الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى، اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس شرح المنهاج من ميراث النبوة، واليوم الباب هو باب في حسن العاقبة والتمكين بعد البلاء.
وهذا الباب باب مهم في سياق، نقول في سياق الإنسان المؤمن حين يتصور طريقه الإصلاحي، وطريقه في الثبات على الدين، وطريقه في الصبر على الأذى، وطريقه في تبليغ دين الله، وطريقه مواجهة أعداء الله سبحانه وتعالى؛ مهم أن يتصور بعض المفاهيم المتعلقة بسنة الله سبحانه وتعالى في أوليائه الذين يحملون دينه ويحامون عن هذا الدين ويبلغونه.
وهذا الباب باب متصل اتصال وثيقا بالسنن الإلهية، والسنن الإلهية من شأنها الثبات، وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا. سنن الله سبحانه وتعالى ثابتة، وسنن الله يعني متعلقه بأمور مختلفة؛ هناك سنن متعلقه بأمور كونية وهناك سنن متعلقه بالأحوال البشرية، والسنة المتعلقة بالأحوال البشرية منها سنن متعلقه بعامه البشر، ومنها سنن متعلقه بفئات معينة من البشر لهم صفات معينة سواء كانت صالحة أو فاسدة؛ هناك سنن متعلقه مثلا بالظالمين والمفسدين وأهل الغدر والافتراء، وهناك سنن متعلقه بالصالحين والمصلحين.
والمؤمن الذي لا يفهم سنن الله سبحانه وتعالى فإنه قد يقع في حالة من اليأس أو الانتكاس أو الفتور أو الاحباط بسبب عدم إدراكه وفقهه لسنن الله سبحانه وتعالى. الله سبحانه وتعالى يبين هذه السنن في كتابه؛ فمثلا في سورة آل عمران بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى مصاب المؤمنين وأحوالهم الجراح التي أصابتهم يوم أحد بعد ما أصابهم القرح، وذكر سبحانه وتعالى في هذه السياق في الآيات الطويلة الكثيرة التي ذكرها في سورة آل عمران عن غزوة أحد ذكر أكثر من سنة إلهية، والسنن الإلهية كثيرا ما تذكر في سياق الصراع بين الحق والباطل، فمثلا من السنة الإلهية التي ذكرها الله في سورة آل عمران في سياق غزوة أحد قال: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ.
ومن السنن هذه طبعا هذه في بداية تعتبر في الآيات الأولى في سياق الحديث عن غزوة أحد في سورة آل عمران، وبعد أن انتهت كل الآيات تقريبا ختمها الله بذكر سنة من السنن فقال: مَّا كَانَ اللَّه لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، هذه السنة الإلهية.
الآن هذا الباب باب في حسن العاقبة والتمكين بعد البلاء، هذه سنة من السنن الإلهية التي يحكم الله بها على عباده الصالحين، من سنة الله سبحانه وتعالى أنه إذا وجد المؤمنون الصادقون الصالحون المصلحون الذين يحملون هم الدين ويسيرون به ويبلغون رسالات الله سبحانه وتعالى، من سنة الله سبحانه وتعالى أن لا يكون طريقهم إلى التمكين طريقا مفروشا بالورد أو طريقا مسهلا، وإنما من سنة الله أن يكون هذا الطريق طريقا محفوفا بالابتلاءات. وهذه مجموعة من الآيات والأحاديث التي تبين هذا المعنى وترسخه.
الفائدة ما هي؟ الفائدة والثمره أولا: العلم بالله، لأن من جملة العلم بالله العلم بسننه، العلم بالله باب واسع، العلم بالله العلم بأسمائه وصفاته والعلم بسننه في أحوال خلقه وفي يعني سواء في الكون أو في أحوال العباد البشر، وهناك أبواب أخرى من العلم بالله، لكن الفائدة الأولى من هذا الباب العلم بالله سبحانه وتعالى بمعرفة بعض سننه.
الفائدة الثانية هي أن يعني خلينا نقول يتزود الإنسان بالصبر ويتهيأ للبلاء ولا يياس ولا يفتر إذا راى في أحوال المسلمين الشدائد والمصائب، وليستبشر خيرا فيما يلي ذلك إذا يعني خلينا نقول رفقه بالصبر والتقوى. قال الله سبحانه وتعالى: حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَاسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ.
هذه الآية ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة يوسف، وسورة يوسف هي مثال للتمكين بعد البلاء؛ يعني التمكين بعد الابتلاء من أهم النماذج التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه وعرفناها من سنن الله سبحانه وتعالى هي قصة يوسف عليه السلام، حتى أن البلاء الذي مر به يعني البلاء الذي مر به يوسف بلاء من جهة التحليل، خلينا نقول إذا أراد البشر أن يحللوا القصة قبل نهايتها فان يتوقع نهايتها بهذه الطريقة. ولكن الله قد قال في تلك السورة قال: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
يوسف عليه السلام الابتلاء يعني ليش الابتلاء الذي مر به ما كان متوقعا في التحليل البشري العادي أنه سيكون يعني معقبا بالتمكين؟ الأمر الأول: أنه بلاء طال زمانه، يعني منذ الصغر ألقي في البئر ثم القصة التي تعلمون. وهذا واحد. اثنين: أن البلاء تنوعت صوره، فما يخرج من صورة إلا يدخل في أخرى، أولا بإخوانه ثم بيع وكان مملوكا للعزيز وامرأته ثم السجن وما فيه، وهذا البلاء على أثر بلاء، وكلها بلاءات قهرية لا يكون له فيها يعني خلينا نقول القدرة على المقاومة، لا تتوقع أن تكون تلك العاقبة. طال الزمان وتنوعت الابتلاءات، ثم أمضى الله سنته وأراد أن يعزه وأن يعليه كلمته عليه صلاة الله وسلامه.
ثم بعد أن ذكر الله القصة قال سبحانه وتعالى: حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَاسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ. ثم قال: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ إلى آخر الآية.
هذه الآية الأولى وهذه الآية الأولى ليست خاصة بيوسف عليه السلام، وهي أصلا جاءت عامة في نهاية السورة، يعني جاءت عامة، ولكن كونها في سياق سورة يوسف فالإنسان يعني يربط بينها وبين قصة يوسف من بعض الجهات، ولكنها عامة: حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا. طبعا هنا وظنوا أنهم كذبوا واختلف فيهم مفسرون، وكثير من المسلمين يذهب إلى أن راجع إلى اتباع الرسل أنهم ظنوا أنهم قد كذبوا فيما أوعدوا فيهم من الرسل من إلى آخرهم وظنوا أنهم جاءهم نَصْرُنَا وهي آية تأسيسية لمعنى أن الله سبحانه وتعالى يبتلي الصالحين العاملين لدينه المصلحين، يبتليهم بابتلاءات شديدة وطويلة وعميقة إلى أن يصل الإنسان إلى مرحله يعني هذه المرحلة لابد أن يصل إليها المؤمنون ولابد أن يصل إليها الصالحون في طريقهم، اللي هي مرحله شدة البلاء وعمقه حتى تترك أثرا في النفس شديدا، ثم حتى إذا استيئس الرسل أيضا في الصراحة كثير السيدة من إيمان إخواني اقوامهم.
طيب، الآية التالية أيضا تؤكد هذا المعنى، قال الله سبحانه وتعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثُلَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ. هذه متعلقه بايش؟ بالفقر وقله ذات اليد، والضراء وهي متعلقه بايش؟ الأمراض، الأعداء، تسلط الأعداء والحروب. لاحظوا الأنواع: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثُلَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ.
هذه الآية أيضا سياقها يعني يفهم منه أنه أمر متكرر وامر متصل بسنه الله، وهو دائم، لأنه الله سبحانه وتعالى هنا يخاطب المتاخرين، اللي هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويقول لهم، يقول لهم: إن ما أنتم عليه وما سيكون مثل ما أصاب من قبلكم من من حمل نفس هذه الرسالة اللي هي رسالة الإسلام، وهذا يدل على المعنى الذي ذكرته في البداية وهو معنى السنة الإلهية.
والله سبحانه وتعالى لا يقول فقط إنه سيحصل ذلك، وإنما يبدد وهم من يتوهم خلاف ذلك، فيقول: أَمْ حَسِبْتُمْ... أم حسبتم أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ياتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم الباساء والضراء. طيب هنا وقفه مهمه جدا مع هذه الآية، هذه الآية مدنية؟ مدنية أم مكية؟ مدنية في سورة البقرة، سورة البقره نزلت في أوائل المدينة ولا وسطها ولا آخرها؟ في أوائل سورة البقرة نزلت في بداية مرحله المدينة. جيد.
طيب، الآن ما الذي كان قبل مرحله المدينة وقبل سورة البقرة؟ هل كانت مرحله نصر أم مرحله بلاء؟ هل كان بناء شديدا أم بلاء جديدا؟ بعد مرحله البلاء الشديد ١٣ سنة تاتيهم هذه الآية، تتم هذه الآية، هذه الآية ايش تقول لهم؟ تقول لهم: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم ولما ياتيكم معناها أنه ايش؟ لم يأتِ وايش كمان؟ جاي قريب، لأنه لما ينتظره وقوعه. وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثُلَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ.
طيب حتى يقول الرسول الذين آمنوا معه متى نصر الله، هذه لا تذكركم بشيء وقع في مكة؟ خباب. طيب بعد هذه المراحل كلها يأتي أيضا وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثُلَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَالزُّلْزِلُ، عشان نعرف الفرق بين التربية في المدرسة النبوية والتربية في بعض المدارس اللي هي يعني تعطي حالة من التبشيرات الزائفة، الفكرة أنه خلاص أنت مثلا دخلت في طريق الاستقامة والالتزام يعني ما في مصاعب ولا في من الأمور طيبة جدا بإذن الله، أو يعني تبدا حالة إصلاحية معينة أو يعني عمل للدين أو شيء أنه خلاص يعني الإنسان بس نشتغل بس سنتين ثلاث سنوات إن شاء الله كويسة، بينما هنا بعد ١٣ عاما من البلاء والصبر تنزل هذه الآية وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثُلَ الَّذِينَ.
وفي نفس السورة ايش نزل في سورة البقرة أيضا مشابه في بداية الجزء الثاني، الصفحة الثالثة من الجزء الثاني: وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ إلى آخر الآية. طيب، هذه يعني مهمة جدا، طب ما الفائدة من أن الله ذكر لهم هذه الآية في بداية المرحلة المدنية، اللي من أهم سماتها المرحلة المدنية من أهم سماتها الجهاد؟ حتى إن يعني اشتهر في التاريخ المغازي، كأنه خلاصة السيرة النبوية، المدينة كانت عبارة عن واحد من عناوين الكبرى والمغازي والجهاد في سبيل الله، طيب نزلت هذه الآية في بداية مرحله المدينة، ايش الفائدة من نزولها بداية ونهاية المدينة؟ الفائدة: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ. اذهب إلى كتب التفسير مثلا بالكثير ستجده يقول إنهم يقصدون بهذا: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أي هذه الآية اللي في سورة البقرة تدخل الجنة ولما ياتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم رؤساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين امنوا معه متى نصر الله الا ان نصر الله قريب. واضح؟
طيب، ابن عباس رضي الله عنهما أن أبا سفيان أخبره أن أبا سفيان رضي الله تعالى عنه وأخبره أن هرقل قال له: سالتك كيف كانت، يعني طيب أول شيء، لما ذهب يعني في مرحله كان أبو سفيان فيها كافرا كان يسال هرقل، كان يسأل أبو سفيان ومن معه، كان يسألون عن أحوال النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يتعرف، فكان من جملة ما سالهم، ما سأل أبا سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم هو: كيف كان قتالكم إياه؟ يعني من الذي ينتصر؟ قال: سالتك كيف كان قتالكم إياه؟ فقال، فقال: فزعمت أن الحرب سجال ودول.
الآن يعلق هرقل، والكلمة التي علق بها هرقل كلمة عجيبة، وهي كلمة هي خلينا نقول فهمها وفقهها من آثار النبوة التي لديهم أن هي كلمة متعلقه بالسنة الإلهية، قال ما قال قال: فكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة، وكذلك الرسل، شوف الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة، أخرجه البخاري.
رضي الله تعالى عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: الرجل في من كان قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيرجى بالمنشار، يوضع على راسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتممن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنه خرجه البخاري.
هذا الحديث فيه عبرة عظيمة وفوائد كثيرة؛ أولا: فيه بيان لشده ما علاقه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المرحلة المكية، وأنتم تعلمون أن خبابا رضي الله تعالى حين أتى فانما أتى بعد أن كما يقال يعني خلاص وصلت يعني أنه حتى خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم خطاب اللي خلاص لا تدعوا لنا حتى مو يعني واضح فيها أنه خلاص.
الفائدة الأولى: شدة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة. الفائدة الثانية: في أهمية قصص وأحوال الثابتين والانبياء والصالحين في توليد حالة الثبات في الأزمات المتجددة: وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ، وقالوا: لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كذلك لنثبت به فؤادك. وهذا القرآن الذي يثبت يثبت به الفؤاد من أهم ما فيه قصص الأنبياء وما مر في عليهم أحوال، ولذلك في سورة الأحقاف: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وفي سورة الانعام: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِين.
وهنا النبي صلى الله عليه وسلم يصبر خبابا ومن معه بما حصل لمن قبلهم من المسلمين من الصالحين من الثابتين على الدين، وهذا يذكر بما ذكره الله في سورة آل عمران فيما يتعلق بشأن أحد لما حصل أن فر بعد الصحابة.
وكان من أسباب ذلك ما أُشيع من مقتل النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله سبحانه وتعالى تعليقاً على هذا الحدث: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيِّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. وهذا كما قال الطبري: عتاب من الله لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
والمستند الذي يقارن به هو أحوال الثابتين والسابقين، وهذه نصيحة لكل من هو مهتم بشأن دينه أن يعتني بالقصص والسير الثابتة الصحيحة، وأهمها ما ورد في القرآن، وأهمه قصص الأنبياء، ثم ما ورد في السنة، ثم يقرأ سير الصالحين كثيراً، فهي من أعظم أسباب الثبات. سير الصالحين وقصص الثابتين على الدين هي من أعظم أسباب الثبات.
طيب، النبي صلى الله عليه وسلم هنا يذكر له أحوال تلك الأمم. الفائدة الثالثة هي أن المجرمين والظالمين ومحاربي الإصلاح هم على نفس الطريقة وعلى نفس الفكرة وعلى نفس القلوب على مر التاريخ. فحين يرى الانسان في زمن من الأزمان حالة من الفساد شرسة في محاربة الدين وفي محاربة المصلحين، فلا يظن أن هذا أول مرة يحصل في التاريخ، ولا يظن أنهم حالة شاذة في التاريخ، وإنما هنا النبي صلى الله عليه وسلم يحكي لأصحابه عن أمم من سابقة، كان الرجل يحفر له، ويؤتى بالمنشار فيوضع على مفرق رأسه، وأنت تعلم أن هذا يعني من أشد ما يمكن، من أشد ما يمكن أن يعذب به الانسان.
وما يصده... وأنا أظن أن الصورة التالية هي أشد: يمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب أو من جلد، يعني إيش ما يكون. قال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يصده ذلك عن دينه. إذاً الفائدة هي أن سنة الطغاة والمجرمين واحدة، كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة لما ذكر، قال: الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَت قُلُوبُهُمْ. الأدوات تختلف، لكن القلوب تتشابه. وكذلك في سورة الذاريات، الله سبحانه وتعالى لما ذكر أحوال الأمم قال: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ. لأنهم طاغون تتشابه أقوالهم، يعيدون نفس القصة. وهذه كما قلت هي حالة مستمره دائماً، طالما الحق موجود وحملة الحق موجودون، فالباطل يكون موجوداً وحملة الباطل أيضاً يكونون موجودين ويحاربون الحق بهذه الشراسه، بهذه القوه، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.
من الفوائد أيضاً في هذا الحديث: أن هذا الحديث من دلائل النبوة، والأحاديث التي فيها دلائل النبوة كثيرة، والعجيب أن هذا الحديث يذكر أو ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في مرحلة مبكرة، لم تكن فيها بوادر للنصر، يعني لو أن هذا الكلام قيل بعد معركة بدر مباشرة، لا يعني كانت الناس ممكن يجدون شيئاً من أرض الواقع مستنداً، يعني، لكن أن يقal في مكة، النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند الكعبة والأصنام كلها حول الكعبة ولا يستطيع أن يهدم منها شيئاً، صح ولا لا؟ متى هذا بالأصنام عليه الصلاة والسلام؟ فتح مكة بعدين، وكان حول البيت ثلاثمِائة وستون صنماً موجوداً حول البيت، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية حين يصلي عند البيت ويصلي وهذه الأصنام موجودة، فكان الأمر في غاية الصعوبة، كان الأمر في غاية الصعوبة.
طيب، إذاً هذا الحديث فيه شيء من دلائل النبوة، أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر بتمام هذا الأمر، بل وفصل. أولاً: البشرى بتمام هذا الأمر، أنه تراه هذه الدعوة التي أنتم عملتم بها ستتم، وكان مراد قريش ومن معهم أن يقضي عليها تماماً، فالنبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه هنا بأن هذه الدعوة ستتم ولن يقضى عليها، والله ليتممن الله هذا الأمر، والله ليتممن الله هذا الأمر. هذا واحد.
اثنين من ناحية التبشير: تفاصيل، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، وهي تدل على حالة متقدمة في استتباب الأمن والاستقرار، سيتم شيء من ذلك فيه بعد قليل إن شاء الله.
هذا حديث فيه مجموعة من الفوائد وفيه علاقة واضحة بالباب، اللي هي أنه فيه ابتلاء الصالحين. بعد البلاء، الآن الحديث التالي يجعل يعطينا اللي هو حسن العاقبة، بس الحديث الأول هذا حديث خباب يعطيني البلاء، طيب، حسن العاقبة أيضاً عن خباب، وأيضاً في البخاري، خباب نفسه الذي كان يقول ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا خباباً، أن يروي فيما بعد صرام الأعوام والسنين، يقول: هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات لم يأكل من أجر شيئاً، منهم مصعب بن عمير، وممنا من أينعت ثمرته فهو يهذبها -أخرجه البخاري ومسلم- يهذبها: يقطفها، يجنيها.
من الدنيا بعد الفقر، والذله والفقر. هذه الحالة التي يحكيها خباب، أنه قال: ومنا من أينعت ثمرته فهو يهتبها، يعني تغير الحال، وظهرت الثمرة وقطفناها وأكلنا منها وعشنا لذتها ونعيمها، وتصرمت أيام البلاء وانقضت أيام الشدة، وتحول عنا ذلك الحال وتلك النطاق المحيط بنا والقيد الذي كان يعني يقيدنا انتهى كله وظهرت الثمرة. طبعا هنا يشمل هذا الفتوحات، وما ترتب عليها من الخير والغناء وعلو كلمة الإسلام، والصحابه هم الذين حكموا الدنيا بعد ذلك، وهذا يبين نفس القضية، والجميل أنها عن خباب نفسه الذي كان يشتكي قبل ذلك في المرحلة المكية.
ثم الحديث الاخير: حديث عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه، وهو حديث عجيب في هذا المعنى وفي دلائل النبوة تحديداً. يقول عدي رضي الله عنه: بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها وقد أنبئت عنها. قال: فإن طالت بك حياه لترين الظعينة -المراه- ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله.
قلت: وعددت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيء الذين قد سعروا البلاد؟ دعار أهل الخبث والشيطان وقُطّاع الطرق، اللي هو طبعا عدي بن حاتم، فهو يعرف أنه في ناس من عنده أهل قطع طريق، يعني هو أصلاً جاء رجل يشتكي قطع السبيل، بعدين ابن حاتم يقول: من الحيرة، هناك جهة العراق إلى مكة، هذه المنطقة كلها تقطع ما في، وين، وين طيب؟ الآن هذه نفس اللي قيلت في عدي، في خباب صح؟ لكنه ذكرت هناك في الجنوب، وهذا معناه أنه يعني كأنه في الحديث خباب ذكر القطر الأسفل، وفي حديث عدي ذكر القطر الأعلى، وهذا ما حصل.
لكن هذا كله شيء وما سيذكر الآن شيء آخر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ولإن طالت بك حياه لتفتحن كنوز كسرى. جواب سؤال، ردة فعل عدي رد أظهرها في سؤال، والسؤال هذا جميل جداً، وسؤال ما في شيء زايد، بس أنه يبين لك أنه يعني معقول، ايش قال النبي صلى الله عليه وسلم: من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، ولقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان ترجم له، فلا يقولن: ألم أبعث إليك رسولاً فيبلغك؟ فيقول: بلى. فيقول: ألم أعطيك مالاً وأفضل عليك؟ فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم.
قال عدي: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شقة تمرة فبكلمة طيبة. قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياه لترون ما قال النبي صلى الله عليه وسلم، لما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم يخرج من الأكل إلى آخر الحديث -أخرجه البخاري ومسلم-.
هذا الحديث حديث عجيب عظيم في سياق المعنى الذي يتحدث عنه في هذا الباب، وهو يبين أن القصة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني قصة كاملة، قصة بدأت كما يقال من الصفر وترققت فيها الأحوال، وجاءت فيه كل عوامل ما يمكن أن يوقف هذا المد الجديد العظيم، الرسالة الخاتمة التي بعث الله بها نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، ويتقلب المؤمنون فيها حالاً بعد حال، ويمرون في بلاء بعد بلاء، وشدة بعد شدة، ويصبرون ويتقون، وينصرهم الله في يوم على أثر يوم من أيام الله حتى تم هذا الامر، ونزل قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.
فما لبث النبي صلى الله عليه وسلم أن توفي بعدها، ثم تجددت الابتلاءات وذلك بارتداد عامة أهل الجزيرة العربية عن الدين، وأقام لهم أقام لهم الله سبحانه وتعالى سيف النبي صلى الله عليه وسلم أو خليفة النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق، فأصلح ما فسد وبنى من هدم، ثم انطلق بعد ذلك ليفتح الدنيا عمر رضي الله تعالى عنه فأكمل الطريق، ثم جاء إلى آخر القصة المعروفة.
اكتملت البشارة النبوية والتي يعني نقول ذروتها ذروة البشارة النبوية هي فتح فارس، تمام الأمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم، أما تمام الأمر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فهو تمام ظهور رسالة وتمام نزول الوحي ودخول الناس في دين الله أفواجاً، هذا تمام الأمر، ثم تمام الأمر بعد ذلك هو في علو كلمة الإسلام وظهورها على الدين كله، على الدين كله أي على الاديان الاخرى، فعليت كلمة الإسلام وارتفعت راية الدين وصدق الله وعده، وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم وكما قال عدي: فقد رايت الوعد الأول، ورايت الوعد الثاني، وانتظروا أيها الناس الوعد الثالث.
بعد هذا الباب، الآن هذا الباب هو يعني يعتبر حلقه وصل أو مقدمه ممهده، مقدمه ممهدة للباب الذي يليه، باب في المبشرات بالتمكين وصلاح أحوال المسلمين في آخر الزمان بعد الشدائد والفتن. هذا الباب يؤسس للسنن الإلهية ويؤسس القاعدة الأساسية في فهم الابتلاءات والنصر والثبات والمعاني والحكم الإلهية في هذا الباب وما يتعلق بذلك، همم، لكن الباب التالي سيكون متعلقاً بمستقبل هذه الأمة في آخر الزمان، لأن هناك مبشرات في أيضاً صلاح أحوال المسلمين في آخر الزمان.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبلغنا رضوانه وأن يغفر لنا ذنوبنا ويهدينا ويسددنا، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد