بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبابي الكرام إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة العقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر الطحاوي رحمة الله تعالى عليه. انتهى بنا الحديث أحبابي إلى قوله: ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من وجب عليه السيف.
لكن قبل ذلك أريد أن أعلق على جملة سابقة ربما يعني تجاوزناها وهي قوله: ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة. هذه الجملة يأتون بها أحبابي الكرام آآ أهل السنة والجماعة في عقائدهم ليبينوا أنهم آه ليسوا كمنهج الخوارج يكفرون آآ الناس بالذنوب والمعاصي والكبائر. أنهم ليسوا كالخوارج يكفرون الناس بالذنوب والمعاصي والكبائر وخاصة إذا كانوا من ولاة الأمر، بل يبينون أنهم آه في معاملتهم الحياتية يصلون خلف كل بر وفاجر من ولاة الأمر.
طبعا لماذا هذا الكلام؟ لأنه في زمن الأئمة في زمن الطحاوي وما قبله وما بعده، كان الذي يتولى الصلاة في المساجد الجامعة المسجد الجامع الكبير الذي يؤم الناس، كانوا هم الولاة والأمراء. تمام، هذي تفهموا سياق هذه الجملة: الذي كان يتولى الصلاة في المسجد الجامع هم الولاة والأمراء. وهؤلاء الولاة والأمراء كان يكثر فيهم فيهم المعاصي والذنوب والفجور والظلم. نتجت هذه المسألة عند العقديين، وهي: هل يجوز أن نصلي خلف ولاة الجور، خلف الولاة الذين عندهم فسوق وما شابه ذلك من المعاصي والكبائر؟ فبين أهل السنة والجماعة أن هؤلاء الولاة وإن كان عندهم فسوق وذنوب ومعاصي، لكنهم أولاً لا يكفرون بذلك.
فنحن نجانب منهج الخوارج الذين يكفرون هؤلاء الأمراء بمجرد الفجور والمعاصي، فنحن لا نكفرهم بذلك، هذه أول القضية، ونرى الصلاة خلفهم، ونرى الصلاة خلفهم. لكن هنا في الحقيقة في تفصيل، هل آه الفقهاء والعقديون يرون الصلاة خلف الفاجر جميع الصلوات؟ يعني هل يرون أن جميع الصلوات تشرع خلف هؤلاء الفجرة وتلزم خلف هؤلاء الفجرة من الولاة صلوات الفرائض الخمس والجمعة والأعياد، أم الأمر خاص بالجمعة والأعياد؟
في الحقيقة عبارة الطحاوي جاءت عامة، أنه نرى الصلاة بعمومها بما يشمل الصلوات الخمس اليومية وبما يشمل الجمع والأعياد. لكن في الحقيقة آه دعونا نقول إن الخط والمنهج العام للسلف هو أن الناس تصلي خلف أمراء الجور والأمراء الفساق الجمعة والأعياد، لكن هل تصلي خلفهم الصلوات الخمس؟ في الحقيقة هناك خلاف داخل المدارس الفقهية.
فمثلاً عندنا السادة الحنابلة يرون أنها لا تصلى الصلوات خلف الفسقة، يرى مذهب الحنابلة أن الصلوات الخمس ظهر عصر مغرب عشاء فجر لا تصلى خلف خلف الفسقة وخلف الولاة الذين عندهم جور وظلم، وإنما قالوا: إنما يقتصر الأمر في الصلاة خلفهم، قالوا: على العيد والجمعة إذا تعذرت خلف غيرهم. فالعيد والجمعة إذا لم تقم إلا خلف السلطان وكان هذا السلطان عنده جور وظلم، فإننا الحنابلة نرى أنها تصلى الصلاة خلفه حتى لا يتفلت الناس وتذهب صلاة الجمعة والعيد.
وأما باقي الصلوات المفروضة فإنها لا تصلى عندنا خلف الفاجر الفاسق، سواء كان إمام المسلمين أو أميراً من الأمراء أو غير ذلك. وبعض المذاهب ترى لا، أن جميع الصلوات تصلى خلف الفساق أصحاب الجور ولا حرج في ذلك. فباختصار أنا أريد فقط أن أبين أنه قولهم: وإن أرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، هذه مسألة فيها تفصيل، أنه إذا كان يتكلم عن الجمع والأعياد فهذا صحيح، الجمعة والأعياد منهج السلف العام أنها تصلى خلف الأمراء وإن كان عندهم فسق وجور.
لكن باقي الصلوات الخمس في الأيام العادية هناك خلاف بين الفقهاء، فمنهم من قال لا تصلى خلف الفساق وأئمة الجور، ومنهم من قال لا حرج في صلاتها خلف الفساق وأئمة الجور. المهم أنت تريد أن نفهم سياق هذه العبارة، وهي أننا في النهاية آآ نريد أن نبين امتياز أهل السنة والجماعة عن منهج الخوارج الذين يرون تكفير أئمة الجور والظلم بمجرد الذنوب والمعاصي والفسق. والأصل أن أهل السنة والجماعة لا يكفرون بمجرد الذنوب والمعاصي والفسق.
ثم قال: ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من وجب عليه السيف. يخبر الإمام الطحاوي أيضاً في هذه العبارة أنها عقيدة، طبعا هذه العبارات التي سندرسها اليوم في جلها تتكلم عن آه العلاقة التي تكون بين آه الرعية وبين الأئمة، العلاقة التي تحكم الرعية عموم المسلمين والأئمة الذين يحكمونهم. لذلك سنتكلم عن عدة مسائل تتعلق بهذا الجانب.
من هذه المسائل مسألة السيف، وهي القتال: لا نرى السيف، أي القتال، على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا وقد استثنى، قال: إلا من وجب عليه السيف. ويخبر الإمام الطحاوي أن عقيدة أهل السنة والجماعة عدم حمل السيف وعدم القتال بأحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما عدا الطوائف التي أمرت الشريعة بقتالها. لذلك استثنوا، فهو قال إيش؟ إلا من وجب عليه السيف.
فنحن بشكل عام نرى عدم الخروج وعدم آه حمل السلاح على طائفة من طوائف المسلمين، لأن دماءهم وأموالهم حرام كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، إلا من وجب عليه السيف. وهناك طوائف باستقراء الأحاديث والآثار والسير آه الصحابة والتابعين يجوز حمل السيف عليها وقتالها بل أحياناً يجب، مثل ماذا؟ ما هي هذه الطوائف؟
أولاً: قطاع الطريق، قطاع الطريق الذين يفسدون في الأرض ويخوفون الناس، فانه يحمل عليهم السيف ويقاتلون ويلاحقون حتى يتوبوا ويرتجعوا عن عدوانهم.
ثانياً: البغاة، الذين يخرجون على الحاكم المسلم. البغاة الذين يخرجون على الحاكم المسلم بتأويل. والبغاة ليسوا كالخوارج، البغاة هم لا لا يكفرون الحاكم المسلم، لا يخرجون على الحاكم المسلم وهم يعتقدون أنه مسلم، لكنهم يخرجون عليه لينتزعوه أو لينزعوه من مكانه لتأويل رأوه، رأوا أن هذا لا يصلح، أو أنه يجب أن يأتي من هو أولى منه، وأنه لا يرد الأمور إلى أصحابها. فالبغاة ليسوا كالخوارج، لكن تفرقوا، بين بعض الناس تخلط الأمر بينهم.
البغاة يخرجون على الحاكم المسلم من دون أن يكفروه، لكن عندهم تأويل معين في عملية نزعه والخروج عليه بالسلاح، وهذا باب يذكر في كتب الفقه، وما يسمى بقتال أهل البغي. هذا باب في كتب الفقه اسمه باب قتال أهل البغي. وهؤلاء البغاة يراسلهم الحاكم المسلم، يحاول أن يرفع مظلمتهم، أن يجيبهم عن شبهاتهم، يحاول أن يصلح أمورهم، فإن أصروا إلا على القتال، حينئذ الحاكم المسلم يستنفر جيشه ويستنفر المسلمين لقتالهم، ويجوز حمل السلاح على هؤلاء البغاة. تمام.
ثالثاً: الخوارج، من من الطوائف المسلمة على الراجح التي يجوز قتالها، الخوارج الذين يسفكون دماء المسلمين ويحملون السلاح عليهم. فالخوارج أيضاً يجوز قتالهم، والنبي صلى الله عليه وسلم شدد على قتالهم وحث عليه في كثير من الأحاديث لشدة الفساد الذي يتركونه خلفهم.
رابعاً: الطوائف الممتنعة عن شعيرة ظاهرة من شعائر الإسلام كالآذان والجماعة والجمعة والزكاة وما شابه ذلك، كما قاتل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ثم قاتلوا مانعي الزكاة. فإن كثير من الفقهاء قالوا: إنما قاتلوا مانعي الزكاة وإن لم يكفروهم لامتناعهم عن شعيرة ظاهرة من شعائر الإسلام. فهذه الطوائف الأربع طوائف يجوز حمل السلاح عليها وقتالها: قطاع الطريق، والبغاة بالطبع بالضوابط المذكورة في كتب الفقه، والخوارج، والطوائف الممتنعة عن شعيرة ظاهرة من شعائر الإسلام كالآذان والجمعة والجماعات، في أي طائفة وقرية امتنعت قالوا نحن لا نريد أن نرفع الأذان أو لا نريد إقامة الجمعة عندنا أو لا نريد أداء الزكاة أو ما شابه ذلك. نعم، تقاتل حتى تعود إلى شرع الله سبحانه وتعالى.
فإذاً قوله: ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من وجب عليه السيف، وذكر الأصل وذكر الاستثناء. ثم قال: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة.
وقال أيضاً في بعد عدة مقاطع -يعني لابد أن أجلب هاي الفقرة بالقرب من هاي الفقرة لأنها مسألة واحدة- قال: والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما.
نقول أحبابي في هذه الفقرات، انتقد الطحاوي ليبين موقف أهل السنة والجماعة من السلاطين وولاة الأمر، وطبيعة العلاقة التي تحكمنا معهم. فنقول: يعتقد أهل السنة والجماعة وجوب الطاعة لولاة الأمر بغير معصية الله، بغير معصية الله، هذا أول شيء، أن طاعتك لولاة الأمر مشروط بألا تكون في معصية الله، فإن أمروا بمعصية الله لا يطاعون بشكل من الأشكال.
ثم قال: يعتقد أهل السنة والجماعة وجوب الطاعة لولاة الأمر في غير المعصية، وإن ظهر منهم شيء من المظالم والفسق والفجور وإظهار -ركزوا الفكرة حتى ولو كان عنده فسق ومعاصي وفجور ما دام المقصد وهذا انتبهوا لها- ما دام المقصد من إقامتهم منعقد. يعني نحن نرى وجوب الطاعة لولاة الأمر في غير المعاصي، وإن ظهر من ولي الأمر شيء من الظلم أو الفسق أو الجور، نقول تبقى الطاعة قائمة له ما دام المقصد من إقامته منعقد.
وما دام فسقهم لا تنخرم به مقاصد الإمامة الكبرى. أما إذا اختل المقصود من إمامتهم وما عادوا يؤدون الوظائف الكلية التي من أجلها شرعت الإمامة الكبرى وأقيم السلطان، فهنا ينفسخ العقد بينهم وبين الأمة، ويحق للأمة خلعهم، إذا كانت مصلحة نزعهم راجحة على المفسدة التي ستترتب على ذلك من زهوق بعض الأرواح وحدوث شيء من الهرج.
هذه فكرة مهمة أن ينتبه إليها البعض، أن الناس في هذا ما على طرفي نقيض: من يرى أن ولاة الأمر لا يجوز خلعهم ولا نزعهم بشكل من الأشكال حتى ولو أنخرمت مقاصد الإمامة من إقامتهم، وما بين من يرى أن الإام يخرج عليه ويقاتل ولو بدر منه شيء من المعاصي الخاصة به التي لا تؤثر على مقاصد الإمامة الكبرى.
والحقيقة منهج أهل السنة والجماعة وما دونه الفقهاء من علماء الأكابر منهج متزن، فهم يتصورون أن العلاقة بين الإمام إمام المسلمين وبين الرعية هي علاقة عقد، هي عبارة عن عقد، الإمامة هي عقد، عقد بين السلطان وبين الرعية. هذا العقد أشبه بعقد الوكالة، حيث يوكل وتوكل الرعية هذا الرجل على أن يكون إماماً وسلطاناً ليدير شؤونها وليقوم بالوظائف التي سآتي إلى ذكرها، مقابل أن يأخذ مثلاً مبلغ من المال، هكذا هي الفكرة. هو وكيل يقوم بأداء وظائف مقابل مبلغ من المال وهذه الوظائف سآتي إلى ذكرها، هي مقاصد الإمامة.
فالآن إذا الإمام قام بمقاصد الإمامة، إذاً العقد ما زال قائماً بينه وبين الأمة، حتى ولو كان عنده فسق وفجور ويشرب الخمر، ما دام قائماً بمقاصد الإمامة التي مطلوب منه أن يقيمها وسنأتي إلى ذكرها، ففي هذه قال لا يجوز الخروج حمل السلاح عليه أو نزعه. لكن إذا كان الإمام لا يقوم بمقاصد الإمامة التي من أجلها أقيم فيها، ففي هذه الحالة يحق للأمة أن تنزعه.
فهي ليست قضية أنه هذا على الكرسي سيبقى إلى أن يموت، لا، أنت تقوم بالمقاصد أنعم به وأكرم، لا تقم بالمقاصد يحق للأمة أن تنزعك. لكن الأمة لما تريد أن تقوم بنزع هذا الحاكم الذي لا يقوم بمقاصد الإمامة، لابد من أن نرجح المصالح والمفاسد، فنرى هل المصلحة من نزعه ستكون أعلى من المفسدة التي ستترتب أثناء ذلك من حدوث شيء من زهوق الأرواح وشيء من الهرج؟ لأنكم كما لا يخفى على شريف علمكم، عملية نزع الحاكم والسلطان عملية يكون فيها مفاسد، يكون فيها فتن، يكون فيها أرواح تزهق، يكون فيها دماء تسفك. لكن نبقى مرجح بين المصالح والمفاسد.
ودعوني ابتداء أتكلم عن التأصيل الفقهي لقضية أن الإمام هو وكيل عن الأمة وأن له وظائف مطلوبة منه أن يؤديها. من كلام الفقهاء، يقول الشيخ منصور البهوتي رحمة الله عليه في كشاف القناع: وتصرفه أي الإمام على الناس بطريق الوكالة، تصرفه على الناس بطريق الوكالة، الوكيل عنهم، فهو وكيل المسلمين. وبما أنه وكيل فله أن يعزل نفسه، إذا هو قال أنا يعني مش قادر أؤدي الأمور بدي أعزل نفسي، له الأحقية في ذلك، بل هو عزل نفسه، ولهم أي لأهل الحل والعقد عزله إن سأل هو العزل لقول أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: أقيلوني أقيلوني، قالوا: لا نقيلك.
والإمام طيب إذا لم يسأل العزل هو، إذا هو لم يسأل العزل ولم يرد عزل نفسه قال: حرم عزله إجماعاً، سواء كان سأل الإمام أم لا، خلافاً لما تهمه عبارة التنقيح وتبعه في المنتهى. ولا ينعزل الإام بفسقه، ولا ينعزل الإمام بفسقه، وهذا شيء أيضاً نوعاً ما متفق عليه، نوعاً ما في خلاف، لكن جمهور أهل السنة على أنه لو الإمام أصبح عنده فسق، فسق شخصي لا يؤثر على مقاصد الإمامة، لا يؤثر بشكل عام على مقاصد الإمامة، ومجرد وجود الفسق منه هذا لا يقتضي أن يعزل.
ثم قال: ويلزم الإمام عشرة أشياء، هاي بنسميها مقاصد الإمامة. ويلزم الإمام عشرة أشياء: أولاً، حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة، فإن زاغ ذو شبهة عنه يبين له بالحجة، آه يبين له بالحجة عفو وأخذه بما يلزمه من الحقوق ليكون الدين محروساً من الخلل. إذاً أولاً إيش؟ وأهم شيء حفظ الدين.
هي ركزوا فيها، وأنتم ركزوا الآن في مقاصد الإامامة حتى تفهموا متى هذا الإمام لا يكون قائماً بالمقاصد. قالوا ويلزم الإمام عشرة أشياء: حفظ الدين عن الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة، فإن زاغ ذو شبهة عنه بين له بالحجة وأخذه بما يلزمه من الحقوق ليكون الدين محروساً من الخلل.
اثنان: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وهو القضاء وقطع ما بينهم من الخصومات، وحماية البيضة أي حماية المجتمع والذب عن الحوزة لينصرف الناس في معايشهم ويسيروا في الأسفار آمنين. وظيفته إذاً إقامة الأمن وإقامة الحدود الشرعية لتصان محارم الله عن الانتهاك وتحفظ حقوق عباده من الاتلاف أو الاستهلاك.
ثم تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون بها محرماً ويسفكون بها دماً معصوماً، وجهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة، وجباية الخراج والصدقات على الوجه المشروع. وتقدير العطاء وما يستحق في بيت المال من غير شرف ولا تقصير، ودفعه في وقته من غير تقديم ولا تأخير، واستكفاء الأمناء وتقليد النصحاء بما يفوضه إليهم من الأعمال والأموال لتكون مضبوطة محفوظة.
وأن يباشر بنفسه مشارفة الأمور ويتصفح الأحوال لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة ولا يعول على التفويض تشاغلاً، فقد يخون الأمين ويغش الناصح. وإذا قام الإمام بحقوق الأمة -وجهة شف العبارة، عبارة الباهودي- وإذا قام الإمام بحقوق الأمة وجب له عليهم حقان: الطاعة والنصرة، فالطاعة والنصرة مرهونة بقيام الإمام بهذه الوظائف العشر التي ذكرناها.
إذاً هذه وظائف أساسية أحبابي الكرام، هاي الوظائف الكلية التي من أجلها شرعت الإمامة. طيب، طب إذا انخرمت هذه المقاصد ولم يقم الإمام بها؟ قلنا: فإن أهل السنة والجماعة يقولون لا حرج من نزع الإمام بشرط أن ينظر في المصالح والمفاسد التي ستترتب من عملية النزع.
يقول الجويني في غياث الأمم في التياث الظلمة -وهو كتاب مهم جداً في السياسة الشرعية- يقول: والذي يجب القطع به أن الفسق الصادر عن الإمام لا يقطع نظره، يعني إذا الإمام فسق على نفسه هذا فسقه على نفسه، لا نجعل هذا سبباً في ماذا؟ في عزله، ومن الممكن أن يتوب ويسترجع ويؤوب إلى الله سبحانه وتعالى. وقد قررنا بكل عبرة أن في الذهاب إلى خلعه أو من خلاعه بكل عثرة رفض الإامامة ونقضها. هو بيقول لو أن كل امام فسق أو ارتكب فسوقاً بدنا نعزله، عمرها ما راح تستتب إمامة لو كل إمام حدث منه شيء من الفسوق أو الظلم أو شيء من الأخطاء سنذهب إلى عزله، قال هذا فيه رفض للإمامة يعني أنت لن تستتب لك إمامة ولن يستتب لك سلطان.
طيب إذاً وقد قررنا أن في الذهاب إلى خلعه أو انخلاعه بكل عثرة رفض الإمامة ونقضها واستئصال فائدتها ورفع عائدتها وإسقاط الثقة بها واستعفاف الناس على سل الأيدي عن رفقة الطاعة. هذا إذا بدك تنتبه أنه لا يصح أن تفكر أنه كل يوم فسق أو ظهر في صورة مخلة أو ما شابه ذلك أنه ساذهب إلى نزعه، كما قال أن هكذا لا تطب الإيالة ولا يصلح أمر الناس.
ثم قال الجويني: وهذا كله في نوادر الفسوق، واما إذا تواصل منه العصيان، شوفوا ايش يقول الجويني، قال: فاما إذا تواصل منه العصيان وفشى منه العدوان وظهر الفساد وزال السداد وتعطلت الحقوق والحدود وارتفعت الصيانة ووضحت الخيانة واستأجر الظلمة ولم يجد المظلوم منتصفاً ممن ظلمه وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور وتعطيل الثغور، فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم على ما سنقرر القول فيه على الفاهم. وذلك أن الإامامة إنما تعنى لنقيض هذه الحالة، أنه احنا الإامامة ليش شرعناها؟ لوظائف، فاذا حضرته هذا الإمام القائم لا يقوم بهذه الوظائف لا هنا اختلفت الأمور، أنت لست محمولاً على ظهرنا أن تبقى إلى قيام الساعة بل الشريعة الإسلامية شريعة معقولة المعنى، فلا يمكن أن تأمرنا الالتزام بإمام أو حاكم لا يقوم بالوظائف المطلوبة منه. شو الفائدة أن يبقى هذا الإنسان؟
طيب، قال: فإذا قضى الأمر إلى خلاف ما تقتضيه الزعامة والإيالة فيجب استدراكه لا محالة، وترك الناس سدى ملتطمين لا جامع لهم على الحق والباطل أجدى عليهم من تقريرهم على اتباع من هو عون الظالمين وملاذ الغاشمين وموئل الهاجمين ومعتصم المارقين الناجمين. فهمت ايش يقول الجويني؟ يعني أن يترك الناس بلا إمام يتلاطمون تلاطم الأمواج خير من أن يبقى أو تبقى لهم الطاعة على إمام هو موئل للظالمين وعون للغاشمين وموئل للمهاجمين ومعتصم للمارقين، شوف أن تترك الناس هكذا أولى من أن يكون هذا الرجل إماماً عليهم.
طيب، وإذا دفع الخلق إلى ذلك، أي إلى نزع هذا الإمام، فقد اعتاصت المسالك، شف عبارة الجويني عبارة أصلاً أدبية وعالية جداً فيحتاج الطالب أن يقرأها بتؤدة. قال: فقد اعتاصت المسالك وأعضلت المدارك فليتئد الناظر هنالك. يعني إذا وصل الأمر إلى أن الحاكم كما قلنا لا يقوم بالوظائف المطلوبة منه وحان وقت نزعه، قال فهذه مسألة هاي خطيرة، يقول ويتنازعوا بدك توقف وتسبح كثيراً قبل أن تخطو الخطوات بهذه الشعوب والامم.
فأقول، يعني الجويني: إن تيسر نصب إمام مستجمع للخصال المرضية والخلال المعتبرة في رعاية الرعية تعين البدار إلى اختياره، فإذا انعقدت له الإمامة واتسقت له الطاعة على الاستقامة فهو إذ ذاك يدرأ من كان. يعني إذا أمكننا بسلاسة وسهولة أن نأتي بإمام آخر ننصبه ونعلن له الطاعة ونواليه، وهذا الإمام الجديد هو الذي يقوم بنزع الإمام السابق، فهذا هو المقصود وهذه أسهل الطرق والحمد لله.
إذاً إذا أمكن البدار إلى نصب إمام جديد مستجمع للشروط والخصال وتمت البيعة له بسلاسة، وهذا الإمام الجديد استطاع أن ينهي حكم الإمام السابق وينزعه فهذا هو المطلوب. طيب، وقد بان الآن أن تقديم درءه في مهمات أموره، فإن أذعن فذاك، وإن تأبى عامله معاملة الطغاة وقابله مقابلة البغاة. يعني هذا الحاكم الجديد لما يأتي لينزع الحاكم السابق تحاول أن ينزعه بالرفق واللين، إنه خلص استقيل، يحاول أن يتفاهم معه، يتوصل معه إلى حل، فان أذعن ورضي الحاكم السابق بالانعزال خلص أنعم به وأكرمه. وإن أبى الحاكم السابق وبقي ممسكاً بكرسيه، بهذه الحالة الحاكم الجديد يعامل الحاكم السابق الذي لا يقوم بوظائفه يعامله معاملة الطغاة ويحمل عليه السيف ويحاول أن يقاتله.
طيب، وأما إن علمنا -هذا كله إذا استطعنا أن ننصب إماماً جديداً بسلاسة وسهولة، هاي هي الخطوات- ثم يقول الجويني: وأما إن علمنا أنه لا يتأتى نصب إمام دون اقتحام داهية وإراقة دماء ومصادمة أحوال جمة الأهوال واهلاك أنفس ونسف أموال، أه! إذا كان عملية نصب الإمام الجديد أصلاً لا تتم بسلاسة وسهولة بل سيتم فيها إراقة الدماء ودخول الأمة في هرج ومرج، قال فالوجه أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه ومبتلون به بما يفرض وقوعه في محاولة دفعه. فإن كان الواقع الناشز أكثر مما يقدر وقوعه في روم الدفع فيجب احتمال المتوقع له لدفع البلاء الناجز.
إيش يعني؟ يعني ننظر الآن فيما نحن فيه، احنا الآن هذا الحاكم الموجود الذي لا يؤدي الوظائف، أنظر في حجم المفاسد المترتبة منه، وانظر في حجم المفاسد المترتبة إذا أردنا أن ننزعه. عندك حالتان: المفاسد الحالية قائمة بسبب هذا الإمام الذي لا يؤدي وظائفه، والمفاسد المتوقعة في أثناء عملية دفعه وإزالته من سفك الدماء والهرج والمرج، أي المفسدتين أعظم؟ فهمتم؟ فإذا كانت المفاسد الموجودة حالياً بسبب هذا الإمام أعظم بأن كان أعداء الأمة استباحوا بيضتها ودخل الفجور والفسوق وتعطلت الحدود، يعني ما عادت والناس لا يأمنون على مطاعمهم ومشاربهم وسفرهم، فاذا كانت هذه المفاسد كبيرة جداً والمفسدة من عملية نزعه تكون فيه مفسدة مية بالمية لكنها ليست بأضر من المفسدة الحالية، لا، تتحمل المفسدة المتوقعة من أجل رفع الفساد الحالي، لأنه المفسدة المتوقعة أقل من المفسدة القائمة حالياً.
وأما إذا كانت المفسدة الحالية من وجود هذا الإمام الذي لا يؤدي وظائفه أقل من المفسدة المتوقعة في عملية دفعه. يعني الآن في مفاسد من هذا الإمام واضح، لكن لما فكرنا في عملية نزعه كم ستذهب به الأرواح؟ ستذهب به آلاف مؤلفة وستنتهك حرمات ويعتدى على أعراض، إذاً حجم المفاسد المتوقع في أثناء عملية الدفع أكبر من المفاسد القائمة حالياً، الواجب الشرعي الرضا بالوضع الحالي وإن كان فيه مفاسد خشية من الوقوع في مفاسد أعظم، الله أعلم إلى أين تؤول بهذه الأمة.
فالقضية إذاً قضية -لاحظوا- ليست قضية تترك أحبابي الكرام لجماعة وسائل التواصل الاجتماعي هم الذين يحددونها، أو إنسان ما شاء الله يحب المغامرات بهاي الأمة يأخذ بها يميناً وشمالاً، لا، القضية موقوفة للعلماء وأهل الحل والعقد وأصحاب الرأي والسياسة من أهل الصدق والإخلاص والنصح لهذه الأمة، هناك يحل أو تحل مثل هذه الأمور. أما الاستعجال والتتابع وكل إنسان يبدي رأيه والعامة تتكلم ووسائل التواصل وما شابه ذلك، هذا كله أعمال من العبث ومن تلاعب أعداء الأمة بشباب الأمة من خلال هذه الوسائل التي يطرحونها لكم، وأنه كل إنسان له الحق في أن يبدي رأيه وتذهب وتزهق أرواح وما شابه ذلك، لا، الأمر إذاً له قاعد في السياسة الشرعية الفقهاء تكلموا عنها منذ القدم. فلا نحن نرضى ببقاء إمام لا يقوم بالوظائف وفي المقابل لا نرضى بماذا؟ بأن تسفك دماء ويكون هرج ومرج وفساد أكبر في عملية النزع، القضية إذاً تحتاج إلى توازن عالي جداً تماماً؟
وعملية النزع هنا أنبه على قضية أنه بعض الناس ديدنهم أن نزع السلطان هو دأب الخوارج ومذهب الخوارج وما شابه ذلك، في الحقيقة هذه عبارات ليست يعني دقيقة وليست محكمة وليست هي كلام أهل العلم. أن السلطان في النهاية عليك أن تعرف أنه صاحب عقد مع هاي الأمة، إذا لم يقم بالوظائف المطلوبة منه فعملية نزعه وإزالته هذا لا يسمى خروجاً على ولاة الأمر وليس منهج الخوارج، بل هو كلام الفقهاء وعليه عاشت الأمة والكل يعرف يفرق بين الخوارج الذين يكفرون الناس بالذنوب والمعاصي ويستحلون الدماء بدون برهان، وبين آآ الذين يرون نزع الحاكم الذي لا يؤدي وظائفه ولا يقوم بالأمور المقصودة من إقامته. فهذا شيء وهذا شيء، لكن بعض المعاصرين للأسف يخلطون الأوراق ببعضها البعض فيجعلون أي عملية نزع سلطان والله خروج على ولاة الأمر وهذا ليس بصحيح. عليكم أن تقرؤوا كلام الفقهاء وكلام الأئمة فهو واضح في تقعيد هذه المسائل والتفريق بين الخروج المنهي عنه شرعاً وبين نزع الظلمة الذين لا يؤدون الوظائف وهو مطلوب شرعاً لكن ضمن القواعد المذكورة والتي ذكرناها مع الإمام الجويني رحمة الله تعالى عليه.
طيب، ثانياً: من الأمور المتعلقة بالعلاقة بين الرعية وولاة الأمر وهو قول الطحاوي: ووجوب إقامة الحج والجهاد مع إمام المسلمين. الحج والجهاد أحبابي الكرام هذه الشعائر العظمى تقام مع إمام المسلمين براً كان أو فاجراً، مثلاً مثل الصلوات كيف قلنا صلاة الجمعة والأعياد تقام خلف الأئمة سواء كانوا أئمة عدل أو أئمة جور. لذلك الحج والجهاد ماضيان مع الأئمة المسلمين براً كان أو فاجراً، وكذلك عموم الشعائر العامة المنوطة بولاية الأمر في الفقه الإسلامي كلها تقام معهم ولو كانوا فسقة، حفاظاً على ماذا؟ على بقاء هذه الشعائر حية. يعني لو قلنا لا لا نحج إلا مع إمام عدل لتتعطل هذه الشعيرة العظمى وهي شعيرة الحج، ولو قلنا إن الجهاد لا يقام إلا مع إمام عدل لتتعطل شعيرة الجهاد، ومثل هذه الشعائر لا ينبغي أن تعطل بسبب فسق الولاة وأئمة الجور بل تبقى قائمة، بل تبقى قائمة ولو كان مع الفسقة.
طبعاً في قولهم الحج والجهاد ماضيان أه معقول الأمر برهم وفاجرهم، في رد على الرافضة حيث قالوا: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الرضي من آل محمد وينادي مناد من السماء اتبعوه. هكذا يرون في معتقداتهم أنه لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الإمام الرضي من آل محمد وينادي مناد من السماء اتبعوه. وبطلان هذا القول أظهر من أن يستدل عليه بدليل. وإن شرطوا في الإمام الذي يقاتل معه أن يكون معصوماً وهذا أيضاً لا دليل عليه، بل في صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك الأشجعي: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم. فقلت يا رسول الله: أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة. إلا من ولي آآ عليه وال فرآه يأتي شيئاً بمعصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعته.
وقد تقدم بعضنا ظاهر هذا الحديث للإمامة أه ولم يقل إن الإمام يجب أن يكون معصوماً، النبي عليه الصلاة والسلام لم يقل إن الإمام يجب أن يكون معصوماً. والرافضة هم أخسر الناس صفقة في هذه المسألة، لأنهم جعلوا الإمام المعصوم أصلاً هو عندهم هو إمام معدوم الذي لم ينفعهم في دين ولا دنيا، فإنهم يدعون أن هذا الإمام الرضي الذي ينتظرونه هو محمد بن الحسن العسكري فيما يزعمونه، ولا الحسن العسكري لم يكن له ولد وإنما هذا ادعوا له ولد اسمه محمد بن الحسن ويقولون إنه دخل في دخل في السرداب في سامراء كانت أه مئتين وستين أو قريبة من ذلك، وهم ينتظرون خروجه ولن يخرج هذا الشخص.
طيب، هذه أفكار عامة نحتاج إليها في قضية أه العلاقة مع السلاطين، بقي علينا أن نتكلم عن طرق ثبوت الخلافة: كيف تثبت الخلافة وإقامتها؟ وساتكلم بكلام جملي ليس بكلام تفصيلي، فنقول تثبت.
تؤتى الخلافة، وتصبح لازمة لا يجوز الخروج عليها عند أهل السنة والجماعة بأحد طريقين. الطريق الأول هو اجتماع أهل الحل والعقد على تنصيب رجل للخلافة، وهذه هي الطريقة الصحيحة التي يدعو إليها الإسلام ويحث الناس على اتباعها؛ أن يجتمع أهل الحل والعقد فينصبوا شخصا للخلافة.
طبعا، وهذا كله حصل في الخلفاء الراشدين على اختلاف في الأساليب؛ فطريقة عمر تنصيب أبي بكر الصديق لما اجتمعوا في السقيفة، وطريقة عمر بن الخطاب لما جعل أهل الحل والعقد محصورين في الستة، وطريقة تنصيب عثمان بن عفان، وعن طريق تنصيب علي بن أبي طالب. إذن الطريقة الصحيحة والتي يدعو إليها الإسلام هو أن يجتمع أهل الحل والعقد على تنصيب رجل للخلافة، وبالتالي تجتمع الناس عليه، وهو يحرم الخروج عنه أو عليه ما دام كما قلنا مؤديا لوظائفه.
الطريقة الثانية للخلافة وهي ليست مرغوبة، لكن تستقر بها الخلافة في نهاية الأمر، هي طريقة القهر والغلبة بالسيف. فلو جاء رجل وخرج بالسيف حتى استتبت له الأمور، واستطاع أن يمسك بزمام الحكم، فهنا أيضا يجب طاعته والسماع له، ولو كانت هذه الطريقة ليست طريقة شرعية بالحصول على الحكم والولاية، لكن دفعا للمفاسد التي متوقع أن تحصل عند مدافعة هذا الرجل، نقول: خلص، لو تملك بالسيف والقهر والغلبة واستتب له الأمر، يحكم له بالخلافة ويتبع ما دام مؤديا للوظائف المطلوبة منه.
فإذا، هناك طريقة شرعية وهناك طريقة ليست شرعية، وبكلا الطريقتين تستتب الأمور؛ يعني في النهاية يجب أن تستتب الأمور. الطريقة الشرعية أن يقوم أهل الحل والعقد من المسلمين بتنصيب رجل للخلافة، وهذه هي الطريقة التي يدعو إليها الإسلام، لكن الطريقة الثانية وهي طريقة القهر والغلبة بالسيف، هذه الطريقة لا يريدها الشرع ولا يطلبها، لكن لو حدثت وخرج إنسان بسيفه حتى استتب له الأمر، فإننا نحكم له بالطاعة وندين له بالطاعة ما دام مؤديا للوظائف الشرعية حقنا لدماء المسلمين، فهذه القضية ننتبه لها.
ثم قال الإمام الطحاوي رحمة الله عليه: ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة، ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة، ونقول الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه، ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر. لأن هذه جمل وعبارات يعني عمالة تحتاج إلى كبير شرح، وإنما تبين الخطوط العريضة لأهل السنة والجماعة. فأهل السنة والجماعة أولا متبعون للسنة، مؤتلفون لا مختلفون، مجتنبون للشذوذ والخلاف والفرقة؛ لا يتحزبون ولا يتعصبون ولا ينشئون جماعات وفرق وطوائف تفرق هذه الأمة وتمزق جسدها، بل حريصون على أن تكون كلمة المسلمين واحدة. فشعارهم أهل السنة والجماعة، واما التفرق تحت لواء أهل السنة والجماعة إلى أحزاب وجماعات وطوائف وفرق، فهذا ليس هو منهج أهل السنة والجماعة حقيقة.
هذا ليس منهج أهل السنة والجماعة حقيقة، بل المنهج العام اجتناب الشذوذ والخلاف والفرقة، فأي عملية تقطع تحت دائرة أهل السنة والجماعة فهي مرفوضة. أي عملية تقطع لأنها في الحقيقة ستسبب اختلافا وفرقة وتنابذا، لذلك كان الأئمة العقلاء مثلا يحرمون التعصب المذهبي؛ لأن التعصب المذهبي هذا حنفي متعصب وهذا شافعي متعصب وهذا مالكي متعصب وحنبلي متعصب، وما حدث من فتن عبر التاريخ بين المذاهب حدث في اقتتال بين الحنفية والشافعية واقتتال بين الحنابلة وبعض ابن جرير الطبري واتباعه ونحو ذلك من الفتن دي كلها مرفوضة في الإسلام ولا تدل على الصورة النقية.
فنعم المذاهب قائمة وموجودة وندعو إليها، لكن المذاهب وسائل في النهاية لضبط الفقه. إيش المقصود منها؟ التعصب والتناحر والخلاف والفرقة، فإذا الأصل العام عندنا أننا نتبع السنة؛ سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ونجتمع عليها، ونجتنب أي شكل من أشكال التقطع والاختلاف والفرقة؛ لأن هذا يوهن جسد هذه الأمة، يجعل الأعداء يتسلطون علينا، يتسلطون علينا لما يجدوننا مفترقين مختلفين فيما بيننا.
وقال: ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة. نعم، فنحن نحب أهل الطاعات، أهل الخير، وائمة العدل الأمناء الذين يؤدون الوظائف المطلوبة منهم، وفي المقابل نبغض أهل الجور والخيانة من الأمراء الظلمة والأمراء الذين يخونون مناصبهم والوظائف التي أقيموا بها ويكونون سببا بتسلط أعداء الأمة عليها. ونبغض، والأمر ليس متعلقا فقط بالأمراء الخونة وأهل الفجور إذا كانوا من الأمراء، بل الأمر عام؛ فكل من كان من أهل الخيانة ومن أهل الفجور والظلم فإننا نبغضه لفجوره وظلمه، ليس لذاته، نبغضه لفجوره وظلمه وخيانته.
ثم قال: ونقول الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه. أي من علامات أهل السنة والجماعة ومن الأمور الراسخة عندهم، وهو أمر أدبي ينبغي على طالب العلم أن يدثر به، أن أهل السنة والجماعة لا يقولون على الله ما لا يعلمون. ويا الله، كم يحتاج طلبة العلم اليوم لهذه القضية، وهي قضية السكوت فيما لا يعلمون، هذه من عقائد أهل السنة! انظروا كيف جعلها عقيدة الطحاوي؛ أي من عقائدنا أننا نقول الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه.
للأسف أن كثيرا من طلبة العلم يقرؤون هذه العبارة لكنهم لا يعملون بها، فكراهم يتطايحون على وسائل التواصل الاجتماعي، الكل يريد أن يبدي رأيه والكل يريد أن يتكلم، الكل يريد أن يخوض، الكل يريد أن يطعن بالجماعة الأخرى، وأكثرهم يتكلمون بدون علم. والله لو جلس هذا الطالب يتأصل على يد العلماء، يتعلم بتؤدة وهدوء، والله لنفع وانتفع به تماما، لنفع وانتفع به، لكن للأسف هذه وسائل التواصل التي افسدت شباب الأمة، وافسدت طلبة العلم، وافسدت كثير من الناس كنا نرجوهم لهذا العلم، لكنهم ضاعوا وتاهوا في وسائل التواصل.
الكل يبحث عن شهرة، الكل يبحث عن اسم، الكل يبحث عن صيت، ويتكلم ويهري فيما لا يعرف، وهذه مشكلة العصر وآفة الزمان. أحبابي الكرام، الله أعلم، هذه عبارة لا تدعها يا طالب العلم فإنها نصف العلم، كما قال بعضهم: نصف العلم أن تقول الله أعلم؛ لأنك إذا قلت الله أعلم وتوقفت فهذا يعني انك تبحث عن العلم فستطلبه، لكن إذا ظننت نفسك أنك والله واصل لجميع الحق في المسائل وكل شيء تسأل عنه تجيب، فإنك لن تبحث؛ لأنك تظن أنك امتلكت الحقيقة في كل المسائل.
فإاياك أن تخطئ، الله أعلم فهي تصاب مقاتلك يا طالب العلم. إذا، هذا توجيه من الطحاوي رحمة الله عليه إلى أهمية أن يلتزم طالب العلم بهذا الأدب، وهو أن يتوقف في التي لا يحسنها ولا يتقنها ويقول فيها الله أعلم. إذا كان مالك بن أنس والأئمة الكبار أحبابي الكرام يتوقفون في العديد من المسائل ويقولون فيها الله أعلم، فلماذا نحن لا نتوقف؟ لماذا نحن لا نتوقف ولا نتربى ولا نتأنى؟ فهذه القضية إذا تحتاج منك إلى وقوف يا طالب العلم.
ثم قال: ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر. هذه المسألة قد يقول البعض: يعني ايش علاقتها بالعقائد؟ هذه مسألة فقهية، المسح على الخفين. لكن ايش رأيك شيخ انس؟ هي القضية اخي قضية المسح على الخفين بحد ذاتها هي صحيح في اصلها فقهي، لكن لما صار الخلاف فيها مع الروافض صارت شعارا لأهل السنة والجماعة. يعني هي نعم هي مسألة فقهية، لكن الذي خالف فيها من؟ هم الرافضة. وأصبح من شعار الروافض ومن علامة بدعتهم أنهم يمنعون المسح على الخف، فأصبح شعار أهل السنة والجماعة، أصبح من شعاره ومن علامات أهل السنة والجماعة أنهم يقولون بالمسح على الخفين بخلاف أهل البدع الذين لا يقولون بذلك.
وأحاديث المسح على الخفين أحاديث متواترة، رواها أكثر من سبعين نفسا كما ذكر المجد ابن تيمية في المنتقى، رواها أكثر من سبعين نفسا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا. فهي مسألة قطعية محسومة متواترة مسألة المسح على الخفين، فالخلاف فيها ليس خلافا معتبرا؛ الذي يمنع المسح على الخفين الخلاف فيه ليس خلافا معتبرا، هو خلاف بدعي؛ لأنه يخالف نصوصا متواترة ظاهرة لا نقاش فيها. فلذلك، وإن كانت المسألة فقهية كما قلنا، لكن أصبحت شعارا لأهل السنة والجماعة أنهم يرون المسح على الخفين منابذة لأهل البدع من الروافض الذين يمنعون المسح على الخفين.
طبعا، يتأول الروافض بهذه المسألة آية: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، فإن الله سبحانه وتعالى لم يأمر بالمسح على الخفين وإنما أمر بالمسح على الأرجل. لذلك الروافض لا يغسلون أقدامهم، الروافض يمسحونها مسحا تماما، ويقولون هذا هو المسح المأمور به، ويردون كل ما ثبت في السنة من أحاديث متواترة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين وحث على ذلك ووقت لذلك. فهذا هو سبب إيراد هذه المسألة، وليست المسألة يعني كبيرة تحتاج إلى تفصيل أكثر من ذلك، وإنما تفصيل المسح على الخفين هذا يكون في كتب الفقه.
وقضية الحج والجهاد ماضيان هذه شرحناها، ثم قال: ونؤمن بالكرام الكاتبين. عاد الإمام الطحاوي بعد كلامه الطويل عن مسائل الإيمان وكلامه الطويل في العلاقة بين الرعية وولاة الأمر ومجموعة من المسائل، عاد للكلام عن مسائل السمعيات. إذا بتذكروا أخذنا مسألة الميثاق والحوض والشفاعة، الآن سيعود يتكلم عن مسائل السمعيات مرة أخرى فيما يتعلق، الكرام الكاتبين، يعني هذه أولها، لكن هو سيتكلم عن قضية الموت وما بعد ذلك من أحداث وأهوال يوم القيامة، وأن أهل السنة والجماعة يؤمنون بها.
فقالوا: ونؤمن بالكرام الكاتبين فإن الله قد جعلهم علينا حافظين، ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين، وبعذاب القبر لمن كان له أهلا، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضوان الله عليهم، والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران، ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب، والصراط والميزان.
والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان ولا تبيدان، فإن الله خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه، وكل يعمل لما قد فرغ له وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد. إلى هنا هذه الفقرة كاملة كلها تتحدث عن مسائل في السمعيات تتعلق بما يتعلق بمسائل البرزخ والحياة البرزخية والموت وما فيها، وتتعلق أيضا بما يكون عند البعث والحشر والجزاء وأهوال يوم القيامة وعرصاتها وقضية الجنة والنار.
فدعونا نمر باختصار على هذه المسائل، نبدأ بقوله: ونؤمن بالكرام الكاتبين فإن الله قد جعلهم علينا حافظين. نقول: قال الله عز وجل في قضية الكرام الكاتبين: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ. فهذا لفظ قرآني. وقال سبحانه وتعالى في سورة ق: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ. وقال تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّ لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ. وقال تعالى: هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وقال تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّ لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ... إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ.
فهذه الآيات كلها تدل على قضية أن الله سبحانه وتعالى وكل بنا ملائكة وظيفتها أن تكتب أعمالنا؛ الأعمال الحسنة والأعمال السيئة. كل هذه الآيات تدل على هذا الأصل المهم، وهو أن الله سبحانه وتعالى وكل بنا ملائكة وظيفة هذه الملائكة أن تكتب وتستنسخ أعمالنا؛ الأعمال الحسنة والأعمال السيئة.
وكما جاء في الآثار والأحاديث في شرح قوله تعالى: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، أن الله سبحانه وتعالى وكل بنا ملكا عن أيماننا وملك عن شمائلنا؛ وملك اليمين هو الموكل بكتب الحسنات، وملك الشمال هو الموكل بماذا؟ بكتب السيئات. وكل رقيب عتيد؛ كل يرقبنا وهو جاهز مستعد لأن يكتب، سواء ملك الحسنات أو ملك السيئات.
طيب، واختلف العلماء فيما إذا كانت الملائكة الموكلة بتسجيل الأعمال قد تفارق العبد في بعض الأماكن والأحوال أم لا؟ من المسائل التي تذكر في الملائكة التي تكتب الأعمال: هل هذه الملائكة تفارق العبد في بعض الأماكن والأحوال أم لا؟ في الحقيقة هنا ثلاثة أقوال لأهل العلم في هذه المسألة، هل الملائكة، هل الكرام الكاتبون يفارقون الإنسان في بعض الأحوال والأماكن أم لا؟ على ثلاثة أقوال.
القول الأول: إن الملائكة الموكلة بكتابة الأعمال لا تفارق العبد في أي حال من الأحوال. يقول الشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليه: هذان الاثنان، يعني الملكين، هل هما دائما مع الإنسان؟ يقول الشيخ ابن عثيمين: نعم، لقوله عز وجل: إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ، هذا يدل على ماذا؟ على أنهما دائما موجودان.
والقول الثاني -طبعا هو يكمل الشيخ ابن عثيمين- وقيل: إنهما يفارقانه إذا دخل الخلاء وإذا كان عند الجماع، فإن صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا إذن ورأس، وإن لم صح فالأصل العموم: إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ. وكأن الشيخ توقف في صحة الحديث الذي سيأتي في أن الملائكة تفارقك عند الخلاء وعند الجماع. فالشيخ إذا عموم كلامه، وهذا منهج بعض أهل السنة والجماعة، أن الملائكة الموكلة بكتابة الأعمال لا تفارقك أبدا، لا تفارقك أبدا.
القول الثاني: من يرى أن الملائكة التي تكتب الأعمال تفارق العبد في مواضع وهي الخلاء وعند الجماع، وأضاف بعضهم عند الاغتسال. يقول ابن حجر الهيتمي رحمه الله: الحفظة لا يفارقوننا إلا عند الخلاء والجماع والغسل كما جاء في الحديث. ذكروا في فتاواه الحديثية. ويقول السفاريني.
قال الحسن البصري: إن الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين؛ عند غائطه وهو الخلاء يعني، وعند جماعه، ومفارقتهما للمكلف حينئذ حتى لو قمنا بالمفارقة لا تمنع من كتبهما ما يصدر منه في تلك الحال.
سحق يفارقونك، لكن الله يعطيهم القدرة على أن يعرفوا ما الذي تفعله أنت في داخل الخلاء أو أثناء الجماع أو ما شابه ذلك فيكتبونه. طيب، والذين قالوا بالمفارقة استدلوا بما يعني بمجموعة من الأدلة؛ منها حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إياكم والتعري، فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله فاستحيوهكم وأكرموهم. فدل الاستثناء هنا: إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله، على أن الملائكة الكاتبين يفارقون الإنسان في هاتين الحالتين. حديث رواه الترمذي، لكن هذا الحديث آه ضعفه طائفة من أهل العلم، هذا الحديث أكثر أهل العلم على تضعيفه. وقال الترمذي بعد إخراجه: هذا حديث غريب. يقول بدر الدين العيني رحمة الله عليه: فإن قيل قد روي عنه صلى الله عليه وسلم أن الكرام الكاتبين لا يفارقون العبد إلا عند الخلاء والجماع؟
فيقول بدر الدين العيني: قلت هذا حديث ضعيف لا يحتج به. حديث ابن عمر إذا حديث ضعيف. طيب، الدليل الثاني أيضاً له ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج عن صاحب له عن مجاهد بن جبر قال: لما كان النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية وعليه ثوب مستور عليه، هبت الريح فكشفت الثوب عنه، فاذا هو برجل يغتسل عريانا بالبراز، رجل يغتسل عريانا في الفضاء.
فتغير النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا أيها الناس، اتقوا الله واستحيوا من الكرام، فإن الملائكة لا تفارقكم إلا عند إحدى ثلاث؛ إذا كان الرجل يجامع امرأته، وإذا كان في الخلاء. قال مجاهد: ونسيت الثالثة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فاذا اغتسل أحدكم فليتوارى بالاغتسال إلى جدار أو إلى جنب بعير أو يستر عليه أخوه. لكن هذا الحديث واضح أنه مرسل، لأنه مجاهد بن جبر هو الذي نقله عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وفي سنده أيضاً إبهام، فلا يعني يقوى على الاستدلال به.
الدليل الثالث ما نقل عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ينهاكم عن التعري، فاستحيوا من الملائكة الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند الغائط والجنابة والغسل، فإذا اقتصر أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بحائط. لكن لم يتم الوقوف على إسناد هذا الحديث عن ابن عباس، والمعروف أن هذا الحديث عن ابن عمر كما سبق وليس عن ابن عباس، وأحاديث ابن عمر ضعيفة. فباختصار يعني الأدلة التي استدل بها أصحاب القول الثاني ليست أدلة قوية ثابتة في السنة يمكن الاعتماد عليها، وإنما أحاديث فيها ضعف. إذاً، القول الثاني يرى أن الكرام الكاتبين يفارقون الإنسان عند الخلاء وعند الجماع، وزاد بعضهم عند الاغتسال.
القول الثالث من يقول: إن الثابت في الكتاب والسنة، إذاً القول الأول ما هو يا شيخ أنس؟ أنهم لا يفارقون أبداً، الجزم بأنهم لا يفارقون أبداً. القول الثاني: أنهم يفارقون في أحوال محددة. القول الثالث: يقول الثابت في الكتاب والسنة أن كل عبد موكل به ملكان يرقبان حركاته وسكناته ويكتبان أفعاله ويحصيان عليه كل ما يصدر منه، سواء كان عمل خير أو عمل معصية، وسواء كان في محل كريم أو في مكان مهين، لكن لم يرد في الكتاب والسنة تفسير لكيفية هذا الإحصاء، وهل يستلزم هذا الإحصاء دخول الملائكة مع العبد في كل مكان يدخل فيه وبقاؤهم معه في تفاصيل كل عمل يعمله؟ أو أن الله خلق فيهما من القدرة ما تمكنهما من معرفة الأعمال وكتابتها من غير حاجة إلى مصاحبة العبد في كل مكان يدخل فيه؟
يعني هذا الرأي إيش يا رب؟ أنه ما عندنا تفاصيل أم طبيعة علاقة الكرام الكاتبين بنا؟ هل يدخلون معنا في كل الأماكن؟ لا يدخلون معنا في كل الأماكن. هل هم ملازمون لنا؟ ما عندنا تفاصيل. نحن ما نعرفه أن هناك ملائكة تكتب تفاصيل علاقتهم فينا، ما عندنا شيء نجزم أنهم دائماً معنا، ولا شيء نجزم به أنهم أحياناً قد يفارقوننا، ما عندناش تفاصيل نجزم من خلالها. والذي ينبغي في ذلك ألا يتكلم المرء في مثل تلك الأمور الغيبية من غير دليل من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإسناد العلم في ذلك إلى الله عز وجل، والإيمان بأن كل ما يصدر من العبد محصن عليه، وهذا كاف في هذا الباب.
يقول السيوطي رحمة الله عليه، انظر ماذا قال السيوطي؟ يقول: وأما السؤال عن دخول الكاتبين آه، أو الملائكة الكاتبين إذا كانت على التثنية، وأما السؤال عن دخول الكاتبين الخلاء فجوابه: أنا لا نعلم، يعني الله أعلم، يدخلون لا يدخلون؟ الله أعلم. ولا يقدح عدم علمنا بذلك في ديننا. وجملة القول فيه: أنهما إن كانا مأمورين بالدخول دخلا، وإن أكرمهما الله عن ذلك وأطلعهما على ما يكون من الداخل مما سبيلهما أن يكتبا فهما على ما يؤمران به.
فالسيوطي إذاً بقول لك المسألة ما عندناش فيها دليل، ويمكن هكذا ويمكن هكذا، والتوقف في هذا الأمر أسلم، والله تعالى أعلم. إذاً، هذه قضية الإيمان بالملائكة الكرام الكاتبين.
نذهب إلى قضية ما ذكروا بعد ذلك، قالوا: نؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين. فنقول: الله عز وجل قال في كتابه: قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ. فهذه الآية بتثبت أن هناك ملك يسمى ملك الموت. وما جاء في بعض المصنفات من أن هذا الملك اسمه عزرائيل فهذا ليس ثابتاً في الحقيقة في الأحاديث الصحيحة التي يعتمد عليها، وإنما أكثرها من الإسرائيليات. وملك الموت يتولى قبض الأرواح واستخراجها، ثم يأخذها منه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب ويتولونها بعد ذلك، كل ذلك بإذن الله وقضائه وأمره وحكمه.
طيب، طب ملك الموت هل هو واحد أم متعددون؟ الحقيقة ملك الموت أحبابي واحد، لكن الله سبحانه وتعالى أمده بأعوان. الله سبحانه وتعالى أمده بأعوان، هذا لا حرج فيه. نقول ملك الموت واحد كما هو ظاهر حديث الصحيحين: أن موسى عليه السلام جاءه ملك الموت فقال: أجَب ربك، كما مر معنا في شرح رواية الاعتقاد، وكما دل عليه قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ. غير أن ملك الموت له أعوان يساعدونه، والدليل على ذلك ما هو؟ قوله سبحانه وتعالى: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ. فقال: تَوَفَّتْهُ ماذا؟ رسلنا فجمع. فهذا يدل على أن له أعواناً. وقال: حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ، حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ، فذكرها أيضاً الرسل مجموعة.
قال الإام الطبري: فإن قال قائل: أوليس الذي يقبض الأرواح ملك الموت؟ فكيف قيل توفته رسلنا والرسل جملة وملك الموت واحد؟ أوليس قد قال: قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ؟ إذاً كيف جمعت؟ قيل جائز أن يكون، هذا كلام الطبري يقول: جائز أن يكون الله تعالى ذكره، أن يكون الله تعالى ذكره أعان ملك الموت بأعوان من غيره فيتولون ذلك بأمر ملك الموت، فيكون التوفي مضافاً إليه أي إلى ملك الموت وإن كان ذلك من فعل أعوان ملك الموت إذ كان فعلهم ما فعلوه من ذلك بأمره، كما يضاف قتل من قتل أعوان السلطان آه وجلد من جلدوه بأمر السلطان إلى السلطان، كما يضاف قتل من قتل أعوان السلطان وجلد من جلدوه بأمر السلطان إلى السلطان وإن لم يكن السلطان باشر ذلك بنفسه ولا وليه بيده.
يعني باختصار أن ملك ملك الموت له أعوان، فلما أعوانه عندما يقبضون الأرواح ينسب قبض الأرواح إلى ملك الموت لأنه هو الذي أمرهم بالقبض. يعني كيف مثلاً نقول: هذا الرجل من الذي قتله؟ فيقولون قتله السلطان، وفي الواقع بيكون السلطان مش هو اللي قtله، هو يكون أمر بقتله، لكن ينسب جميع القتل إلى السلطان لأنه هو الذي أمر جنوده وجلاديه بعملية القتل. وكذلك الفلسفة في عملية ملك الموت؛ لماذا يقال ملك الموت هو الذي يقبض الأرواح مع أن له من يعاونه ويسانده؟ لأنه ملك الموت كأنه له أعوان، وأعوانه ينفذون أمره، فإذا أمرهم بقبض روح فلان ذهبوا فقبضوا روحه، فينسب القبض إلى ملك الموت لأنه هو الآمر بذلك.
قال مجاهد: جعلت الأرض لملك الموت مثل الطست يتناول من حيث شاء، وجعلت له أعوان يتوفون الأنفس التي يقبضها منهم. وعن عبد الله بن جعفر عن أبيه: سألت الربيع بن انس عن ملك الموت، أهو وحده الذي يقبض الارواح؟ قال: هو الذي يلي أمر الارواح وله أعوان على ذلك، ألا تسمع لقوله تعالى: حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ، وقال: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا؟ غير أن ملك الموت هو الذي يسير أو يسير كل خطوة من ذلك من المشرق إلى المغرب.
إذاً، واضح من كلام يعني هذه الآثار التي نقلت وكلام السلف أن ملك الموت له أعوان يساعدونه في قبض الأرواح، وهذه الأعوان هي إنما تباشر أعمالها بناءً على أمره، إنما تباشر أعمالها بناءً على أمره، فهذا فيما يتعلق بقضية ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين.
ثم قال: وبعذاب القبر لمن كان له أهلاً، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضوان الله عليهم، والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.
ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة والعرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب والصراط والميزان. هنا ذكر مجموعة من المراحل علينا أن ندرسها تباعاً، ندرس ما شاء الله واحدة تلو الأخرى تباعاً حتى نصل آه يعني إلى آخرها إلى موضوع الجنة والنار، لكن يعني لا اريد أن أطيل عليكم أكثر من ذلك اليوم، وأتفقث مع الأخ يكون الدرس ساعة واحدة حتى الإنسان يخفف على نفسه قليلاً في هذه الأيام لكثرة الأشغال وازدحامها.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل