تسجيل الدخول

شرح المنهاج من ميراث النبوة 18 | دور المرأة

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد كله، أثنينا عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. الله يحييكم يا رب، هذا لقاء يتجدد مع مجالس شرح المنهاج من ميراث النبوة، وهذا اللقاء في باب دور المرأة في بث العلم ونصرة الإسلام، وفي عنايتها بأبواب الخيرات ومسارعتها إلى العمل بها.

وحقيقة يعني حين يسر الله سبحانه وتعالى جمع هذا الكتاب أو هذا المتن الذي هو المنهاج من ميراث النبوة، حرصت على أن يكون فيه باب للمرأة، والباب الذي حرصت أن يكون في هذا المتن عن المرأة، حرصت أن يكون متسقا مع المعنى الذي لأجله جمع الكتاب، اللي هو كتاب المنهاج من ميراث النبوة. والمعنى الذي جمع لأجله الكتاب هو تزويد المسلم، خاصة الشباب من الجنسين، بمادة من مرجعية الوحي تكون هادية بإذن الله تعالى ومنيرة في طريق الدعوة، وفي طريق الإصلاح، وفي طريق الثبات على هذا الدين. فمن أجل ذلك تم اختيار هذا الباب، وهو من الموضوعات التي يعني خلنا نقول أنا أعتني بها كثيرا وأهتم بها كثيرا وأحب أن تكون محل اهتمام وتذاكر وتدارس بين النساء المهتمات بشأن الدين. إذا الباب هو: دور المرأة في بث العلم ونصرة الإسلام وفي عنايتها بأبواب الخيرات ومسارعتها إلى العمل بها.

بداية، قال الله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. هذه الآية برأيي أنها آية تأسيسية مهمة جدا لما يتعلق بدور المرأة في الدعوة والإصلاح، وهي آية يعني خلنا نقول محل للتأمل والاهتمام، أو ينبغي أن تكون محلاً للتأمل والاهتمام والدراسة.

وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ. وهذه الجملة يعني أنا قلت تؤسس لكثير من الأواصر بين المؤمنين والمؤمنات، لأنه احنا تعرفون في زمن الرجل والمرأة والتفريق بينهما، وكثير من الدعوات التي تفريق أقصد أنه هذا شيء وهذا شيء آخر، وهذا يعني يصارع هذا وهذا يريد حقوقه من هذا وتلك تريد حقوقها من هذا، والآخر يعني أحيانا ينشأ الناس وكأنهما حزبان مختلفان؛ حزب الرجال وحزب النساء، هذا الحزب يصارع ليأخذ مكانه أو مساحات يحتلها ذلك وهكذا، بينما هذه الآية تؤسس لغير ذلك تماما. هذه الآية تؤسس للأواصر بين المؤمنين والمؤمنات. الله سبحانه وتعالى يقول: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ. وهنا الولاء يدخل فيه من أهم ما يدخل فيه النصرة، ويدخل فيه المحبة. النصرة، تناصر المؤمنين بينهم وبين بعضهم، وهذا الذي يحرك المؤمن لينصر أخاه المؤمن هو لا يمكن أن يعني خلنا نقول يقل منسوب الحرص على النصرة عند المؤمن لأنه الطرف الآخر ذكر أو أنثى، وإنما الاعتبار هل هو مؤمن أو ليس مؤمنا، فإذا كان مؤمنا فإن من واجبات المؤمن على المؤمن النصرة سواء كان هذا المؤمن الذي ينصر ذكرا أم أنثى. فيقول الله سبحانه وتعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ.

ثم يقول سبحانه وتعالى: يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ. وهذه الآية كونها تصف المؤمنين والمؤمنات بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فهذا يبين أن من أدوار المرأة التي ينبغي أن تكون عليها، ومن المهام التي ينبغي أن تتفيأ لها هي مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الله سبحانه وتعالى ينص على المؤمنات هنا فيقول: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ. وهذا فائدته وثمرته أن المرأة وهي تستحضر في نفسها الواجبات التي عليها، الطاعات التي ينبغي أن تتفيأ لها، لا تستحضر فقط العبادات الذاتية اللازمة، وإنما ينبغي أن تستحضر أنها وإن كانت امرأة لها خصائص ولها طبائع ولها حدود معينة، إلا أن هذه الأمور لا تحول بينها وبين أن تكون آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر. وكما أسلفت، هذه الآية مهمة جدا في تأسيس دور المرأة الإصلاحي.

ثم يقول الله سبحانه وتعالى: وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. وهذا المعنى يعني متكرر في الكتاب العزيز في ذكر أن الله سبحانه وتعالى ينظر إلى أحوال المؤمنين ذكورا وإناثا، ويعدهم الوعد الحسن. قال سبحانه وتعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا. الآن هذه تشمل حتى الإناث الذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم، إلى آخر الآية، وسيأتي بعض الحدود التي تبين بلا شك الفرق.

الآية الأخرى قول الله سبحانه وتعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ. هذه الآية من المعاني الأساسية التي يمكن أن نستخلصها منها فيما يتعلق بالباب هي أن المرأة ينبغي ألا تحتقر نفسها، وأن المرأة يمكن أن تكون مثلا وقدوة للمؤمنين، وأن الله سبحانه وتعالى قد جعل للمؤمنين مثلا بنموذجين من النساء؛ هذا النموذج الأول وهو امرأة فرعون، وقد يعني أخذنا هذه الآية وتدارسناها في سلسلة قدوات نسائية، والمرأة الأخرى هي مريم، وأيضا تدارسناها في حلقة في برنامج قدوات نسائية. الشاهد، ما هو الشاهد؟ أن الإسلام لم يجعل المرأة لأنها امرأة خارجة عن أن تكون محلا للشرف والمكانة، ولأن تكون قدوة للمؤمنين ونموذجا يحتذى. وهذه الآية لا تختص بالنسبة لامرأة فرعون، هذه الآية يعني ليست هي إبرازا للنساء فقط أنه هذه امرأة هي مثل للنساء، لا هي امرأة مثلا للذين آمنوا، مثلا للذين آمنوا رجال ونساء، فالرجال المؤمنون المفترض أنهم يستمدون من هذه المرأة امرأة فرعون نموذج الثبات، لأنها صبرت ولم تتأثر مع كونها في بيئة فاسدة، فأنت مثلا تحدث الطلاب، تحدث الرجال، فتقول لهم من أسباب الثبات تذكر النماذج الثابتة، ومن أبرز النماذج الثابتة تتحدث عن امرأة فرعون، وتتحدث كذلك في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم عن والدة عمار التي هي سمية رضي الله تعالى عنها. هناك آيات أخرى لم تذكر في الباب ولكنها في عدة آيات يمكن أن تذكر هنا، لكن تم الاكتفاء بهذه الآية.

ثم الأحاديث: عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لهن: ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابا من النار، فقالت امرأة: واثنتين، فقال: وثنتين، وثنتين. أخرجه البخاري ومسلم.

هذا الحديث من الأحاديث التي تبين أن المرأة كانت حاضرة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن المرأة حرصت على أن تأخذ من النبي صلى الله عليه وسلم بنصيب، وهذا النصيب التي حرصن على أن يأخذنه من النبي صلى الله عليه وسلم هو النصيب العلمي والإيماني والتوجيه. بطبيعة الحال، النبي صلى الله عليه وسلم الذي يحتف به ويحيط به هم الرجال من الصحابة في خروجه ودخوله، في حربه في سلمه في سفره، فهذا جعل النساء المؤمنات يتنبهن إلى خطورة أن يفوتهن النبي صلى الله عليه وسلم بسبب ذلك، فكانت هنا مبادرة، وهذه من الصفات المهمة: صفة المبادرة إلى تحصيل الخير. هنا قالت النساء، هنا بادرن وأتين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلن: يا رسول الله، غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك. والنبي صلى الله عليه وسلم بطبيعة الحال كان سمحا سهلا لينا قريبا، يستجيب ويكون لينا لأصحابه رجال ونساء، فجعل فوعدهن النبي صلى الله عليه وسلم يوما لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن. فكان فيما قالهن فوعظهن وأمرهن، هذا المعنى متكرر في علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنات في وقته، النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث معهن. ما الذي كان يقوله؟ من الأمور الملاحظة جدا: معنى الموعظة. معنى الموعظة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظ، طبعا هذا يعظ الجميع، لكن أيضا واضح في الأحاديث التي ورد فيها النساء الموعظة، وهذا يؤسس للدعاة بعد النبي صلى الله عليه وسلم المقتدين به أن يكون من أهم ما ينبغي أن يخاطب به المؤمنون وتخاطب به المرأة الموعظة. يعني كل من يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم سواء من الرجال أو من النساء، وهذا الموعظة هي من أهم الموضوعات التي ينبغي أن تطرح على المرأة، وهو موضوع الموعظة والتذكير بالآخرة، والتخويف من عذاب الله سبحانه وتعالى، ومن ثم الحث على العمل الصالح. وسياتي بعد قليل إن شاء الله نموذج للعمل الصالح الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرر ذكره للمرأة، وكان يخبرها أنه من أهم أسباب النجاة من النار.

هنا في الحديث كان من جملة ما حث النبي صلى الله عليه وسلم النساء عليه: الصبر. والصبر الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم هنا هو الصبر على فقدان الأولاد، الصبر على فقدان الأولاد. بل ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عبارة تخفف الأمر، فيقول: ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها. ومن المعلوم هنا أنه ليس المقصود بالتقدم أنه هي بالفعل التي تقدم أولادها إلى الموت، وأن المقصود أنه يموتون، الله سبحانه وتعالى يقبض أرواحهم، لكن شوف كيف جاءت بلفظ تقدم، وهذا يذكر بالحديث الآخر في صحيح مسلم للنبي صلى الله عليه وسلم خاطب أصحابه فقال: ما تعدون الرقوب فيكم؟ هو الرقوب اللي ما يولد له، فذكر الصحابة هذا المعنى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بالعكس، ذكر أن الرقوب ترى هو اللي ما يقدم من أولاده شيئا. فهنا هذا الموضوع هو من أصعب الموضوعات التي يمكن أن يبتلى بها الإنسان، فقدان الأولاد، والنبي صلى الله عليه وسلم يأتي فيقول للنساء بخطاب مختلف تماما عما يمكن أن يتخيل، وهو أنه تري إذا أصبتن بمصيبة مثل هذه وحصل أنكن فقدتن شيئا من الأولاد، فلا تحزن، فإن النتيجة هي أن هذا على عين الله سبحانه وتعالى، وأن هذا سبب للنجاة من النار، سبب للنجاة من النار، بل هو حجاب من النار. فذكر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة من الولد، فقالت امرأة: واثنتين؟ فقال: وثنتين، وثنتين. أخرجاه البخاري ومسلم.

طيب، ننتقل إلى صفحة أخرى، وهي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: نعم النساء نساء الأنصار؛ لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. أخرجه مسلم.

عائشة رضي الله تعالى عنها هي حاملة لواء العلم بالنسبة للجانب النسائي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده. هي حاملة لواء العلم في النساء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، وبرزت بعد النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا، ولذلك سيأتي الحديث، حديث أبي موسى بعد قليل، قال: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قط، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما. عائشة رضي الله تعالى عنها وهي تهتم بشان المرأة كثيرا قالت: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. أخرجه مسلم.

الآن لاحظوا النساء، حين نقول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، العلم، الدعوة، الاستجابة، الامتثال، بلا شك أن هناك خصائص تختلف فيها المرأة عن الرجل وتراعي الشريعة هذه الخصائص وهذه الصفات، فليس كل ما يطلب من الرجل يطلب من المرأة، لكن يشتركون أو يشتركان في الأساس. قد تكون هناك بعض الصفات التي تتميز بها المرأة أو التي تزداد عند المرأة قد يظن أنها مانع من تحقيق الدرجات العليا في أكثر من باب، فيأتي هذا الحديث ليقول: نعم الحياء صفة أساسية في المرأة ولكن ينبغي ألا يكون سببا في المنع من التفقه في الدين ومن العلم، وهذا مهم جدا في أن يفقه وأن يعلم. نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين، وهذا النموذج في التفقه كانت صورته صورة السؤال، كانت صورته الأساسية صورة السؤال، سؤال النبي صلى الله عليه وسلم واستفتائه.

ثم الحديث الثاني عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما. أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب. عائشة رضي الله تعالى عنها وعت عن النبي صلى الله عليه وسلم علما كثيرا، والوعي أو العلم الذي حصلته ووعته لم يكن بمجرد أنها كانت تعيش مع النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كان منها فعل يزيد من هذا العلم الذي تحصله، وهذا الفعل هو أولا التنبيه واليقظة لأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، ثانيا السؤال والاستفسار، فكانت عائشة تسأل النبي صلى الله عليه وسلم وتستفسر، وإذا أشكل عليها شيء ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهي عاشت مع النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي عنها كانت تقريبا في الثامنة عشر أو التاسعة عشر من عمرها حين توفي عليه الصلاه والسلام، وهذا بلا شك يدل على أنها كانت نبيهة ذكية وقادة الذهن وحريصة وواعية ومتنبهة، وهذا يستفاد منه أنه ما يستهان بصغار الفتيات، بل قد يكون من الفتيات من تكون لديها.

القدرة على التعلم، والقدرة على الجمع، والقدرة على الفهم، والقدرة على حفظ الدين. وعائشة رضي الله تعالى عنها كما أسلفت كانت هي حاملة لواء العلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في الجانب النسائي، ونشرت علماً كثيراً، وإذا ذُكرت السنة النبوية وذُكر المكثرون في رواية السنة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن عائشة رضي الله تعالى عنها من أبرز المكثرين من رواية الحديث. والذين تلقوا عن عائشة رضي الله تعالى عنها العلم والحديث والدين ليس هم النساء فقط، وإنما أيضاً الرجال.

والرجال الذين تلقوا منها على قسمين: منهم من قرابتها ومن محارمها، ومنهم من خارج دائرة القرابة. ومن أبرز الذين تلقوا منها وهم من قرابتها من الرجال عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنه ورحمة الله، والقاسم بن محمد بن أبي بكر رضي الله تعالى عنه ورحمة الله، وكل الرجلين من أئمة الإسلام، وكونهما من أئمة الإسلام من أبرز ما أسهم في تكوينهما العلمي هو عائشة رضي الله تعالى عنها.

من أسهم في تكوينهم العلمي هي عائشة رضي الله تعالى عنها، وعروة بن الزبير بلا شك يعني إذا قرأت أحاديث البخاري ومسلم، عروة مُكثر جداً، عروة بن الزبير يعني جُل أحاديثه عن عائشة، كل أحاديثه عن عائشة، وهو كان حجر، قال قبل وفاة عائشة رضي الله تعالى عنها بسنوات: لو توفيت عائشة ما ندمت على علم كان عندها لم آخذه أو أحصله. يعني عاش معها رحمه الله ورضي عنه زمناً طويلاً وحصل العلم الذي كان عندها.

وعائشة رضي الله تعالى عنها لم تكن متميزة فقط في الرواية والحديث، كانت فقيهة وفي نفس الوقت كان عندها علم باللغة وبالأنساب والشعر رضي الله تعالى عنها، فكانت جامعة وراوية، وليست فقط أنها تنقل الرواية، بينما هي أيضاً واعية وفقيهة وليست فقط راوية للحديث.

ومن أخذ عنها وحصل منها علماً كثيراً وهو ليس من أقاربها أو ليس من محارمها: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف رحمه الله تعالى ورضي عنه، وهو من الفقهاء الكبار ومن العلماء الكبار جداً، أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف من رجال البخاري ومسلم، وكثيراً ما يروي عن عائشة، وكثير من الأحاديث المشهورة أو عدد من الأحاديث المشهورة ترى هي من رواية أبي سلمة عن عائشة، وفيها أسئلة ويقول مثلاً سألت عائشة، مثلاً الحديث المشهور: كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت عائشة: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، كان يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً. هذا حديث أبي سلمة عن عائشة.

وأبو سلمة روى عن عائشة علماً كثيراً، وكذلك أبو سلمة مدني كان في المدينة وروى عن عائشة، ولكن هناك أيضاً من الرواة غير المدنيين من روى عن عائشة رضي الله عنها وأخذ عنها علماً كثيراً، ومنهم الأسود وعلقمة ومسروق، وهؤلاء الثلاثة تلاميذ عبد الله بن مسعود من الكوفة، ولكنهم أخذوا عن عائشة رضي الله تعالى عنها كثيراً رضي الله تعالى عنها ورضي عنهم ورحمهم. بل إن الأسود كان يحصل من عائشة علماً لم يحصله الكثير، ولذلك عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه أشكل عليه شيء في قضية، فسأل الأسود عن رأي عائشة رضي الله تعالى عنها في أو ماذا قالت عائشة في القضية.

وهذا كله ما معناه طبعاً، هو العجيب دعوني آخذ شيئاً شُبهة موجودة في الواقع، العجيب جداً أنه في بعض الأطروحات المعاصرة بعض الناس يتبنى محاربة النسوية وكذا، فيتبناها بتطرف بغلو، فإذا قلت له مثلاً نموذج عائشة أو شيء يقول لك: طيب إيش المطلوب؟ المطلوب أنك تشوف الاستثناءات وتلغيها من التاريخ، النماذج يعني افترضنا الناس يعني حالات استثنائية جداً، استثنائي يعني أنه استثناء من الحكم الشرعي ولا استثناء أنه حققت نماذج درجات استثنائية في تحصيل الثمرات؟ إذا حققت نماذج فهذا ممتاز، يعني هذا الذي يحتاج أنه يُطرح، هذا الذي يحتاج أن يُذكر فيه حتى إن الناس تقتدي بهذه النماذج تحاول تحصل هذه الدرجات، ويقول لك: لا، شفت هذا المتميزات كلهم في الصحابة اللي كان لهم دور هذا كله بتأخذهم ما تتحدث عنهم لأن هذا استثناء، فأنت وهذا من أغرب الأشياء.

وعموماً نحن في زمن من أشد ابتلائاته أن الحديث باسم الدين مفتوح، يعني مفتوح أقصد أنه في شبكات التواصل كل واحد هو، يعني ترى مو هذه المشكلة الكبيرة، المشكلة الكبيرة أنه بقدر ما هو مفتوح بقدر أن الناس تسمع لكل من يتحدث وتأخذ من كل من يتحدث، وشكله شيخ وشكله كذا واضح إنه شيخ وفي بعض مشايخ تابعه خلاص، بينما هذه القضية مصيبة، مصيبة أن يكون الدين هكذا، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، العلم ما يؤخذ عن أحد، مو كل من تحدث باسم الدين ولا حتى يعني معينة بالضرورة أنه لا، القضايا هذه تحتاج إلى ما هو أعمق وأهم من ذلك، من الشهادة من أهل العلم والفضل وما إلى ذلك من أمور، على أي حال يعني عائشة رضي الله تعالى عنها لا شك أنها حققت درجات عليا، وحق على الدعاة والمصلحين أن يُبرزوا هذا الأنموذج، أن يُبرز هذا الأنموذج ليقولوا للنساء تراك كان هناك بعض النماذج الصالحة العالية في تحقيق الفقه والعلم والحديث، ويُحيي بالمرأة المؤمنة المسلمة أن تقتدي وأن تحاول أن تحصل شيئاً مما كان عليه أولئك رضي الله تعالى عنهم.

أنا ذكرت طبعاً مجموعة من تلاميذ عائشة الذين هم من الكبار، كل الذين ذكرتهم ترى كلهم من الكبار علماً ومكانة وكلهم عائشة رضي الله تعالى عنها جزء أساسي في تكوينهم، يعني روايات عائشة وأحاديث عائشة جزء أساسي وحتى أسئلتهم لعائشة رضي الله تعالى جزء أساسي في تكوين أولئك، نتكلم عن عروة، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، ثم ذكرت قد يكون بدرجة مشابهة أو أقل قليلاً الأسود وعلقمة ومسروق.

طيب النساء وعائشة، كان هناك تلقٍ ولا شك أنه كانت الحالة العامة الأكثر عدداً في التلقي وعامة في نقل الحديث لا شك أنها كانت رجالية، لكن كان يوجد بعض النماذج النسائية، ومن أشهر من أخذ عن عائشة رضي الله تعالى عنها علماً كثيراً، ووعت عن عائشة رضي الله عنها علماً كثيراً، ثم كانت سبباً في نقل كثير من علم عائشة رضي الله عنها وكثير من الفقه في الدين حتى أخذ عنها هذه التلميذة التابعية، حتى أخذ عنها بعض كبار أئمة المسلمين ولم يأخذ عنها شيء يسير إنما أخذوا عنها علماً كثيراً، اللي هي عمرة بنت عبد الرحمن، وهي من رجال الجماعة، يعني من رجال الكتب الستة، من رواة الكتب الستة، وعمرة بنت عبد الرحمن تلميذة عائشة رضي الله تعالى عنها، وفي نفس الوقت هي شيخة من شيوخ الإمام الزهري، اللي هو الإمام مالك، وهو من أئمة السنة ومن أئمة الدين وواحد من دارت عليه رواية السنة أصلاً يرحمكم الله.

ثم هاهنا حديثان متشابهان يبينان صفحة أخرى من الصفحات، وهو حديث الربيع بنت معوذ رضي الله تعالى عنها قالت: كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم فنسقي القوم ونخدمهم ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة، أخرجه البخاري. وعن أم عطية الأنصارية رضي الله تعالى عنها قالت: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى، أخرجه مسلم.

هذان الحديثان وهاتان الروايتان تبينان أن المرأة، الإنسان فيه من سمات الضعف الذي التي جعلها الله سبحانه وتعالى عليها بخلاف القوة التي في الرجل من ناحية القوة البدنية والجسمية، إلا أنه مع ذلك وهذا يعني نقول من أبرز الفرق أصلاً بين الرجل والمرأة، إلا أنه مع ذلك لم يكن هناك مانع من أن تشارك المرأة بشيء مما يمكن ويقارب في هذا الباب، وإلا في الأصل لا شك أن الشريعة فرقت في الحكم بين الرجل والمرأة في باب الجهاد في سبيل الله، ولذلك لما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن جهاد المرأة فقال: جهادكن الحج، ومن المعلوم عند فقهاء المسلمين حين يتحدثون عن حكم الجهاد فإنهم يتحدثون عن حكمه بالنسبة للرجل لا على المرأة، هذا من حيث التأصيل الفقهي الأساسي، طبعاً إذا جاء جهاد الدفع يتوسعون في هذه القضية، لكن في الأساس هو هذا التفريق، ومع ذلك نقول هذا الآن باب في الأساس فيه تفريق في الحكم ومع ذلك فإن المرأة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن بمنأى عن المشاركة بما يمكن من الدعم في هذا الباب الذي هو أصعب باب وأشد باب في باب نصرة الإسلام والمسلمين.

ولم يكن هذا شيئاً كما يقال أيضاً استثنائياً بمعنى أنه حالة شاذة لامرأة واحدة حصلت في مرة واحدة، لا، وإنما كما في صحيح مسلم هنا من حديث أم عطية تقول: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، سبع غزوات، وهذه الخروج منها رضي الله تعالى عنها ولم يكن خروجاً للمشاركة في القتال بالسيف، وإنما خرجت مع أولئك الغزاة للدعم والمساندة، وهذا الدعم والمساندة بينته هي فقالت: أخلفهم في رحالهم فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى، وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى، وكذلك الربيع ذكرت نفس المهام قالت: كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم فنسقي القوم ونخدمهم ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة. وعائشة رضي الله تعالى عنها كانت أيضاً ممن شارك، وهذا حقيقة يذكر بالآية التي ذكرناها في بداية الباب وهي قول الله سبحانه وتعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وأول ما يدخل في الولاء هو النصرة، فبعضهم أولياء بعض بعضهم أنصار بعض، ومن جملة هذه النصرة أن المرأة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانت تشارك في تلك الحالات الصعبة بما يمكن لها أن تشارك فيه.

طيب بالنسبة لنا اليوم يوجد قضايا للأمة الإسلامية مختلفة، هذه القضايا تحتاج إلى مشاركة بالتوعية، مشاركة بالتربية، الأمة تحتاج إلى مشاركة بما يمكن، الدعم المالي إلى آخره، المرأة يجب أن لا تلغي نفسها من هذه الأبواب أو تقول أنا امرأة ليس علي أن أهتم بقضايا المسلمين، أو تجد لبعض ويخفف من هذه القضية وأنتِ امرأة إيش دخلك أنتِ في قضايا الأمة؟ إيش دخل، يعني كيف يعني احنا نقول امرأة ناجحة في البيت، طيب ليش التناقض؟ يعني ليش إيجاد حالة كأنه يا إما هذه يا إما هذه؟ لا، هي امرأة هي من جملة المؤمنين والمؤمنات، وعليها أن تهتم بقضايا المسلمين، ثم ليست هي مكلفة بكل ما يؤمر به الرجل في مثل هذه القضايا، لكن عليها أن تهتم بقضايا المسلمين وأن تقدم ما يمكن، وهذا هو الذي كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما قلت ليست هي حالة شاذة، وإنما ذكرت هنا حديثين، واحد يقول سبع غزوات، واحدة تقول كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولم أستقصِ، وإنما هذه فقط رواية، وكونهن عملن هذا العمل هذا يبين كما قلت أنه في أحكام خاصة بالمرأة ليست القضية ليست مثل الرجال ولسنا مطالبات مثلهن، ولكن شاركن بما يمكن أن يُشارك به في دور مهم جداً وهو دور التمريض والخدمة وحفظ الرحال وما إلى ذلك.

ثم حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة الهجرة قالت: بينما نحن يوماً جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأُذن له فدخل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: فإني قد أُذن لي في الخروج، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سُميت ذات النطاق، أخرجه البخاري.

هذا الحديث ولو تلاحظوا يعني كل الأحاديث من البخاري ومسلم، فقط كان حديث ما أشكل علينا أصحاب رسول الله حديث في الترمذي وأخرجه، هذا الحديث حديث عظيم والوقوف معه ينبغي أن يكون وقوفاً طويلاً، ولكن محل هذا الوقوف الطويل في مادة السيرة النبوية، وإلا فالحديث فيه فوائد كثيرة وجميلة جداً ويظهر مقدار.

كذلك هذا الحديث من جهة الدور واضح في مشاركة المرأة. بل إن الدور الذي قامت به أسماء تسبب في إضافة معرف في هويتها الشخصية، يعني أسماء على مر التاريخ هويتها الشخصية أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين. وذات النطاقين هو الذي يدور في نصرة الإسلام، قامت به ضحت بشيء مما كان من الأمور البسيطة التي تملكها، لم تكن تملك شيئًا كثيرًا، فسرعة بديهتها وحرصها، تعرفون مثل هذه الأمور تأتي بالحرص الشديد.

سبحان الله لما تكون الروح العامة المسيطرة على المسلمين روح البذل والتضحية والنصرة، تظهر في التفاصيل الصغيرة. جيد، يعني الآن هذا بس احتياج الإناء أو الجراب الذي يوضع فيه الزاد في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الحرص الشديد يعني مباشرة الإنسان موجود، ما وجدوا شيئًا يربط به الجراب، فمباشرة أسماء أخذت النطاق، واضح أنه كان عندنا نطاق واحد، يعني لو كان في واحد ثاني كان أخذ الثاني ما يحتاج تشق الأول، يعني هو كان واحد فهي شقته وجعلت نصفًا تستعمله نصف الجراب الذي كان يأخذه النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته. هذه المشاركة وهذا الحضور ولو كان بدور يسير وبدور بسيط وإن كان حقيقة هو في مقياس الممتلكات التي كانت موجودة يعتبر شيئًا كبيرًا، إلا أنه يبين أن السيرة النبوية دائما انظر في كل محطة من محطاتها وحاول أن تسلط الضوء على البيئة الخلفية.

ستجد أن فهمًا للسيرة النبوية سيزداد لديك حين تسلط الضوء على البقع المظلمة كما يقال، فترى أحداثًا تشارك فيها المرأة ويشارك فيها الفتيان والغلمان، يعني مثلًا من الجوانب التي لا تذكر عادة في كتب السيرة النبوية وليس بالضرورة أن تذكر من ناحية أن كتب السيرة تعتني بالأحداث العامة، لكن بالنسبة لمحصن السيرة من يريد أن يعرف هدية النبي صلى الله عليه وسلم لا يكفي عنده أن يعرف الأحداث العامة، مثلًا من الأمور المهمة مجالس النبي صلى الله عليه وسلم، طبيعة المجالس النبوية، من كان يحضرها، إيش اللي تداول فيها، هذا باب مهم جدًا. هذا الباب يعرف من الأحاديث ولا يعرف من كتب السيرة، وعمومًا أحيانًا شيء تستخرجه أنت استخراجًا، مثل كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يقضي يومه؟ هذا أنت تحتاج أن تستخرجه من مجموع الروايات لتصل إلى اليوم النبوي كما يقال.

على أية حال هذا الحديث هو أيضًا فيه جزء من مشاركة المرأة في العمل للدين، يعني حتى هنا في الائتمان على الأسرار لأنه قال أخرج من عندك، قال: إنهم أهلك يا رسول الله، والنبي صلى الله عليه وسلم كان حريصًا على أن لا يخرج الخبر أبدًا أبدًا إلى المشركين، ولذلك قال في البداية أخرج من عندك حفاظًا على سرية الخبر الكبير، فقال أبو بكر: إنهم أهلك يا رسول الله، فتكلم النبي صلى الله عليه وسلم، هذا يدل على أنه ليس صحيحًا أن كل ما يقال للمرأة فهو قطعًا خارج، هو صح هذا منتشر في النساء لكن يمكن نسائيًا أن تكون على قدر المسؤولية والفهم والحفظ والصون.

طيب، الحديث الأخير في هذا الباب عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر فيبدأ بالصلاة، فإذا صلى صلاته وسلم قام فأقبل على الناس وهم جلوس في مصلاهم، فإن كان له حاجة ببعث ذكره للناس أو كانت له حاجة بغير ذلك أمرهم بها، وكان يقول: تصدقوا تصدقوا تصدقوا، وكان أكثر من يتصدق النساء، أخرجه مسلم.

هذا الحديث في صحيح مسلم يبين جانبًا من جوانب الخير والمشاركة من المرأة في العبادات التي من شأنها التضافر والتعاون بين المؤمنين وسد الحاجة وسد الخلة. ودائمًا الصدقة ينبغي أن ينظر إليها بعينين ومنظارين، لأنه أحيانًا يهيمن أحد المنظرين على الآخر، بل مو أحيانًا كثيرًا، يعني أنا أظن أن أكثر المتصدقين ينظرون بإحدى العينين، ومنهم من يجمع بينهما وهذا هو المطلوب، فما هما هاتان العينان؟

العين الأولى ينبغي أن تنظر إلى الاحتياج، أنه تستحضر قضية أن تتصدق لتسد الخلة أو تسد الحاجة، يعني مواطن النقص تعاطفًا ورحمة للمحتاجين والفقراء، وهذا له بعض الشواهد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه هذا الجانب يراعى بعينه، مثل القصة المشهورة في صحيح مسلم لما قدم قوم من مضر وكانت حالتهم شديدة، كانوا مجتابي النمار، ففاتا فالنبي صلى الله عليه وسلم تألم وتغير وجهه لحال أولئك المسلمين، ثم حث على الصدقة فتصدقوا فتهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث مشهور.

فهذه العين الأولى، العين الثانية هي عين احتياج المتصدق إلى أن يتصدق لينجو من عذاب الله سبحانه وتعالى، أو ليأخذ بسبب من أسباب الحسنات والرفعة عند الله سبحانه وتعالى، فالمتصدق أنا ما أتكلم عن مجرد الحسنات، أتكلم عن الاحتياج الحقيقي للمتصدق بأن يتصدق؛ لأن صدقة تدفع، وهذا الدفع هو من أهم الصور الأساسية في قضية دفع عذاب الله سبحانه وتعالى ودفع النار، لأنه تكرر من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة، شق تمرة أن تتصدقون بها، فإن لم يكن فبكلمة طيبة لأن الكلمة الطيبة صدقة. فلاحظوا أن الإنسان المتصدق كل ما استطاع أن يجمع بين الأمرين فهو أفضل وأكمل، أن يتصدق لأنه يحتاج إلى التصدق، هو يحتاج أن يتصدق، وهذا ترى إذا استحضر الإنسان يخفف من قضية المن وأنه يشوف نفسه على المتصدق، ترى هو اللي يحتاج.

الجهة الأخرى الصدقة بدافع نصرة الضعفاء والفقراء وإعانتهم ورحمة عليهم ورعاية وصية النبي صلى الله عليه وسلم بهم، ومن استطاع أن يجمع بين الأمرين في استحضاره فقد نال حظًا عظيمًا. هنا النساء كان النبي صلى الله عليه وسلم يحثهن على الصدقة وكان يركز فيما يتعلق بالصدقة للمرأة على الجانب الثاني، كان يركز على الجانب الثاني اللي هو جانب الاحتياج للصدقة للنجاة من عذاب الله سبحانه وتعالى، ولذلك تعرفون الحديث المشهور الذي هو رأيت أكثر أهل النار النساء فحثهن على الصدقة، حثهن على الصدقة، وهذا معنى عظيم من المعاني التي ينبغي العناية بها.

ولأن نساء المؤمنات كن ممتثلات وكن مستجيبات، وتعلمون حديث عائشة: يرحم الله نساء الأنصار، غير هذا اللي هو لم يمنعهن الحياء من الفقه في الدين، وإنما لما نزل قول الله سبحانه وتعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ، قالت: قمنا فشققنا مروطهن فاختمرن بها، سرعة الامتثال سرعة الاستجابة والانقياد. هنا أبو سعيد يقول: كان أكثر من يتصدق النساء، أكثر من يتصدق النساء، هذه سرعة الامتثال لأمر النبي صلى الله عليه وسلم. طبعًا في رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم تجاوز صفوف الرجال إلى صفوف النساء وكلمهن، وكان معه بلال وكان بلال يمر ومعه ثوب ويمر على النساء والنساء يتصدقن، تلقي المرأة خرصها أو القرط تنزعه عنها وتضعه في ثوب بلال، من ناحية أنها تتصدق به تتقرب، هذا يدل على سرعة الامتثال حين تكون الصدقة الأساسية ليست من الأكياس التي فيها الدنانير المتراكمة والذهب المتراكم، وإنما مما تلبسه المرأة أصلًا من زينتها كن يبادرن إلى مثله.

وهذه حالة نحتاج إلى أن تحيا في المؤمنين، ويعني أن يكون الرجال والنساء على مثل هذا المعنى. هذا مرور على أهم ما جاء في الباب من الآيات والأحاديث المتعلقة بالمرأة وما في الشريعة وما في الوحي من النصوص أكثر من ذلك، لكن هذا منتقى مما جاء في ذلك، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من الممتثلين، وأن يجعلنا وإياكم من المقبولين، وأن يغفر لنا ويرحمنا ويهدينا ويسددنا، ونسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية.

مثل هذا الباب ومثل الأحاديث والحديث عن دور المرأة في نصرة الإسلام وفي أن تؤدي شيئًا في هذا الباب بما يناسب حالها وطبيعتها، هذا ترى مما تقاوم به الموجات النسوية وأمثالها التي تجعل المرأة كائنًا لا ينظر إلا بعين الحقوق فقط، أعطوني، أعطوني، أريد فقط، وهذا من أسوأ ما يمكن أن تبتلى به المرأة، من أسوأ ما يمكن أن تبتلى به المرأة أن تعيش في حياتها ولا ترى إلا أنها مظلومة دائمًا، وأنها تريد دائمًا، وأن الجميع لا يعطيها دائمًا، هذا من أسوأ ما يمكن أن تعيش عليه المرأة. اللهم إلا إذا وجدت حالات بالفعل هي مسلط عليها سيف الظلم الحقيقي هذا شيء آخر، لكن أنه هذا ترى متفق مع بعض الطبائع التي في المرأة أنها دائمًا تحب أن تكون في هذا المحل، وهذا غير جيد، غير جيد أن تعيش المرأة دائمًا وهي ترى أنها تستحق فقط، هي تستحق وتعطى، وأنها ما تعطي إلا أن تعطى، ولا تبذل إلا أن يبذل لها.

هذا إشكال كبير جدًا، والتي تنظر بهذه النظرة هي من أكثر من هو قابل للتأثر بالشبهات النسوية وإشكالاتها. والمطلوب هو أن تنظر بعينين، عين على واجباتها ومسؤولياتها وعلى عظم ما ينبغي أن تعيش عليه من العبودية لله والتقرب إليه سبحانه وتطلب الجنة، وهذا باب فيه مسؤوليات وواجبات كثيرة، وكذلك من نصرة الإسلام والمسلمين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما يمكن وبما يناسب. والعين الأخرى طبعًا هنا تدخل كذلك الواجبات الأسرية والواجبات الزوجية والواجبات التربوية، كلها تدخل هنا. العين الأخرى هي عين ما ينبغي أن تكرم به وتأخذه وتناله، وكونها كذلك في جانب الضعف وكذا أنه ينبغي أن تهتم بأنه يكون محلاً للمراعاة إلى آخره، لكن المشكلة لما تهمل العين الأولى هذه وينظر بالعين الثانية فقط، ينظر بالعين الثانية فقط، أكثر رافد يمكن أن يغذي في المرأة هذه العين الثانية هو رافد النسوية، وما حد له كذا ولا أحد له كذا ولا أحد له كذا، فقط أنت.

ومع الأسف كثير من يحصل حالة الاغترار بمثل هذه الخطابات ومثل هذه الأطروحات، وهي خطابات وهمية، ما في شيء في الحياة اسمه تستحقين فقط، لكونه أنثى فهو يستحق كل شيء، مو صحيح، نفس الشيء الرجل ليس لكوني رجل فهو يستحق، هذا غير صحيح، في حقوق وفي واجبات، ما نتكلم حقوق واجبات بين الرجل والمرأة فقط، بين الرجل والمرأة في حقوق وواجبات عامة، وأهم الواجبات التي على الإنسان رجل كان أو امرأة هي الواجبات المتعلقة بالعبودية لله سبحانه وتعالى، وهذه العبودية واسعة وفيها أمور متعلقة بحقوق الله سبحانه وتعالى وأمور متعلقة بحقوق الخلق.

فالنظر التوسيعية هذه التي تنظر المرأة من خلالها بهذه النظرة الواسعة تجعلها عزيزة، أعز من أن تؤثر في ذل قضية الحقوق وبس، هي تظن أنها تعتز بذلك وهي في الحقيقة هذه ليست عزة وإنما هذه مذلة، أن تظل طول عمرها طالبة فقط، تطلب وتطلب لأنها ترى أنها هي كائن مستحق فقط لكونه امرأة أو لكونه أنثى، هذا إشكال كبير جدًا، المفترض أن ينظر بهاتين العينين، ويكمل حقها وتزداد مكانتها بقدر امتثالها للواجبات وأدائها لها، وبذلك ينبغي أن يكون لها من المراعاة ما هو أكبر من المراعاة الأساسية الواجبة. على أية حال نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا وإياكم ويقينا جميعًا شرور أنفسنا، وأن يقينا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.