية الثبات على الاستقامة والحذر من الانتكاس، من أهم ما ينبغي أن يخرج به هو أهمية الموضوع، أن يكون الموضوع دائما مستحضرا، ما يصلح أنه الإنسان يبدأ طريق الاستقامة ثم يظن أنه قد أخذ ضمانا، أنه بما أنه سلك طريق العلم والدعوة وما إلى ذلك ومعه ضمان بأنه لن ينتكس، هذا من أكبر الإشكالات التي يمكن أن يصاب بها الإنسان، بينما الذي يخاف دائما ويحاذر دائما ويعلم كما سيأتي بعد قليل إن شاء الله حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي فيه أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، أن القضية حاضرة وخوف حتى يأمن الإنسان حين يضع أول خطوة في جنة الخلد، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أهلها.

طيب، عن عبد الله بن سرجس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر يتعوذ من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، والحور بعد الكور، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال، أخرجه مسلم. وفسر الترمذي وغيره الحور بعد الكور بالرجوع من الإيمان أو من الطاعة إلى المعصية. الكور هذا مأخوذ ترى من العمامة، من كور العمامة، أنه هذا اللف لف العمامة يسمى الكور جيد، الحور هو إعادة نقضها بعد يعني إحكامها، وهذا مثال على قضية الانتكاس وعلى قضية الرجوع بعد الاستقامة والتمام، أنه تعرف العمامة حتى تلف يعني ممكن تطوى مرة مرتين ثلاثة حتى تحكم وتحتاج إلى عمل، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا، هنا النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من يستعيذ بالله من الحور بعد الكور.

وذلك أيضاً باب آخر من أبواب اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بقضية الثبات على الدين وبقضية التحذير من الانتكاس. وفي هذا التشبيه تبشيع لقضية الانتكاس، إنه هذه الصورة تراها صورة فساد بعد صلاح، وصورة نقص بعد كمال، وصورة تفرق بعد اجتماع، وهذا هو شأن، يعني حال المنتكس عن دين الله.

هذا الحديث نستفيد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكرر الدعاء في هذه القضية. يعني أثبت معانا أول شيء في حديث ابن عباس أنه كان يقول: أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني. ثم هنا في حديث عبد الله كان النبي صلى الله عليه وسلم في السفر يستعيذ بالله من الحور بعد الكور. وكذلك حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه ذكر حديثاً في تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الدجال الحديث المشهور، وفي بدايته أمر لطيف يستحق الاهتمام وهو أنه قال: إنه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الدجال فخفض فيه ورفع، أو رفع حتى ظننا أنه في طائفة النخل.

يعني من شدة بيان النبي صلى الله عليه وسلم وكثرة ما حذر منه والطريقة التي حذر منها، ظن الصحابة، أو يكاد يذهب ظنهم ووهلهم أن الدجال هنا، رأيتم ذلك النخل في ذلك النخل. وهذا ليس فقط في الدجال، النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتني بالبيان عناية شديدة. ولذلك تعرفون قصة حنظلة في صحيح الإمام مسلم لما قال: يا رسول الله حين نكون عندك فتذكر لنا الجنة والنار، نكون كأننا رائعين، يعني وأنت تذكر الجنة والنار كأننا نرى الجنة والنار بأعيننا.

وهكذا في هذه القضية، وهذا بلا شك لعظم وخطر تلك الفتنة العظيمة التي هي فتنة الدجال. طيب النبي صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه، وهذه الوصية يستفاد منها عموماً في الثبات على الدين أمام الفتن، قال عليه الصلاة والسلام: من أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فعاث يميناً وعاث شمالاً، يا عباد الله فاثبتوا، يا عباد الله فاثبتوا. أخرجه مسلم.

أرأيتم هذه الكلمة: يا عباد الله فاثبتوا؟ هذا النداء النبوي، تذكر هذا النداء النبوي أمام كل فتنة تعترض طريقكم. هنا هذا النداء أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم أمام فتنة الدجال: يا عباد الله فاثبتوا. تذكر الفتن الأخرى التي تعترض الطريق التي تحيط بالمسلمين، وتذكر النداء النبوي: يا عباد الله فاثبتوا، يا عباد الله فاثبتوا. هذا نداء من النبي صلى الله عليه وسلم، وصية لأصحابه: يا عباد الله فاثبتوا، وصية لأمته.

وهذا النداء النبوي هو من أهم ما ينبغي أن يستصحبه الإنسان في الثبات، إنه يتذكر في البداية قبل قليل إلى ما ذكرت أنه ايش الأسباب التي يمكن تدعو الإنسان للثبات، واحدة منها هذا: أن تتذكر الوصية النبوية. فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، أولاً عموماً القرآن الكريم هو من أهم أسباب العصمة من الفتن، ومن أهم أسباب الثبات، والتعلق به، وتلاوته، والتدبر فيه، والعيش معه، والانطلاق من خلاله، وتفعيله في حياة الإنسان اليومية هو من أهم ما يغذي قلب الإنسان المؤمن ليكون قلباً ممتلئاً بالإيمان واليقين فيكون مستغنياً أصلاً.

ثم تأتي سورة الكهف في مثل فتنة الدجال أو في فتنة الدجال ليتذكر الإنسان في هذه الآيات في فواتح سورة الكهف، أولاً عظمة الله سبحانه وتعالى، وأنه ترى ما يأتي به الدجال من آيات ومن خوارق فليست بشيء، أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا. وكذلك ثبات أصحاب الكهف وفرارهم من هذه الفتنة. وتعرفون عن النبي صلى الله عليه وسلم في قضية الدجال من سمع به فلينأ عنه، وأولئك أصحاب الكهف أو عن تلك الفتنة عموماً. فتية أصحاب الكهف أو فتية الكهف، الفتية الذين آمنوا بربهم، هؤلاء الفتية ينبغي أن يكونوا مثلاً للإنسان المؤمن.

حين تكثر الفتن فيتذكر النموذج، يتذكر النموذج الذي سبقه، وما أكثر تلك النماذج الصالحة، فيأنس بشركاء الطريق، وإن لم يكن يراهم بعينيه فإنه يستحضر مشاركتهم إياه الطريق بقلبه. وهذا ليس فقط لعمة المؤمنين، بل حتى النبي صلى الله عليه وسلم، حتى النبي كان يستانس بمثل هذا، وكان الله يؤنس قلبه بأخبار الأنبياء الذين قبله، ويوصيه بالصبر، ويقول له: اصبر كما صبر أولو العزم من الرسل. وحين يذكر الله لنبيه أنه يرى حزناً قلبه مما يقول المشركون، يقول له: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا. ويكرر الله في كتابه: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ.

وبعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى في مطلع سورة ص كلام المشركين: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَٰذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ * أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا. الآيات التي يعني فيها توصيف لشدة الحال، قال له سبحانه وتعالى في مطلع الوجه الثاني: اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود، اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود. وهكذا في سورة الكهف ذكر لمن يمكن أن يستانس المؤمن بخبرهم، ويستمد من خلال قصتهم وثباتهم الثبات والصبر.

فأولئك أصحاب الكهف ليسوا يعني كباراً، هم فتية شباب، ومع ذلك استطاعوا الصمود أمام فتنة محيطة، وتلك الفتنة المحيطة يعني كانت فتنة خانقة، يعني قبضة خانقة تجعل الإنسان في تلك المرحلة ما يستطيع حتى يعني نوحد الله سبحانه وتعالى، وكان أولئك الفتية أهل فهم، وأهل وعي، وأهل تفكر وتدبر، عقول نبيهة. فقالوا: رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا. إلى آخر الآيات التي تعلمون.

الحديث التالي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك. أخرجه مسلم. اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك. طيب، هذا الحديث أولاً فيه حقيقة، فيه معلومة عقدية مهمة ينبغي أن يعلمها الإنسان، وهذه المعلومة التي ينبغي أن يعلمها الإنسان ويفقهها هي أن قلبه ليس بيديه. إن هو المقصود هنا بطبيعة الحال، أنه الإنسان ترى في قراراته الإيمانية، في ثباته، ترى ليست القضية مجرد خيارات شخصية تتخذها، نعم الله سبحانه وتعالى جعل للإنسان حرية في الاختيار وإرادة حقيقية، ولكن تلك الإرادة محكومة بإرادة الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ.

وهنا يخبرك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح بأن قلوب العباد أو قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء. دي أول قضية تجعلك تتواضع، وتعرف قدرك، وتعرف نفسك، وتعرف أنك مسكين، وأنه ترى الإيمان يعني هبة من الله سبحانه وتعالى، وأنك تبذر الأسباب لعل الله أن يكرمك بالثبات ويكرمك بالاستقامة، وأن القضية ليست يعني نقول شطارة وأنه الإنسان باعتبارات معينة فيها على قضية اجتماعية ولا اعتبارات الجمهور، لأن الناس يقولوا عنك أنك أنت اللي ما شاء الله عليك، إنه هذا سيكون نتيجته أنك ستكون ثابتاً، ليس صحيحاً. ليس صحيحاً، يوجد من قيل فيه مثل هذا ويوجد من ذكره الله في القرآن من من أوتي الآيات ثم سلبت منه. وكما قال سبحانه...

طيب بعد هذه المعلومة، بعد هذه الحقيقة، ما المطلوب؟ بعد هذه المعلومة وبعد هذه الحقيقة، المطلوب هو التمسك بسبب من أهم أسباب الثبات وهو تتمة الحديث، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك. ما هو هذا السبب؟ الدعاء. وتعلّموا أيضاً في الحديث الآخر: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. وعليكم السلام. لاحظوا الآن تكرر معنا، تكرر معنا هذا السبب اللي هو الدعاء. الدعاء من أهم أسباب الثبات، جاء معانا في آية آل عمران: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا. وجاء معنا في حديث ابن عباس في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون. وجاء معنا في حديث هذا حديث عبد الله بن عمرو، اللي هو: اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك، وأعوذ بك من الحور بعد الكور.

طيب متى يدعو الإنسان بهذا الدعاء؟ يدعو الإنسان بهذا الدعاء حين تكون قضية الثبات مقلقة له، حين يكون قلبه دائماً على خوف وعلى تخوف. ولو تذكرون في مجالس في سلسلة سوية المؤمن، في درس الأمان، لما تكلمت عن الأمان الأخروي، أن هناك صمامات أمان لطريق الإنسان في الآخرة، أول صمام أمان ومن أهم صمامات الأمان الأخروي هو ألا تأمن، من أهم صمامات الأمان هو الخوف، أن تظل في هذه الدنيا خائفاً من الله سبحانه وتعالى. طالما أنت محافظ على قضية الخوف والله إنك مستمسك بسبب من أهم أسباب الثبات ومن أهم أسباب الأمان في الآخرة. ومتى وجدت نفسك آمناً وخلاص تحس أنك ضامن الجنة وأنه يعني أبداً الأمور طيبة وتمام، متى ما كان هذا هو الشعور المسيطر عليك، أنا ما أتكلم عن الرجاء، لا، أنه خلاص الإنسان ما عاد في خوف أصلاً، فاعلم أنك قد تخليت عن باب من أهم أبواب الأمان. يجب أن يظل الخوف مصاحباً للإنسان، الخوف والرجاء والمحبة، بس الخوف واحد من المكونات الإيمانية الأساسية بالنسبة للإنسان المؤمن. طب تخاف من ماذا؟ واحد من الأشياء التي تخاف منها الخوف من عدم الثبات.

في محطات، ترى إلى الموت، إلى الموت. في سير أعلام النبلاء في ترجمة أظن آدم بن أبي إياس رحمه الله، وكان من المحدثين المشهورين، وكان من الصالحين، كانوا من العباد المشهورين بالعبادة الطويلة، لما حضرته الوفاة أدرك أن هذا المقام مقام يعني مقام أهوال، فكان يدعو، قال: يا رب يا رب بحبي لك إلا ما خففت عني هذا اليوم، كنت كذا يقول، يقول كنت أؤمنك لهذا اليوم. يقول: يا رب كنت أؤمنك لهذا اليوم، يعني يا ربي عبادتي تلك التي ملأت بها حياتي ترى من أهم الأشياء التي كنت أستحضرها في أثناء عبادتي على طول الحياة، وهذه اللحظة، لحظة لحظة فراق، لحظة الموت. وناس تتعجب منهم يعبدون الله ليل نهار وينصرون الدين ويحافظون ويتجنبون الحرام ويبتعدون ومع ذلك يخافون، هذا هو المؤمن، هذا هو المؤمن. أما الذي تجده متكبراً مستعلياً، وإذا جمع مع ذلك كمان فوق ذلك أنه يعني يتشمت بالناس ويطعن فيهم ويتهم قلوبهم وأحوالهم ويزكي وإلى آخره نفسه، هنا تتضاعف القضية وتصبح أخطر وتصبح أخطر.

لذلك ابقى خائفاً، ابقى خائفاً، ابقى على تخوف، ابقى على وهذا التخوف هو الذي يهز الإنسان على العمل، أنك تعلم أنه الضمان يعني ما في، لازم تعمل. ولذلك الله سبحانه وتعالى لما وصف أحوال الصالحين ووصف قيامهم الليل يعني ذكر لفظاً يدل على شيء من الانزعاج، شيء من الانزعاج الداخلي الذي يشعر به المؤمنون، الانزعاج أقصد القلق اللي هو عدم شفت لما يكون في شيء يحرك من الداخل ما تقدر ترتاح في النوم، تفكر مهتم. الله سبحانه وتعالى ذكر عن الصالحين لما ذكر قيام الليل، قال: تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ. تتجافى جنوبهم عن المضاجع، في هناك شيء يحركهم، يدفعهم، يازهم. إذن طيب ليش؟ أكمل الآية: تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ، ايش أول كلمة؟ ايش؟ خَوْفًا. أول كلمة خوفاً.

ولذلك الذي يعني فقط يعني فقط يركز على جانب الحب مثلاً العبادة لله، المحبة لا شك أنه هذا هو أساس من أسس الدين الكبرى، لكن فقط الذي يركز على هذا الجانب وجانب الرجاء وكذا، وأنه معلش يلا إن شاء الله بس الجنة وكده، لا لا ترى أيضاً يجب الحديث عن جانب الخوف. حبيبي القضية ليست لاعباً، ما هي ما هي كلام الله في القرآن هكذا، لا يوجد نار ويوجد عذاب لا يتحمله أحد ويوجد شيء، لا وهذا أسلوب ينبغي أن يستحضر في الدعوة وفي الخطاب حتى يخاف الإنسان من عذاب الله. يعني الإنسان ممكن يتهاون ويذهب ويصرف على نفسه في كل شيء، لا حبيبي ذكره، لا تضحك عليه، قل له النبي صلى الله عليه وسلم... أهل النار، لازم الإنسان يدرك بعض الحقائق ويخاف منها، ولما تكلم كان يحضر أصحابه رضوان الله تعالى عليهم يعني يحذرهم يذكر قضية التخوفات: إني أخوف ما أخاف عليكم، إني لا أخاف عليكم كذا، ولكن أخاف عليكم كذا.

والجمع بين الخوف والرجاء كما يعني في الأحاديث وأنا أيضاً ذكرتها في هذا الكتاب، في في نهايته باب الجمع بين الخوف والرجاء. يعني انظر مثلاً هذا الحديث: النبي صلى الله عليه وسلم قال: الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك. الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر أيضاً في البخاري ومسلم: لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد. هذا الجمع بين الخوف والرجاء، الإنسان ما يمشي في طريق يغلب فيه جانب الرجاء، وفي نفس الوقت ليس المطلوب من الإنسان أن يغلب جانب الخوف إلى درجة الأمل في لقاء الله والشوق إليه سبحانه وتعالى.

طيب ثم بعد ذلك حديث أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم هنا.

الان ننتقل الى اسباب الثبات. الاحاديث التي ذكرت والايات فيها اشاره الى الاسباب لكن فيها ذكر اهمية القضية وما الى ذلك. الان تاتي بعض الاسباب المهمة. قال عليه الصلاة والسلام: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان. طبعا انت من يوم ما تسمع كلمة حلاوة الايمان مباشرة تذكر الثبات، لانه من اهم اسباب الثبات الشعور بحلاوة الايمان، والذي يشعر بحلاوة الايمان لن يستطعم شيئا اخر يقدمه عليه، والذي لا يشعر بحلاوة الايمان لن ينتبه الى مرارة الكفر، الذي لا يعيش حلاوة الايمان لن ينتبه الى مرارة الكفر.

طيب، ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان، ما هي هذه الثلاثة؟ قال عليه الصلاة والسلام: ان يكون الله ورسوله احب اليه مما سواهما، وان يحب المرء لا يحبه الا لله، وان يكره ان يعود في الكفر كما يكره ان يقذف في النار. اخرجه البخاري. لان هذه اسباب مهمة، مهم ان يفقه الانسان انه ليس مطلوبا منه ان يؤدي العبادات فقط، بل من المهم ان يسعى الى الوصول الى حلاوة الايمان، واذا وصل الى حلاوة الايمان فليكن همه كيف يحافظ على حلاوة الايمان.

وحلاوة الايمان فيها طعم لا يشبه طعم الشهوات والملذات الدنيوية، وهذه كلمة طعم ليست مبتدعة من عندي بل هي ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي اخرجه الامام مسلم في صحيحه، قال عليه الصلاة والسلام: ذاق طعم الايمان من رضي بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا. هناك طعم للايمان وهناك حلاوة عبر عنها الصالحون الذين عاشوها وذاقوها بعبارات متعددة. الان النبي صلى الله عليه وسلم اسس لها وبينها، ثم بعد ذلك ياتي الان الشعور بها، لما يعيش الانسان الشعور بها يبدأ يتحدث عن ما وجد، يتحدث عن نفسه، فتجد عبارات بعض الصالحين: لو علم الملوك وابناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لتجاذبوا عليه بالسيوف. والعبارة الاخرى التي يقول القائل فيها: لو كان اهل الجنة بمثل ما نحن فيه من النعيم لكان ذلك النعيم كافيا او نحوه، يعني هذا المعنى.

وعبارات يعبر عنها الذين عاشوا هذه الحلاوة بطريقة لا يتصورها بشكل تام ولا حتى بشكل كاف من لم يعشها. تخيل انسانا ابتلي من بداية عمره بانه فقط يعني ما عنده قدرة على تمييز المطعومات، عندهم داء معين ما يميز بين الحلو والمر والحامض الى اخره جيد، ثم تريد ان تشرح له الحلاوة وما هي طعم الحلو، ما تقدر تشرح له، تقول المر يعني ماشي ممكن تحاول ان تبين لو لكن لن يفتح حقيقة هذا الشعور او هذا الاحساس الا اذا احس به وعاشه، وهكذا حلاوة الايمان؛ انت تقول والله يا اخي في حلاوة الايمان يعني تعيش كذا في نعيم وسعادة وتشعر ان صدرك فسيح، يعني ممكن يظن انه هي مبالغات ولا شيء، لكن اذا عاشها سيقول: وهل في الدنيا شيء مثل هذا؟ يعني هل يوجد شيء مثل هذا يمكن ان يناله الانسان في غير الجنة؟ هل يمكن ان ينال في الدنيا سعادة مثل هذه السعادة او مقام مثل هذا المقام؟

طيب كيف تنال حلاوة الايمان؟ كيف يوصل اليها؟ يوصل اليها بطرق متعددة، ثلاث منها ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث. اول قضية وهي الاساس الذي يتولد عنه ما بعده؛ الثلاثة الاولى هي الاساس، الثانية والثالثة متولدتان عن الاولى ومتعلقتان بالاولى، من مقتضى ومن لوازم الاولى. ما هي القضية الاولى؟ ان يكون الله ورسوله احب اليه مما سواهما. طيب ما هي الثانية؟ ان يحب المرء لا يحبه الا لله، لن تاتي الثانية ان يحب المرء لا يحبه الا لله الا اذا كان الله ورسوله احب اليه مما سواهما، لن تاتي حقيقة لان المحبة في الله هي فرع عن حب الله اصلا، محبة الانسان للانسان الاخر في الله هي فرع عن حب الله اساسا. ولن يكره ان يعود في الكفر كما يكره ان يقذف في النار الا اذا كان الله ورسوله احب اليه مما سواهما فيدرك حقيقة الايمان وجماله ويدرك قبح الكفر ومرارة هذا الكفر فيكره ان يعود الى ذلك. لذلك شأن كل الشأن في القضية الاولى، والذي ينبغي ان يبحث عنه الانسان ويفكر فيه دائما هو القضية الاولى، وهي كيف اصل الى ان يكون الله ورسوله احب اليه مما سواهما؟ وما حقيقة هذه المحبة؟ هل هي المحبة التي هي مجرد شعور قلبي الذي لا يصدق بالامور العملية؟

والله لما تقرأ في القرآن ستجد ان المحبة دائما تذكر مع لوازم معينة من العمل، وهذا العمل الذي تذكر لوازمه او يذكر على انه لازم من لوازم المحبة، عمل غالبا يكون فيه او كثيرا ما يكون فيه تضحية بمحبوبات اخرى، وهنا يظهر الامتحان والاختبار. ان يكون الله ورسوله احب اليه مما سواهما، تمام شعور مجرد ولا شعور لما ياتي الاختبار العملي الذي تتزاحم فيه المحاب وتتضاد؟ يهنا الانسان ولا يجد غضاضة في ان يقدم محبة الله ورسوله. كما قال سبحانه وتعالى: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ. لاحظوا هنا ياتي المحك في قضية المحبة، ليست هي ادعاء مجردا وانما الادعاء يستلزم تضحية ويستلزم تقديم محبة الله على المحبة الاخرى حين يقع التزاحم وحين يقع التناقض والتضاد.

طيب، ثم ختام ذلك كله من حيث الايات والاحاديث هو هذا الحديث الشريف الذي اخرجه الامام مسلم في صحيحه، وهو حديث علي رضي الله تعالى عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم. اخرجه مسلم. هذا الحديث حديث علي على اختصاره الا انه من اهم الاحاديث، وعلى قصره الا انه من اركان الاستقامة. قيل لسيد من سادات المسلمين، وقيل لمن شهد له بانه يحب الله ورسوله وان الله ورسوله يحبانه، قيل لمن قيل له: انت مني بمنزلة هارون من موسى، قيل لعلي بن ابي طالب رضي الله تعالى عنه، ماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم؟ بما اوصاه؟ ما الدعوة التي اختارها له عليه صلاة الله وسلامه؟ قال: قل اللهم اهدني وسددني.

وانت تعلم انه في بعض وفي كثير من الاعراف توصي احدا بالهداية ولا تقول الله يهديك، انه ما ياتي في بالك الا انه لما تقول الله يهديك يعني ايش قصدك؟ شايف فيه يعني، جيد. طيب لما نوصيك وصية يقول لك أكثر من الدعاء بالهداية، يعني ممكن يجي في بالك انه اكيد شايف علي ذنوب معينة ومعاصي معينة ما يبغى يحرجني فيقول لي ادع بالهداية، جيد. طيب النبي صلى الله عليه وسلم ياتي لعلي بن ابي طالب الذي هو هو فيقول: قل اللهم اهدني وسددني.

واذكر ياتي هنا امر اخر مهم عظيم في الدعاء، سبب من اسباب اجابة الدعاء سبب عظيم وهو الاستحضار اثناء الدعاء؛ واذكر هذا المعنى واذكر بالهدى هدايتك الطريق، يعني وانت تدعو فتقول اللهم اهدني تذكر ذلك الذي يسير في صحراء او في طريق وتلتبس عليه الطرق فيهدى ويجد الطريق، تذكر ذلك حين تقول اللهم اهدني. وبالسداد سداد السهم، أرأيت حين يقذف او يرمى السهم من قوس متقنة محكمة الصنع من يد رامي شديدة النزع، فيرمى ذلك السهم ويسير مسددا غير منحرف لا يمينا ولا شمالا حتى يصيب الهدف؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن ابي طالب: اذا دعوت اللهم سددني تذكر سداد السهم، وهذا مناسب جدا لموضوع الثبات على الاستقامة؛ هي هذه سداد السهم، إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا، استقاموا استقامة انسان، السهم اذا خرج من القوس المفترض انه اذا كان بالفعل قد خرج من قوس صحيحة ومن يد شديدة النزع متقنة انه لا ينحرف لا يمينا ولا شمالا. لكن اذا كانت اليد الرامية متذبذبة والقوس ضعيفة والى اخره فقد لا يصل اصلا السهم الى الهدف، وقد ينحرف عنه يمينا وشمالا. المطلوب من الانسان المؤمن ان يستمر الى ان يصل الى الهدف كما ان السهم ينطلق مسددا مستقيما الى ان يصل الى الهدف، وهذا الثبات على الاستقامة وسبيله الدعاء كما في هذا الحديث: واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم.

من مجموع هذه الايات ومن مجموع هذه الاحاديث نخرج بنتيجة مهمة اسلفتها في البداية، الا وهي ان هذه القضية من القضايا التي يجب ان تشغل بال المؤمن دائما. هذه ليست موضوعا من موضوعات النقاش الفكري او النقاش السلوكي التي يمكن نتناقش بها بين فترة واخرى. قضية الثبات على الاستقامة ليست قضية ترفية تقدم فيها البحوث حتى نستنبط ادلة فيها وجوه استدلال، لا لا، هذه القضية يومية عند الانسان المؤمن ينبغي ان تشغله. انا في طريقي الى الله يجب ان اخاف دائما من قضية الانتكاس، ويجب ان يشغل بالي دائما موضوع الثبات. انا ما اتكلم عن حالة تجاوز الحد في المبالغة في هذه القضية بحيث انسان يوسوس، لا، لكن يجب ان يسير كما سار الصالحون الذين كان يحركهم من جملة ما يحركهم من المعاني الخوف: تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا. والانبياء قال الله سبحانه وتعالى عنهم انهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا. والملائكة الذين لا يعصون الله ما امرهم، قال الله فيهم يخافون ربهم من فوقهم.

والمشهد الاخير حين يدخل المؤمنون الجنة ويستمتعون بنعيمها يتذكرون السبب الذي اوصلهم الى ذلك المكان العظيم، السبب الذي اوصلهم الى ذلك النعيم، فقالوا وهم في ذلك النعيم وهم يتقلبون فيه اخذوا يتحدثون؛ اهل الجنة يتحدثون فيما بينهم، وبالمناسبة هذه من الامور الجميلة جدا في الجنة انه يتم هناك حديث في الجنة عن امور الدنيا، يعني عن ذكريات سابقة كانت موجودة في الحياة. طيب ايش المعنى الذي تذكروه وهم في الجنة مما اوصلهم الى هذا النعيم الذي هم فيه؟ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ. هذا الخوف وهذا كما قلت هذا المعنى يجب ان يشغل الانسان دائما، دائما. لا تقل لي معي شهادة شرعية ومعي كتب ومدري ايش ودراسة وخلصتها، هذا كله ليس هو المحك الحقيقي وليس هو محل الاختبار الحقيقي. محل الاختبار الحقيقي هو في ان تحافظ على اخلاصك لله وان تحافظ على ابتغاء وجه الله وان تجتنب ما حرم الله سبحانه وتعالى وان يكون العلم الذي تتعلمه دائما وقودا ودافعا لك لهذا الالتزام وهذا التمسك.

نسأل الله سبحانه وتعالى ان يقينا شرور انفسنا وان يقينا سيئات اعمالنا. اللهم انا نعوذ بك من شر ما عملنا ومن شر ما لم نعمل. اللهم انا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن. رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب. اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك. اللهم اهدنا وسددنا، اللهم اهدنا وسددنا، اللهم اهدنا وسددنا. اللهم انا نعوذ بك من الحور بعد الكور. اللهم لك اسلمنا وبك امنا وعليك توكلنا واليك انبنا وبك خاصمنا، نعوذ بعزتك لا اله الا انت ان تضلنا، انت الحي الذي لا يموت والجن والانس يموتون. اللهم صل على محمد وعلى ال محمد كما صليت على ابراهيم وعلى ال ابراهيم انك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى ال محمد كما باركت على ابراهيم وعلى ال ابراهيم انك حميد مجيد.