الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والأخرة وله الحكم وإليه المصير. اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على آل إبراهيم انك حميد مجيد، وبارك على محمد عبدك ورسولك كما باركت على آل إبراهيم انك حميد مجيد. أما بعد؛ استعينوا بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس شرح المنهاج من ميراث النبوة، نسأل الله سبحانه وتعالى التمام على خير.
هذا المجلس بعنوان أو تحت باب صدق النية، باب في صدق النية وأن العمل المقبول هو ما ابتغي به وجه الله تعالى ووافق السنة، وهذا الباب ذكرت فيه آية واحدة وعدد من الأحاديث.
الآية هي قول الله سبحانه وتعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا. والأحاديث أحاديث كثيرة مبتدأة بحديث عمر رضي الله تعالى عنه الحديث المشهور، وهو الذي اتفق أصحاب الكتب على روايته من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما الأعمال بالنيات، إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.
اختلافا بين الرواة في ألفاظ يسيرة: انه أعماله بالنيات، انما أعماله بالنية، وانما لكل امرئ ما نوى، أو انما لامرئ ما نوى، وهذي أمرها يسير. هذا الحديث حديث عظيم، لكن قبل ذلك الآية: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا. فمن كان يرجو لقاء ربه هذه الغاية، وهذه الآية من الآيات التي تذكر في باب الشوق إلى الله سبحانه وتعالى وفي باب الاستعداد للقائه، وإن كانت قد تذكر في أبواب أخرى.
وكلمة يرجو أحيانا تفسر بظاهرها، وأحيانا يدخل فيها أو تفسر بقضية الخوف حتى، لكن يذكرها بعض العلماء في سبيل الشوق إلى الله سبحانه وتعالى أنه فمن كان يرجو لقاء ربه فليستعد بهذا الذي سيذكره الله سبحانه وتعالى، ألا وهو أن يكون عمله صالحا وأن يكون عمله الصالح خالصا. وبالتالي اجتمعت صفتان في العمل الذي يستعد به المؤمن للقاء ربه سبحانه وتعالى وهي أن يكون صالحا، والثاني أن يكون خالصا.
والصالح من أهم محدداته هي ايش سنة النبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى أن يكون صالحا أي منبثقا من نور الوحي مستمدا من نور الوحي، فيه اتباع لكتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لان فيهما بيان العمل الصالح، وأن يكون خالصا لله سبحانه وتعالى. فاذا اجتمع في العمل ان يكون صالحا خالصا، فهذا العمل من أهم ما يدخر للقاء الله سبحانه وتعالى.
أما الحديث حديث عمر رضي الله تعالى عنه حديث إنما الأعمال بالنيات، هذا الحديث فيه وقفة مهمة جدا قبل أن أدخل في ألفاظه، ألا وهي أن أئمة الإسلام قد وصفوا أو اتفقوا على تعظيم هذا الحديث ووصفه بصفات خاصة، ومن ذلك الإامم ابن حجر رحمه الله يقول: اتفق عبد الرحمن بن مهدي والشافعي وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني وأبو داود والترمذي والدارقطني وحمزة الكناني على أن هذا الحديث ثلث الإسلام، على أن هذا الحديث ثلث الإسلام.
هذه العبارة تمر على الانسان كثيرا، لكن من المهم الفقه، الفقه الذي به أدركوا مركزية هذا الحديث بمعنى لو افترضنا أن هذه العبارات ليست موجودة لدينا من أئمة المسلمين يسلطون فيها الضوء على مركزية هذا الحديث وأهميته، هل سندرك أهمية هذا الحديث ومركزيته من التأمل الشخصي أو أدركنا أهميته لان أئمة المسلمين قالوا أنه مهم؟ لا شك أن نحن نستفيد من كلام أئمة المسلمين ونتبعهم في مثل هذا، لكن السؤال: ما الفقه الذي أوجب لهم أن ينتبهوا إلى أن هذا الحديث له هذا الشأن؟ وهل نمتلك مثل هذا الفقه الذي يمكن أن يوصلنا إلى إدراك مركزيات الشريعة؟
يعني هذا الحديث من مركزيات الإسلام، واتفقت كلمة هؤلاء العلماء الذين ذكرهم ابن حجر على أنه ثلث الإسلام. الذي يلفت الانتباه ليس فقط أنه ثلث الإسلام، وإنما كيف تنبهوا إلى قيمة هذا الحديث؟ لماذا؟ وهذا نفس السؤال الذي يطرح في كيف استطاع أبي بن كعب أن يدرك أن آية الكرسي هي أعظم آية في كتاب الله؟ والذي أرى هو أن يمتلك الإنسان الفقه الذي يستطيع أن يحدد به مثل مركزية هذا الحديث أولى وأهم من أن يأخذ المعلومة جاهزة التي فيها أن هذه الآية أو هذا الحديث هو من المركزيات أو أن له شأنا أو أو إلى آخره، وإذا جمع بينهما فهو الخير.
ولذلك من أهم مؤشرات التربية الصحيحة من أهم مؤشراتها نتائجها أنها توصل المتربي إلى أن يستطيع أن يقرأ الشريعة قراءة تضيء النصوص من خلال قراءته فيدرك المحكمات والكليات مركزيات ليستطيع أن يبني عليها القواعد الكبرى ومن ثم يرد إليه المتشابهات وما إلى ذلك. فحقيقة هذه الجملة وأمثالها جملة لافتة للانتباه، كيف استطاعوا أن يفهموا أو أن يدركوا أن مثل هذا الحديث ثلث الإسلام؟
جاءت الطبقات المتأخرة من العلماء وتعاملوا مع هذه النصوص التي أوردها السلف رحمهم الله، تعاملوا مع النصوص تعامل الذي يحاول أن يقول لماذا هو ثلث الإسلام؟ يحاول التفسير، وبعضهم قال لك: لأنه هي الأعمال بالقلب وبالجوارح وباللسان فالحديث يتكلم عن القلب والنية، وهكذا عدة أمور يعني.
طيب هذا الحديث به قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات وأنما لكل امرئ ما نوى. ثم ضرب فيه المثل بعمل هو من أشق الأعمال وأكثرها إرهاقا للنفوس وهو عمل الهجرة. والهجرة الشأن فيها ليست أو ليس في السفر فقط، وإنما الشأن فيها وفي المفارقة أن الهجرة فيها فراق، فهذه المفارقة لما اعتاد الإنسان على الاطمئنان إليه من المسكن أهلي وما إلى ذلك هي من أشق الأعمال، ولذلك وصف أو امتدح بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صار من أهم تعريفات من هاجر أنه مهاجر، المهاجرون والأنصار.
طيب هذه الهجرة على الرغم من كل التعب الذي فيها، من كل التعب والنصب الذي فيها، فهي لا تشفع لصاحبها إذا لم تكن لله، ولذلك قارن بين هذا العمل الشاق جدا الذي هو الهجرة وكيف أنه حين لا يكون لله فإنه لا يؤجر عليه الإنسان. وبين الحديث ليس التالي، وإنما الذي يليه، وهو حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل فيه في امرأتك. أخرجه البخاري ومسلم.
عمل أول هجرة مفارقة الأهل والأوطان إلى آخره والعمل الثاني لقمة تضعها في فم امرأتك، جيد. حتى العلماء ترى لما تناولوا هذا الحديث قالوا طيب هنا ابن حجر مثلا يقول لك: واستنبط منه النووي أن الحظ إذا وافق الحق لا يقدح في ثوابه جيد، يعني هو في الأخير ما هو متكلف يريد أن يعمل عملا شاقا حتى يطعم امرأته، هو في الأخير أمر محبب للنفس ولا في مشقة، وهنا هجرة. لاحظ في الإطعام قال: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليه حتى ما تجعل فيه في امرأتك. وهناك قال: ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه. ولاحظ فيه المرأة في الحديثين.
لكن مثل هذه الأحاديث ليس فقط تشير، وإنما ترسخ ترسيخا تاما عند الإنسان المسلم أن الشأن كل الشأن هو في النية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله. وهنا أشار يعني ابن رجب إشارة لطيفة فقال: إنه يعني ما ذكر الثواب أن نحسبك أن يقال فهجرته إلى الله ورسوله، أصل أنت دع اجرها على الله، أنت هاجرت إلى الله وإلى رسوله، انتهى. وفي نفس الوقت في العمل الذي لم يبتغ به وجه الله قال: ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه تحقير، فهجرته إلى ما هاجر إليه.
طيب الحديث التالي هو حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه. أخرجه مسلم. هذا الحديث القدسي حديث عظيم في هذا الباب، وهو حديث يبين سببا من أهم الأسباب التي تدعو إلى الإخلاص.
والآن السؤال الكبير المهم أنه خلاص تمام من هذه الأحاديث وأمثالها عرفنا قيمة النية وأهمية النية، ثم السؤال يأتي أنه طيب كيف يحقق الإنسان؟ يعني ما الدوافع والبواعث التي تبعث الإنسان على الإخلاص وفي نفس الوقت ما الدوافع والبواعث التي تخلص الإنسان من الرياء جيد؟
ما ذكر في هذا الحديث هو من أهم ما يمكن أن يبعث على الإخلاص، وهو قول الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك. بمعنى أنك إذا نظرت إلى حقيقة العمل المشوب بنية لغير وجه الله، بنية رياء تدخل في العمل الذي ينبغي أن لا يصرف إلا لله، لما تنظر إلى حقيقة العمل وإلى من قدم له هذا العمل تعرف أن هذا من اعظم ما يمكن أن يبعثك على أن تحقق هذا العمل؛ لأن هذا الذي قدمته قبيح في حق من قدم إليه، والله سبحانه وتعالى هنا ذكر أنا أغنى الشركاء عن الشرك.
فحقيقة الأمر انك تقدم شيئا صحيح انك تعبت فيه، ولكنه في حقيقة الأمر قبيح، وهذا القبح يزداد إشكاله وسوءه أنه قدم إلى الغني الحميد، وكما في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم أيضا في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا. ولذلك العنوان الأكبر لهذا الحديث من جهة سؤال كيف نحقق الإخلاص هو عنوان معرفة الله سبحانه وتعالى.
كلما كان الإنسان بالله أهلاً كان له أخْلَص، أو كان في عمله له أشد إخلاصا. فمعرفة الله سبحانه وتعالى، سواء من جهة كونه غنيا، أو من جهة الصفات الأخرى العظمة والكمال وو إلى آخره، هي من أعظم ما يبعث الإنسان عن الإخلاص، أن يعرف هو يتعامل مع من.
ولذلك الله سبحانه وتعالى كرر في كتابه ذكرى قبح الشرك، قبح الشرك. الله سبحانه وتعالى يذكر دائما يقبح الشرك وضرب له الأمثال: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا، أو ضرب لك في سورة الروم ايش؟ ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ ۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَت أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِى مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ. وهذا المعنى معنى يدركه صاحب الفطرة السليمة، ولذلك ثبت في البخاري، وإن كان أظنه معلقا، أن زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله وكان من الموحدين قبل البعثة، كان يقف عند الكعبة فيخاطب قريشا ويقول لهم: الشاة خلقها الله وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسمه، وكان يحلف يقول: والله يا معشر قريش ما منكم من أحد على ملة إبراهيم غيري.
من أهم ما يستعان به على الإخلاص لله سبحانه وتعالى أن يعرف أو أن يستحضر من الذي يقدم إليه العمل؟ سواء كان في الصلاة، أو في بث العلم، أو في الدعوة إلى الله، أو أيا كان من الأعمال.
طيب الحديث التالي هو حديث سعد رضي الله تعالى عنه والذي ذكرته قبل قليل، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: انك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في امرأتك. أخرجه البخاري ومسلم.
سؤال: أيهما أشق وأصعب؟ أو لنقل أيهما أبعد على نفس الإنسان المسلم أو عن نفسه أن يستحضر النية ويخلص لله بالأعمال الشاقة التعبدية المحضة، أو أن يخلص لله بالأعمال السهلة التي لها ارتباط بالحياة العادية؟ مم الشاقة ها أيهما أصعب أشق أبعد تاني؟ الأخلاص اصعب شاقة ليش ها من أنها تؤدي إلى أعمال فيها؟ ليس بالضرورة، لكن أنا كنت أتكلم بهذا الاعتبار باعتبار كونها شاقة، ليس باعتبار كونها تؤدي إلى ثناء أو لا تؤدي.
لا، هو الأسهل أو الأقرب للأمور الاعتيادية أصعب في الاستحضار؛ لأن منزع العادة فيها كبير. بينما حين يتكلف، يعني مثلا الإنسان يريد أن يحج، جيد، وجود النية وحضور النية في الحج أمر سهل، أمر فيه مشقة وسفر إلى آخره، جيد. الزكاة مثلا مرة كل عام، وخاصة لو كان عندك أموال فأنت تخرج نسبة معينة، طبعا قد تأتي من جهة أخرى اللي هي جهة الرياء وما الرياء هذا بمنزع آخر، أنا فقط أتكلم من حيث الباعث الأول المتعلق بي لما تكون الأعمال اعتيادية أحيانا تطغى العادة على إمكان الاستحضار، وإن لم تكن نية الإنسان في العادة نية منحرفة.
مثلا انسان عنده عمل مرتبط بالدعوة ولكنه عمل ليس مباشرا، ليس محاضرات مباشرة يقدمها، وإنما لنقل مثلا يعمل مونتاج لفيديوهات دعوية مثلا وهو موظف وعنده رواتب وعنده كذا وإلى آخره ويداوم ويحضر. استحضار النية هنا أصعب بكثير من استحضارها في محاضرة مثلا.
وإن كانت المحاضرة قد تكون أصعب من جهة أنه في جمهور وفي كذا، لكن من حيث أداء العمل، كلما كان العمل أقرب للتعبد المحض وللمشقة الكبيرة، فهو أدعى لأن يستحضر الإنسان فيه.
وكلما كان العمل أسهل وأقرب للألف والعادة كان أصعب الاستحضار فيه، ولذلك يأتي التنبيه في الشريعة إلى الأمرين أو للامرين؛ أحيانا يأتي الحديث خاصا بهذا العمل السهل، أنه حتى ولو كان مألوفا حتى لو كان متصلا بالعادة ترى الذي يقبل منه ما كان يبتغى به وجه الله. وهذا في كتاب الله أيضا، أين هو في كتاب الله؟ جيد، هذا عام: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي، صحيح شامل بعمومه يعني.
لكن: لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ. ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ، جيد، وهنا أيضا: أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ. الأصل أن الإنسان العاقل الراشد الذي يشعر المسؤولية إذا كان عنده زوجة وأبناؤه، الأصل أنه سينفق عليهم وسيغنيهم، هذا الأصل؛ سواء أكان مسلما أم كان كافرا، وهذي عادة معينة: الإنسان يشتغل وتوظف ويأخذ أموال وكذا حتى ينفق على أهله وأولاده.
واضح، هنا تأتي الشريعة لتقول لك إنه حتى هذا العمل المعتاد يمكن أن تحتسب فيه، ويكون مصدرا من مصادر الاستثمار الأخروي، مصدرا من مصادر الأجر الأخروي، ويمكن أن يصل الإنسان إلى حالة من الربانية ومن الاستحضار بحيث إنه حتى النوم الذي ينامه يكتب له فيه عمل صالح. وفي البخاري: كان معاذ رضي الله تعالى عنه يقول لأبي موسى: وإني لأحتسب في نومتي ما أحتسب في قومتي. يعني مثلا انسان مسخر حياته كلها لله، وعنده وقت معين مثلا يريد أن يرتاح فيه، وهو يرى ما بعد هذا، ما بعد هذا الارتياح لم تؤثر بالمناسبة، الناس تعمله في حياته العادية؛ يعني واحد ينام ويفكر عشان يقوم نشيط عشان يروح الدوام، ينام عشان يفوق قوم نشيط عشان عنده اختبار، الناس تسويها تمام.
واحد آخر يبغى ينام لأنه هو بكره يعرف إنه هو يبى يسوي عمل صالح وعنده في نيته أنه يريد أن يستعين بهذا الارتياح على العمل الصالح، سواء كان قيام ليل أو غير ذلك. هذا الآن بهذا الاستحضار والاحتساب يؤجر حتى على النوم، ولذلك لا شك ولا ريب أن التفاضل يوم القيامة ليس بمجرد الكثرة كثرة العمل، وإن كانت سببا من أسباب التفاضل، وإنما التفاضل الحقيقي بالنيات.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم -وهذا الحديث يمكن أن يضاف إلى هذا الباب، بل ينبغي أن يضاف إلى هذا الباب، وأحنا تعودنا في الشرح أنه أحيانا يؤتى، أذكر في الشرح الأحاديث ينبغي أن تضاف إلى الأبواب-: إن أقواما بالمدينة خلفنا. هذا في غزوة تبوك، شوف ليس انه مثلا لهم اجر الخروج معكم، لا: ما قطعتم واديا ولا شعبا إلا شريجوكم في الأجر أو إلا كانوا معكم فيه، منعهم أو حبسهم العذر، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
لاحظ النية كيف تبلغ الإنسان أنه لأنه ترى ما قطعتم واديا ولا شعبا، ترى هذا في غزوة تبوك تحديدا مذكور أصله في القرآن: هَا مَّا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهٖ عَمَلٌ صَالِحٌ، ها؟ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْحُسِنِينَ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، ولا يقطعون واديا في الحديث: ما قطعتم واديا إلا كانوا معكم فيه.
طيب، أنت الآن حقيقة الفعل؛ أحدهم تعب وبذل وجد واجتهد وخرج في ساعة العسرة، والآخر جالس في بيته، والذي يكتب في صحيفته كأنه قطع هذا الوادي وسار مع أولئك الذين خرجوا في سبيل الله، ليس فقط يعني الفكر أو القضية الأساسية هو أنه في قلبه هو صادق النية وصادق العزم أنه يريد أن يكون مع هؤلاء، والله يعلم أنه أراد وسعى وحاول ما استطاع، يكتب له الأجر، وهذا سيأتي بعد قليل مفصلا في آخر حديث في الباب حديث بكبشة الأنماري.
طيب، كما أن الشريعة تنبه إلى أهمية الاستحضار والإخلاص في الأعمال هذه المعتادة اليومية الصغيرة كذا، فيأتي فيها التنبيه أيضا على أصول الأعمال الكبرى وأهمية الاستحضار فيها وابتغاء وجه ابتغاء وجه الله، وأن المدار على هذا المعنى؛ وهو الحديث التالي أو الأحاديث التالية؛ ثلاثة أحاديث متتالية: حديث عتبان، وحديث أبي هريرة، وحديث أنس، وهذه فقط خلنا نقول عينة من الأحاديث التي هي أكثر من ذلك في نفس هذا المعنى.
عن عتبان رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فإن الله -وهذه فان الله لان هي هو مقتطع من حديث حديث طويل- قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإن الله قد حرم على النار من قال لا إاله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله. اخرجه البخاري ومسلم. حرم على النار احفظها عندك.
الحديث التالي عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: قلت: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قِبل نفسه. وفي رواية: من قلبه. اخرجه البخاري.
والحديث التالي عن أنس رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار. اخرجه البخاري ومسلم. ويمكن أن يزاد على هذه الأحاديث الثلاثة أكثر من حديث، منها حديث سيد الاستغفار: من قالها من النهار أو من الصباح موقنا بها فمات قبل أن يمسي كان من أهل الجنة، ومن قالها من الليل موقنا بها فمات قبل أن يصبح كان من أهل الجنة.
طيب، الآن لا إله إلا الله هي أساس الدين، وقد تظافرت النصوص الشرعية في إبراز الأثر المترتب على لا إله إلا الله، سواء الأثر الدنيوي أو الأثر الأخروي. ومن أهم الآثار الأخروية المترتبة على لا إله إلا الله هي عدم الخلود في النار، وقد ثبت بل تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أحاديث الشفاعة في إخراج ناس من عصاة الموحدين من النار، وفي تلك الأحاديث أن الله سبحانه وتعالى بعد أن تأتي الشفاعات المتتالية فيخرج من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، ثم أدنى أدنى مثقال ذرة من خير أو من إيمان ها، ثم يقول الله سبحانه وتعالى: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله.
وفي الحديث الصحيح: الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها وفي رواية: أفضلها قول لا إله إلا الله. وهنا حرم على النار. وفي الدنيا من قال لا إله إلا الله، ايش؟ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فاذا قالوها عصموا مني دماءهم واموالهم.
هذه الكلمة إذا هي مركزية الدين، أصلا التوحيد لا إله إلا الله مع شرفها وفضلها والأثر المترتب عليها وما لها عند الله من الشأن وآآ إلى أخري، إلا أنك تجد تنبيها إلى أهمية الإخلاص فيها، إلى أهمية أن يكون في القلب أوصاف معينة توافق أو تواكب أو تواطئ اللسان حين يقول لا إله إلا الله. هذه الأوصاف مذكورة في هذه الأحاديث وفي بعض الأحاديث التي لم تذكرها، ومن جملتها: من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، ومن جملتها: من قال لا إله إلا الله خالصا من قِبل نفسه، ومن جملتها: صدقا من قلبه.
وأنت بهذه الأحاديث تدرك أن العمل مهما شرف في ذاته، مهما شرف عند الله في ذاته يعني مهما كان معظما في الشريعة في ذاته، فانما يحمل يحمل ويرفع بالنية الصالحة وبابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى. ولاجل ذلك ينبغي على الإنسان المؤمن أن يتربى وأن يربي نفسه وأن يذكر نفسه دائما إلى أن الشأن كل الشأن بما في القلب، وأن يراجع هذا هذا المعنى كثيرا، وأن وأن يجعله هو المعيار بالنسبة لديه من حيث استقامة استقامته من حيث استقامته.
تعرفون أحيانا الإنسان يسير في الطريق، قد تأتيه تساؤلات إشكالات كذا إلى آخره. واحدة من أهم الأشياء التي يراجعها الإنسان على الأقل وهي ليست على الأقل، وهو من اعظم الامور لينجو في الاخرة ها، هو أن يراجع قضية الإخلاص لديه. إذا وجد أنه يؤدي أعمال اليوم والليلة -هذا معيار- إذا وجد أنه يؤدي أعمال اليوم والليلة مخلصا مبتغيا وجه الله فليطمئن من هذه الجهة أنه يسير على خير في هذه الجهة، ثم يرجو القبول، قد يكون عنده ذنوب أخرى قد يكون شيء، لكنه من هذه الجهة يطمئن يرجو الخير.
إذا وضعت رأسك للنوم ثم وجدت أنك في هذا اليوم كنت مخلصا لله سبحانه وتعالى فنم مرتاحا، صلواتك في صلواتك في عباداتك المختلفة نم مطمئنا. والخوف كل الخوف هو أن يكون الإنسان وإن وإن أكثر من العمل إلا أن أنه يكون مدخول النية. هذا الخوف هذا الاشكال الحقيقي، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: التقوى ها هنا، وأشار إلى صدره ثلاث مرات، التقوى ها هنا.
الحديث التالي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: لا ينفعه، إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. اخرجه الإمام مسلم رحمه الله.
هذا الحديث من الأحاديث المحتاج إليها في هذا الزمن لتطغى فيه المعايير الإنسانية، تعظيم الأعمال الإنسانية بين قوسين وجعلها هي المعيار، وهذي الأعمال المتعلقة بالإحسان إلى الناس وإطعام الفقراء وسد احتياجاتهم وما إلى ذلك، هي في الشريعة من أفضل الأعمال، هي في الشريعة في ذاتها من أفضل الأعمال، ولكنها ليست معتبرة في ذاتها من جهة النفع الأخروي إلا إذا كان يبتغى بها وجه الله وكانت مصحوبة بتوحيد الله سبحانه وتعالى. ولذلك نرجع إلى أن مدار الأمر على الاسلام والاستسلام لله سبحانه وتعالى.
ثم الحديث الأخير: حديث أبي كبشة الأنماري رضي الله تعالى عنه، أنه سمع الرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أحدثكم حديثا، ايش ها فاحفظوه. وهذه من الأدلة على ايش؟ مم معاذ أعطانا أعطانا من الآخر يعني. الفائدة رقم سبعة: عدالة الصحابة ها، حتى محمد كمال قال: مين محمد آآ هو كأنه منه خلاص. طبعا الفوائد الأولى عارفينها: أهمية الحفظ وما أدري ايش، اعطينا من الاخير يعني. ايه، بس أنا لو بسأل عن هذي اقول: هذا الحديث يدل على معنى من المعاني الدقيقة اللي ما أدري ايش، فتقول عدالة الصحابة. لكن لما اقول لك هذا الحديث يدل على ايش؟ يعني واضح إنه نسأل عن الأمر الأول يعني، وبلاش فلسفة زينا.
طيب، أحدثكم حديثا فاحفظوه، يدل على ايش؟ يدل على أمرين اثنين مهمين فيما يتعلق بالسنة: الأمر الأول: على أن النبي صلى الله عليه وسلم حرص على نقل السنة وإبلاغها، وأن يعتني الصحابة بها؛ سواء بالتنبيه الخاص إلى بعض الأحاديث أو بالتنبيه العام. هذا تنبيه خاص لهذا الحديث، ومن جملة التنبيهات الخاصة ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين أبلغ وفد عبد القيس بشيء من امور الدين: احفظوه وايش؟ وأخبروا به من ورائكم أو وابلغوه من وراءكم. وبالنسبة للحث العام: نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الأمر الأول.
الأمر الثاني: الحث على الحفظ تحديدا، أن السنة مما ينبغي أن يكون له أو يكون لها عناية آآ من جهة الحفظ. طيب، والفائدة الأخرى أيضا اللي هي ايش؟ إنه النبي صلى الله عليه وسلم حين يحث على الإبلاغ فانه هذا يتضمن عدالة المبلغ.
أحدثكم حديثا فاحفظوه. فائدة رابعة طبعا وهي تأتي قبل الفائدة حقتك اللي هي أهمية ما يقال؛ يعني قبل أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم هذا النص يقول: أحدثكم حديثا فاحفظوه. هذا معناه ايش؟ مهم، المهم: أحدثكم حديثا فاحفظوه ثم يقول الحديث، مهم.
طيب، ما هو هذا الحديث؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل. وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا وهو صادق النية يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعملي أو لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء. وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل. وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء. اخرجه الترمذي رحمه الله تعالى.
وهذا حديث عظيم ومهم، وفيه فوائد كثيرة، وشأنه الأساسي هو في قضية النية، وهو أورد في هذا الباب لأجل هذا المعنى، وفيه لفظ النية تحديدا قال: فهو بنيته. فهو بنيته وهذا كما في الحديث الأول: نعم، إنما الأعمال بالنيات.
بالمناسبة ينبه ابن رجب رحمه الله في قضية النية إلى أنه صار فيه تركيز من الفقهاء على معنى معين متعلق بالنية، وإن كان ليس هو المعنى الأساس المقصود في خطاب الشريعة وفي كلام السلف المتقدمين.
أو أن الفقهاء ركزوا في جانب النية على الجوانب، جوانب العبادات؛ فيما يجزئ وما لا يجزئ، وما واضح الفكرة، تعرف، مثلاً: نوى الغسل، نوى الوضوء، نوى كذا، نوى صلاة الظهر، نوى صلاة العصر، نوى... إلى آخره. فصار الاشتغال الفقهاء أكثر شيء في قضية النية، وفيما يتعلق بالأحكام العملية وما يترتب على هذه النية من الإجزاء وعدمه فيما يتعلق بالعبادات، وإن كان أساس ذكر النية في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو فيما يتعلق بابتغاء وجه الله، وبالإخلاص لله سبحانه وتعالى.
جيد، وهذا تنبيه مهم، وهذي، هذا النوع من التنبيهات يفيد كثيراً في إدراك النصوص الشرعية. يوجد أمثلة أخرى غير باب النية متعددة، مثلاً باب الحدود؛ في الحدود بالشريعة أو في كتاب الله أو في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أوسع استعمالاً من استعماله عند الفقهاء. جيد، وآآ غير ذلك من الألفاظ في أكثر من لفظ منها، مثلاً لفظ -وإن كان يختلف نوعاً ما لكنه قريب- مكروه؛ المكروه في القرآن قد يأتي على أكبر المحرمات؛ لأن الله سبحانه وتعالى لما ذكر أصول المحرمات في سورة الإسراء قال: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا. فإدراك الاختلاف في دلالات الألفاظ مهم على أي حال.
الان، هذا الحديث يؤكد المعنى الذي ذكر بحديث: أن أقواماً بالمدينة خلفنا، ما قطعنا أو ما قطعتم وادياً ولا شعباً إلا كانوا معكم فيه. هذا الحديث فيه أن الإنسان قد يبلغ بأمنيته -أو لنقل يبلغ بنيته الصادقة- ما يبلغه أصحاب الإمكانات في الأعمال الصالحة التي لا يمكن للإنسان أن يبلغها، وهذه المرة في المال؛ أنت قد ترى من يحسن وينفق وقد رزقه الله الأموال فصرفها في وجوه الخير، فأنت صادق النية، تقول: لو أن لي مثل مال فلان لعملت فيه بعمله، والله يعلم صدق قلبك وصدق نيتك، فهنا قد تأتي يوم القيامة وتفاجأ بأجور نفقات أنت لم تنفقها، ويكون السبب هو النية التي علم الله منك صدقك فيها.
ومما ينبغي أن يضاف إلى هذا الباب أيضاً حديث في صحيح مسلم؛ وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه. طيب، هذا الحديث يبين ليس فقط النية -وإن كان هذا الموضوع الأساسي وواضح- قبل أن أنتقل لهذه الفائدة في قضية النية، أشار ابن رجب رحمه الله في هذا الحديث إلى أنه، وإن، وإن اشترك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الذي ينفق، ثم الآخر الذي يقول: لو أن لي مثل فلان؛ قال: فهو بنيته فأجرهما سواء. ذكر رحمه الله أنه المقصود الأجر سواء؛ الاشتراك في أساس الأجر، لكن قد يضاعف للأول ما لا يضاعف للثاني، قد يضاعف للأول الذي انفق فعلاً وبذل وجد واجتهد في مثل هذا الإنفاق ما لا يضاعف في الأجر للثاني الذي فقط بنيته، وإن كان يشترك في أساس الأجر.
تعلم أن الله سبحانه وتعالى قال: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ. طيب، في هذا الحديث فائدة مهمة؛ وهي أهمية العلم بالنسبة للعامل، أهمية العلم بالنسبة للعامل، وأن العلم من أهم الأمور التي يمكن أن يوجه بها من يعمل بحيث يعمل بشكل صحيح يكون مقبولاً عند الله سبحانه وتعالى؛ لأن المثال الممتدح ليس هو مجرد وجود المال والانفاق، وإنما وجود المال والعلم، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه، يا شيخ، يعلم لله فيه حقاً. ولذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه كما في البخاري فيما أذكر معلقاً: لا يبيع في سوقنا إلا من تفقه في الدين. طيب، وأيضاً وفي الحديث الصحيح النبي صلى الله عليه وسلم ذكر، قال: ليأتين على زمان... ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء... ليأتين على الناس زمان لا يبالي فيه المرء أو في ماله المرء؛ أخذه من حلال أم من حرام؟ أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، إذا هذا الحديث، خلاصة الكلام، هذا الحديث من الاحاديث التي تثبت عظم النية وقيمة النية وأهمية النية ومقدار الأجور التي يمكن أن يحصلها الإنسان من خلال حسن نيته. نسأل الله أن يبلغنا منازل الرضوان عنده سبحانه وتعالى.
الحديث الاخير وهو راجع إلى قسم جديد في الباب، وهو متفق مع الآية المذكورة؛ لأنه الباب فيه باب كذا كذا كذا، ووافق السنة. هذا الحديث حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد. أخرجه البخاري ومسلم. هذا الحديث من الأحاديث التي وصفت بأنها ثلث الإسلام أيضاً، أو ربع الإسلام، ومنها تعلم أن: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا. هذي فليعمل عملاً صالحاً، من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد، وأن العمل الصالح من أهم معاييره أن يكون موافقاً لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد.
طيب، لو كان خالصاً، لو كان خالصاً، ولو كان خالصاً، ولو كان خالصاً، فهو مردود إذا لم يكن صواباً، وهذا لا يعني أن الإنسان لا يؤجر على ما اجتهد فيه ظاناً أنه الصواب. هذه مهمة، بمعنى حين يجتهد الإنسان فيما بلغ فيه علمه ولم يكن مقصرا وكان مخلصاً، ثم تبين أنه مخطئ، فقد يؤجر على هذا العمل، بخلاف من لم يبال أو لم يتتبع الحق أو لم يعن شأناً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا هو المقصود في مثل هذا الحديث: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد. ومنه يعلم قدسية الشريعة ومكانة هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها لم تأت الشريعة لتقول فقط افعلوا الخير وانتهى، وإنما لتقول: افعلوا الخير على الميزان، على المقياس، على المعيار، على الصراط، على الطريق، على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
ولذلك كلما ازداد الانسان علماً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم ازداد تأهلاً للقرب من الله سبحانه وتعالى. ومنه يعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين. لأن من أعظم صور الخير الذي يراد بالانسان المتفقه في الدين أن يجري عمله على ما يحب الله. من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين؛ لو قيل: ما هذا الخير الذي يراد بالمتفقه؟ لقيل هذا، أو يدخل في هذا الخير أنواع وصور من أهمها؛ إيش إيش اللي توي قلته؟ أني، أن هذا الذي قد تفقه في الدين هو أحرى الناس لتقديم العمل الذي يرضي الله سبحانه وتعالى؛ لأن العمل الذي يرضي الله ليس فقط الذي تكون النية فيه صالحة، وإنما يكون موافقاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
السبب الذي يعلم به، أو المصدر الذي يعلم من خلاله: هل هذا العمل موافق أو ليس هو موافق؟ هو العلم بهذه الصفة، هو العلم بهذه السنة. وبالتالي: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين. وكلما كان الإنسان أفقه في هذا الموروث -ليس فقط أعلى، أحفظ، وإنما أفقه، وقد جاء في الحديث المشهور في السنن: ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه؟ رب حامل فقه ليس بفَقيه- كلما ازداد الإنسان علماً بهذا الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أفقه -أو كان فقيهاً فيه بأن يعلم وجوهه ومخارجه ويعلم مراتبه ويعلم أولوياته ومحكمه ومشابهه- كان أدعى لأن يقدم العمل الصالح على ما يوافق هذا الفقه، وبالتالي هذا من اعظم صور إرادة الخير بالإنسان؛ أن يقدم عملاً موافقاً لما يحب الله سبحانه وتعالى من جهة أنه صواب، وليس من جهة أنه خالص، وإن كان الخالص هو شرط أساسي في كل شيء. واضح الفكرة؟
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين، وأن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يعافينا ويعفو عنا. اللهم ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا. اللهم اجعلنا لك ذاكرين، لك شاكرين، لك راهبين، طائعين، مخبتين. ربنا تقبل توبتنا، وأجب دعوتنا، وثبت حجتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، واسلل سخيمة قلوبنا. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وما أنت أعلم به منا. اللهم لك أسلمنا، وبك آمنا، وعليك توكلنا، واليك أنبنا، وبك آمنا. اللهم إنا نعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت أن تضلنا، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
الشيخ أحمد السيد