الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضاه. اللهم لك الحمد في الأولى والآخرة ولك الحكم وإليك المصير. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
نستعين بالله ونستفتح مجلسا من مجالس شرح المنهاج من ميراث النبوة، والباب هذا اليوم باب في غاية الأهمية، وهو باب متصل بمحاسن الإسلام، وهو باب في الحث على الاعتدال في الدين والتيسير فيه، والتحذير من الغلو والتشديد على النفس أو الغير. قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ. وقال سبحانه: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا.
ثم هناك مجموعة كبيرة من الأحاديث؛ هذا الباب من الأبواب الطويلة التي فيها أحاديث كثيرة، وحقيقة هذا الباب في غاية الأهمية، وهو من محاسن الدين، لا باعتبار التيسير فقط؛ يعني إحنا نقول هو من محاسن الدين، هذا الموضوع هل هو من محاسن الدين باعتبار ما فيه من اليسر؟ نعم، هذا واحد، ولكن هناك اعتبار آخر يجعل هذا الباب من محاسن الدين.
وهذا الاعتبار هو ما في هذا الدين من ربانية؛ حتى إن هذا الدين مع أنه جاء في مرحلة مليئة بالظلمات والكفر والشرك والجاهلية، وجاء هذا الدين يدعو النبي صلى الله عليه وسلم فيه إلى عبادة ربه وإلى توحيده، وكان هناك حالة إقبال عظيمة جدا ممن دخل في هذا الدين، ومن محاسن هذا الدين أنه جعل حالة الإقبال هذه منظمة بحيث لا تزيد عن حدها، لأن العالم بالنفوس سبحانه وتعالى يعلم أن هذا الإقبال إذا زاد عن حده فسياتي بنتيجة عكسية.
وهذا الموضوع بالنسبة للبشر يأتي بعد تجارب طويلة، لكن من جملة ربانية هذا الدين، وما يثبت ربانية هذا الدين هو أن هذا الدين من بدايته جاء فيه الحث على الاعتدال. تفضل أبو أحمد إذا أحببت. هذا المعنى من محاسن الدين العظيمة، ومن أظهر الدلائل على ربانية هذا الدين؛ لأن الدين هذا لو ترك على رغبة الناس ورغبة الصحابة بدون توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لزادوا في الحد كما حصل، ولكن حصل من بعضهم مواقف، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوجه الصحابة، ولذلك سنجد في هذا الباب مواقف متعددة من الصحابة كان فيها شيء من الغلو أو شيء من تجاوز الحد، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يربيهم على القصد والتوسط، وهذا من أعظم أسباب الثبات على الدين.
طيب كيف حصل هذا في بداية الإسلام؟ هذا هو الذي يغذي في النفس ربانية هذا الدين العظيم. طيب، إذا هذا الباب هو باب في محاسن الدين من جهتين: من جهة ما فيه من التيسير، ومن جهة ما فيه من الربانية والعظمة والمعرفة بالنفوس؛ بحيث تقاد النفوس وتهذب بما لا جور فيه، لأن الجور من شأنه عدم الثبات.
الأمر الثاني قبل أن نبدأ بالتفصيلات بالنسبة للغلو والتحذير من الغلو؛ الغلو المقصود به هو مجاوزة الحد. لكن ما صوره الأساسية أو متعلقاته الأساسية التي يمكن أن يكون منهيا عنها في هذا الدين؟ الغلو عندنا يكون في أنواع:
أولا: يكون الغلو في الأشخاص، وهو من الغلو المذموم الذي حذر منه الإسلام، يعني بعض ما ذكر في هذا الباب من تفصيلات يعود إلى هذا النوع: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ. الغلو في الأشخاص جاء الدين بالتحذير منه، والأشخاص الذين يغلو الناس فيهم عادة يكونون ممن يعتقد فيهم الصلاح، ومن يعتقد فيهم أنهم وسيلة إلى الله سبحانه وتعالى، وأكثر من يمكن أن تعتقد هذه الأمة فيه ذلك من حيث الإمكان أو التصور العقلي هو النبي صلى الله عليه وسلم، بحكم أنه سيد هذه الأمة وخيرها وأقربها إلى الله عز وجل. ولكن يأتي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم محذرا فيه من الغلو في شخصه؛ فيقول كما في البخاري: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله. وثبت أيضا في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من مشابهة أهل الكتاب؛ في أن أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح بنوا على قبره ثم اتخذوه مسجدا، إلى آخر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
النوع الثاني من الغلو المنهي عنه هو الغلو المتعلق بالعبادة، مجاوزة الحد في العبادة له صورتان أو بابان: باب مجاوزة الحد في العبادة من جهة الاستغفار الزائد منها عن الحد، الذي من شأنه أن يعود على النفس بعد ذلك بالفتور. والنوع الثاني هو باب المنع النفسي عن كثير مما أباحه الله أو أحله الله بسبب العبادة؛ بنية العبادة.
ثالثا: الغلو في الحكم على الآخرين، وهذا فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ثاني حديث في هذا الباب.
الأمر الرابع وهو قريب من الثالث، وهو الغلو في التشديد على الآخرين؛ التشديد في العبادة والتشديد في الدين، وهذه كلها من أنواع الغلو المنهي عنها.
كما استفت قبل قليل، العجيب والعظيم في هذا الدين أنه كما أتى بمحاربة الجاهلية، وكما أتى بأهمية التمسك، وكما حث حثا عظيما على الإخبات والتوكل والاعتصام والقيام والتعبد والفرار إلى الله؛ ففي نفس هذا الوقت جعل هناك حدودا وضوابط يعلمها خالق هذه النفوس حتى لا تشد أو تخرج عن الحد.
الآية الأولى قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ، هذه في قضية الأشخاص، وأيضا أهل الكتاب غلو في العبادة التي هي راجعة إلى أي قسم؟ قسم المنع، أكثر شيء ذهبوا إلى الغلو في قسم المنع، فتعرف أنه كثير أنهم يمتنعون عن الزواج وكذا من المتدينين، وهذا كما قال الله سبحانه وتعالى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا.
وقال سبحانه وتعالى: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا. هذا خطاب من الله للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يستقيم كما أمر، فالله سبحانه وتعالى أمر بالاستقامة وحد طريق الاستقامة، فالإنسان يستقيم على طريق الله بنور من الله سبحانه وتعالى. وَلَا تَطْغَوْا، من المفسرين من فسر الطغيان هنا بتجاوز الحد من جهة الإفراط الذي هو الغلو في الدين، وإن كان بعضهم جعلها على وجه آخر، فهذا وجه الشاهد من الإتيان بالآية. وبالتالي يفهم الإنسان أنه كما نهي عن التقصير في الواجبات، فقد نهي عن الزيادة في الحد الذي هو الطغيان؛ فالطغيان هو أصلا الزيادة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، وفي رواية غير مذكورة هنا: والقصد القصد تبلغوا. أخرجه البخاري.
هذا الحديث من الأحاديث العظيمة في هذا الباب، بل هو أم في هذا الباب. النبي صلى الله عليه وسلم يبين قاعدة عامة وكبرى أن الدين يسر، هذا الدين جعله الله سهلا ميسرا، بابه باب رفع الحرج وبابه باب اليسر. ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، وهذه الجملة عجيبة وعظيمة في البلاغة والبيان؛ هذا الدين لا يغلب، فمهما أردت أن تصل فيه إلى حد تظن أنك قد انتهيت فيه من أمر الدين فلن تستطيع؛ متى ما أخذت الدين بطريقة تريد أن تجذبه كله إليك فاعلم أنه سيغلبك، فلن تستطيع أن تشاد أو أن تغلب الدين.
طيب إيش المطلوب؟ قال: فسددوا، والسداد هو الإصابة، يعني بما أنكم لن تستطيعوا أن تشادوا هذا الدين ولن تستطيعوا أن تغلبوه، فالمطلوب منكم أن تصيبوا فيما تتعبدون لله سبحانه وتعالى به، والصواب هذا والسداد لا يكون إلا بالعلم، وبالتالي تعلموا من دينكم ما يمكن أن تقيموا به العمل، أو اعملوا بما تعلمون من محكمات هذا الدين ومما بلغكم منه. وقاربوا؛ يعني ما لا تستطيعون السداد فيه تماما، قاربوا الصواب، وتعلمون أن الدين منه ما هو قطعي واضح، ومنه ما هو فيه مساحة للاجتهاد وفيه خلاف، قد لا يصيب الإنسان فيه النظر أو الصواب تماما، طيب إذا لم تستطع أن تصيب السداد أو الصواب تماما فلا أقل من أن تقارب، سددوا وقاربوا.
وأبشروا؛ وهذا أمر للمؤمنين بأن يستبشروا، المؤمنين المحافظين الحريصين على السداد والصواب أن يستبشروا بما رزقهم الله سبحانه وتعالى من التمسك بهذا الدين، وهو مقصد عظيم من مقاصد الشريعة. واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة؛ هذا تشبيه ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لحال المؤمن في عبادته كالمسافر في سفره؛ الغدوة السير في أول النهار، الروحة السير في آخر النهار، الدلجة في الليل. فهنا كأنها أوقات يحتاجها المسافر، لاحظوا شيء وشيء من الدلجة، لكن استعينوا بالغدوة والروحة، الغدوة والروحة هذه أوقات نشاط وأوقات سير أصلا، الدلجة وقت راحة، لكن خذ منه شيئا، خذ من راحتك شيئا، هذا في السير إلى الله سبحانه وتعالى. خذوا الواجبات الأساسية تمسكوا بها، اعملوا بها، ثم خذوا حظا من الكمال من الليل من القيام من الأعمال التي يمكن أن تتبلغ من خلالها، أو في الأوقات التي يمكن أن تقتنصوها من مساحات الراحة. فهذا الحديث متكامل في أطرافه؛ فهو يقول أولا: الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، ثم سددوا وقاربوا وأبشروا، ثم استعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، فلا تسيروا كل الوقت، لا تسيروا كل الوقت، لا تحملوا النفس في كل أوقاتها على العمل الذي قد يؤدي إلى هلاك هذه النفس، بينما المطلوب هو أن يكون هناك أوقات للراحة، فاستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة. وبعضهم حملها على نفس هذه الأوقات بعينها في العبادة، وأنه ليس فقط مثال تشبيه في المسافر، وإنما حتى هذه الأوقات مقصودة لذاتها في قضية التعبد.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما. أخرجه البخاري. هذا الغلو في الحكم على الناس. النبي صلى الله عليه وسلم أكد وشدد على قضية الأخوة بين المؤمنين، وهذا المعنى مؤكد في كتاب الله سبحانه وتعالى، وهو من محكمات الشريعة ومن مركزيات الدين، ومن الأمور العظيمة التي جاء الحث عليها من أول الإسلام. من أعظم كون هذا الباب عظيما في الدين، جاء إطلاق وصف الكفر على من خالف فيه المخالفة الكبيرة، والكفر المقصود به ليس الكفر المخرج من الملة، وإنما كفر دون كفر، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر. وهذا أخرجه البخاري. وحديث آخر أيضا في البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. وهذا الوصف، إطلاق الكفر على القتال بين المؤمنين، هو من عظم أصل الباب، الذي هو العلاقة بين المؤمنين، الأواصر بين المؤمنين التي ينبغي أن تكون من التشديد في قضية الأخوة، يعني أقصد أن هذا الباب معظم في الشريعة، وبالتالي المخالفة حين تصل إلى أعلى درجاتها وهي القتال، يوصف هذا الفعل المناقض لمحكم الأخوة في الدين بانه كفر. وهنا نفس الشيء، صورة من صور التجاوز بين المؤمنين، أن يقول المؤمن لأخيه يا كافر، فتكون النتيجة أن يبوء بهذه الكلمة أحد هذين الرجلين.
مهم جدا لمن يريد أن يفقه محكمات الشريعة أن ينظر في الباب، وينظر فيما يناقضه ويضاده مما ورد فيه في الشريعة؛ فإذا نظرت إلى باب الأخوة في الدين تريد أن تعرف مكانته، لا تأتِ فقط من النصوص التي تحث على الأخوة والمحبة، وإنما انظر أيضا للنصوص التي تتحدث عما يناقض ذلك، كيف أتت؟ هل أتت بالتشديد؟ فمثل هذا الباب أتى فيه التشديد الكبير جدا، وهذا يدل على أهمية هذا الباب وخطورته.
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كانت عندي امرأة من بني أسد فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من هذه؟ قلت: فلانة، لا تنام بالليل، فذكرت من صلاتها، فقال: مه! عليكم ما تطيقون من الأعمال، فإن الله لا يمل حتى تملوا. أخرجه البخاري ومسلم. هذا الحديث عجيب، وجه العجب فيه أن الإنسان بمعرفته أو بمحبته للدين وبمحبته للإسلام...
في يعني، خلينا نقول في المعتاد إنه يستحسن هذه الصورة، يعني حين يسمع عن امرأة أو الرجل لا ينام من الليل وإنما يصلي، فالأصل إن الإنسان يستحسن هذا المنظر، فيقول: سبحان الله يعني عجيب، انظر إلى عبادته وإلى دينه. لكن العجيب أن تأتي هذه الصورة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فينهى عنها.
ينهى عنها، وهذا كما قلت خاصة في أول يعني في مرحلة النبوة، وأمر عجيب يعني لو كانت تجربة كما قلت طويلة جرب بعض العباد هذه القضية، ثم رأى أنها تؤول بالإنسان إلى الانقطاع وما إلى ذلك، فهذا مفهوم، لكن هذا كما ذكرت وأسلفت في البداية مما يؤكد ربانية هذا الدين العظيم.
النبي صلى الله عليه وسلم يقول: مه عليكم ما تطيقون من الأعمال، فإن الله لا يمل حتى تملوا. الله سبحانه وتعالى لن يقطع عنكم الأجر ولن يقطع عنكم الثواب مهما ايش أقمتم في الأعمال، ما الذي تخشونه؟ ما الذي تخشونه؟ أنت تتعامل مع الله سبحانه وتعالى تعامل من هو قائم سبحانه وتعالى على كل شيء، ومن هو من يعطي بالليل والنهار.
فالإنسان يعني النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يقول يعني ما الذي تخشاه أن تأتي بالعمل وكأنك تريد أن تسابق، وكأنك تخشى أن يقطع الله عنك الثواب؟ الله سبحانه وتعالى لا يمل حتى تملوا. فهذا الاستمرار في العمل هو المطلوب. طيب، هذا أيضاً من أنواع الغلو التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الغلو في العبادة.
الآن ننتقل إلى صورة جديدة وهي الغلو من جهة المنع. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً.
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء.
هذا الحديث فيه قانون في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم عظيم، وظن بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس مطالباً بالعمل أو نظراً لكونه هو النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من هو عند الله سبحانه وتعالى، أن هذه المكانة وهذه المنزلة يعني قد تدفع إلى شيء من عدم الاجتهاد الشديد جداً، لأنه النبي صلى الله عليه وسلم خلاص غفر له.
وهذا الفهم للباعث على العبادة فهم خاطئ تماماً، وقياس الأمور القلبية المتعلقة بالخشية من الله والمحبة له بناءً على الكثرة التعبدية محض قياس خاطئ، وإن كانت هي واحدة من الدلالات في كثير من صورها.
فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا يريد أن يقول لأصحابه أن كوني خاتم النبيين، وأن كوني قد غفر الله لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، هذا لن يؤدي إلى أني سأقلل من العبادة أو سأتعامل مع العبادة على أنها شيء لست محتاجاً إليه أبداً، بل إن خير ما يمكن أن يتعبد به الله سبحانه وتعالى هو ما أسير عليه، هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: أما إني لأخشاكم لله وأتقاكم له. ثم قال: فمن رغب عن سنتي فليس مني. فالقضية ليست في من يصلي أكثر، وإنما القضية الحقيقية هي في من يتبع النبي صلى الله عليه وسلم أكثر، من الذي يوافق النبي صلى الله عليه وسلم على طريقته في العبادة.
وفي الحديث طيب، ماذا لو لم يأتِ الدين بتهذيب النفوس من ناحية عدم الزيادة؟ لو لم يأتِ الدين بتهذيب النفوس من جهة عدم الزيادة لوجدت الصحابة مذاهب شتى، لوجدت الصحابة مذاهب شتى رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الله سبحانه وتعالى: وَيُزَكِّيهِمْ. أتى بتزكيتهم، وهذه التزكية تأتي بأساس العبادة وتأتي بحدودها وضوابطها.
حالات الإقبال على الدين، حالات الإقبال على الدين من أعظم ما يخاف من يعني نقول في قضية انحرافاتها هي قضية الغلو. حالات الإقبال على الدين، يعني الآن أنت عندك مثلاً حالات الإعراض عن الدين، مركزية الخطاب يجب أن تكون هي في استعادة الناس إلى الدين، وفي استجلابهم إليه، وفي تليين قلوبهم، وفي استصلاح نفوسهم لي التمسك بالعبادة.
لكن لما يكون عندك الحالة العامة هي حالة إقبال وحالة تمسك وحالة استقامة، فهنا تتأكد الحاجة إلى قضية التوازن. الحديث عن التوازن نحن في مثل زماننا هذا نحتاج إلى الخطابين بحسب المخاطب؛ لأنه زماننا هذا هو زمان في جملته زمان إعراض، ولكن يوجد فيه حالات إقبال، ويوجد فيه حالات شبابية كثيرة مقبلة على العلم ومقبلة على التدين ومقبلة على الاستقامة.
هذه الحالات الشبابية المقبلة على التدين والاستقامة تحتاج إلى هذه الضوابط، وتحتاج إلى هذه الحدود، وتحتاج إلى هذا التوجيه. ولذلك الفقيه في الدين حقاً هو الذي يستطيع أن يجمع بين الخطابين بحسب المخاطب.
ومن الخطأ الذي نشاهده في الواقع هو مخاطبة إحدى الفئتين أو مركزية خطاب إحدى الفئتين بما لا تستحق أو ما لا ينبغي لها، يعني يأتي شخص عند حالة ناس من يعني خلينا نقول ليس عندهم ذاك الإقبال على الدين ولا التمسك الشديد به، فيكون كل خطابه في التحذير من الغلو في الدين والتحذير من التشدد والتنطع والمدري ايش، أي تشدد يتنطع بالناس في هذا الخطاب العام لا يحتاج إلى أن تكون المركزية في ليست في هذا الموضوع.
لكن في نفس الوقت ونفس المتحدث، هذا إذا أتى إلى جهة أخرى فيها حالة الإقبال الشديد، فينبغي أن يتحدث عن الأمرين، عن الحث على العبادة والعبودية وقيام الليل، وأيضاً يتحدث عن قضية الحدود والضوابط، فما بالكم لو كان المخاطب فئة عرفت بالغلو أصلاً؟ فهنا يجب أن يكون الخطاب أكبر، وهذا هو الفقه في الدين، هذا هو الفقه في الدين.
لذلك اليوم قد يأتي البعض يقول: أنت ايش الفائدة تحدث عن الغلو في الدين؟ نحن في هذا الوقت الحديث عن الغلو في الدين هذا العام بالعكس. فنقول هذا الكلام فيه تفصيل، إذا قصدت أنه هل بشكل عام الخطاب العام للمسلمين هل هو وقت الحديث عن الغلو في الدين والتشديد؟ أقول لك لا، وإن كان ينبغي أن يذكر بقدره جيد. لكن هل بعض الدوائر وبعض الحالات تستحق أن يكثف فيها هذا الخطاب؟ الجواب نعم، فهذا هو موجب الفقه في الدين، بأن يتوازن الإنسان ويعرف موجبات كل دائرة وكل حالة مخاطبة.
هذا الحديث من الأحاديث العظيمة جداً في بيان بركة النبي صلى الله عليه وسلم وفضل اتباعه. النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث هنا عن: فمن رغب عن سنتي فليس مني. وهذا يشمل الجهتين، يشمل من رغب عن سنته فزهد فيها ولم يتمسك بها، ويشمل من رغب عن سنته أي سار عليها إلى درجة معينة ثم زاد عليها ما ليس منها، فكلاهما راغب عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
هو في موافقة هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك من أعظم الأسباب الموجبة لرضوان الله سبحانه وتعالى موافقة هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الموافقة لا تكون إلا بالعلم، لا تكون إلا بالعلم. ولأجل ذلك من أعظم بركات العلم القدرة على موافقة النبي صلى الله عليه وسلم في عبادته، وهذا يوجه النفس إلى أبواب من العلم، يعني من أشرف أبواب العلم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
من أشرف أبواب العلم العلم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم لها بابان كبيران: باب السنة التفصيلية وهو ما هو مذكور في كتب الحديث، وباب السنة الإجمالية والشمولية وهو ما يذكر في كتب السير أو كتب المغازي وما إلى ذلك.
طيب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته: هات القط لي. فلقطت له حصيات هن حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده قال: بأمثال هؤلاء وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين. أخرجه النسائي.
فائدة حديثية سريعة في النسائي: تعلمون النسائي، السنن النسائية واحدة من الكتب الستة، والسنن النسائي لم يعتنَ بها كثيراً من جهة طلاب العلم وطلاب الحديث، وإن كانت لها القيمة الكبيرة جداً. قد يكون هذا له أسباب متعددة، يعني ليس هذا وقت الحديث عنها، لكن سنن النسائي حري أن يهتم بها ويعتنى بها، خاصة من جهة كون عناية الإمام النسائي بصحة الأحاديث، يعني هذا لم يذكره هو شرطاً، ولكنه كانت له عناية حقيقية بانتقاء الأحاديث.
فالأحاديث التي أخرجها النسائي في سننه ولم يعلها بشيء، هو النسائي يتحدث عن علل الحديث، يعني يُعِل أحياناً بطريقة مباشرة فيقول: هذا حديث منكر، هذا حديث كذا، وأحياناً يذكر اختلافات الطرق، أما الأحاديث التي لم يعلها بشكل مباشر ولا بشكل غير مباشر، فالأصل فيها الصحة، الأصل فيها الصحة. قد يقع هناك يعني شيء من التنازع في بعضهم يعني أفراد هذه القاعدة، لكن النسائي يتحرى.
وعموماً الحديث عن هذا يطول، لكن هذه فقط فائدة سريعة. النبي صلى الله عليه وسلم في الحج قال لابن عباس: هات القط لي. فلقطت له حصيات، هن حصى الخذف، الحصى الذي يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرمي به الجمرات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس مثل حصى الخذف أو هو ابن عباس لقط له مثل حصى الخذف، الحصيات الصغيرات التي يعني يُحذف بها جيد.
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم موجهها لابن عباس أولاً وبقية الصحابة ثانياً: بأمثال هؤلاء. أي هذه الحجرات الصغيرات التي تؤدي غرض العبادة، أي لا تأتيني بحجارة كبيرة ولا يفعل أحد منكم ذلك، لأن القصد ليس هو ضرب الشيطان وكسر هذه الجمرة أو الشاخص هذا، وإنما القصد هو أداء هذه العبادة. ولذلك في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله. لإقامة ذكر الله.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يقول إنه يعني هذا الحد المقتصد تؤدى به هذه العبادة، فلا تبالغوا، فلا تبالغوا. قال: وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين. وهذا لو فكرتم فيه هو أمر يعني قد يبدو أنه يسير، لأنه حجارة في الأخير يعني ما فعل شيئاً أكثر من ذلك، أو المجاوزة فيه، يعني بدل ما حجر صغيرة، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم يربط هذا بقضية الهلاك، وهذا في غاية الخطورة، وينبه على خطورة هذا الباب عموماً.
ثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسماً، أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل. فقال: ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل. فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. أخرجه البخاري ومسلم.
هذا الحديث من أصح الأحاديث، من أصح الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم. هو حديث متواتر، وذكر الإمام أحمد أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث من عشرة أوجه، وحديث وردت له طرق متعددة عن عدد من الصحابة في البخاري وفي مسلم فضلاً عن غيرهما، فهو حديث ثابت صحيح. صحيح أقصد في الدرجات العليا، مجرد كوني في البخاري ومسلم لكنه هو في الدرجات العليا من الأحاديث التي في البخاري، نظراً لكثرة طرقه ولتواتره عن النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا الحديث حديث عجيب في من عدة أمور، من عدة وجوه. الوجه الأول: النبي صلى الله عليه وسلم أخبر فيه عن أمور من الغيب ستحصل ثم حصلت كما أخبر، وهذا أمر في غاية العجب، وقد كان من آياته ومن دلائل النبوة، ويذكره دائماً العلماء في دلائل النبوة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر في هذا الحديث أموراً حتى تفصيلاً في بعض الروايات، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم صفة بعض المقتولين في هذه الفئة.
وحتى إن علي رضي الله تعالى عنه حين قاتل أولئك الخوارج لما انتهى القتال قال علي بن أبي طالب: ابحثوا، التمسوه، فلان بين القتلى، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بصفته. التمسوا فلاناً بين القتلى، فذهبوا فلم يجدوه، فقال: التمسوه. فذهبوا إلى أن وجدوه، فذكر علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه هذا الحديث، وكان يقول: لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل. أما يعني ثم ذكر أنه إذا كان بيني وبينكم.
في الحرب خدعة، يعني لكن أنا إذا حتى تحدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن أقول عليه ما لم يقل، هذا فيه لفتة وفائدة أخرى وهي أيضاً أمر عجيب جداً ويدل على عظمة أولئك الصحابة رضي الله تعالى عنهم. طبعاً تعرفون علي رضي الله تعالى عنه في صفين كان أشد عليه من قتاله مع الخوارج، كان أشد عليه من قتال مع الخوارج؛ الخوارج لم تكن المعركة معركة صعبة جداً، يتغلب المسلمون والصحابة رضي الله عنهم سريعاً على الخوارج، وقتلوا في النهروان، قتل الخوارج أغلبهم قتلوا، لكن قتال في صفين هو الذي كان قتالاً شديداً جداً، وكان قتال فيه إحن وفيه ومؤلم، وهو الذي فيه الالتباس، بخلاف القتال الذي كان مع الخوارج لم يكن قتال التباس، ولذلك بعض الصحابة الذين توقفوا في القتال في صفين شاركوا في القتال، قتال الخوارج.
طيب، ما جانبي بالعظمة هنا؟ جانب العظمة هنا أنه مع كون ذلك القتال شديداً جداً الذي شديداً جداً إلا أن علياً لم يروِ فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، لم يروِ فيها شيئاً، ولو روى لصدق، لم يروِ عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء دينهم ولا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولا إلى آخره، جيد؟ واضح؟ وإنما كان لا يستدعي شيئاً من يعني نحن نقول مما سمعوه عن النبي صلى الله عليه وسلم أو شيء، وإن كان قد روى عن بعض الصحابة شيء من ذلك لكن لم يأتِ فيما أعلم عن علي بن أبي طالب شيء من ذلك، وهو ولما جاءت الخوارج حدث بما سمع، وهذا يدل على أمانة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
بالنسبة لهذه الحديث؛ هذا الحديث حديث عجيب في الكشف عن نفسيات بعض المسلمين وعن كشف النفسيات المتشددة، التشدد في الدين يعني بتعبيراتنا المعاصرة خلينا نقول هو ترى نفسية معينة، نفسية معينة، رابط معين يمكن أن يجمع النفوس المتشددة في الدين، وهذا الرابط مهم جداً أن يُفهم؛ لأن النفس البشرية عجيبة، والتدين أمره عجيب، والتشدد في التدين أمره عجيب، ولذلك البحث في هذا الباب بحث مهم جداً حتى باب الضلال، يعني الآن الخوارج لماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن يعني يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم"، ثم يقول: "إنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ويقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم". القرآن، فلماذا ضلوا؟ الفهم هذا الباب فهم مهم جداً، يعني يعين على فهم النفوس البشرية ويعين على فهم حتى السنن الإلهية في الهداية وفي الإضلال أو الضلال.
الخوارج من مشكلاتهم خلينا نقول يتجاوزون الحد في تقييم النفس وفي تقييم الآخرين؛ يعني هو يجاوز حد نفسه بأن يزيدها عما ينبغي أن تكون عليه، ويقلل من شأن غيره عما ينبغي أن يكون عليه. الآن هذا الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "اعدل"، وفي رواية: "اتقِ الله"، جيد؟ وفي رواية أيضاً في الصحيح: "إنها لقسمة ما أُريد بها وجه الله"، يقول النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الآن أول شيء هو جاوز بنفسه الحد، فظن أنه هو المحقق لقضية التقوى إلى أعلى درجة، ثم قلل من شأن غيره، وهذا شأن الخوارج دائماً، شأنه الخوارج دائماً مهما اختلفت الأقوال ستجد أنهم على نفس السمت، على نفس هذه النقطة، نقطة أن هو يجاوز بنفسه الحد، نحن أصحاب الحق، المنهج التوحيدي، التوحيديين، وأولئك دائماً يعني الخوارج ما عنده، هو بس هو كذا وغيره، لازم يعني هي ثنائية، لازم تجتمع فيه؛ الزيادة في الظن بالنفس من جهة إصابة الحق، والزيادة في إسقاط الغير من جهة عدم إصابة الحق، حتى فعلوها مع النبي صلى الله عليه وسلم.
الغير هذا دائماً يكون أفضل منهم، الغير الذي يواجهونه والذي يقللون شأنه هو دائماً أفضل منهم ودائماً أعلم منهم، فعلوها مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم فعلوها مع علي بن أبي طالب والصحابة رضوان الله تعالى عليهم، حتى اجتمعوا يتناقشون في قضايا الأمة، فرأوا أن مشكلات الأمة الإسلامية تتلخص في علي ومعاوية وعمرو بن العاص، والفكره حل المشكلة في قتل هؤلاء الثلاثة، واجتمعوا بالفعل، خططوا لهذه القضية واتفقوا، وذهبوا، قُتل، قُتل عبد الرحمن، قُتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولم يستطيعوا قتل معاوية وعمرو رضي الله تعالى عنهما، هم دائماً هكذا؛ يرون في أنفسهم إصابة الحق القطعي المطلق في قضايا ليست كذلك، ويرون في غيرهم الذي هو أعلم منهم دائماً أنه ليس كذلك.
طيب لماذا لم يروا في الأعلم أنه يعني خلينا نقول أعلم؟ هذه إشكالية الخوارج، إشكالية الخوارج هي عدم، ما يقدر، ما يستطيع يبصر حسنات الغير إذا لم يوافقه في الجزئية التي يؤمن بها، ما يستطيع، هو عنده قضية محددة واحدة، هذه القضية الواحدة وافقتني عليها أنت إمام الدنيا، إذا كان عندك شيء من العلم، إذا لم توافقني عليها لا أستطيع أن أبصر حسناتك، أو أن حسناتك لا تعني لي شيئاً أصلاً، لا تعني لي شيئاً، وماذا يعني أن تنفع الناس؟ وماذا يعني أن تكون إماماً؟ وماذا يعني أن تكون هذه كلنا يعني بشيء؟
هذه واحدة من القضايا، القضية الأخرى عند الخوارج هي الجرأة على الحدود الدينية المحكمة، الجرأة، استسهال، خلينا نقول قفز على الحدود الدينية المحكمة. من الحدود الدينية المحكمة عصمة دم المسلم وعصمة ماله وعرضه، من الأمور الدينية المحكمة ما يتعلق بالأخوة بين المؤمنين وإلى آخره من الأمور الدينية المحكمة، قضية عدم الجرأة على التكفير، "من قال لأخيه يا كافر" كما مرت معنا قبل قليل فقد باء بها أحدهما. على القضايا المحكمة، يعني لازم الإنسان يا جماعة الخير يكون لحدود الدين عنده هيبة، ما هو معظم في الشريعة ينبغي أن يكون معظماً، الإنسان يخاف، نفس الشيء في المحرمات، ما هو معظم في المحرمات يجب أن تخاف، يجب أن يكون فيه هيبة، لا تتقحم، لا تتجرأ، إذا جمعت بين الأمرين بطريقة صحيحة بإذن الله تعالى تسلم.
إيش الأمر الأول؟ الأمر الأول: اعرف قدرك واعرف قدر من هو أعلم منك. الأمر الثاني: احفظ المحكمات والأمور المشددة في الدين، احفظها ولا تتقحم، لا تتجرأ، أعطها قدرها، تهيب، تهيب، لا تستسهل القضية، متى ما سهلت في النفس، سهل بعد ذلك مخالفاتها في العمل. الأمر الثالث وهو من أظهر الأمور في قضية الخوارج هي الجهل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، الجهل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم تحديداً، وعدم الأخذ بها بشمولية، تجدهم مثلاً يأخذون آيات معينة، وهذه الأمر الرابع الذي هو عدم النظر الشمولي للفقه في الدين، أخذ آيات معينة، مواقف معينة. لذلك هنا في الحديث، هذا الحديث حديث أبي سعيد لم يأخذوا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث الذي سيأتينا بعد قليل لم يفهموا هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي حديث أول حديث في صحيح مسلم في كتاب الإيمان، لما أرادوا أن يخرجوا، ذكر عبد الرحمن بن يعمر لما ذكر الخوارج وقصة أنه الثلاثة الذين أو مجموعة كانوا أرادوا أن يخرجوا على المسلمين، قالوا فقط نروح نحج وبعدين نخرج، بنسوي الحج وبعدين يروح يقاتل المسلمين، فمروا على المدينة فرأوا جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما وهو شيخ كبير مستند على سارية في المسجد ويحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث الشفاعة، والخوارج ينكرون الشفاعة، ثم قال هذا الرجل، قال: أترى هذا الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وفاء رجع عن أنه هو يكون يعني أنه يخرج على المسلمين.
طيب، أول شيء هي المعلومة يعني المفروض أنها يعني تواصلتك، يعني أول شيء أنت عارف أنه يعني الصحابة بيحدثوا هذا عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فـ يعني ترى هذا الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ما ذكرتهم قبل قليل أن هو قضية أهل العلم وكذا، طيب هم الصحابة يعني نقول الإنسان يكون قد سلم لهم مبكراً، ثم بعد ذلك الجهل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما استمع الإنسان يعني حديث النبي صلى الله عليه وسلم بشكل مباشر كان له أثر عليهم.
من المفارقات قبل أن أنتقل للحديث التالي، من المفارقات العجيبة والتي تدل على اعتدال أهل العلم، أنه الخوارج وردت فيهم أحاديث شديدة جداً شديدة جداً، "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد"، هذا ثابت: "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد"، وهذا الحديث "يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"، جيد؟ وهي أحاديث يعني فيها، يعني هي موجهة إلى فئة واضحة ومحددة وأتت فيها كل هذه النصوص، أقول مع ذلك جماهير أهل العلم لم يكفروا الخوارج، جماهير أهل العلم نصوص مثل هذه، ولم يرد تشديد مثل هذا، وهذا مسائل يحصل فيها التباس ويحصل فيها خطأ ويحصل فيها قلة علم ويحصل فيها التقليد لأناس من أهل العلم ولكنهم أخطؤوا في مسائل، ثم يأتي من يكفر بسبب هذه المسائل التي لم يرد فيها النص مثل هذا النص في حكم من خالف فيه، واضح الفكرة؟ فهذه يعني مفارقة مهمة أن تلاحظ.
"يقرؤون القرآن لا يجاوزه تراقيهم"، هذا أيضاً تستحق تأمل، تستحق تأمل بحيث أنه نحن يا جماعة الخير في زمن نحتاج فيه إلى استصلاح المسلمين، استصلاح الشباب وتربيتهم على القرآن، طيب هذا القرآن، خوارج قرأوا القرآن، يقرؤون القرآن، القرآن، أي علاقة مع القرآن؟ وخلاص، أنه الحمد لله إحنا عندنا برنامج قرآن، إيش برنامج القرآن؟ مثلاً حفظ القرآن، لا يكفي يا جماعة، لا يكفي. الفكرة الأساسية والمبدأ الأساسي من العلاقة بالقرآن هو مبدأ الاهتداء به، أن يكون هذا القرآن هادياً من الجهة العلمية ومن الجهة العملية، من الجهة التصورية ومن الجهة السلوكية، وبالتالي من أراد أن تكون علاقته بالقرآن علاقة صحيحة، ومن أراد من القائمين على البرامج والمراكز أن يربي طلابه على القرآن تربية صحيحة، فليفهم كيف كانت علاقة النبي وأصحابه بالقرآن، وكيف ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على القرآن. الذي يفهم طبيعة هذه العلاقة هو الذي يربي طلابه تربية صحيحة على القرآن، وإلا ترى علاقة الخوارج بالقرآن علاقة كبيرة، يعني علاقة الخوارج والقرآن كما في هذا الحديث علاقة كبيرة، حتى يعني هي من صفاتهم البارزة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم".
انظر إلى هذا النص المهم جداً من كلام الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى يصف شيئاً من أحوال العلاقة بالقرآن مع ما في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول ابن عبد البر: وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم وهم الذين خوطبوا بهذا الخطاب، أشوف الخطاب، هو أورد الأحاديث التي فيها الأمر بتعاهد القرآن وعدم نسيانه، يقول ابن عبد البر في التمهيد: وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم وهم الذين خوطبوا بهذا الخطاب، لم يكن منهم من يحفظ القرآن كله ويكمله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قليل منهم، أُبي بن كعب وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبو زيد من الأنصار وعبد الله بن مسعود، جيد؟ ولكن إيش قال؟ وكلهم كان يقف على معانيه ومعاني ما حفظ منه ويعرف تأويله ويحفظ أحكامه، وربما عرف العارف منهم أحكاماً من القرآن كثيرة وهو لم يحفظ سورها. قال حذيفة بن اليمان: تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، وسياتي قوم في آخر الزمان يتعلمون القرآن قبل الإيمان. سياتي قوم في آخر الزمان يتعلمون القرآن قبل الإيمان، هذا عن حذيفة وعن جندب وعن ابن عمر.
قال ابن عبد البر: ولا خلاف بين العلماء في تأويل قول الله عز وجل "يتلونه حق تلاوته" أي يعملون به حق عمله ويتبعونه حق اتباعه إلى آخر، خلينا نقول الكلام الذي ذكره ابن عبد البر رحمه الله تعالى في هذه المسألة أيضاً. أولاً دعوني أقرأ عليكم نفس الكلام من ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، يقول: لقد عشنا برهة من هذا كما قلت في، والحاكم إسناده صحيح، يقول ابن عمر: لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها، كما تعلمون أنتم اليوم القرآن، ثم لقد رأيت اليوم رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما أمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه، فينثره نثر الدقل. واضح؟
وكذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: الصحابة أخذوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم لفظ القرآن ومعناه، بل كانوا يأخذون عنه المعاني مجردة عن ألفاظه بألفاظ أخر، كما قال جندب بن عبد الله البجلي وعبد الله بن عمر: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فزدنا إيماناً. قال ابن تيمية: فكان يعلمهم الإيمان وهو المعاني التي نزل بها القرآن من المأمور به والمخبر عنه المتلقى بالطاعة والتصديق، وهذا حق؛ فإن حفاظ القرآن كانوا أقل من عموم المؤمنين. قال ابن تيمية أيضاً في موضوع آخر: المطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به، فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين.
فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين إلى آخر النصوص الكثيرة في ذلك. طيب، احنا الآن إيش مناسبة تذكر هذه النصوص؟ أنا أستأذن، مش مناسبة تذكر هذه النصوص، إيش علاقتها بالباب؟ ما رأيك؟ يعني الأخطاء ممكن يقع فيها الفوارق. يا سلام، اللي هي أنه السبت عن الخوارج أنهم يقرؤون القرآن، هذه صفة مستمرة فيهم لأنه يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ إِلَى صَلَاتِهِمْ، والصلاة هي موضع القراءة، ثم يقرؤون القرآن وفي نفس الوقت يقول لك لا يجاوز تراقيهم. لا يجاوز تراقيهم.
ثم هذه النصوص الفكرة والهدف منها هو أن نفقه حقيقة تعامل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع القرآن؛ لنقيم هذه العلاقة مع القرآن في معاهدنا ودروسنا ومع أنفسنا وفي أنفسنا قبل ذلك. وهذا يا جماعة الخير من الأمور المركزية في الإصلاح اليوم، من الأمور المركزية في الإصلاح اليوم، يعني إذا لم يكن في أهم المصلحين اليوم أن يعيدوا تعريف العلاقة بالقرآن فيكون التعريف صحيحاً، وأن تكون طبيعة العلاقة مع القرآن هي الطبيعة المحكومة بالعلاقة التي كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا سيؤدي إلى إشكال كبير وقد أدى.
طيب، احنا الحين بنيجي لـ يعني خلينا نقول مسك الختام في هذا المعنى، طيب مسك الختام في هذا المعنى إن شاء الله، بس يخرج معي سريعاً لأنه يريد أن أقرأه بالنص. هذا المعنى احنا قلنا مكون من جزأين صح؟ جزء متعلق بالخوارج، وجزء متعلق بطبيعة تلقي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة للقرآن. طيب ما وجدتهم الآن، مسح البحث ولكني سأذكره بما أتذكر، هذا فقه الأئمة العظماء المتقدمين، الإمام مالك في الموطأ. الإمام مالك الموطأ ماذا فعل؟ هذه مهمة، ماذا فعل الإمام مالك؟ أخرج حديث الخوارج، جيد؟ بعد ما أخرج حديث الخوارج مباشرة قال: وبلغني أن ابن عمر أخذ البقرة في ثمان سنوات.
شوف كيف ربط بين بين النصين، ربط بين النص هذا ممكن يذكر وحده، بس لما تربطه بنص حديث الخوارج، أخذ البقرة، لأنه كان مشغولاً، الفكرة أنه طبيعة تلقيه للبقرة وللقرآن تختلف عن فكرة الأخذ السريع الذي هو مجرد، كأنه يريد أن يقول الإمام مالك، كأنه يريد أن يقول إن أولئك أخذوا القرآن أخذاً سريعاً ولم يعتنوا به ولم يفقهوه ولم يأخذوا بما ينبغي أن يؤخذ فيما يتعلق بالقرآن بخلاف الصحابة الذين أخذوا القرآن بهذه الطريقة، فهذا الآن الربط بين الأمرين ولذلك نقول هنا خلاصة الكلام: إن من أهم أسباب العصمة من الضلال، ومن أهم أسباب العصمة من الانحراف فيما يتعلق بالغلو في الدين تحديداً: حسن أخذ القرآن، حسن الأخذ للقرآن، فهذا هو المعنى المهم في هذه الفقرة.
طيب، عن الأزرق بن قيس قال: كنا بالأهواز نقاتل الحرورية، فبين أنا على جرف نهر إذا رجل يصلي وإذا لجام دابته بيده، فجعلت الدابة تنازعه وجعل يتبعها. قال شعبة: هو أبو برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه، فجاء رجل من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ! فلما انصرف الشيخ اللي هو الصحابي قال: إني سمعت قولكم، وإني غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات أو سبع غزوات وثمانية وشهدت تيسيره، وإني إن كنت أن أراجع مع دابة أحب إلي من أن أدعها ترجع إلى مألفها فيشق علي.
هذا الحديث من الأحاديث العظيمة العجيبة والمهمة في منهجية فهم الدين. صحابة مصطفون أمام الخوارج، كان أحدهم قريباً من النهر قد يكون أولئك في الضفة الأخرى في مكان قريب من بعضهم، يصلي أبو برزة ممسك بلجام دابة، أخذت تنازعه بدأت تنصرف فكان ينصرف معها حتى لا تنفلت وتذهب. خوارجي يشاهدونه ولسان حالهم بل لسان مقالهم: اللهم دعوه على هذا الشيخ، الصحابي الجليل صلاحه كيف ما يقدر الصلاة يعني حيوان ولا الصلاة. إني سمعت قولكم.
وهنا تأتي النقطة العظيمة في الفقه في الدين، احنا قلنا قبل القليل إنه من أهم أسباب ضلال الخوارج الجهل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته. الآن لو كان عند أبي برزة حديث مباشر في المسألة لذكرهم، فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان أحدكم يصلي ونازعته دابته كذا كذا، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهة من وجه آخر شيء قريب من ذلك يعني هذا الباب فيه أصل في السنة، لكنه لم يكن عند أبي برزة فلم يقل: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا نازعت أحدكم دابته.
وإنما وهنا هذا الفرق الحقيقي بين الفقيه في الدين وبين عدم الفقيه، والخلو عن الفقه هو أنه شهد هدي النبي صلى الله عليه وسلم العام ومن ذلك الهدي العام أخذ مظلة، هذه المظلة اسمها التيسير، وهذا التيسير من تلك المظلة، أمطرت تلك المظلة على تلك الحادثة الجزئية، أمطرت حبل صلة بينهما؛ يعني هو رأى أن من التيسير الذي يفهمه من الهدي الشمولي للنبي صلى الله عليه وسلم ما يصدق على هذه الحالة الجزئية التي فيها منازعة الدابة، فهو يقول كأنه يقول الصلاة ممكن أن أقضيها يعني أصليها مرة أخرى، وهذه الدابة إذا ذهبت مصيبة يعني هذه تساوي سرقة السيارة.
جيد؟ أنت عندك سيارة وهي سيارتهم تساوي سرقة السيارة، أنت الآن نفس الموقف نفترض الآن نفس الموقف، فهمت؟ الآن تصلي وشفت واحد جاي جالس يكسر في السيارة وحياخذها وبيسرقها وأنت تصلي، فرض، جيد؟ تقطع الصلاة. ولا هو يدافع الأخبثان؟ طيب هذه أمر أهون بكثير من قضية ذهاب مثل هذا المال، جيد؟ هذا طبعاً في أساس إن شاء الله، وهو باله مشغول به، مثل ذلك، طيب يقطع الإنسان للصلاة. طيب في أشد من ذلك، الإنسان يصلي وأمامه شخص يغرق، هو في الركعة الأولى صلاة الظهر، الغريق، يقطع الغريق؟ قبل واحداً جيد؟
فهذه الموازنات شوفي يا جماعة الموازنات هذه تدخل في عقل كل أحد إلا عقل أصحاب الغلو في الدين، لا يمكن أن تدخل فيها، أنه كذا ولا كذا وهذا أفضل مصلحة، أوجب خير الخيرين. هذه العقل، العقل الخارجي وعقل الغلو ما يتبرمج على هذا المعنى، ما يدخل فيه، هو يدخل فيه الصورة الواحدة فقط، يا كذا، وبالتالي هنا ما استطاع أن يجمع بين أمرين، إذا فقد هذه الدابة سيفقد شيئاً كبيراً جداً، سيواجه مشقة طويلة وكبيرة وعريضة في رجوعه من هذا السفر والمكان يعني ما يقدر يوازن بين هذه القضية. نفس الشيء اليوم، الذين أخذوا بالغلو في الدين يعني احنا خلينا نقول من الصور المتأخرة الحديثة التي نعيشها اليوم من آثار مسألة التضليل لأبي حنيفة رحمه الله تعالى، أو حتى تكفير أي أحد رحمه الله تعالى رحمة واسعة، يعني ما يستطيع أن يستوعب، ما يستطيع يفهم أنه قضية ميتة في التاريخ، قضية انقلب الحال فيها، في عندك عامة المسلمين وعامة أهل السنة حتى أجمعوا إجماعاً متتالياً متوارداً على هذه المذاهب الأربعة وعلى الأئمة الأربعة وعلى أنهم أئمة المسلمين وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقرؤوا القرآن تلف به قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه كما في البخاري.
فما بالكم بمسألة من مسائل الأعيان، والحقيقة إذا فتحت الصفحة من الجهة العلمية التحقيقية ستجد أن من أئمة السلف الكبار من المتقدمين من مدحه وأثنى عليه كالإمام ابن داوود صاحب السنن وغيره من أئمة المسلمين، قبل ذلك شعبة بن الحجاج، طيب يا جماعة الأمة متفرقة، الأمة فيها مشكلات التنازع، كذا، ما تستطيع أن تستوعبه هذه قضية وتجعل من القضايا الأساسية هذه المسألة وأمثالها، يعني هي تكون كالفرقان بيننا وبينكم، هذه طبيعة النزاع بينه وبينهم، لا تستطيع أن تستوعب مصلحة الأمة الإسلامية، لا تستطيع أن تستوعب النظرة الشمولية، هذه القضية، وهذا كلام وارد في الكتب عن بعض كذا، هم ما الذي ينقص من الدين؟ أعطني شيئاً من الدين سينقص؟ وهل قضايا الأعيان هي قضايا محكمة في هذا الدين ينبغي أن يعرفها الجميع وأن تنشر بين الجميع فضلاً عن كونكم أخطأتم في هذا المعين أصلاً.
لكن الآن واحد من الشعراء الذين عاشوا في التاريخ الإسلامي من المشهورين عنده، هل يعني مما يُتعب له في الشريعة أن يشغل الناس بمثل هذه القضية ما موقفكم من فلان؟ قضية النزاعات وقضية خصومات، أنا على أي حال هذا من الإشكالات في هذا الباب.
طيب، أن أنس رضي الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا. أخرجه البخاري ومسلم. وعن أبي موسى رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه معاذ وأبا موسى إلى اليمن، فقال: يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا. أخرجه البخاري ومسلم. طيب، هذان الحديثان من الأحاديث التي تبين شيئاً من منهج الدعوي النبوي ومن المنهج النبوي الدعوي الإصلاحي. يرسل النبي صلى الله عليه وسلم اثنين من أصحابه من أهل العلم والفقه إلى اليمن ليعلما أهل اليمن ويكون من أهل يعني يقضيان فيهم ويقيمان الدين فيه، يعني هما من ورثة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك البلاد، والنبي صلى الله عليه وسلم يوصيهم بوصايا، وهذه الوصايا مهمة جداً لكل من يريد أن يكون وارثاً للنبي صلى الله عليه وسلم، ولو في أبواب معينة ولو من جهة معينة ولو بنسبة معينة، يعني من يقوم مقام الدعوة ومقام التعليم ومقام الإصلاح ينبغي أن يضع هذا الحديث التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم قال: طبعاً الوصية ليست لشخص وإنما لشخصين، وبالتالي أن تأخذها على كل شخصين فأكثر من العاملين للدين.
جيد؟ أولاً يسرا ولا تعسرا، يعني الآن يستصحب معاذ وأبو موسى أنه ترى النفس الروح المظلة المستصحبة أثناء دعوة الناس هي التيسير وعدم التعسير، وبطبيعة الحال هذا يتوجه في الأساس يتوجه لما فيه نص أم ليس فيه نص من الدين؟ لما ليس فيه نص في الأساس، وما فيه نص يتوجه له في خلينا نقول في النظر في الحالات، هذا معذور، هذا كذا، هذا إلى آخره، جيد؟ لكن أن تكون الوصية المستصحبة هي التيسير فهذا يجعل تعامل الداعية وتعامل المصلح مع الناس تعاملاً يجعله يرجح أشياء، يميل إلى أشياء باعتبار التيسير. ولذلك ترى حتى في الأصول في أصول الفقه حين يذكر العلماء قضية الخلاف وكذا أنه التيسير أحياناً، الأخذ بأيسر القولين أحياناً في باب معين، ضوابط معينة في سياق معين يكون أحد المرجحات، واضح الفكرة؟ يكون أحد المرجحات، مرجحات كثيرة مختلفة.
طيب، وبشرا ولا تنفرا، التبشير وتحبيب النفوس في الدين مقصد من مقاصد الدين العظيم، مقصد من مقاصد الدين العظيم، والعمل الذي يؤدي إلى التنفير من الدين من أعظم ما حرمته الشريعة. لاحظ التنفير الآن ليس هو الإنذار، التنفير ليس هو الإنذار، البشارة والنذارة هما من مقاصد الشريعة، الحديث عن الجنة والنار، الحديث عن الرحمة والعذاب، الحديث عن الثواب والعقاب، الحديث عن الحسنات والسيئات هذا كله من الدين، لكن الحرص الشديد على ألا يكون الإنسان منفراً. طيب كيف يكون الإنسان منفراً؟ بأن يخترع شيئاً من الدين ليس منه؟ الجواب لا، هذا أكيد، لكن قد يكون الإنسان منفراً باختياره لأشياء من الدين ليس هذا مقامها وليس هذا وجهها وليس هذا المقتضى الفقهي فيها، فيكون منفراً وإن كان الذي فعله من الدين، أعني أنه نص من الدين أو تصرف له اتصال بالدين.
كما فعل معاذ نفسه الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم هنا إلى اليمن، معاذ قبل هذا الموقف كان قد فعل فعلاً وهو أنه صلى بأصحابه بقومه فأطال الصلاة، وكانت الصلاة صلاة العشاء، وصلاة العشاء بالنسبة للعرف لمن يعيشون في المدينة، من يعيشون في تلك المرحلة، هي يعني خلينا نقول الناس يصلون إلى تلك الساعة وقت تعبوا، أن الناس لم تكن تنام في النهار، إلا هو يعني تغني إلا بالكاتو توصل إلى الليل والناس تعمل ومن الفجر، لما يأتي العشاء الناس تعبانة كما تعلمون. حين أخر النبي صلى الله عليه وسلم العشاء قال عمر: يا رسول الله رقد النساء والصبيان، جيد؟ في رواية أيضاً أخرى، فجعل تخف رؤوسهم، فمعاذ بن جبل رضي الله تعالى صلي العشاء فقرأ بالبقرة، جيد، فقرأ بالبقرة. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وسأله، فلم يعتب عليه بشيء، وإنما عتب على معاذ عتباً شديداً وقال له كلمة صارت عنواناً من العناوين المشهورة وهي: أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟
بماذا؟ ما الذي فعله معاذ؟ سواء البقرة ولم يأت بشيء، لم يأت بشيء من خارج الدين ولم يأت بشيء متشابه من الدين ولا بنص، أتى بالقرآن، أتى بالقرآن! ولذلك ترى من استعمل المنطق البسيط بدون ما ينظر نظرة شمولية سيقول نفس الكلام الذي قيل في الرجل، هو أنه إيش منافق؟ خير إن شاء الله، صلاة مع المسلمين وإمام معين من النبي صلى الله عليه وسلم وأنت بنص الصلاة تروح تسحب نفسك تطلع منافق؟ تخيلوا ما عالج النبي صلى الله عليه وسلم هذا الموقف، بركة العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم بركة عظيمة جداً، بركة تضبط الناس. لذلك اليوم نفس الشيء، نفس الشيء، إذا لم ينتبه الإنسان بهذا المعنى الشمولي وإلا قد يقع.
مثل ذلك هذا معاذ رضي الله تعالى عنه وأرضاه، حدث منه هذا الموقف، انظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن معاذاً يعني عنده ما يقول ويفقه ويتعلم، وهو من خيار أصحاب رسول الله، هو من علمائهم الكبار رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فلما بعثه ذكر فقال: وبشروا ولا تنفروا. ثم قال عليه الصلاة والسلام: وتطاوعا ولا تختلفا. تطاوعا ولا تختلفا، عنوان من العناوين الإصلاحية الكبرى بالنسبة للمجال الإصلاحي الذي فيه أكثر من شخص، أكثر من عامل، تطاوعا ولا تختلفا.
والتطوع هذا مو معناه بالضرورة توحد الرأي، وإنما التطوع اسم لحالة من التنازل، وحالة من عدم الإصرار على ما يمكن أن يكون سبباً للخلاف، لا تختلفا. ولا أظن أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تختلفا أي لا تختلفا في تصور القضايا والمسائل، وإنما المقصود لا تختلفا في الناحية العملية المترتبة على الاختلاف في الرأي، وإلا فالاختلاف في الرأي قد أقره النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث: لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة.
طيب، الحديث قبل الأخير، حديث سعد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن أمر لم يحرم، فحرم على الناس من أجل مسألته. أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له. هذا الحديث يؤكد مركزية هذا الباب في الشريعة، فقد كثرت فيه الأحاديث وتوالت وتواترت، وهو المعنى المؤكد لأهمية التسهيل والتيسير على المسلمين وعدم التشديد عليهم. وهذه صورة من الصور، أن يكون في وقت نزول الوحي شيء لم يحرم، لم ينزل فيه تحريم، مسكوت عنه، فيأتي أحد المسلمين فيسأل عن هذا الشيء، فيكون نتيجة هذا السؤال أن ينزل فيه تحريم معين.
وهذا الباب باب قد وضحه النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يحب المسائل من هذا النوع، وقد جاء في كتاب الله فقال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ. وحديث النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث المشهورة، قد يكون في إسناده ضعف. طيب، الآن هذا الحديث يفهم منه التشديد في هذا الباب، وقد يدخل في صورته من جهة معناها الكلي أو الشمولي من يشدد على المسلمين ويمنعهم ويحرم عليهم ما لم يحرمه الله ورسوله، ما لم يأتِ تحريمه في الشريعة، بل يدخل ذلك من باب أولى؛ لأن التحريم هنا الوارد في الحديث هو تحريم ثابت في الشريعة، صح ولا لا؟ يعني أعظم المسلمين في المسلمين من سأل عن أمر لم يحرم فحرم من أجل مسألته، طيب حرم من الذي حرمه؟ الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك الذي تسبب في ذلك بكونه سأل ما لا ينبغي أن يسأل عنه هو أعظم المسلمين في المسلمين، فما بالكم بمن يأتي بما لم يحرم في الشريعة وقد انتهى التشريع فيحرمه؟ فهذا يدخل في هذا الحديث من باب أولى.
الحديث الأخير عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: كنت أصوم الدهر وأقرأ القرآن كل ليلة. قال: فإما ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم وإما أرسل إلي فأتيته، فقال لي: ألم أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة؟ فقلت: بلى يا نبي الله، ولم أرد بذلك إلا الخير. فقال: فإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام. قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال: فإن لزوجك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً. قال: فصم صوم داود نبي الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان أعبد الناس. قال: قلت يا نبي الله وما صوم داود؟ قال: كان يصوم يوماً ويفطر يوماً؛ لأن هو كان يصوم الدهر. قال: واقرأ القرآن في كل شهر. قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال: فاقرأه في كل عشرين. قال: قلت يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك. قال: فاقرأه في كل عشر. قال: قلت يا نبي الله أفضل من ذلك. قال: فاقرأه في كل سبع ولا تزد على ذلك، فإن لزوجك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً.
قال عبد الله: فشددت فشدد علي، وقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر. قال: فصرت إلى الذي قال لي النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله صلى الله عليه وسلم. هذا الحديث حديث عجيب وعظيم، وهو حديث من الأحاديث التي تدخل تحت عنوان ويزكيهم. النبي صلى الله عليه وسلم كان بركة على أصحابه، وهو بركة على أمته وبركة على الدنيا كلها، هذا هو أكمل الهدي، وسنته أكمل السنن، وكما قال هو عليه الصلاة والسلام: فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم كان يربي أصحابه هذه التربية، وهذه التربية افتقدت في مراحل من عمر الأمة، أن الورثة للنبي صلى الله عليه وسلم وهم العلماء حصلت في مراحل، يعني احنا نقول حتى في المرحلة المعاصرة يوجد نقص في هذا المعنى، وهو ألا يكون العالم مربياً، أن يفتقد العالم معنى أن يكون مربياً، وهذا نقص وإشكال كبير جداً. استحضار معنى الوراثة النبوية مما يعين على أن يكون العالم مربياً، أليس كذلك يا أنس؟ ليش؟ اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، أنا أريد أن آتي بنص ذكرته لكم سابقاً، الشاطبي في الموافقات، انظروا الكلام الجميل، الكلام اللي هو ايش يا أحمد، نقول زي ايش الكلام الجميل مثل ايش؟ كلام سمح، طيب ايش يقول الشاطبي بالكلام السمح؟ يقول: المنتصب للناس في بيان الدين منتصب لهم بقوله وفعله، فإنه وارث النبي، والنبي كان مبيناً بقوله وفعله، فكذلك الوارث لا بد أن يقوم مقام الموروث، وإلا لم يكن وارثاً على الحقيقة. واضح؟ الآن لاحظوا هذه القصة التي قرأناها، قصة عبد الله بن عمرو، قصة تربوية. النبي صلى الله عليه وسلم يا جماعة كان مربياً، كان يربي أصحابه تربية، هذه ليست بالدروس فقط، ليست بخطب الجمعة فقط، ليس بالكلام فقط، أنه يأتي صحابي عنده إشكال معين فيقول كذا فيعدل الخطأ، يصلح كذا، جيد. هذه الممارسة العملية في التربية هي من أظهر ما يدخل تحت قول الله سبحانه وتعالى في وظائف النبي صلى الله عليه وسلم: ويزكيهم.
والحاجة تمس على مر الأعصار للقيام بنفس الدور والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الدور التربوي من أهل العلم، فلما ينتقل دور أهل العلم إلى مجرد البلاغ القولي يكون هذا نقصاً في وراثة النبي صلى الله عليه وسلم، وكما قال الشاطبي الموروث قائم مقام الوارث مقام الموروث، ينبغي أن يكون قائماً مقام النبي من جهة التبيين ومن جهة البلاغ، مقتدياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، ناهلاً من المعين الذي تركه عليه الصلاة والسلام. ولأجل ذلك إذا أردنا صلاحاً حقيقياً فلابد أن يقوم أهل العلم بهذا الدور، وأن يضيفوا إلى مكون التعليم مكون التربية، وإلا سيظل الأمر في نقص شديد. الناس لا تحتاج إلى مجرد الكلام، وإنما تحتاج إلى التربية، هذه التربية يكون جزء أساسي منها بالمواقف العملية، تربية تكون بالقول جزء منها بالقول بلا شك، مفاهيم معاني فقه معين، ولكن أيضاً جزء أساسي من التربية هو التربية بالفعل، والسيرة النبوية مليئة بالمواقف اللي مثل الموقف مع عبد الله بن عمرو بن العاص هنا.
عبد الله بن عمرو بن العاص أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يصوم الدهر ويقرأ القرآن كل ليلة، وهذا الفعل يذكر بما ذكرته قبل قليل أنه حالة الإقبال هي الأساس اللي كانت في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، يعني الحالة كانت حالة تمسك عظيم شديد بالدين حتى إنه يعني كان يحتاج التوجيه إلى تنبيه على ألا يتجاوز الحد في العبادة، ولكل مقام مقال. الفقيه هو الذي يخاطب الناس بما يحتاجونه، فإذا كان الحال بالعكس حال تفريط وإهمال وضعف في القيام ينبغي أن يوجه الخطاب إلى الحث على التمسك والقيام والصيام وما إلى ذلك، وحين تكون الحالة فيها زيادة فينبغي أن يكون الحث على الاعتدال وعدم المبالغة وعدم التشديد على النفس، والأمر يجمع بين هذين بحسب السياق، والفقيه هو الذي يقدر السياقات والحالات كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدر السياقات والحالات. والذي ليس بفقيه هو الذي يتعامل مع النص مجرداً عن الواقع ولسان حاله: أليس هذا من الحق؟ بلى، نعم هذا من الحق، ولكن ليس كل الحق ينزل في كل وقت، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان ينتبه لهذا المعنى ولا يقوم بكل الحق في كل الأحوال، بل قد يترك أموراً فاضلة من الحق إلى أمور مفضولة من الحق بسبب الحال.
وأنتم تعلمون قصة ترك هدم الكعبة ومن ثم بنيانها على قواعد إبراهيم، وأن كان هذا هو الأفضل، ليس ذلك، ولكن تركه النبي صلى الله عليه وسلم مراعاة لهذا الحال. وحين نقول قد يترك النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من الحق، لا يتركه إلى باطل، وإنما يترك شيئاً من الحق الفاضل إلى شيء من الحق المفضول في ذات الأمر، لكن باعتبار المجموع يكون ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم هو الأفضل. الفقيه هو الذي يقدر الحالات بحيث إنه يختار من الحق ما يكون هداية للحالة التي يتنزل عليها هذا الحق. هنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه لم يكن كبيراً في السن، كان شاباً، وكان يختم القرآن في صلاة الليل كل ليلة. معنى هذا يا أحمد كم ينام؟ طيب هو ما لحق ينام، من هنا وش يسوي في النهار؟ هو قائم بالليل وصائم بالنهار، طيب كم يصوم؟ كل يوم، كل يوم.
وهذه يعني نقول عجب الأثر الذي تركه النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه، بحيث صارت هذه حالة الهداية والإقبال العجيب، بحيث إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتاج أن يضع الحدود حتى ما يتجاوز. في البخاري قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: رد النبي صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا. هذا في البخاري، وكذلك في حديث الثلاثة الذين قال أحدهم: لا أتزوج، لا آكل اللحم، لا أنام الليل. وهنا عبد الله بن عمرو بن العاص يصلي يختم القرآن كل ليلة ويصوم الدهر. فالنبي صلى الله عليه وسلم أخذ يربيه ويهذبه، ومن أعجب الكلمات التي قالها هنا في الحديث عليه الصلاة والسلام، موجب هذا النص تفضيل المداومة، استحسان المداومة في الشريعة، أنك يا عبد الله بن عمرو الآن شاب، عندك هذه القوة والطاقة، لكن لا تدري لعلك يطول بك عمر، وقد طال به عمر رضي الله تعالى عنه.
وباعتبار وموجب أفضلية المداومة على العمل، فإنك إذا طال بك عمر قد لا تستطيع أن تنزل إلى الحد الذي نزله إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وليس الحد الذي كان يفعله، وإنما نزله النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، وإلى أن يختم القرآن في كل سبع وفي رواية كل ثلاث. جيد، عبد الله بن عمرو لم يرض بالكلام الأول، الكلام الأول كان إيش؟ بالنسبة للصيام ثلاثة أيام في الشهر، وبالنسبة لختم القرآن يختم القرآن كل شهر. لم يرض عبد الله بن عمرو بهذا الحد، هناك حد أفضل من جهة الكثرة ومن جهة إنه فيه كذلك إنه النبي صلى الله عليه وسلم قال: هو هذا فعل داود، وكان أعبد الناس. هذه موجبات للتفضيل إنه ممكن تزيد، وهذه الزيادة فيها فضل، ولكن هذه زيادة لحد أن تكون القراءة كل سبع وفي رواية كل ثلاث، وأن تصوم يوماً وتفطر يوماً. هذا الحد عبد الله بن عمرو بن العاص أخذ بهذا الحد الفاضل، ثم قاله النبي صلى الله عليه وسلم: لا تدري لعلك يطول بك عمر. والنبي صلى الله عليه وسلم يحب المداومة، وهذه مركزية في العبودية، مركزية في فقه العبادة في الإسلام، والذي يفقهها ويوفقه الله للمحافظة عليها فقد أخذ بأمر وثيق في الدين، المداومة. عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه بعد ذلك قال: فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله صلى الله عليه وسلم.
من أعظم الأمور في هذا الحديث اللي هي مبدأ الموازنة الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، فإن لزوجك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً. وفي رواية لم تذكر هنا: وإن لنفسك.
أو لبدنك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً. طيب، هذا حديث كما قلت هو حديث فيه تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه على الاعتدال في العبادة وعلى المواظبة عليها وعدم التشديد على النفس، التشديد الذي يؤدي إلى الانقطاع؛ فإن هذا من المحاذير الأساسية في قضية العبادة، في قضية المجاوزة في العبادة في الإسلام اللي هو محذور الانقطاع. لماذا؟ لأن الأفضلية دائماً للاستمرار، وبالتالي لماذا ينقطع الإنسان؟ ينقطع الإنسان لسبب معين، إما الإفراط في إيمانه، وإيمان يتجاوز الحد من الإفراط في الإيمان، وإما يتجاوز الحد.
وهذا له موجبات وهذا له موجبات، ويعني فيما ذكر في الباب قد يكون فيه شرح لكثير من هذه القضايا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا اتباع نبيه صلى الله عليه وسلم والاهتداء بهديه، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ويرحمنا، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
الشيخ أحمد السيد