تسجيل الدخول

شرح المنهاج من ميراث النبوة 14 | فضل الإصلاح والدعوة

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله ذي الجلال والإكرام، ثم نسأله سبحانه أن يصلي ويسلم ويبارك على عبده ورسوله محمد. أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس شرح المنهاج من ميراث النبوة، وهذه المرة مع باب القدوة في الدين وحب من هذه صفته.

قال الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وقال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ. وقال سبحانه على لسان المؤمنين: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا. هاي ثلاث آيات مذكورة في هذا الباب الذي هو القدوة في الدين وحب من هذه صفته.

يعني باب القدوة في الدين، القصد هو أمرين، أو القصد أمران: الأمر الأول هو إثبات وجود القدوات في الدين والأئمة في الدين، والقصد الثاني هو الحث على أن يكون الإنسان قدوة في الدين. والقدوة في الدين على قسمين: القدوة الشاملة، يعني إنسان يكون قدوة بعامة شأنه، بحيث إنه يقتدى به بهديه، وفي صلاته، وفي أخلاقه، وفي علمه، وما إلى ذلك. والباب الثاني أو القسم الثاني هو القدوة الجزئية في باب معين، القدوة الشمولية والقدوة الجزئية. القدوة الشمولية ليست قدوة مطلقة إلا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني كل من دون النبي صلى الله عليه وسلم، كل من بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه وإن كان منهم من القسم الأول، القدوة الشمولية، إلا أن الاقتداء الشمولي ليس اقتداء مطلقا، بل هو اقتداء مقيد بموافقة هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أو اقتداء بالمعروف.

جيد، إذا خلاصة الكلام نرجع، باب القدوة في الدين، هذا العنوان فيه أمران: فيه إثبات وجود القدوات في الدين والأئمة، الأمر الثاني فيه الحث على أن يكون الإنسان قدوة في الدين، وهذه القدوة على قسمين: القسم الأول القدوة الشمولية، ويمكن أن نسميهم الأئمة في الدين، والقسم الثاني القدوة الجزئية في باب معين. الآيات والأحاديث التي في الباب هنا، خاصة الأحاديث، سنرى أن فيها من هذا القسم ومن هذا القسم، يعني بعض الأحاديث فيها حث على القدوة ولو كانت جزئية في باب معين، وبالتالي هذا لا يشترط فيه أن يكون هناك علم كبير أو واسع أو شمولي، وإنما يمكن للإنسان أن يكون قدوة في الدين في باب من أبوابه، وإن لم يكن واسع العلم ومتخصصا في العلوم الشرعية وما إلى ذلك. جيد، أما القدوة في الدين بمعناها الشمولي، فلا تكون إلا لمن، إيه، القدوة الشمولية في الدين لا تكون إلا لصاحب علم وعالم بميراث النبي صلى الله عليه وسلم، وكما قلت هذه القدوة الشمولية ليست قدوة مطلقة، بل هي مقيدة.

طيب، إذا هذا شرح الجزء الأول من العنوان اللي هو باب القدوة في الدين، ثم الجزء الثاني من العنوان وحب من هذه صفته، فالإنسان وإن لم يتيسر له أن يكون قدوة، فلا أقل من أن يحب القدوات والأئمة في الدين. فهذا الباب المفترض أنه يشمل الجميع، يشمل القدوات، ويشمل من لديهم قابلية في أن يكونوا قدوات، فهو فيه حث على أن يكون الإنسان قدوة، ويشمل من ليس قدوة ولا عنده قابلية أن يكون قدوة، ولكن لا أقل من أن يكون محبا لأهل العلم والقدوة في الدين.

الآية الأولى هي قوله سبحانه وتعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. أين العلاقة بين هذه الآية وبين الباب؟ صفات من ذكر صفات القدوة، جيد، غيره؟ وضوح الهوية بس هذا إيش دخله في القدوة؟ إيه، يتبع على أساس معين، على أساس واضح، هذه مأخوذة من وقال إنني من المسلمين. طيب جيد، هي فيها الأمران: فيها أول شيء الدعوة إلى الله، هذه مقام من مقامات القدوة في الدين والإمامة في الدين، وهو أن يدعو الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى، والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ليست مختصة بدعوة غير المسلمين إلى الإسلام، بل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى واسعة، ويشمل فيها قضية الإمامة في الدين، وتشمل قضية الحث على الخير، وتشمل قضية القدوة وما إلى ذلك.

الشيخ ابن سعدي رحمه الله، اليوم سيصاحبنا الشيخ السعدي رحمه الله في عدد من الآيات، الشيخ السعدي رحمه الله له في تفسير دعا إلى الله هنا في هذه الآية تفسير جميل، يبين فيه الصور التي تدخل تحت الدعوة إلى الله حتى يفهم الإنسان سعة هذا اللفظ والدلالة، ثم يفهم قضية القدوة في الدين والإمامة في الخير، يقول في تفسير الآية: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله بتعليم الجاهلين، ووعظ الغافلين والمعرضين، ومجادلة المبطلين بالأمر بعبادة الله بجميع أنواعها والحث عليها وتحسينها مهما أمكن، والزجر عما نهى الله عنه وتقبيحه بكل طريق يوجب تركه، ثم ذكر أمورا، وقال: ومن الدعوة إلى الله تحبيبه إلى عباده بذكر تفاصيل نعمه، ثم قال: ومن الدعوة إلى الله الترغيب في اقتباس العلم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إلى آخره. لما يفهم الإنسان كلمة الدعوة إلى الله بهذه الشمولية، يفهم سعة الأبواب التي يمكن أن يكون الإنسان فيها قدوة في الدين.

والقدوة في الدين، احنا فصلت فيها في البداية في شرح العنوان، أنواع القدوة، لكن بقي أن يقال القدوة في الدين تكون بأمرين، والجمع بينهما هو التمام: الأمر الأول القدوة في الدين بالحث على الخير والدعوة إليه، فيقتدي الناس بما دعا إليه هذا الإمام أو دعا إليه هذا القدوة، هذا القسم الأول من الاقتداء. القسم الثاني هو الاقتداء بالعمل، أن يكون الإنسان قدوة بعمله، فيقتدي الناس بعمله، والأكمل الجمع بين الأمرين، بأن يكون الإنسان إماما في الدين بقوله وبعمله. والامام الشاطبي رحمه الله له عبارة جميلة في ذلك، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مبينا للدين بقوله وفعله، قال: ووارث النبي يجب أن يكون منتصبا لبيان الدين بقوله وفعله، إذ الوارث يقوم مقام الموروث، والموروث الذي هو النبي صلى الله عليه وسلم كان مبينا للدين بقوله وفعله. وهنا أيضا في قدوتي في الدين كذلك.

إذا ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله، هذه واحدة من وسائل أن يكون الإنسان قدوة في الخير، أو أن يكون إماما في الخير، أو أن يكون رأسا في الخير، بأن يكون دوره الأساسي وظيفته الأساسية هي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. طيب وقال إنني من المسلمين، هذه قد يكون فيها شيء من القدوة العملية، لأنه دعا إلى الله، هذه القدوة القولية هو يدعو إلى الخير، جيد، وقال إنني من المسلمين، هذه صورة من صور الاعتزاز قد تدخل في باب أن يكون الإنسان قدوة بعمله، يبين ذلك ما قاله الإمام البقاعي وبعده ابن عاشور رحمه الله. قال ابن عاشور رحمه الله: وأما وقال إنني من المسلمين فهو ثناء على المسلمين بأنهم افتخروا بالإسلام واعتزوا به بين المشركين ولم يتستروا بالإسلام، والاعتزاز بالدين عمل صالح، إلى أن قال: وفي هذه الآية منزع عظيم لفضيلة علماء الدين الذين بينوا السنن ووضحوا أحكام الشريعة واجتهدوا في التوصل إلى مراد الله تعالى، إلى آخره. والبقاعي يقول: وقال إنني من المسلمين، أي قال مؤكدا عند المخالف والمؤلف، قاطعا لطمع المفسد فيه، إنني من المسلمين، أي الراسخين في صفة الإسلام، متظاهرا بذلك، لا يخاف في الله لومة لائم. هذه الآية تبين طرفي الاقتداء، الطرف القولي والطرف الفعلي، وتبين شيئا من صفات المصلحين وشيء من صفات الدعاة وشيء من صفات القدوات إذا أخذناها طبعا بهذا المفهوم الشمولي.

ثم تأتي الآية الأخرى، قال الله سبحانه وتعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ. هذه الآية من أهم الآيات في بيان أحوال القدوات والأئمة، وهي تبين عدة أمور، تبين الطريق الموصل إلى منزلة الإمامة، وتبين دور من يكون في منزلة الإمامة، وتبين المرجعية التي يستقي منها من هو في هذه المكانة. صح نعم، وتبين وجود أئمة في الدين. طيب من أين أخذ هذا هم؟ أما الطريق إلى هذا فواضح، لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون، واضح، لكن دور أئمة الدين ما هو دورهم؟ مذكور في هذه الآية: يهدون، والمرجعية التي يستقون منها أمرنا، نعم، إذا الدور الأساسي والعنوان الأكبر للإمام في الدين للقدوة في الدين الدور الأساسي والأكبر هو هداية الخلق، والمقصود بالهداية هنا هداية الإرشاد والتوجيه والدلالة، وأما هداية التوفيق والاستجابة فهذه من الله سبحانه وتعالى.

لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون، هذا لاحظوا الآن الباب بدأت تكتمل أجزاء مكوناته. إحنا أول شيء ذكرنا الباب فيه إثبات وجود القدوات، ثم فيه بيان القدوات، وأنه فيه قدوة شمولية وفيه قدوة جزئية، وأن القدوة الشمولية لا تكون قدوة مطلقة وإنما قدوة مقيدة. جيد، وقلنا الإنسان لا يخلو، إما أن يكون قابلا لأن يكون قدوة أو لا يكون، فإن كان قابلا لأن يكون قدوة فقد لا يكون قابلا لأن يكون قدوة عامة شمولية في الدين وإنما يكون قدوة بباب جزئي، وأما أن لا يكون قابلا لأن يكون قدوة، فإن لم يكن قابلا لأن يكون قدوة فلا أقل من أن يحب من هذه صفته. فالباب عنوانه باب القدوة في الدين وحب من هذه صفته، هذه كلها أمور بينت. ثم بين كذلك القدوة يكون بقوله ويكون بعمله والأفضل الجمع بينهما. الآن بدأت تكتمل أيضا القضية من جهة أخرى، وهي أن هناك طريق معين هو الذي يوصل الإنسان لهذه القدوة، عنواناه أو عنوانه الأكبر مكون من مكونين اثنين وهما الصبر واليقين. طيب أين العلم؟ أين العلم في قضية الصبر واليقين؟

نرجع لابن سعدي رحمه الله تعالى في تفسيره هذا التفسير الجليل، انظر كيف جعل العلم مرتبطا بالصبر واليقين ارتباطا وثيقا، فقال: لما صبروا على التعلم والتعليم والدعوة إلى الله تعالى والأذى في سبيله، وكفوا نفوسهم عن جماحها بالمعاصي واسترسالها في الشهوات، وكانوا بآياتنا يوقنون، يقول درجة اليقين وهو العلم التام الموجب للعمل. هذا الآن كلام مهم جدا في قضية ارتباط العلم قبل القدوة بالطريق الموصل للقدوة اللي هو الصبر واليقين. جميل، لاحظ التركيز على قضية أنه اليقين لا يكون إلا بعلم، وليس أي علم، وإنما قال العلم التام، وكذلك ربطه بقضية العمل، والعلم التام الموجب للعمل، وهذه كلمة الموجب للعمل كلمة شريفة، تذكر بما ذكره الشاطبي رحمه الله في مقدمات الموافقات لما تحدث عن علاقة العلم بالعمل، قال إن الناس، وذكر أن المتعلمين درجات في علاقة العلم عندهم بالعمل من جهة كون العلم باعثا إلى العمل، ويقول في درجات، درجة دنيا يكون الإنسان فيها في طور التقليد والتعلم الأولي ولم يقف على حقائق العلوم ومستندها وما إلى ذلك، يقول فهذا العلم عنده لا يكفي لأن يبعثه على العمل، وإنما يحتاج إلى محرك خارجي من الوعيد والوعد والحدود والتعزيرات وما إلى ذلك، ثم يرتقي إلى درجة أعلى العلم ينهض فيها بشيء من العمل، ويحتاج أيضا فيها إلى آخره، إلى أن ذكر درجة الرسوخ في العلم، قال فهذه لا يخلي العلم فيها صاحبه وهواه، لا يخليه أصلا، وكأن العلم يحمله، ثم بدأ يستدل ببعض العبارات التي فيها طلبنا العلم لغير الله فأبى العلم إلا أن، إلى آخره، لكن هنا يقول العلم التام الموجب للعمل، وهذا يكون للموقنين.

ثم الآية الثالثة هي قول الله سبحانه وتعالى، ماذا؟ لا ما هي الآية الثالثة؟ في الكتاب، على أساس أنكم حافظين، هي، لا وأنا ذكرتها في بداية الدرس، يعني اجتمع موجبان لتذكر الآية، موجب أنكم حافظين وموجب أني أنا ذكرتها في بداية الدرس، باب القدوة في الدين وحب من هذه صفته. طيب هي من أوضح الآيات أصلا في كتاب الله في هذا الباب: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا. أيضا نصاحب الشيخ ابن سعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية، وانظروا كيف ربط بين هذه الآية وبين قول الله سبحانه وتعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ. يقول: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا أي أوصلنا يا ربنا إلى هذه الدرجة العالية، درجة الصديقين والكمل من عباد الله الصالحين، وهي درجة الإمامة في الدين، وأن يكونوا قدوة، لاحظ لفظ القدوة نفسه، وأن يكونوا قدوة للمتقين بأقوالهم وأفعالهم، هذه الحين اللي قلناها قبل شوي، اللي هو الاقتداء بنوعيه، يقتدى بأفعالهم ويطمئن لأقوالهم.

ويسير أهل الخير خلفهم فيهدون ويهتدون. قال: ومن المعلوم أن الدعاء ببلوغ شيء دعاء بما لا يتم إلا به. تعرف هذه المنزلة هي لا تأتي أن الإنسان يستيقظ فيجد نفسه إماماً في الدين.

للمتقين يقول: فهذا الدعاء وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا دعاء بما لا يتم إلا به، بما لا تتم هذه المنزلة إلا به. طيب، ما هو الأمر الذي لا تتم هذه المنزلة إلا به؟ ما هو ما ذكر في آية، طيب انظر ماذا يقول. قال: وهذه الدرجة، قال: ومن المعلوم أن الدعاء ببلوغ شيء دعاء بما لا يتم إلا به، وهذه الدرجة درجة الإمامة في الدين لا تتم إلا بالصبر واليقين كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ.

قال: فهذا الدعاء يستلزم من الأعمال والصبر على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقداره المؤلمة ومن العلم التام الذي يوصل صاحبه إلى درجة اليقين خيراً كثيراً وعطاءً جزيلاً إلى آخره. جيد، وأيضاً آية وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ هذه يمكن أن توضع وتضاف على الباب لأنه تعرفون كلام الطبري، ولكن يعني ولكن يقول النبي: أيها الناس كونوا سادة الناس إلى آخر الكلام.

طيب، ننتقل إلى الأحاديث النبوية. قال النبي صلى الله عليه وسلم أولاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً. أخرجه مسلم.

وعن جرير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، آه هنا يبدو أنها مرفوعة من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وكذلك من غير أن ينقص من أوزارهم شيء.

طيب، هذان الحديثان يتوجهان إلى القسم الثاني من أو إلى النوع الثاني من الاقتداء أو من القدوات. احنا قلنا القدوات على قسمين: قدوة شمولية وقدوة جزئية. هذا هذان الحديثان يفتحان للمسلم أفقاً في أن يكون قدوة في الدين ولو لم يكن واسع العلم، ولو لم يكن متخصصاً في علوم الشريعة، ولو لم يكن يعني خلنا نقول قد تفرغ لمقامات الترقي في حتى درجات العبادة العالية وكذا، وإنما مجال الاقتداء ومجال أن يكون الإنسان قدوة يمكن أن يحصل للإنسان بأن يوفقه الله للدعوة إلى شيء من الخير أو لسن سنة في الخير.

وهذه السنة ليس المقصود بها سنة، نعم، اللي هي إتيان بسنة لم يأت بها النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هنا السنة إذا فهمنا مناسبة الحديث سنفهم أن السنة هنا يعني تأتي على صورة قد لا نظن أنها يعني أنها تنطبق عليه، يعني من يقرأ هذا اللفظ وحده قد لا يظن أن الحديث يشمل الصورة التي سيق الحديث لأجلها أصلاً. ما الصورة التي سيق الحديث؟ نعم، سيقت في الصدقة، وذلك أن قوماً من مضر قد أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسبابيل العباءة أو النمار وكانت حالتهم شديدة في الفقر، يعني تأثر النبي صلى الله عليه وسلم وتغير وجهه ثم حث الناس على الصدقة.

ولم تأت الصدقات مباشرة حتى جاء رجل من الأنصار بصرة كادت تعجز أو عجزت عنها كفه أو كادت ووضعها أمام النبي صلى الله عليه وسلم، فتتابع الناس بصدقاتهم حتى اجتمعت يعني كومة كبيرة من الصدقات التي يعني من الثياب والطعام وما إلى ذلك لهؤلاء القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن سر وجهه: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها.

الآن لاحظوا هذا الرجل الصحابي المتصدق يعني حتى ما هو اللي يعني خلنا نقول اقترح التصدق على هؤلاء بل النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي حث، لكن بمجرد أنه أتى هو أول واحد وكان إتيانه فيه حث للناس، تعرفوا أحياناً مثلاً يأتي شخص ويقول يا جماعة من يبادر بكذا؟ ها؟ يكون هو الآن الداعي الأول، فالناس مثلاً تكون مترددة وكذا، فيأتي شخص يقول لك أنا أبادر بكذا ويأتي بشيء يعني كبير مثلاً يشجع الناس عملياً على أن هنا من سن في الإسلام سنة حسنة.

لاحظ أنت تعلم أن هذا لا يتطلب قدراً كبيراً من العلم حتى يكون. إذاً القدوة في الدين لا تنحصر في الأئمة العلماء وإن كانت تنحصر فيهم من جهة القدوة الشمولية، أما القدوة الجزئية من دعا إلى هدى، هذا الهدى هو الذي اخترعه؟ هذا الهدى موجود في الدين لكن هو الذي دعا إليه، فيأتي عند قوم عند أناس عند شباب عند أصدقاء عند طلاب أيّاً كان فيحثهم على شيء، طلاب كانوا يجتمعون على غير حرام ولكن فيما ليس فيه فائدة واضحة أو شيء منه، فدعاهم إلى العلم والقراءة والاجتماع على القرآن، هذا دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه.

فهذا الآن إذا كان هو الذي دعاهم إلى هذا وحثهم عليه وهم استجابوا بناءً على دعوته، هذه الحلقات والدروس التي يأخذونها بإذن الله تعالى له من الأجر مثل أجور من عمله، وهذا شيء من الربح فوق الخيال، شيء من الربح فوق الخيال يعني أن يضاف إلى عمرك القصير أن تضاف أو أن يضاف إلى عمرك القصير أعمال لم يكن بإمكانك في هذا العمر أن تأتي بها ولكن تكون قدوة في الخير وداعياً إلى الخير، فهذا يعمل وذاك يعمل وذا الثالث يعمل والعاشر يعمل والألف يعمل وكل أعمالهم تكتب لهم ويكتب لك أيضاً مثلها وأنت في مقام قد في نفس وقت أعمالهم لا تكون قد عملت هذا أو عملت حتى عملاً صالحاً قد تكون نائماً وتجري عليك حسناتك، وهذا يعني فيه حث عظيم على أن يكون الإنسان قدوة في الدين.

ولذلك من يقول يعني الإنسان لا يصلح أن يتعلم العلم ليكون قدوة وإماماً وإنما يتعلم العلم لنفسه فقط، هذه العبارة قد ترد في سياقات علمية معينة، ولكن هذه العبارة قد يكون لها وجه من الصحة من باب، لكن أن تطلق على أو تفهم على إطلاقها فهذا فيه إشكال وفيه نقص، بل يطلب الإنسان العلم ليكون إماماً في الدين وداعياً إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا ما حث عليه الأنبياء كما في قوله: وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ، والربانيون هم أئمة الناس وسادتهم كما قال الطبري رحمه الله تعالى، وذكر الله في سورة الفرقان: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا، وهذا يعني حث على أن يكون الإنسان كذلك.

الحديث التالي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا. أخرجه البخاري ومسلم.

هذا الحديث حديث عظيم يبين قيمة ومكانة العلماء من جهة كونهم صمام أمان للأمة، ويبين أن الناس من شأنهم أن يتخذوا رؤوساً في الدين، سواء أكانوا رؤوساً من أهل العلم أو كانوا رؤوساً من أهل الجهل فالناس يحتاجون رؤوساً يقودونهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا يبين حالة من حالات الفتن التي يمكن أن تحصل والبلاءات التي يمكن أن تحصل على الأمة الإسلامية وهي حالات غياب العلم. ثم يبين عليه صلاة الله وسلامه أن غياب العلم لا يكون بأن ينزع كمعلومات، وإنما يكون بأن ينزع أو يقبض حملة هؤلاء كالعلم، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا.

هذا الحديث فيه يعني خلنا نقول ارتباط بالأحاديث التي قبله وفيه أن العالم يفتح له من باب الأجور أنه هو مهتد في نفسه ثم هو يهدي غيره، وفيه أيضاً من الجهة الأخرى أن الرؤوس الجهال هم ضالون بأنفسهم ويضلون غيرهم لأنه قال: فضلوا وأضلوا. ولذلك هذا الحديث يبين خطورة منزلة الأئمة العلماء أنها منزلة خطرة جداً، وأنها منزلة فيها رعاية لشأن الدين وفيها حماية لشأن الدين، وأن صاحب هذه المنزلة ينبغي أن ينتبه لمثل هذه المنزلة ويخاف أن يكون ممن ذمهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: أضلوا وأضلوا.

الحديث التالي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فقال: أنت مع من أحببت. قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت. قال أنس: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم. أخرجه البخاري ومسلم.

هذا الحديث فيه فوائد كثيرة جداً، من جملتها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوجه أصحابه والسائلين ومن حوله إلى ما ينفعهم، فحين جاءه رجل فسأل متى الساعة؟ وهذا السؤال كان متكرراً من جهة الأعراب يسألون متى الساعة؟ وهذا يبين أن من قل علمهم يسألون عن الأمور المثيرة أكثر من سؤالهم عن الأمور النافعة، وهم يعني هذه أسئلتهم كانت متى الساعة كذا إلى آخره، النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله هذا متى الساعة؟ ما أجابه، ولفت انتباهه إلى ما ينفعه فقال: وماذا أعددت لها؟ يعني هي الساعة آتية، الساعة آتية لكن الذي يهمك ويعنيك من ماذا أعددت لها.

فقال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله. وهذه لا شيء لا تعني أنه لا يؤدي الفرائض، وإنما تعني أنه ليس عنده كبير شيء زائد على الأصل، يعني كأنه يقول يا رسول الله يعني أنا مثلاً ما جاهدت معك ويعني قمت بما يقوم به أصحابك ولكني أحب الله ورسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت.

أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يقول: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت. طيب الآن أنت مع من أحببت من الأولى بالفرح بها؟ يعني في بادئ الرأي الذي لم يعمل أو الذي عمل؟ الذي لم يعمل صح أنه أنت مع من أحببت هو ما عنده كبير شيء فهو أنت مع من أحببت فهو يفرح لأنه، لكن الذي عبر عن فرحه والفرح الشديد هم العاملون، لأنه أنس قال فما فرحنا بشيء والآن انتهى سؤال الأعرابي والآن نتكلم عن نفسه وعن الصحابة.

يقول فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت. وهذا يدل على أن الإنسان وإن كان عاملاً وإن كان باذلاً وإن كان مضحيّاً وإن كان صابراً وإن كان ثابتاً وإن كان عابداً، إلا أن من أجل الأعمال التي يرجوها عند الله هو حبه، حبه لله ولرسوله ولمن سار على دربهم من أئمة المسلمين ورؤوسهم ممن شهدت لهم الأمة بالخير.

ولذلك مباشرة أنس قال: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم. وهذا يعني راجع إلى الباب، قلنا باب القدوة في الدين وحب من هذه صفته، وهذا يبين أنه حتى القدوة في الدين لا يقصر في حب القدوات أيضاً، ومن شأن خلينا نقول المعتدلين الصادقين الصابرين المطيعين المستقيمين من شأنهم أنهم يحبون من سبقهم من أهل الإيمان ومن أهل العلم ومن أهل القدوة في الدين، بل ويدعون لهم أيضاً كما قال الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا.

طيب إذا كان أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه فرح هذا الفرح الشديد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت، فمباشرة قال: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر. فهذا يدل على قيمة ومنزلة محبة الصالحين ومحبة الأئمة في الدين، وبطبيعة الحال قبل ذلك محبة النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الحديث من الفوائد من مكانة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم الحديث الأخير عن البراء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الأنصار: لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله. أخرجه البخاري ومسلم. وأيضاً في حديث آخر في البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم: آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار. الأنصار رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

اكتسبوا هذا اللفظ من أعمال عملوها، وسماهم الله بهذا اللفظ، فقال سبحانه وتعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ. وآه هنا أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الرواية الأخرى في البخاري: آية الإيمان حب الأنصار.

وهذا الحديث لا يتوجه إلى فرد منهم وحده، وإنما هو حديث متوجه إلى عامة الأنصار. آه والسبب بهذه المنزلة التي لهم إلى أن صاروا علامة، إلى أن صار حبهم علامة على الإيمان وبغضهم علامة على النفاق، هي نصرتهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه النصرة أمر في غاية الشرف حتى صارت لقباً عليهم. يعني أنتم تعلمون أن الإنسان لا يضاف إلى مكونات الهوية لديه، مكونات الهوية الأساسية لديه، إلا ما هو يعني خلينا نقول من أهم ما يعني خلنا نقول عاش لأجله أو من أهم ما ينبغي أن يعني خلنا نقول يكون مؤثراً في النظر إليه وفي حياته، أيوا إلى آخره.

لذلك أنت تجد أن التعريف الأول لأولئك هو أنهم الأنصار، ثم بعد ذلك تدخل إلى التعريف، آه التعريفات الأخرى. آه هذا يبين أن من أولى من ينبغي أن يُحبوا من القدوات هم أنصار الله ورسوله، والذين ينطبق عليهم هذا الوصف بالمطابقة التامة هم الأنصار المسمون في هذا الحديث، وإن كان هذا الوصف لا يختص بهم، لا يختص بهم، وإنما يعني ينزل على من بعدهم كل بدرجته وكل بحسبه.

ولذلك ولذلك يستمر في من بعد الأنصار أن أنصار الله ورسوله، وأنصار هذا الدين السائرين على طريق النبي صلى الله عليه وسلم والمتبعين للأنصار في هذا العمل، يصح أن يقال فيهم إن حبهم من الإيمان، يصح أن يقال فيهم إن حبهم من الإيمان، لكنهم من باب الرجاء، أنه يعني لم يأتِ نص في أعيان ممن بعدهم، هو من باب الرجاء ويصح أيضاً من باب الخوف أن يُخشى على من يبغضهم، أن يُخشى على من يبغضهم. هذا أتى في الأنصار بالنص، وفي غيرهم لم يأتِ بالنص، ولكن يُفهم المعنى الذي لأجله قيل في الأنصار ما قيل، ولكن نظراً لكون هذه الأمور يدخلها شيء من الالتباسات، فلا يعني ينزل هذا النص بتمامه على أحد بعدهم، وإن كانت شهادة المسلمين هي شهادة معتبرة، ولها شأن عند الله وعند الناس، عند الله وعند المسلمين، على أية حال، لاحظوا.

هذا باب من أبواب القدوة في الدين، طيب هل باب القدوة في الدين الذي تميز به الأنصار هو باب علمي أم عملي؟ باب عملي، وهذا يبين أن هؤلاء أن يمكن للإنسان أن يكون قدوة في الدين وله شأن ومحل في الإسلام بالعمل، وهذا يذكر بقضية التجديد في الدين، التجديد في الدين يكون بالعمل ويكون بالقول أو بالعلم، فعمر بن عبد العزيز أول مجدد في الإسلام هو مجدد بعمله، ولم يكن يعني ممن تفرغ لتعليم الناس وتدريسهم وما إلى ذلك، وإنما هو مجدد بعمله.

فكذلك الأنصار هم قدوات في الدين بأعمالهم، هم قدوات في الدين بأعمالهم. وبالتالي يمكن للإنسان أن يكون قدوة أيضاً في الدين وعلماً من أعلام الإسلام بعمله وإن لم يكن يعني قد تفرغ لشأن العلم. هذا في الوصف العام المتعلق بكلمة الأنصار. نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والعون والتسديد والبركة، ونسأله أن يصلي ويسلم ويبارك على عبده ورسوله محمد.