تسجيل الدخول

شرح المنهاج من ميراث النبوة 25 | فهم أسباب ضعف المسلمين

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يا أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم. نستعين بالله ونستفتح هذا اللقاء وهذا المجلس في شرح باب من أبواب متن المنهاج من ميراث النبوة، وهذا الباب عنوانه: باب في فهم أسباب ضعف المسلمين واختلال أحوالهم وأخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

طبعا هذا الباب باب مهم جدا بالنسبة لموضوع الكتاب وموضوع متن الحديث؛ اللي هو المنهاج. لأن متن المنهاج، كما تعلمون، اختيرت أحاديثه واختيرت قبل ذلك آياته لتكون منهاجا ونبراسا للشاب المسلم الذي يريد أن يثبت على دينه، وأن ينفع أمته، والذي يطمح أن يكون مصلحا. من المهمات لمن يريد أن يكون مصلحا أن يعرف شيئا من أسباب ضعف المسلمين. ولا شك أن المصلح والمصلحة يتعامل مع مشكلات؛ ممن يتعامل مع نقص في التدين، أو يتعامل مع إشكالية الأعداء، أو يتعامل... فالاصلاح باب واسع.

والنبي صلى الله عليه وسلم من تمام رحمته ومن تمام بيانه عليه صلاة الله وسلامه وحرصه وشفقته على أمته؛ إنه بين لهم خير ما يعلمه لهم، وحذرهم شر ما يعلمه لهم. في هذا الباب، إن شاء الله، نتناول مجموعة من الآيات والأحاديث المتعلقة بهذا المعنى.

بدايه، الآيات: قال الله سبحانه وتعالى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ يَوْمَ أُحُدٍ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا يَوْمَ بَدْرٍ قُلْتُمْ أَنَّى هَٰذَا... يعني من أين أتت هذه المصيبة؟ ولماذا؟ يعني تعرفون؛ يعني الصحابه معهم النبي صلى الله عليه وسلم وقد أتوا من نصر عظيم يوم الفرقان يوم بدر، فكانت... كان ما حدث يوم احد يعني صادما، وكانت مصيبة كبيرة، فأخذ الناس يتساءلون: أَنَّى هَٰذَا؟ قال الله سبحانه وتعالى: قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ.

والفائدة التي نخرج بها من هذه الآية هي أن الله سبحانه وتعالى يريد منا أن نلتفت إلى الأسباب الداخلية للمصائب التي أتت من جهة الخارج. يعني الآن المصيبة التي أتت يوم أحد هي مصيبة أتت من الخارج، من الأعداء؛ فهم الذين حاصروا المدينة، وهم الذين قتلوا حمزة، وهم الذين فعلوا وفعلوا وفعلوا. ومع ذلك، الله سبحانه وتعالى يقول: قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ. ونحن اليوم في واقعنا نعيش مثل هذا، نعيش ابتلاءات وتحديات كثيرة آتية من الخارج، من أعداء الأمة الإسلامية، من أعداء المسلمين، من المنافقين، ولكن لا ينبغي أن نضع الإشكالية كلها على هؤلاء، وإنما من المهم أن نفتش في النقص الذي فينا، في الخلل الذي فينا: هل أدينا الدور الحقيقي الذي ينبغي علينا؟ هل قمنا بالمسؤولية؛ مسؤولية الإصلاح، مسؤولية إنكار المنكر، مسؤولية اجتماع الكلمة، إلى غير ذلك من المسؤوليات؟

الآية الأخرى، قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِنْ وَالٍ. إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ. الله سبحانه وتعالى لا يغير على أمة من الأمم أو قوم من الاقوام حال العافية الذي هم فيه، وحال ما أعطاهم سبحانه وتعالى، إلى نقيض ذلك من شتات الحال، والخوف بعد الأمن، والتمزق، ويعني... يعني نقول: انتكاس الحال من كل الجهات؛ إلا إذا كان هناك شيء من داخل هؤلاء الناس غيروه من جهة استقامتهم على طاعة الله، أو من جهة ثباتهم على دين الله، أو من جهة شكرهم بنعمة الله سبحانه وتعالى، أن يبدلوا نعمة الله كفرا؛ كما قال الله سبحانه وتعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ.

وها هنا هذه الآية مشابهة: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ. وبالتالي، إذا كنا نتحدث عن باب فهم أسباب ضعف المسلمين واختلال أحوالهم وما إلى ذلك، فنحن نحتاج أن ننظر إلى أنفسنا، كما في الآية الأولى أيضا: قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ.

ثم ننتقل للأحاديث، والأحاديث المذكورة في الباب هي ثلاثة أحاديث، ولكنها أحاديث عجيبة، يعني خاصة الحديث الأول. الحديث الأول هو حديث يعني يصور فيه النبي صلى الله عليه وسلم واقعنا بصوره عجيبة، والحديث الثاني أيضا فيه لمحة عن واقعنا بشكل عجيب، لكن الحديث الاول مطابق لما نحن فيه من الاشكال. يعني الحديث الاول هذا فيه أيضا جمع بين الامرين؛ جمع بين المشكلة الخارجية وبين السبب الداخلي الذي لاجله ترَسَّخَتْ تلك المشكلة الخارجية.

يقول عليه صلاة الله وسلامه، أولا: عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولا ينزعن الله من صدور عدوكم المهابه منكم، ولا يقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهيه الموت. اخرجه ابو داود وأحمد.

إلى آخر الكلام، هذا الحديث كما وصفت هنا في المتن كتبت: وهذا الحديث من أعجب الأحاديث وأدقها في وصف مشكلة الأمة الإسلامية اليوم. النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث عن حالة تتداعى فيها الأمم على أمة الإسلام. وهذا التداعي يعني إلى درجة يعني فيه من الاستهانة بأمة الإسلام، أنه كأنهم يتداعون إلى أكل؛ كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها. كيف الناس يعني إذا وضع الطعام جامعا فتداعى الناس: يلا يا فلان، تعالوا كلوا، حياكم الله. انظروا هنا: كلوا؛ كما يتداعى الناس إلى قصعة يأكلون الخيرات الموجودة في هذه القصعة. فكذلك ستتداعى علينا الأمم وتنهب خيراتنا وتاكل من البركات التي أعطانا الله سبحانه وتعالى اياها، وتتسلط علينا بدرجه فيها من الاستهانة كما يعني تتداعى الأكلات إلى قصعتها، وكأننا لسنا أمة من الأمم التي تهاب.

والعجيب التعبير، حتى تعبير النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الأمم؛ يعني نحن اليوم مشكلتنا ليست من أمة واحدة، وإنما مشكلتنا من أمم. بل وأحيانا يعني حتى نحن نعيش في زمان حتى فيه تسميات، يعني بعض الصروح الكبرى تسمى حتى بكذا الأمم. فالنبي صلى الله عليه وسلم يتحدث عن زمان نحن أولى من يدخل في هذا الحديث، أو أولى من يصدق عليه أننا من هذا الزمن الذي تحدث عنه النبي صلى الله عليه وسلم: يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها.

الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وقد تعودوا على العز مع النبي صلى الله عليه وسلم وعلى يعني الثبات والصبر والمقاومة وعلى... يعني هم تربوا في ميادين الدعوة وفي ميادين الصبر وفي ميادين الثبات وجاهدوا في سبيل الله، ما... الحالة التي يصورها النبي صلى الله عليه وسلم حالة بالنسبة إليهم يعني غير مفهومة؛ يعني غير مفهومة إلا في حالة واحدة، أن يكون المسلمون يومئذ أو حينئذ في غاية القلة بحيث أنه لا يعني خلاص، عدد قليل والأمم تتداعى بما أن الأمم آتية والعدد قليل جدا، إذا يعني مفهوم.

فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا، قال: بل أنتم يومئذ كثير. يعني... حتى حتى يعني النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتفي بنفي القله، أنكم... يعني لا ليس الأمر كذلك، بل أثبت الكثرة، أثبت الكثرة وكأن القضية أنه لا هناك كثرة حقيقية، بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل. وغثاء السيل، السيل ما يحمله فوقه من الأغصان هذه الأشياء المتفرقة التي لا قيمة لها. تعرفون السيل حين يسلك يحمل فوقه هذه الأشياء، غثاء كغثاء السيل، ولا ينزعن الله من قلوب عدوكم أو من صدور عدوكم المهابة منكم. لاحظوا، هذا عكس ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: نصرت بالرعب. نصرت بالرعب، أي الرعب الذي يجعله الله في صدور أعداء النبي صلى الله عليه وسلم، وكما في كتاب الله: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ. وهذا من جملة النصر، أن ينصر المسلمون بأن يهابهم أعداؤهم؛ بأن يهابهم، بأن تكون الهيبه في صدور أعدائهم منهم.

فإذا هاب الأعداء، هابوا المسلمين، فإنهم حتى لو كانت ترى موازين القوى مختلفه قد يتاخرون عن الكيد الإسلامي للمسلمين، بينما اذا نزعت الهيبه والرهبة من صدور أعداء المسلمين، فإنهم يسارعون ويتداعون إلى الأذى والاضرار والتسلط، نقول حتى الاحتلال المباشر لبلاد المسلمين: ولا ينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، ولا يقذفن الله في قلوبكم الوهن، ولا يقذفن الله في قلوبكم الوهن.

ولاحظوا كيف القضية انها يعني بقدر ما نزعت الهيبة والرهبة والمهابه من صدور الأعداء تجاهكم، بقدر ما في قلوبكم من الوهن والضعف. ثم قال قائل: يا رسول الله، ما الوهن؟ يعني هو أكيد لا يسأل عن المفردة اللغوية من حيث دلالتها اللغوية؛ لأنهم عرب يفهمون ايش معنى الوهن، لكن كأنه يقول: يعني ما نوع الوهن هذا الذي سيصيبنا، الذي سيصيب قلوبنا، يعني ما هو؟ ما هو هذا الوهن؟

فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: حب الدنيا وكراهية الموت. حب الدنيا وكراهية الموت. هذا حديث عجيب، متى ما وجدت المسلمين قد اثاقلوا إلى الأرض ورضوا بأن... يعني يتعلق بشيء من زخرف الحياة وتطمئن قلوبهم إلى ذلك، ولا يكونون على استعداد للتضحية والبذل والتخلي عن المكتسبات في سبيل النصرة الإسلام والمسلمين، فاعلم أن مثل تلك الحال هي الحال التي يتسلط فيها أعداء الإسلام على المسلمين. أما إذا تسلطوا وقلوبهم قد استدبرت الدنيا واستقبلت الآخرة، وقلوبهم قد امتلات حبا لله ولرسوله ولدينه ولا أمته ولأمة محمد صلى الله عليه وسلم وللمسلمين، فإن... فإن أعداء الإسلام وإن اتوا وإن بثوا بثوا من الإشكالات والسموم، فانهم سيواجهون صفا مرصوصا أو بنيانا مرصوصا يواجه مثل هذه الفتن ويواجه مثل هذه الاعتداءات. وهذا حصل في التاريخ؛ سواء في وقت النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد ذلك على مر التاريخ. ولذلك، النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر تسلط الاعداء في مثل زماننا بين الإشكال أين هو، فقال: حب الدنيا وكراهية الموت. حب الدنيا وكراهية الموت، وأن الأمة ستكون كالغثاء لا قيمة لها، لا معنى، فاقدة للمعنى، فاقدة للهوية، فاقدة للقيمة الحقيقية التي... المعنى والهويه هي من أهم ما يشكل قوام الإنسان، فاذا فقد الإنسان هويته وفقد المعنى وفقد القيمة الحقيقة، فقد الجذور، صاروا غثاء لا معنى له، لا قيمة له.

ولذلك، نحن اليوم في أمس الحاجة لإعادة المعنى، لإعادة القيمة، لإعادة الجذور، لإعادة الهوية، لتثبيت المرجعية؛ مرجعية الوحي، لتثبيت الإيمان في النفوس، لإعادة بناء وصياغة الشخصية المسلمه من جديد. وهذا من أهم الأسباب الذي بإذنه سبحانه يكون سببا في إعادة بناء قوام الأمة الإسلامية بعد ذلك.

الحديث التالي: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سياتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، وخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه في أمر العامة. الرجل التافه في أمر العامة.

وهذا اللفظ اخرجه الإمام أحمد -عفوا- أنعم، اخرجه الإمام أحمد وابن ماجه، وطبعا من حديث أبي هريرة؛ الحديث روي من أكثر من طريق: ومن حديث أبي هريرة، ومن طريق أنس، ومن طريق عوف بن مالك رضي الله تعالى عنهم اجمعين. وفي لفظ حديث أنس بن مالك: أن أمام الدجال سنين خداعة. وفي حديث عوف بن مالك: أن بين يدي الساعة. فهذا يعني يدل على تأخر زمن وقوع هذا الحديث وانه في آخر هذه الأمة.

وهذا الحديث، يعني وإن كان في بعض أسانيده أو في أسانيده شيء من الضعف، إلا أنه في الجمله من الأحاديث ليست شديدة الضعف؛ في بعض أسانيده يعني فيها شيء من القوة. التفصيل في للمقام الإسنادي ليس مقامه هنا، لكن لعله بمجموع طرقه إن شاء الله يرقى إلى درجة تكون صالحة للاستشهاد والاعتبار والاستفادة، وقد حتى تصل ما هو أكثر من ذلك.

والحديث عجيب وعظيم، وكما قلت له، يعني حتى من حيث المستند الإسنادي له، كما قلت حتى من الجهه الإسنادية له، يعني ما يقوم عليه ولو بدرجه معينة، لكنه عجيب في توصيف الواقع. حتى اللفظ الذي استعمله النبي صلى الله عليه وسلم، اللي هو قضية التافه، الرجل التافه، هي من أشد ما نعاني منه في هذا الزمن.

حديث عجيب: ياتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قال: الرجل التافه في أمر العامة. رجل تافه يتحدث في أمر العامة.

وكأنك وأنت تستمع لهذا الحديث يعني يتخايل أمام عينيك صورة التافهين الذين تصدروا في... خلنا نقول، في كثير من المجتمعات، في كثير من الوسائل، بحيث أنهم الذين صاروا يرسمون المعايير ويعني يبينون القضايا، وأحيانا تكون لديهم حتى مسؤوليات قرار ويعني يضعون بالنسبة للناس معايير في غاية التفاهة وفي غاية الانحطاط، وتبدل المعاني: فالصادق يكذب، والكاذب يصدق، والخائن يؤتمن، والامين يخون.

ويعني النبي صلى الله عليه وسلم يصف هذه السنوات بأنها خداعة. وحقيقة، يعني الإنسان يعني وهو كما قلت يقرا هذا الحديث ويستمع اليه، تقفز أمام... يعني أو حتى في مخيله مخيلته تقفز مجموعة من الصور التي نعيشها اليوم، وقد يعني لا يقطع الانسان قطعا جازما بأن هذا الحديث ينزل على زماننا نزولا تاما، إلا أن المتامل البصير يرى...

مقدار التطابق بين هذا الحديث وبين زماننا الحالي ومن أهم ما يستفيد منه الإنسان في مثل هذا الحديث؛ أنه يأخذ الحيطة والحذر، ويزداد وعياً، ولا يغتر بانتشار بعض المفاهيم وتكالب كثير من الناس عليها، فالنبي صلى الله عليه وسلم يحذرنا من انقلاب المعايير.

وفي هذه الدروس في هذا الكتاب منهاج ميراث النبوة سبق في بداية الدروس أن تحدثت عن أهمية ضبط المعايير على معيار الوحي، ومتى فقد الإنسان المرجعية الحقيقية التي يستطيع من خلالها أن يضبط المعايير ويحاكم الأشياء التي ترد عليه فيقيسها على هذا الميزان؟ متى فقد الإنسان هذه المرجعية التي يستطيع أن يستخرج منها ذلك؛ فإنه يكون عرضة لاختلال المعايير وللتأثر.

وكلما كان هناك طرف آخر أعلى صوتًا، فإن إمكانية تأثيره تزداد على الإنسان الحالي، فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا يتحدث عن هذا المعنى، وهو كما قلت معنى في غاية الخطورة، ينبغي التنبه له خاصة في مثل هذا الزمن، وخاصة في قضية الرجل التافه يتحدث في أمر العامة.

فهذه نعمة، أقصد أن يكون هناك تحذير مسبق، وهذا من جملة الاستفادة من النبي صلى الله عليه وسلم من ميراث النبوة؛ يعني الاستفادة من ميراث النبوة ليست فقط في الأحكام العملية والسنن، وإنما الاستفادة من ميراث النبوة من أهم ما يدخل فيه الاستفادة من ميراث النبوة فيما يتعلق بالتنبه للمستقبل، فهذا باب عظيم وباب شريف.

الحديث الأخير؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم، أخرجه أبو داود.

هذا الحديث حديث أيضًا حديث عجيب، وفيه تحذير من النبي صلى الله عليه وسلم من حالة الركون والاستغراق الدنيوي، الركون إلى الدنيا والاستغراق فيها والتعلق القلبي بها.

يعني النبي صلى الله عليه وسلم هنا يتحدث أولا عن صورة من صور البيع: إذا تبايعتم بالعينة. والعينة هو بيع يظهر فيه شدة الحرص على المال، يعني البيع أن يبيع الإنسان لرجل لشخص آخر أن يبيعه سلعة معينة بثمن مؤجل -نفترض مثلاً يبيعه سلعة بثمانمائة مؤجلة- ثم يشتريها منه معجلة بثمن أقل -مثلاً يبيعه بمئة مؤجلة ويشتريها بتسعين وهكذا- فيعني نفس الرجل هو الذي يباع منه أو يباع له ويشترى منه، وكأن السلعة أصبحت وسيطًا لا معنى له بقدر ما هي كأنها أصبحت بيع مئة ألف بتسعين ألفًا، فهي قريبة من صور الربا.

وعموما الربا يعني هو صورة تظهر مقدار حرص الإنسان على المال ومقدار الجشع في تحصيله وهذه قريبه منها، فهذه صورة يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقول: واخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع.

أخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع متقاربتان، يعني ركنتم -شوفوا: ورضيتم بالزرع- يعني هي ليست في ليس في هذا الحديث ذم الاشتغال بالزراعة، يعني ليس أنه اشتغال بالزراعة محرم أو شيء، ولكن إذا كان هذا هو شغل الإنسان الوحيد وهو همه ويدور كل تفكيره عليه، ورضيتم بالزرع، رضي هذا المكان وهذا السياق الدنيا فقط، ولم وكانه لا يلتفت إلى غيره وكانه هو الأولى بالنسبة اليه.

لاحظ، لأنه أردف ذلك بترك الجهاد فقال: وتركتم الجهاد. ومعنى ذلك أنه يعني لاحظ حالة من حالات الركون إلى أمر دنيوي مع ترك التضحية والبذل في سبيل الله، فاجتمع هذان الأمران، إذا اجتمع هذان الأمران في الأمة ماذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم.

المستفاد من هذا الحديث هو أن الدنيا وإن اشتغل بها الإنسان، والحرث والزرع والتجارة وما إلى ذلك، وإن اشتغل بها الإنسان وحتى قد تكون نيته صالحة بحيث يؤجر على هذا الاشتغال؛ لأنه تعرف النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لأن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. وقال صلى الله عليه وسلم: اليد العليا خير من اليد السفلى. اليد العليا هي التي تعطي، واليد السفلى هي التي تسأل أو تأخذ من الناس.

فالإنسان يحتسب في مثل هذه الأعمال، لكن القضية أنه ما تكون حالة إخلاد إلى الأرض، ما تكون وكأن الإنسان التصق بهذه الأرض، والتصق بهذه الأعمال الدنيوية، وصنع لنفسه صندوقا أو دائرة تموضع داخلها، لا يرى إلا هذه الدائرة وهذا الإطار الذي صنعه لنفسه من خلال هذه الأمور الدنيوية، وفي نفس الوقت لا تجده مسارعًا في البذل في سبيل الله وفي التضحية وفي نصرة الدين وفي..

وهذا حقيقة يعني أحيانا يكون بصورة فجة واضحة وأحيانا يكون بصورة تأويلية، يعني أحيانا حتى بعض الصالحين قد يقع في هذا، أو بعض المشتغلين ببعض الأمور الصالحة يعني قد يقع في مثل هذا؛ يقنع نفسه أنه على خير وكذا وانه مثلا محافظ على الفرائض وكذا، وتجده منغمسا غاية الانغماس في الأمور الدنيوية.

وأي موطن تجده فيه قدر يتطلب قدرا من التضحية في سبيل الله، هذه التضحية قد تكون بالصدع بالحق، قد تكون بإنكار المنكر، قد تكون بالثبات على الثغر الدعوي الذي يدعو الإنسان به إلى الله سبحانه وتعالى في ظل الانحسار وفي ظل الإشكال وكذا، فضلا عن ما هو أكثر من ذلك مما فيه بذل النفس والروح، تجده دائما منكفئا عن هذه المجالات، وقد يشتغل بشيء ثقافي عام يعني لا ينقطع عن قراءة بعض الأمور العامة وكذا، ولكنه يبتعد عن أي موطن فيه بذل للإسلام والمسلمين وكان بامكانه ذلك وكان يستطيع ذلك مع شيء من التضحية والصبر والبذل.

فهنا هذه صورة من صور الداء الذي يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم ويحذر منها، فلذلك نحن اليوم يعني من مجموع هذا الباب نستفيد فائدة أنه مهما كان هناك من إشكال خارجي، مهما كان هناك من تكالب من أعداء، فإن الكثير من الأسباب تعود إلى أنفسنا، إلى دواخلنا، إلى ضعفنا، إلى تعلقنا بالدنيا، إلى حبنا للدنيا، وإلى رضانا بها، كما قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ.

وككما قال الذي آتيناه آياتنا: وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ.

فالإنسان يعني يتنبه لمثل هذا، ويحرص على أن يجعل الدنيا مهما بلغت، يجعلها في إطار معين في حدود معينه لا يتجاوزها، ويعيش الإنسان معتدلا، يسعى لأولاده، ويسعى لنفسه، يسعى لأن يعيش حياة كريمة، يسعى لأن يكتسب في الخير يسعى، ليست هذه الأحاديث دعوة للفقر، ليست دعوة للفقر، ولكن في نفس الوقت هي دعوة لأن لا ينحصر الإنسان في أمر الدنيا.

ولذلك ترى نحن اليوم في حياتنا المعاصرة ترى تصنع لدينا حالة من الهلع المتعلق بالدنيا، أن الإنسان من هو صغير ما يعني يصنع له في البيت وفي الأسرة وفي المجتمع وفي الإطار العام أنه يعني قلق، حالة من القلق والتوتر حتى يأخذ شهادة جامعية معينة بنسبة معينة وإلا ضاع مستقبله وانتهى، وكان الحياة بدات كله تتوجه في إطار معين.

فالإنسان منذ أن يدخل خلينا نقول مثلا في المرحلة المتوسطة، يعني من عمر 15 تقريبا أو 14 وكل ما حوله يعني يحشده لأن يتوجه إلى تلك الغاية التي هي أعلى الغايات عند الكثير، ويعني يحدث فيها في البيت من النزاع والغضب والرضا والضرب والصراخ وإلى آخره، بحيث أنه الإنسان خلاص يعني ليس مطلوب، ممكن الإنسان يترك أشياء كثيرة حتى تواجهنا أحيانا الإنسان يكون مثلا في مركز تربوي أو شيء ويفتح الله عليه واستقيم ويعظم الصلوات وأي يبدأ في العلم وما إلى ذلك، ولكن لأن نسبة يجب أن يحققها في دراسة مساعدة حتى تهيئه للدراسة الأساسية يعني مستعد أنه يترك يترك كل هذا الخير، حتى الإنسان يترك حالة الهلع ويعني يهدا، يسعى للنجاح هنا في دراسته وفي دنياه ولكن هناك أولويات أيضا.

حالة الهلع أحيانا تجعل الإنسان حتى يتخلى عن المبادئ، أحيانا امرأة ممكن تتخلى عن كثير من الثوابت والمبادئ فقط لتحقق شهادة جامعية معينة، لماذا؟ لماذا حالة الهلع هذه وحالة الفزع وكأن الإنسان لم يخلق إلا لهذا؟ هناك ضوابط وثوابت وغايات أعلى من ذلك بكثير، فهذه كلها أمور يعطيكها الإنسان دائرة لا تتجاوزها، ينبغي أن لا تتجاوزها.

أما أن تتمحور حياة الإنسان على هذه، كيف نعرف أنها تتمحوره؟ نعرف أنها تتمحوره بمقدار ما يسقط من المسلمات والثوابت والأولويات في سبيل تحقيق منفعة دنيوية معينة شهادة معينة لأجل دخل معين إلى آخره، فتجد حتى الإنسان كما قلت أحيانا يبذل الغالي والنفيس والأولويات وبعض الثوابت في سبيل ذلك ثم أحيانا لا ينجح، لا ينجح في تحقيق أعماله الدنيوية، وأحيانا تنال الأعمال الدنيوية بما هو أسهل من ذلك، أحيانا مهارات معينة يتعلمها الإنسان تكون أثمن حتى من كثير من السنوات التي تبذل في غير ذلك.

عموما الحديث هنا ليس عن هذا الموضوع بعينه، لكن الحديث عن فكرة أن الإنسان ما يجعل الدنيا هي الاطار الأساسي الذي يعيشه حالة من الفزع والهلع والاستغراق الدائم، وإنما ينظر إلى ما هو أولى من ذلك وأعلى من ذلك وهو رضا الله سبحانه وتعالى، ورضاه يكون بطاعته سبحانه وتعالى، ومن أعظم ما يدخل في ذلك في طاعته هو العمل لدينه وخدمة أمة النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الخير.

نسال الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح العمل، وأن يبارك لنا ولكم في هذا المتن وفي هذا الشرح، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.