تسجيل الدخول

شرح العقيدة الطحاوية (35) / مسائل الدار الآخرة + الاستطاعة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبابي الكرام لمجلس جديد نعقده في مدارسة شرح العقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر الطحاوي رحمة الله تعالى عليه. وصرنا أحبابي مع الإمام الطحاوي إلى مشاهد اليوم الآخر، وتكلمنا عن شيء من مشاهد البرزخ، تكلمنا عن شيء من مشاهد البرزخ وبدأنا بقضية الحديث عن ملك الموت.

اليوم بإذن الله نكمل ما بقي علينا من مشاهد البرزخ واليوم الآخر، ونتكلم أيضاً عن بعض المسائل التي اتبعها الإمام الطحاوي رحمة الله عليه، ونحن في الجملة نسير في القسم الأخير من هذه العقيدة، نسأل الله سبحانه وتعالى التمام على خير.

ومسائل السمعيات كما كررت مراراً وتكراراً هي مسائل تعتمد على النقل في جملتها، مسائل تعتمد على النقل والسمع وليست من المسائل العقلية، فهي تتعلق بغيب لا نشاهده ولكن العقل لا يحيله.

يقول الإمام الطحاوي رحمة الله عليه: ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين، وبعذاب القبر لمن كان له أهلاً، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه. لاحظ أنه تكلم عن قضية عذاب القبر، تكلم عن قضية فتنة القبر، وهو سؤال منكر ونكير في القبر عن الرب والدين والنبوة على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وقالوا: والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.

ثم انتقل لمشاهد الدار الآخرة فقالوا: ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب، والصراط والميزان. ثم قال: والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبداً ولا تبيدان، فإن الله خلق الجنة والنار قبل الخلق وخلق لهما أهلاً، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه.

إذاً أحبابي الكرام دعونا سريعا نختصر هذه المشاهد ونعلق عليها تعليقاً يتناسب بهذا الشرح المختصر. نبدأ بقضية عذاب القبر ونعيمه. سأعود إلى قضية عذاب القبر ونعيم القبر فأقول مستعيناً بالله: يعتقد أهل السنة والجماعة ويتبعهم على ذلك جمهور الفرق الإسلامية من الأشاعرة والماتريدية، بل حتى المعتزلة على الصحيح يتبعون أهل السنة والجماعة في إثبات عذاب القبر ونعيمه.

وهذه المسألة كما قلنا مسألة معتمدها السمع والنقل، وليست مسألة عقلية وليس للعقل مجال في إثباتها أو في رفضها بناء على عدم مشاهدته. يعني بعض الملحدين المعاصرين أو المشككين المعاصرين أو الحداثيين المعاصرين ينكر عذاب القبر بحجة أننا إذا فتحنا قبر الموتى من المشركين ومن شابهم لا نرى عذاباً لهم، وفي الحقيقة هذه الحياة الحياة البرزخية حياة تختلف تماماً بتفاصيلها عن الحياة الدنيا، فكونك لم ترى هذا الشيء أو لا تستطيع رؤيته لا يعني هذا عدم وجوده.

هذه قاعدة مغلوطة في الاستدلال، كوني لا أرى الشيء هذا لا يعني أنه ليس موجوداً، طيب يكفي أن ترى آثاره أصلاً يعني أو شيئاً من آثاره فهذا يساعدك على أن تؤمن به أكثر وأكثر. فالمهم وليس للأخذ مجال في إثباته أو رفضها بناء على عدم مشاهدته لها كما يدعي أصحاب الفكر المادي المعاصر، وتجد بعض كتب الاعتقاد، وهاي انتبهوا لها الفكرة أحبابي، نجد أن بعض كتب الاعتقاد تنسب إلى المعتزلة أنهم ينفون عذاب القبر.

لكن هذه النسبة ليست دقيقة في الحقيقة، فقد قال القاضي عبد الجبار المعتزلي وهو من أئمة الاعتزال ومن أئمة المنظرين لفكر الاعتزال، قال في كتابه شرح الأصول الخمسة، فصل في عذاب القبر وجملة ذلك هكذا قال: وجملة ذلك أنه لا خلاف فيه بين الأمة إلا شيء ينقل عن ضرار بن عمرو وكان من أصحاب المعتزلة ثم التحق بالمجبرة.

إذاً القاضي عبد الجبار يبين لنا أن قضية نفي عذاب القبر إنما تنسب لبعض المعتزلة بن عمرو، وهذا شخص كان معتزلياً ثم التحق بالمجبرة، أن ينسب إلى المعتزلة عموماً أنهم ينفون عذاب القبر هذا ليس بسديد، ثم ذكر عبد الجبار رحمة الله عليه النصوص المثبتة لعذاب القبر.

طيب سريعا نقول: ما أهم الأدلة التي تدل على ثبوته؟ استدل أهل العلم على عذاب القبر بالعديد من الأدلة أحبابي الكرام من الكتاب والسنة، وإن كانت نصوص القرآن بالتحديد القرآن نصوصه لم تصرح بشكل قطعي بكلمة عذاب القبر، لكن نصوص السنة متواترة بشكل قطعي على إثباته وعلى هذه اللفظة، قضية عذاب القبر وكفى بذلك حجة.

طيب دعونا نستعرض الأدلة القرآنية التي أشارت إشارة إلى موضوع عذاب القبر وإن لم تتكلم عنه صراحة كما قلنا، فمن ذلك قوله تعالى في قوم فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ. النار يعرضون عليها غدواً وعشياً، هذا العرض متى يكون؟ الظاهر من سياق الآية أن هذا العرض قبل يوم القيامة، لأنه ايش قال؟ قال بعد ذلك: ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب. فهذا يدل أن العرض إنما كان في فترة الحياة البرزخية، إذاً دلت الآية على أن فرعون وقومه كانوا يعرضون على النار قبل يوم القيامة، وحين تقوم الساعة يقال لهم ادخلوا النار، والعرض على النار في الحياة البرزخية هو شكل من أشكال التعذيب، وقد استدل بهذه الآية عدد كبير من علماء السلف والخلف على إثبات عذاب القبر، منهم الإمام البخاري رحمة الله عليه في صحيحه، والإمام مجاهد بن جبر تلميذ ابن عباس.

أيضاً من الأدلة على عذاب القبر قوله تعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ. سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم. فذهب جمهور السلف إلى أن أحد العذابين المقدمين على عذاب النار هو عذاب القبر، فقوله تعالى سنعذبهم مرتين جمهور السلف على أنهم يعذبون في الحياة الدنيا ويعذبون في قبورهم، وعند يوم القيامة سيردون إلى عذاب عظيم، لان الله عز وجل قال سنعذبهم مرتين، متى هاتان المرتان؟ فذهب الجمهور إلى أنهما واحدة في الدنيا وأخرى في القبر، ثم يوم القيامة يردون إلى عذاب عظيم. هذه بالنسبة لأدلة القرآن، وكما تلاحظون هي ليست صريحة نص في كلمة عذاب القبر لكنها تشير إلى هذه القضية بشكل واضح لمن نور الله بصيرته.

أما بالنسبة لأدلة السنة فنقول: ورد في كتب السنة عدد كبير من الأحاديث تتكلم عن عذاب القبر وعن أنواعه ومن يستحقه وبعض التفاصيل المتعلقة به تصل إلى حد التواتر المعنوي الذي لا يجوز جحوده، وممن حكم بتواتر أدلة عذاب القبر الإمام ابن تيمية، والامام ابن القيم، والامام ابن رجب وغير هؤلاء، ومن أشهر هذه الأحاديث حديث الاستعاذة من عذاب القبر في دبر كل صلاة الوارد في البخاري ومسلم.

فنحن في ختام الصلاة دائماً بعد التشهد والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام نقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. لاحظوا ايش نقول؟ اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، حديث متفق عليه، فنستعيذ بالله من عذاب القبر صراحة.

ومن ذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: فلولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر. حديث في صحيح مسلم وهذا صريح في إثبات عذاب القبر أيضاً والأحاديث كثيرة ليس هذا موطنها.

طيب هناك سؤال يطرح: على ماذا يقع عذاب القبر؟ هل عذاب القبر يقع على الروح فقط، أم على الجسد فقط، أم الروح والجسد معاً؟ نقول: هذه مسألة من مواطن الخلاف بين أهل العلم، وقد ذكر فيها ثلاثة أقوال.

القول الأول: أن عذاب القبر يقع على الجسد فقط دون الروح، وهذا القول قالت به الفرقة الكرامية ونسب إلى الإمام ابن جرير الطبري رحمة الله تعالى عليه، لكن هذا القول ليس بدقيق أن نقول إن عذاب القبر على الجسد دون الروح هذا القول ليس بدقيق.

القول الثاني: أنه يقع على الروح فقط وليس له علاقة بالبدن بناء على أن البدن يتحلل، وهذا القول هو الذي نصره ابن حزم الظاهري عليه رحمة الله.

القول الثالث: أنه يقع على الروح والجسد معاً، وهذا القول هو الذي كان عليه جمهور السلف والخلف، بل عد ابن تيمية رحمة الله عليه الرأيين السابقين شاذين لا التفات إليهما، ولكن من قال بالرأيين السابقين؟ لا نعتبره صاحب بدعة مغلظة أو ننكر على متابعته، وإنما نقول الكلام عن القول الأول والثاني مرجوح ضعيف الأصل أن لا يلتفت إليه، ولكن بعض مسائل العقيدة لأنها ليست محسومة حسماً قاطعاً فيصعب تبديع المخالف فيها مثل هذه المسألة، والله تعالى أعلم.

وأصلح أدلتهم على ذلك ما ورد في حديث البراء بن عازب الطويل في أهوال الدار الآخرة لما أتى لذكر عذاب القبر قال النبي صلى الله عليه وسلم: ثم تعاد روحه في جسده. في حديث البراء بن عازب اقرؤوه، حديث البراء بن عازب لما تكلم عن أهوال الموت وما يلاقيه الميت وكيف تكون حياته البرزخية، تكلم النبي صلى الله عليه وسلم وأشار إلى قضية عذاب القبر في هذا الموطن، قال عليه الصلاة والسلام: ثم تعاد روحه إلى جسده، أو ثم تعاد روحه بجسده. فنص على عودة الروح إلى الجسد، وهذا من أقوى وأظهر الأدلة الدالة على أن الروح لها ارتباط بالجسد في الحياة البرزخية، لكنه ارتباط ليس كمعقولنا نحن الذين نعيش في الحياة الدنيا. إذاً هناك ثلاثة أقوال على ماذا يقع عذاب القبر، والصواب أنه يقع على الروح والجسد معاً.

بعد ذلك أشار الطحاوي إلى فتنة القبر. وموضوع عذاب القبر يختلف عن موضوع فتنة القبر، عذاب القبر هو العذاب الذي يستحقه من قدر الله عز وجل وكتب عليه أن يعذب في قبره من أهل المعاصي الذنوب الشرك. فتنة القبر لا، هذا شيء يعم الجميع، والمراد بفتنة القبر هو سؤال الملكين منكر ونكير للعبد في قبره عن ربه ودينه ونبيه.

فنقول: المراد من فتنة القبر سؤال الملائكة للناس في قبورهم عن ربهم ودينهم ونبيهم، ويكون هذا السؤال قبل البدء بعذاب القبر أو نعيمه، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ أحبابي الكرام من فتنة القبر كما يستعيذ من عذابه، والبعض فسر قوله: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات. البعض فسر فتنة الممات بأنها سؤال الملكين في قبره، فتنة المحيا أي فتنة الحياة الدنيا بزخارفها، وفتنة الممات أي البعض فسرها بفتنة الملكين في القبر، وهذا يكون للجميع للمسلمين ولغيرهم.

وقد قال عليه الصلاة والسلام إنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثل أو قريبة من فتنة المسيح الدجال. وهذا أحبابي الكرام من الأحاديث المخيفة التي تجعل الإنسان يعني يرغب ويحسب حساب لمثل هذه المشاهد، نحن في الحياة الدنيا نلهو ونعبث ونعيش في الدنيا في مرح وغفلة عن الدار الآخرة، ولكن الله سبحانه وتعالى يقول: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ.

والله يا أحبابي الكرام إن الساعات القادمة ساعات صعبة، ساعة الموت وساعة فتنة القبر وسؤال منكر ونكير والأهوال التي ستأتي بعدها ساعات صعبة، علينا أن نعد لها العدة بقيام الليل بقراءة القرآن بالذكر بالعلاقة الصحيحة مع الله سبحانه وتعالى بالابتعاد عن الذنوب والمعاصي، فإنها ساعات عسر تحتاج إلى مستوى عالي من الإيمان والرقي في العلاقة مع الله سبحانه وتعالى.

أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن عاش هذه الحياة الدنيا على صلاح، وانشغل بما ينفعه وأعرض عن ذنوبه ومعاصيه، نسأل الله سبحانه وتعالى المغفرة والرحمة أنه ولي ذلك والقادر عليه.

جاء في بعض الأحاديث أحبابي الكرام استثناء بعض الناس من قضية فتنة القبر: أولاً: الشهيد، الشهيد يعصم من هذه الفتنة اكتفاء ببارقة السيوف فوق رأسه كما جاء في الآثار، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كفى ببارقة السيوف فوق رأسه فتنة. فالإنسان الذي يبذل مهجته وروحه في سبيل الله ويفعل هذا الفعل البطولي العظيم وويضحي مع أنه يرى المدافع وأزيز الطائرات والنيران ومع ذلك يصر على بذل روحه ومحجته لله عز وجل، الله عز وجل يكافئه على بأن يقيه من فتنة القبر.

ثانياً: من يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة، بناء على الحديث الذي رواه عبدالله بن عمرو قال صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر. حديث رواه الإمام أحمد في مسنده وحسنه طائفة من أهل العلم وإن كان البعض يضعفه، لكن هناك طائفة لا بأس بها حسنت هذا الحديث، ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر.

أيضاً ثالثاً: الرباط في سبيل الله وملازمة ثغور المسلمين، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن صاحبها هي أمان الفتانان، والمراد بفتانين منكر ونكير. إذاً الشهيد ومن يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة والمرابطون في سبيل الله على ثغور المسلمين، هؤلاء ممن يقيهم الله عز وجل هذه الفتنة.

وقد دلت الآثار على أن عدد الملائكة التي تسأل الميت في قبره اثنان، وجاء تسميتهما في بعض الأحاديث بأن أحدهما منكر على اختلاف في فتح الكاف أو كسره يقال منكر أو منكر والآخر نكير، لكن الحديث الذي وردت فيه هذه التسمية هذا الحديث ضاعفه طائفة من المحققين، الحديث الذي ورد فيه التسمية ومنكر ونكير ضعفه طائفة من

محققين، لكن نلاحظ أن الإمام الطحاوي رحمة الله عليه في عقيدته سماهما منكر ونكير، فبالتالي المسألة تبقى قابلة للاجتهاد والنظر. بعد قضية عذاب القبر وفتنة القبر، انتقل الطحاوي لقضية البعث وما بعد ذلك، فنبدأ أهوال يوم القيامة نسأل الله السلامة والعافية، نبدأ بقضية البعث بعد الموت.

ويقصد ماذا يقصد بمفهوم البعث بعد الموت؟ يقصد بالبعث بعد الموت أحبابي الكرام، يقصد به بعث الناس من قبورهم أجساداً أرواحاً ليحاسبوا، يعرضوا على الله سبحانه وتعالى. ثم يذهب كل إنسان إلى مصيره من الجنة أو النار، أن يبعث الناس من قبورهم تارة أخرى للحساب والعرض على الله سبحانه وتعالى، ثم الله عز وجل يقضي بهم إما إلى الجنة، وأسأل أن أكون أنا وإياكم ومن يقضى به إلى جنات النعيم، أو يقضى بهم إلى النار، وأعوذ بالله وأعيذكم بالله أن نكون ممن يقضى بنا إلى النار.

وقد أجمع على البعث أهل الإسلام وأصحاب الأديان السماوية عموماً، وإنما أنكره بالكلية الدهريون من العرب الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة، الدهريون من عرب الجاهلية والماديون من الفلاسفة، الفلاسفة الماديون الذين لا يؤمنون بعالم خلف هذا العالم الذي نحيا فيه، فالدهريون من عرب الجاهلية والماديون من الفلاسفة قديماً وحديثاً ينكرون شيئاً اسمه الدار الآخرة وأن هناك بعثاً. والذي عليه أهل السنة والجماعة أحبابي الكرام، أن البعث يكون للروح والجسد معاً، والمقصود ببعث الجسد هو إرجاع حقيقة الإنسان وصورته، إرجاع حقيقة الإنسان وصورته التي كان عليها في الدنيا، فإن كل إنسان منا له صورة وخصائص شكلية تميزه عن أقرانه، فحتى لو تلف جلده في الحياة الدنيا وتحلل في القبر وخرج له جلد مكانه تالي فإنه هذا الجلد الذي يخرجه الله عز وجل لك مرة أخرى للدار الآخرة سيحافظ فيه على الشكل والصورة، مع أنه الجلد قد تغير لكن نفس الشكل والصورة تحافظ عليها.

وهكذا الشأن أحبابي الكرام في البعث في الدار الآخرة، الآن يعني أنت في الحياة الدنيا فقط، لنفترض لو أنك أصبت بحريق عافاني الله وإياك وتساقط اللحم والجلد عن وجهك وعن أعضائك ولكن الله كتب لك الحياة فعاد الجلد بالظهور مرة أخرى على وجهك ووجنتيك ويديك، الجلد عاد للظهور مرة أخرى وسيبقى حقيقتك على ما هي نفس الخصائص الشكلية العامة ستبقى لك، فكذلك الأمر في الدار الآخرة. الجلد يتحلل في القبور، لكن عندما يبعثنا الله مرة أخرى ويبدأ الجلد بالظهور مرة أخرى، فإن الله سبحانه وتعالى يعيدنا على نفس خصائصنا الشكلية، إذاً وهكذا الشأن في بعث الآخرة، أن الله يمنح العبد جسداً ينبت من عجب الذنب كما جاء في الآثار، هذا الجسد يمتلك نفس الصورة والخصائص الشكلية التي كان عليها هذا الإنسان في الحياة الدنيا، وإن كان هو كجلد وعظم عبارة عن خلق جديد، أنت في الدار الآخرة كجلد وعظم هو شيء جديد، لكن نفس المواصفات الخلقية التي كانت في الحياة الدنيا والذي خلق الإنسان أول مرة على هذا الشكل قادر بالتأكيد على أن يعيده مرة أخرى عليه.

قال سبحانه وتعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ. إذاً هذا بالنسبة لموضوع البعث. ننتقل إلى موضوع الحشر، حشر بعد البعث، ونقول الحشر هو جمع الناس في مكان واحد بعد بعثهم من قبورهم، حيث يحشر الناس عراة حفاة أي لا يوجد نعال ينتعلونها، غرلا أي غير مختونين، بهماً أي لا يوجد معهم أي شيء، كما جاء في وصف المحشر: يحشر الناس عراة حفاة غرلا بهماً. وتكون أرض المحشر أرضاً بيضاء، قالصة البياض من أنفس الأراضي، ولا يعرف هذه الأرض أحد من الناس، كما قال تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ.

لكن هناك استشكال جاء في الاحاديث أن الإنسان يبعث على ما مات عليه، وهنا قلنا إن الناس كلهم أو أن الناس كلهم يحشرون على حالة واحدة يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهماً، فكيف يجمع بين هذه النصوص وهذه النصوص؟ هناك نصوص تدل على أن الانسان يبعث على ما مات عليه، من مات في فجور يبعث في فجور، ومن مات يسمع الغناء يبعث يسمع الغناء، من مات وهو يعاشر امرأة بالحرام والعياذ بالله يبعث وهو يفعل الحرام، ومن مات ملبياً حاجا يبعث ملبياً حاجا، من مات في صلاة يبعث مصلياً، كيف يجمع بين هذه الاحاديث والأحاديث التي تدل على أن الناس يحشرون يوم القيامة على صفة واحدة حفاة عراة غرلا بهماً؟ فنقول الجواب، أن الناس يبعثون على هذه الحال التي ماتوا عليها، ثم حينما يأتي وقت الحشر يصبحون كلهم حفاة عراة غرلا بهماً فيساقون إلى أرض الحشر، يعني أنت عندما تبعث ابتداءً تبعث على الحالة التي مت عليها، لكن لما تأتي مرحلة الحشر هنا الكل يتوحد ويصبح على هيئة واحدة حفاة عراة غرلا بهماً، فهذه مرحلة وهذه مرحلة أخرى فلا تعارض بإذن الله.

وقد دلت النصوص على أن الناس يطول وقفهم في أرض الحشر وتدنو الشمس منهم، ويتصبب العرق كل يتصبب عرقه على قدر ذنوبه إلى أن يأتي صاحب الشفاعة العظمى بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه فيشفع عند الله سبحانه وتعالى لبدء الحساب، وقد تكلمنا عن الشفاعة العظمى فيما سبق من هذه الدورة.

سريعاً قبل أن أقبل أحبابي الكرام دعوني أتكلم عن ترتيب مشاهد الدار الآخرة، لو هيك تكلمنا أحاديث السنة النبوية على ماذا تشير في قضية ترتيب مشاهد اليوم الآخر؟ ما هو أول مشهد؟ ثاني مشهد؟ ثالث مشهد؟ فدعونا نعرف المشاهد ثم نكمل هذه المشاهد سريعاً، فنقول الذي يظهر أحبابي الكرام من الأحاديث النبوية ومن استقرائها أن المشاهد تكون على النحو التالي. أولاً مشهد البعث، ثم بعد ذلك يأتي مشهد الحشر وما يعقبه من أهوال كدنو الشمس وسيلان العرق من الناس، ثم تأتي الشفاعة العظمى من الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ليشفع عند الرب في بدء الحساب، ثم بعد ذلك يأتي مجيء الله سبحانه وتعالى بملائكته لفصل القضاء بين الناس، ثم يبدأ عرض الخلائق على الله سبحانه وتعالى واحداً واحداً وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً، ثم بعد العرض على الله ثم تتطاير الصحف، ثم تتطاير الصحف، ثم بعد أن تتطاير الصحف ثم الحساب وما فيه من أهوال، ثم بعد أن تتطاير الصحف ويأخذ كل إنسان كتابه إما باليمين أو بالشمال بعد ذلك يبدي الإنسان بصحيفته ويعرضها على الله سبحانه وتعالى ويحاسبه الله عز وجل، وهناك من يعرض عرضاً على الله الحساب اليسير وهناك من يحاسبه الله ويناقشه في كل مسألة وهذا يعذب نسأل الله العفو والعافية.

إذاً ثم تطاير الصحف ثم الحساب على ما في هذه الصحف ثم بعد ذلك القصاص بين العباد فمن كان له مظلمة من أخيه يأخذها، ثم بعد أن يقتص الله عز وجل للمظلوم من الظالم تأتي الموازين مرحلة الموازين فتوزن الأعمال في الموازين في كفة السيئات وكفة الحسنات، ثم من رجحت حسناته يقضى به إلى الجنة ومن رجحت سيئاته يقضى به إلى النار، ثم يأتي مكتبة الحوض وهذه تكون قبل الصراط كما تعلمنا مسبقاً، فيأتي الناس لحوض النبي صلى الله عليه وسلم أهل الإسلام إلى حوض النبي صلى الله عليه وسلم يشربون ويأتي اتباع كل نبي إلى حوض نبيهم، ثم يأتي الصراط مرحلة الصراط وسنذكر إن شاء الله، ثم بعد ذلك القنطرة التي بعد الصراط وهذه إنما يصل إليها أهل الإيمان والصراط من كتب له أن يلقى في النار سيسقط منه في نار جهنم، ومن كتب من أهل السعادة فإنه يتجاوز الصراط إلى القنطرة وعند القنطرة يتصافى المؤمنون بعضهم مع بعض ثم يدخلون إلى جنات النعيم، أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يكون من أهل هذه الجنات والديار.

إذاً سريعاً نعلق على قضية تطاير الصحف هذا المشهد أيضاً أنه أشار إليها الطحاوي في قوله وقراءة الكتاب، نشير أو ابتداءً قبل إلى قراءة الكتاب على موضوع تطاير الصحف، فنقول تطاير الصحف هو ذات ونشر دواوين حيث دلت نصوص الكتاب والسنة أن صحف الأعمال توزع على العباد يوم القيامة عن طريق التطاير وكل انسان يقع كتابه بيده، قال تعالى: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا. وقد دلت النصوص على اختلاف الناس في طريقة تلقي هذا الكتاب، فأما المؤمن الطائع فيتلقى كتابه بيمينه، وأما الكافر فيتلقى كتابه بشماله من وراء ظهره هكذا نسأل الله العفو والعافية، وأما المؤمن العاصي فاختلف العلماء فيهم فقيل يتلقونها باليمين مثلهم مثل المؤمنين الطائعين، وقيل بل يتلقون كتبهم بالشمال لكن ليس من وراء ظهورهم بل من الأمام، والبعض قال الله تعالى أعلم فلا ندري كيف يتلقون كتابهم؟ البعض التزم السكوت في هذه المسألة لعدم وجود الدليل الواضح.

هذي قضية تطاير الصحف بعد ذاك وش اللي قضية الحساب؟ ويقصد بالحساب توقيف الله سبحانه وتعالى عباده قبل الانصراف من المحشر على أعمالهم خيراً كانت أو شراً، والفرق بين العرض والحساب أن العرض هو الحساب اليسير، العرض حساب يسير ويكون لأهل الإيمان والله سبحانه وتعالى يتجاوز عنهم وينزل عليهم ستره ويدخلهم جنات النعيم، واما الحساب الذي فيه مناقشة قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من نوقش الحساب فقد عذب، أن من نوقش الحساب فقد عذب نسأل الله العفو والعافية، والصحيح الذي دلت عليه النصوص أن الجميع يخضع لمشهد الحساب، طبعا أحياناً يطلق الحساب ويدخل تحته العرض وهذا هو المراد هنا الحساب بمعنى الذي يشمل العرض، الجميع يخضع لهذا المشهد الأنبياء المؤمنون الكافرون الجن، فقالوا ربما يسأل سائل ما الفائدة من حساب الكافرين وقد قطع لهم بالنار بسبب كفرهم يعني لماذا يحاسبون مع أننا نقطع لهم بالنار؟ الجواب هو أن حساب الكفار أحبابي وإيقاف الله سبحانه وتعالى لهم على جرائمهم ليس لموازنة الحسنات والسيئات مثل المؤمنين، وإنما الحساب للكفار لإحصاء أعمالهم وإيقافهم على جرائمهم فهو حساب مقصده التوبيخ والتقريع والزجر ليزدادوا ألماً على آلامهم.

هذا بالنسبة للحساب، ننتقل لقضية الميزان كون الطحاوي رحمة الله عليه أيضاً أشار إلى موضوع الميزان، فنقول دلت النصوص على أن الله سبحانه وتعالى ينصب ميزاناً يوم القيامة ميزان حقيقي له كفتان وليس كما يتأوله بعض المبتدعة أن المراد بالميزان هو العدل بين العباد وليس شيئاً حقيقياً محسوساً، بعض الفرق يعني تنتهج منهج التأويل وترى أن التأويل هو الذي يعني يصوغ لها في كل نصوص الشارع الحكيم.

الله سبحانه وتعالى يقول: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ. فكما قلنا الفرق التي تهوى وتعشق التأويل دائماً ما تحرف النصوص عن ظاهرها لأدنى ملابسة، فقالوا الميزان المراد به هنا تحقيق العدل بين العباد وليس ميزاناً حقيقياً له كفتان، لكن الصحيح والذي دلت عليه النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة بل هو ميزان حقيقي له كفتان، ما الذي يوزن فيه؟ هذا سيأتي، لكن لابد أن تؤمن أولاً أنه ميزان حقيقي له كفتان.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن المعتزلة مختلفون فيما بينهم في إثبات الميزان وليسوا متفقين على نفيه أو تأويله بالعدل كما نسب البعض إليهم، والبعض يقول للمعتزلة كلهم يأولون الميزان بالعدل، وفي الحقيقة لا هم أنفسهم مختلفون فيما بينهم، بعضهم يؤوله بالعدل وبعضهم ينفيه وبعضهم يثبت ميزاناً حقيقياً على طريقة أهل السنة.

وقد اختلف أهل العلم في الشيء الذي يوزن داخل هذا الميزان على أربعة أقوال. القول الأول من يقول الذي يوزن هي نفس الأعمال يصيرها الله سبحانه وتعالى على شكل مادة محسوسة توضع في الميزان، والله سبحانه وتعالى قادر على أن يحول الأمور المعنوية إلى أمور محسوسة، كما أن الموت يذبح بين الجنة والنار كيف يذبح؟ أن الله يصيره على شكل كبش وهذا الكبش يذبح، فالله سبحانه وتعالى قادر على أن يصور هذه الحقائق المعنوية على شكل حقائق ملموسة توضع في الميزان. إذاً القول الأول أن الذي يوزن هو الأعمال.

القول الثاني أحبابي الكرام أن الذي يوزن هو العامل نفسه، ومنه قوله تعالى: فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا كما ورد في سورة الكهف كما أخبر عن الكفار قال: فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا. فجاء في تفسيرها أن الكافر يوضع في الميزان فيطيش الميزان به، فهذا ذهب إليه البعض أن الذي يوزن هو نفس العامل.

القول الثالث أن الذي يوزن هو صحائف الأعمال، صحيفة عملك، صحيفة الأعمال هي التي توزن بما فيها من الخير والشر.

والقول الرابع يقول الذي يوزن كل ما سبق، والذي يوضع في الميزان الأعمال والعامل وصحيفة العامل، هذه ثلاث أشياء. وبعضهم رجح القول الرابع وبعضهم رجح القول الثالث، والمسألة أحبابي الكرام تلاحظون مسألة اجتهادية ليست من أصول مسائل الاعتقاد، فإذا آمن الشخص بأن هناك ميزان حقيقي ثم اختلف بعد ذلك ما الذي يوزن فيه بالضبط؟ فهذه مسألة تقبل الاجتهاد لأنه لا يوجد نص حاسم فيها.

طب سؤال: هل توزن أعمال الكفار كون الكافر محسوم أنه إلى نار جهنم؟ هل توزن أعمال الكفار؟ نقول الصحيح من كلام أهل العلم أحبابي أن أعمال الكفار توزن عليهم لا لأن لهم حسنات تقابل السيئات، إنه البعض بيقول لك يعني لماذا توزن أعمال الكفار إذا ما في إلهم حسنات؟ ما هم كلهم كفار أعمالهم ليس لها حسنات عند الله سبحانه وتعالى؟ نقول وزن أعمال الكفار هو من أجل إظهار العدل الإلهي، طبعا هل نحن نجزم بأن أعمال الكفار ستوزن؟ البعض قال لا، البعض قال مسألة أن الكفار توزن أعمالهم ليس بصحيح.

الذي يزرع أعمالهم أهل الإيمان؛ لأنهم عندهم حسنات وسيئات. البعض قال: لا، حتى الكفار توزن أعمالهم لإظهار العدل الإلهي، وهذا ظاهر النصوص؛ أن الميزان عام للجميع. لكن بعض أهل العلم قال: إن الكفار لا توزن أعمالهم كونهم ليس لهم حسنات توضع في الجهة المقابلة، وهذا رأيهم اجتهاد أيضا لا يثرب على قائده.

المسألة التي تليها مسألة الصراط؛ ننتقل لموضوع الصراط فنقول: الصراط هو جسر منصوب فوق جهنم ليمر الناس عليه، فمن كتب الله له السعادة تجاوز هذا الصراط إلى جنات النعيم، ومن كتب له الشقاء سقط عنه في قعر جهنم والعياذ بالله. وقد تواترت الأحاديث في ذكر الصراط، ومن أهم الصفات الواردة له في السنة: أولا: أنه أرض زلقة ينزلق الناس عليها. قلت: انتبهوا أحبابي، مشى على الصراط والله ليس سهلا، أرض زلقة ينزلق الناس عليها، أدق من الشعرة، أحد من السيف، عليه خطاطيف من الأسفل وكلاليب تخطف الناس بسبب أعمالهم السيئة. ربنا عز وجل مجهز له خطاطيف وكلاليب، يعني اللي عندهم أعمال سيئة تخرج هذه الخطاطيف والكلاليب تخطفهم بسبب أعمالهم، نسأل الله العفو والعافية.

وقد دلت الآثار على أن المؤمنين تختلف سرعة مرورهم على الصراط بحسب أعمالهم الخيرة، أهل الإيمان اللي قضي بهم إلى جنات النعيم طريقة مرورهم على الصراط تتفاوت بحسب أعمالهم الخيرة، ومنهم من يمر على الصراط كلمح البصر، ومنهم من يمر على الصراط كالبرق، ومنهم من يمر عليه كالريح، ومنهم من يكون كالفرس الجواد، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا، كل على حسب عمله في الحياة الدنيا.

وأما المسألة الأخيرة فهي قضية الجنة والنار، هي التي أشار إليها الشيخ الطحاوي رحمة الله عليه فقال: أو الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان، فإن الله خلق الجنة والنار قبل الخلق، أي: قبل أن يخلقنا، وخلق لهما أهلا، أي: قدر لهم أهلا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه.

إذن يؤمن أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار هي مخلوقة الآن، وأن الله سبحانه وتعالى خلقهما قبل الخلق وجهزهما من أجل رحلة البلاء في الحياة الدنيا، لتكون الدار الآخرة بما فيها من الجنة والنار هي الخاتمة والمستقر النهائي بعد انتهاء هذه الرحلة. فالجنة والنار خلقتا قبل الخلق، وأعدهم الله سبحانه وتعالى، أعد الجنة لأهل مرضاته، وأعد النار لأهل الشقاء، تمام؟

طيب الجنة والنار إذن مخلوقتان قبل الخلق، طيب هل تفنيان؟ بالنسبة للجنة لم يقع خلاف بين أهل السنة أنهما لا تفنيان. الكلام عن أهل السنة: لم يقع خلاف بين أهل السنة والجماعة أن الجنة لا تفنى، وإنما الخلاف فيها مع أهل البدع كالجهم بن صفوان ومن سار على نهجه، الذي يرى أن الجنة تفنى. وهناك قول لأبي الهذيل العلاف يقول: إن الجنة لا تفنى لكن حركات أهل الجنة، أي حركات ساكني الجنة، تصل إلى مرحلة النهاية والتوقف. إذن أهل السنة والجماعة متفقون على أن الجنة لا تفنى، والخلاف مع أهل البدع، فذهب الجهم بن صفوان واتباعه إلى أن الجنة تفنى، وذهب أبو الهذيل العلاف من رؤوس المعتزلة إلى أن حركات أهل الجنة تتوقف في نهاية الأمر، يعني الجنة نفسها لا تفنى، لكن ذهب إلى أن حركاتهم تفنى ولها حد تنتهي إليه. وهذان قولان فاسدان، والقول ما عليه أهل السنة والجماعة.

أما قضية فناء النار فهذه مسألة كبيرة أحبابي الكرام، يعني البعض يظن أنها كانت محسومة تماما عند أهل السنة والجماعة. وفي الحقيقة نعم، جماهير أهل السنة والجماعة على أن النار لا تفنى أيضا وهي خالدة كخلود الجنة. لكن بعض أهل السنة -ولذلك ابن أبي العز عندكم في شرحه على الطحاوية قال: وجمهور أهل السنة على أن النار لا تفنى- لماذا قال: وجمهور أهل السنة؟ قال: لأن بعض أهل السنة ذهب إلى أن النار تفنى، واستدلوا على ذلك بمجموعة من الآيات والأحاديث التي قد- أقول قد- يفهم منها فناء النار.

وابن القيم رحمة الله عليه لما تقرأ كتابه في الصواعق المرسلة وفي كذلك حادي الأرواح، وعندما يستدل على مسألة فناء النار، تشعر أن ابن القيم رحمة الله عليه يميل إلى أن النار تفنى، تشعر أن ابن القيم رحمة الله عليه يميل إلى أن النار تفنى، وفي بعض السياقات تشعر أنه متوقف في المسألة. وقد نسب القول بفناء النار أيضا لشيخ الإسلام ابن تيمية، لكن الذي يظهر لي أنه لا يوجد نص صريح عن ابن تيمية يدل على أنه يقول بفناء النار.

وأما ابن القيم فمن يقرأ كلامه في الصواعق المرسلة وفي بعض كتبه، وكيف يستدل على مسألة فناء النار، وكيف يتوقف في النهاية في المسألة، تجده يعني فعلا إما أن يميل إلى فناء النار وإما أن يتوقف في المسألة ولا يجزم بأن النار خالدة. لكن الصحيح أحبابي الكرام وما عليه الجماهير في هذه المسألة أن الجنة والنار لا تفنيان ولا تبيدان، كما قال الإمام الطحاوي: إن الجنة لا تفنى ولا تبيد، وأن النار لا تفنى ولا تبيد. هذا هو القول الصحيح، وأما مناقشة الأدلة التي ذكرها ابن القيم رحمة الله عليه فهذا شيء قد يطول بهم مقام تستطيعون الرجوع إليه في يعني كتابه صواعق المرسل والوقوف على مسألة النبي، تمام؟

ثم قال الإمام الطحاوي رحمة الله عليه: فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه. فمن قضى الله عز وجل به إلى جنات النعيم فهذا محض فضل الله سبحانه وتعالى على عبيده، وأما من قضى الله سبحانه وتعالى به إلى دركات الجحيم فهذا من عدل الله سبحانه وتعالى، وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا.

ثم انتقل الطحاوي رحمة الله عليه إلى مسألة أخرى فقال: وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد. هذه مسألة تكررت معنا كثيرا في العقيدة الطحاوية، مسألة القدر، أن كل يعمل لما فرغ له، أعمالك التي ستفعلها في الحياة الدنيا قد فرغ الله من تقديرها مسبقا، أعمالك التي ستنجزها وتفعلها بإرادتك الحرة الله سبحانه وتعالى قد فرغ من تقديرها مسبقا، لكن عرفنا أن الإنسان ليس له علاقة بما كتب له، لا تنشغل به، وإنما عليك أن تنشغل بالعمل: اعملوا فكل ميسر لما خلق له. لذلك قال: وكل يعمل لما قد فرغ له وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر كلاهما قدران على العباد على طريقة أهل السنة والجماعة. هذه مسألة تكررت مرارا فلا أُريد الوقوف عندها، أذهب إلى مسألة أخرى وهي مسألة الاستطاعة.

فماذا قال الطحاوي عليه رحمة الله؟ قال: والاستطاعة التي يقع بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به تكون مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات فهذه تكون قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب؛ أي خطاب التكليف الأمر والنهي، وكما هو كما قال تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.

الآن أحبابي الكرام مسألة الاستطاعة، وكم نوع تنقسم الاستطاعة الانسانية؟ هذه مسألة وقع فيها خلاف بين الفرق الإسلامية تبعا لاختلافهم في مسألة القدر ومسألة خلق أفعال العباد. يعني هذه المسألة مسألة الاستطاعة هي فرع عن مسألة خلق أفعال العباد. مسألة خلق أفعال العباد مرت معنا سابقا، وسيعيد ذكرها والإشارة إليها لاحقا أيضا الطحاوي.

عرفنا أحبابي الكرام أن الناس في هذه المسألة على ثلاثة أقوال، طرفي نقيض وأهل السنة والجماعة في الوسط. الفرق الجبرية التي ترى أن الإنسان مجبر على أفعاله ولا يملك إرادة حرة في القيام بها، تمام؟ أن الله هو الذي خلق أفعال العبد والعبد لا يملك أي إرادة حرة في القيام بأفعاله. الفرق المقابلة لها تماما على النقيض: فرقة القدرية من المعتزلة ومن وافقهم، الذين يرون أن العبد هو الذي يخلق فعله نفسه بنفسه، والله سبحانه وتعالى ليس له تدخل في فعل العبد.

وأهل السنة والجماعة وسط في ذلك، فيقولون: الله هو الذي يخلق أفعال العبيد، لكن العبد سبب في خلق فعله. الله عز وجل يخلق فعل العبد لكنه سبحانه وتعالى جعل العبد هو السبب في خلق هذا الفعل، جعل العبد سببا في خلق هذا الفعل، فلا نقول إن الأفعال يخلقها العباد بأنفسهم، لكن في نفس الوقت لا نلغي دور العبد في وجود فعله. فالله سبحانه وتعالى خلق الفعل، لكن في نفس الوقت من جعل العبد سببا في وجود هذا الفعل ومنحه، أي منح هذا العبد إرادة حرة للقيام به، منح هذا العبد إرادة حرة للقيام به.

طبعا نحن في حياتنا ونحن نسير ربما لا نستشعر قضية أن الله خلق أفعالنا، ونشعر أننا نحن من نفعل، كون الإنسان يشعر بالإرادة الحرة التي بها يفعل وينجز. لكن نحن نؤمن في النهاية أن هذه الأفعال -صحيح نحن السبب في وجودها وامتلكنا إرادة حرة على القيام بها- لكن لما توجد وتحدث في الواقع الخارجي يكون الله قد خلقها بواسطتنا بسببين.

جميل، إذن هذه الأقوال التي ذكرناها قديما في مسألة خلق أفعال العباد كيف أثرت هذه الأقوال في فهم مسألة الاستطاعة؟ فنقول: أثرت على النحو التالي؛ الذين قالوا إن العبد هو الذي يخلق فعله بنفسه، وأن الله ليس له أي تدخل في ذلك، وهم المعتزلة ومن وافقهم، اثبتوا نوعا واحدا من الاستطاعة يمتلكها الإنسان، وهي الاستطاعة التي تكون قبل الفعل، ونفوا أن تكون هناك استطاعة مقارنة للفعل.

طبعا الاستطاعة المقارنة للفعل هي الاستطاعة بمعنى أن تتوجه إرادتك الجازمة للقيام بهذا الفعل بحيث يوفقك الله سبحانه وتعالى للقيام به. فلذلك الطحاوي لما عبر عن الاستطاعة سنأتي إن شاء الله أنه جعل الاستطاعة على نوعين: استطاعة سابقة على الفعل والمراد بها أن سلامة الآلات والأدوات، وألا يكون الإنسان عاجزا مشلولا أدواته معطلة؛ فإذا كانت أدواتك سليمة، يداك سليمتان وجسدك سليم، وأدواتك وآلاتك الجسمية سليمة، فهنا نقول: إنك مستطيع، أي عندك استطاعة جسدية ولست عاجزا، فبالتالي أنت هنا أهل لأن تكلف بالتكاليف، بالصلاة، بالحج، بالصيام، تمام؟ فهذه هي الاستطاعة التي تكون قبل الفعل.

وهذه اللي أثبتها المعتزلة: الاستطاعة قبل الفعل؛ أي أن يكون الإنسان سليما في أدوات جسده وجسمه، سليما في أدوات جسده وجسمه، بحيث لو أن الله سبحانه وتعالى كلفه بأوامر ونهاه عن نواهي، يستطيع أن يلتزم بهذا؛ لأن أدواته صحيحة ليس عاجزا. والانسان الذي يكون عاجزا في أدواته مشلول لا يستطيع أن يتحرك أي حركة، هذا إنسان لا يخاطبه الله سبحانه وتعالى بخطاب التكليف. لماذا؟ يعني خطاب الأمر والنهي بأداء الذهاب للحج أو الصيام أو ما شابه ذلك من العبادات التي تحتاج إلى سلامة الآلات؛ لأنه عاجز عن القيام بهذه العبادات.

فإذن المعتزلة أثبتوا فقط هذا النوع من الاستطاعة، قالوا: الاستطاعة التي نثبتها للإنسان هي الاستطاعة السابقة على الفعل التي تكون قبل قيامه بالفعل، ومعناها سلامة أدواته وآلاته. سلامة الأدوات والالات الجسدية معناها أنك تستطيع أن تقوم بالفعل، فهذا يجعلك أهلاً لأن تكلف به وتخاطب به أمرا ونهيا. الآن هذا النوع أثبته المعتزلة، لكنهم نفوا الاستطاعة الأخرى التي تكون مقارنة للفعل.

والاستطاعة التي تكون مع الفعل يقصد بها أن يلهمك الله سبحانه وتعالى ويوفقك لتتوجه إرادتك لهذا الفعل، تمام؟ فهذه محض توفيق الله سبحانه وتعالى لعبده أن يجعل إرادته تنصرف لهذا الفعل والقيام به. هذا النوع من الاستطاعة نفاه المعتزلة، يا ترى لماذا نفاه المعتزلة؟ لأننا كما قلنا: المعتزلة لا يرون أن الله سبحانه وتعالى له تدخل في وجود أفعال العبيد، قالوا: لو أثبتنا الاستطاعة التي تكون مقارنة للفعل -وهي توفيق الله سبحانه وتعالى للإنسان لأن يتوجه لهذا الفعل ويقبل عليه- لو أثبتنا هذا النوع من الاستطاعة معناها جعلنا الله سبحانه وتعالى له تدخل وعناية بقيام العبد بفعله، ونحن لا نريد أن نثبت ذلك؛ لأن الله ليس له تدخل في قيام العباد بأفعالهم، هذه وجهة نظرهم.

فقالوا: نحن نثبت الاستطاعة بمعناها الأول: الاستطاعة قبل الفعل، وأما الاستطاعة المقارنة للفعل بمعنى توفيق الله العبد ليتوجه للفعل ويقبل عليه ويقوم به هذه لا نثبتها. إذن نقول: الذين قالوا إن العبد خالق فعله أثبتوا الاستطاعة قبل الفعل ونفوا أن تكون هناك استطاعة مع الفعل. والعلة في ذلك عندهم أن الاستطاعة التي تكون مع الفعل مقارنة له هي محض توفيق الله ومعونته لهذا العبد حتى يقوم وينجز الفعل، تشعر بنفسك عندك همة وإرادة وقدرة على القيام به، هذه تكون مقارنة له.

والقدرية كما عرفنا سابقا ينفون أن الله يعين العبد ويوفق العبد للقيام بالأفعال، وبدون هذه الإعانة التي لا يمكن للعبد القيام بشيء، يعني ينفون أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يمنح العبد التوفيق والإعانة، يقول لك: لا، لا، هذا مش صحيح، ما في شيء اسمه أن الله هو الذي يمنح العبد التوفيق والإعانة على القيام بالفعل، يكفي أن تملك الاستطاعة الأولى السابقة، وجه إليك الأمر والنهي، ثم أنت بعد ذلك بكامل إرادتك بدون تدخل الله إما أن تفعل الفعل وإما أن تترك الفعل، هكذا قالوا.

بل يزعمون أن العبد وحده من يقوم بالفعل بشرط سلامة آلته الجسدية وأدواته البدنية. طرف آخر على النقيض، كما قلنا: الجبرية الذين يقولون إن العبد لا يملك اختيَاراً وإرادة حرة ومشيئة خاصة به للقيام بأفعاله، بل هو مجبر على أفعاله، بل هو مجبر على أفعاله. فهؤلاء أثبتوا العكس، أثبتوا الاستطاعة التي تكون مقارنة للفعل، ونفوا الاستطاعة التي تكون قبل الفعل، وهي سلامة الأدوات والأعضاء، لماذا نفوها؟ قالوا: لأن الاستطاعة التي قبل الفعل

لا أثر لها حقيقة لا أثر لها حقيقة في أفعال الإنسان، لأن فعل الإنسان هو شيء مجبر عليه، مجبر عليه، مكره على القيام به، وهو لا يملك إرادة حرة في أن يفعل أو ألا يفعل. فإاثبات استطاعة سابقة بمعنى سلامة الأدوات أعضائها وبها يتعلق الخطاب بالأمر والنهي قالوا لا معنى له. لأننا هل نحن نقول إن العبد يختار ما يفعل؟ هم يقولون لا، العبد لا يختار ما يفعل. العبد مجبور على ما يفعل. فقالوا بما أن العبد مجبور على ما يفعل، فالاستطاعة التي معه هي الاستطاعة المقارنة للفعل، وهو أن يجعله الله سبحانه وتعالى ينصرف بكليته إلى هذا الفعل ويقوم به، أن يجعل الله إرادتك تنصرف لهذا الفعل وتقوم به.

وهذه الاستطاعة كما قالوا هي استطاعة جبرية أثبتوها، وهي استطاعة جبرية أن الله يجبرك ويوجه إرادتك للقيام بهذا الفعل، هذه هي الاستطاعة التي يثبتونها. أما استطاعة سابقة قالوا هذا لا معنى له، لأنها لا يوجد شيء يختاره الإنسان ليفعله. الإنسان مجبر على أفعاله، مجبر على تصرفاته. فالاستطاعة التي يمتلكها استطاعة واحدة، وهي أن يصرفه الله بالكلية للقيام بالفعل الذي هو مجبر على أن يقوم به. هذه الاستطاعة وهي استطاعة مقارنة للفعل.

تمام أهل السنة والجماعة أحبابي الكرام، كما قلنا دائما، يقفون الموقف المعتدل، فأثبتوا الاستطاعتين. قالوا هناك استطاعتان: الاستطاعة السابقة على الفعل، وهذه التي أثبتتها المعتزلة بمعنى سلامة الأدوات والآلات وصحة الجوارح والأعضاء، فهذه هي التي لا يتم التكليف إلا بوجودها؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يكلف إنسانا عاجزا عن الفعل، صح؟ وإنما يكلف أو بالتكليف يتوجه لمن يستطيع أن يقوم بالفعل. والاستطاعة بمعنى سلامة الأدوات والأعضاء فهذه التي لا يتم التكليف إلا بها، وهي مناط الأمر والنهي والثواب والعقاب، ويوصف الإنسان عند انتفائها، عند انتفاء هذه الاستطاعة الأولى، بأنه عاجز، فلا يؤاخذ.

إذا انتفت الاستطاعة بمعناها الأول نقول هذا إنسان ليس مستطيعا، ايش يعني عاجز؟ لأنه عاجز، إذا لا يؤاخذ على تقصيره في العبادات. طيب، وإذا وجدت في الإنسان الاستطاعة الأولى؟ إذا كان الإنسان عنده سلامة آلات وأدوات وأعضاء، فلا يلزم بوجود هذه الاستطاعة أن يقوم الإنسان بالفعل، بل أنت قد توجد فيك سلامة أعضاء وأدوات، لكن سبحان الله ربنا ما يوفقك أن تقوم بالعبادات، وتكون مع أهل المعاصي والذنوب، وما أكثر هذا في الناس. إذا هاي الاستطاعة الأولى التي بمعنى سلامة الأدوات والأعضاء هي التي وردت في السياقات القرآنية الآتية. شوفوا هذه الآيات، يقول سبحانه وتعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.

إيش المراد بالاستطاعة هنا؟ المراد بالاستطاعة المعنى الأول؛ يعني من كان جسمه وادواته وأعضاؤه مؤهلة لأن يحج بيت الله الحرام. فالكلام هنا من استطاع، أي من كانت عنده قدرة وسلامة الآلات، فهو مخاطب بأن يحج بيت الله. وأما من كان عاجزا لم يستطع سبيلا، أدواته لا يستطيع الرحيل، فهذا ليس مخاطبا لأنه عاجز. وكذلك هي المقصودة في قوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا في كفارة الظهار، أي من كان عاجزا، ها، من لم يستطع من كان عاجزا لا يستطيع الصيام، حل به مثلا، فالبديل أن يطعم ستين مسكينا في كفارة الظهار. وهي المراد في قوله تعالى أخبارا عن المنافقين لما قالوا: لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ.

المنافقون فيكون ايش؟ يقولون لو استطعنا، ينفون عن أنفسهم سلامة الأعضاء والآلات، أنه احنا ما كناش مستطيعين، كنا عاجزين عن الخروج معكم. لَوْ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ. الله ايش قال؟ بَلْ يَهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. الله يعلم أنهم كانوا يستطيعون؛ يعني أدواتهم وأعضاؤهم كانت شغالة ما فيها مشكلة، لكنهم يكذبون في دعواهم عدم الاستطاعة بالمعنى الأول.

وهذه إذا هي الاستطاعة التي تكون قبل الفعل. النوع الثاني من الاستطاعة: الاستطاعة التي أثبتتها الجبرية فنحن نثبتها، لكن أثبتنا معها الاستطاعة الأولى. الاستطاعة التي هي بمعنى إقبال العبد على الفعل وإرادته الجازمة للقيام به، فهذه بالتأكيد تكون مقارنة للفعل وهي محض توفيق الله؛ لأنه من الذي يجعل همتك وإرادتك يا طالب العلم تنصرف مثلا لطلب العلم؟ هذا توفيق من الله سبحانه وتعالى. أنت ممكن تخطط وتضع برنامج وتحب، لكن إذا لم يكن هناك توفيق وعناية وإلهام من الله لك أن تتوجه إلى هذا الفعل لتقوم به، لن تنجزه أبدا.

فنحن نؤمن أن هناك نوع من الاستطاعة اسمه الاستطاعة المقارنة للفعل، وهذه الاستطاعة في الحقيقة هي محض توفيق الله ورعايته واهتمامه بهذا العبد بان يوجهه لهذا الفعل ويجعله يقوم به؛ لأن هناك كثير من الناس عندهم الاستطاعة الأولى سلامة الأعضاء والأدوات، لكن ما عندهم الاستطاعة الثانية، يعني أن الله لا يوفقهم للقيام بالطاعات والعبادات مع أنه عندهم الاستطاعة بمعنى سلامة الأدوات والأعضاء، صح؟ إذا الاستطاعة الثانية هي بمعنى إقبال للعبد على الفعل وإرادته الجازمة، فهذه تكون محض توفيق الله وإعانته لعبده.

وهذه ليست مناطا للتكليف، التي هي محل التكليف بحيث نقول والله هذا مستطيع يكلف، وهذا غير مستطيع لا يكلف، هي الإرادة الاستطاعة الأولى. وأما هاي الاستطاعة، هاي مالهاش علاقة بالانسان حقيقة، بل هي محض توفيق الله، كما أشار الطحاوي في عقيدته لكم. طيب هل هناك آيات قرآنية استعملت الاستطاعة بالمعنى الثاني؟ في الحقيقة نعم، من الآيات التي دلت على الاستطاعة بالمعنى الثاني قوله تعالى: وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ.

مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، ما المراد الاستطاعة المنفية هنا تأكيد ليست الاستطاعة بمعنى سلامة الأعضاء والأدوات؛ لأنهم إذا كانت الاستطاعة هنا بمعنى سلامة الأعضاء والأدوات والله نفاها إذا هم ليسوا مؤاخذين على ذلك. الآية في سياق ذم لهم، ولو كانت الاستطاعة المنفية هنا الاستطاعة بمعنى سلامة الأعضاء والأدوات، أن الله يقول مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، يعني ما كانش عندهم أدوات وأعضاء يسمعون بها، فتققول إذا لماذا تلومهم يا رب العالمين؟ إذا كان ما عندهم أدوات وأعضاء يقومون بها الحقيقة، لا المراد بالاستطاعة المنفية هنا مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، أي ما كانوا يوفقون بأن يسمعوا الحق ويتبعوه، ما كانوا يستطيعون، أي ما كانوا ليوفقوا ولتتوجه إرادتهم وليقبلوا على السماع النافع لهم، مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، خذلهم الله سبحانه وتعالى.

طبعا لماذا خذلهم؟ طبعا للأفعال التي كانت تصدر منهم. خذلهم الله ولم يوفقهم لأفعال وأسباب ظهرت منهم جعلت الله سبحانه وتعالى يحرمهم من التوفيق والمدد الإلهي، فهنا السمع الاستطاعة المنفية الاستطاعة بمعنى توفيق الله للعبد بأن يتوجه إلى الفعل، فهذه نفاها عنهم. ومن أيضا من استعمالات الاستطاعة بالمعنى الثاني في القرآن قول الخضر لسيدنا موسى عليه السلام: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وقوله: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. هل يقصد الخضر هنا أن موسى لا يمتلك أدوات وأعضاء وآلات الصبر، ينفي عنه هذه الاستطاعة، الاستطاعة بمعنى الأدوات وأعضاء الصبر؟ في الحقيقة ليس هذا هو الظاهر من الصيغ، أن موسى يملك هذه الأدوات والآلات التي يستطيع من خلالها أن يصبر، لكن مراده إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، أنك لن توفق للصبر معي لما ستشاهده من الأمور الغريبة المستعجلة، أنك لن توفق ويصعب أن تتوجه إرادتك وتقبل على الصبر لما ستراه من الأمور العجيبة المخالفة للعادة. فهذا الذي كان يظنه الخضر، وصدق الخضر، أن موسى لم يستطع، لم يوفق للصبر في هذه المشاهد بأنه رأى أمورا هي بخلاف المعتاد للإنسان.

تمام أحبابي الكرام؟ فإذا أهل السنة والجماعة يثبتون الاستطاعتين: استطاعة بمعنى سلامة الأعضاء والأدوات، وهذه الاستطاعة متى وجدت كنت أهلاً لأن تخاطب بالتكليف أمرا ونهيا، وإذا فقدت فإنك لا تخاطب بالتكاليف. الاستطاعة الثانية بمعنى توفيق الله للعبد أن يقبل من الفعل بإرادة إرادة جازمة ويقوم به، وهذه محض توفيق الله. لذلك نعود نقرأ ماذا قال الطحاوي قال والاستطاعة، قال والاستطاعة التي يجب بها الفعل، يجب يعني يثبت هنا يجب يعني يثبتوا، يعني والاستطاعة التي متى وجدت وجد معها الفعل فهي من نحو التوفيق؛ يعني هي معناها توفيق الله للعبد بأن يقوم للفعل الذي لا يوصف المخلوق به؛ لأنه التوفيق مرده إلى الله عز وجل، فهذه هذا النوع من الاستطاعة تكون مقارنة للفعل.

وأما الاستطاعة التي من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات بهذا المعنى فهذه تكون قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب، أي بها يتعلق الأمر والنهي، تخاطب بناء عليها. وهي كما قال تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، فالوسع بمعنى الاستطاعة التي هي بمعنى سلامة الآلات، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، أي ما تستطيعه أي ما تتمكن آلاته وأدواته من القيام به. فالوسع والاستطاعة بالمعنى السابق للفعل يشتركان في المفهوم.

طيب أختم أحبابي الكرام بهذه الفكرة الأخيرة، لأنها فكرة تكررت سابقا فلا أريد التوسع فيها أيضا كثيرا، يعني خلص، نحن الآن نريد أن نقف على أبرز الأفكار التي بقيت في العقيدة الطحاوية، لا أريد يعني أن تتسم المحاضرات هذه بالتكرار. عاد إلى مسألة خلق أفعال العباد فقال الطحاوي عليه رحمة الله: وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد، ولم يكلفهم الله إلا ما يطيقون ولا يطيقون إلا ما كلفهم، وهو تفسير قوله لا حول ولا قوة إلا بالله. نقول لا حيلة لأحد ولا تحول لأحد ولا حركة لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله، وكل شيء يجري بمشيئته تعالى وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئته المشيئات كلها وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظامل أبدا، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

إذا هذه الفكرة الأساسية التي قامت عليها هذه الفقرة، وهي أن أفعال العباد خلق الله وكسب من العباد. في الحقيقة هذه الفقرة من الفقرات المشكلة في كلام الطحاوي، لأنها لو أخذت على ظاهرها، لو أخذت على ظاهرها، تشعر بميل الطحاوي إلى الفرقة الأشعرية في هذه المسألة، لأن الأشاعرة هم الذين يعبرون بمصطلح الكسب. الآن مر معنا أن القدرية المعتزلة يقولون إن العبد يخلق فعله نفسه بنفسه، وهذا باطل وانتهينا منه. ومر معنا أن غلاة الجبرية، غلاة الجبرية يقولون إن العبد مجبور على فعله وليس له أي اختيار أو شكل من أشكال التأثير فيه. هناك جبرية متوسطة، ممكن نسميها جبرية محسنة، وهي الجبرية الأشعرية، حيث يرى الأشاعرة أن العبد مجبور عموما على الفعل، لكن له ما يسمونه كسبا، له ما يسمونه كسبا. فهم لا يصرحون بالجبر بالمعنى الجهمي العالي الجبر المطلق، قال العبد مجبور على فعله وليس له أي اختيار فيه، لا يصرح بهي الطريقة، بل يقولون بالعبارة التي استعملها الطحاوي ويقولون الله سبحانه وتعالى يخلق أفعال العباد والعباد هم الذين يكسبونها.

كلمة الكسب من المصطلحات الشائكة في الفكر الأشعري، بل إن كثيرا من الفرق كانت تنقد الفكر الأشعري في مسألة الكسب لأنها مسألة غير مفهومة؛ يعني ما الذي تقصدونه أيها الأشاعرة بالكسب؟ هل تقصدون أن العبد، ها، هل تقصدون بالكسب أن العبد له قدرة مؤثرة في وجود أفعاله كما يقول أهل السنة والجماعة؟ إذا قصدتم بالكسب هذا المعنى فنحن متفقون مع الأشاعرة على هذه القضية. لكن في الحقيقة لا، الأشاعرة لا يقولون الكسب قدرة مؤثرة من العبد في فعله الله سبحانه وتعالى منحه إياها، بل يقولون هي قدرة غير مؤثرة بها يقوم العبد بالفعل.

طبعا لما تقول قدرة غير مؤثرة بها يقوم العبد بالفعل في الحقيقة عاد الأمر إلى نفي القدرة؛ يعني إذا لم تكن هذه القدرة مؤثرة إذا ما الفائدة في وجودها؟ وبعضهم ذكر كلاما آخر في تفسير الكسب ثانيا، وبعضهم ذكر ثالثا، وبعضهم ذكر رابعا. فلذلك من المقولات الشهيرة أن الكسب من الأمور التي ليس لها تفسير يرجع إليه عند التفسير، يعني واضح مفهوم حتى يرجع إليه عند الأشاعرة لفهم نظرتهم في ذلك، لأنه إذا قلت الكسب هي قدرة غير مؤثرة يمنحها الله سبحانه وتعالى للعبد عند قيامه بالفعل، فنقول إذا كانت قدرة غير مؤثرة إذا ما الفائدة من وجودها؟ لا فائدة من وجودها إذا هي غير مؤثرة.

فهذه مشكلة قضية الكسب عند الأشاعرة أنهم لم يمنحوا الكسب مفهوما واضحا جليا، فأصبح الفكر الأشعري من مناطق الغموض فيما مسألة الكسب لعدم وضوحها وتجلي فكرتها. لذلك نحن نقول الإمام الطحاوي هنا لما قال وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد، نقول ماذا قصدت بالكسب هنا أيها الطحاوي؟ هل قصدت الكسب بالمعنى الأشعري؟ فالكسب بالمعنى الأشعري شيء غير مفهوم، قدرة غير مؤثرة فقط. وأما إذا قصدت بالكسب، يعني ما يقصده أهل السنة عادة وإن كنا لا نعبر احنا بمصطلح الكسب، لكن إذا قصدت بالكسب أن الله أفعال العباد خلق الله وكسب من العباد، بمعنى أن العباد لهم قدرة مؤثرة وإرادة حرة منحهم الله سبحانه وتعالى إياها من خلالها وبسببها توجد الأفعال، فنحن نتفق معك على ذلك لكن نحبذ أنك ما تستعمل مصطلح الكسب؛ لأن مصطلح الكسب في العادة ليس مصطلح سني وإنما هو مصطلح أشعري. لذلك قوله وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد ما الذي أراده بالكسب الطحاوي هو الذي يحدد، هل نوافقه ولا لا نوافقه؟ إذا قصد بالكسب المعنى الأشعري فنحن لا نوافقه، وإذا قصد بالكسب المعنى، يعني معنى مقبول عند اهل السنة والجماعة فقد نوافقه، فهذه العبارة مجملة. وسبق أن بينا التفصيل في مسألة خلق أفعال العباد. ثم قال الطحاوي ولم

الله تعالى إلَّا مَا يُطِيقُونَ. هذه العبارة صحيحة، إن الله سبحانه وتعالى لم يكلفنا إلَّا ما نطيق، إلَّا ما نطغ، لم يكلفنا شيئاً خارجاً عن طاقتنا، ومسألة التكليف بالمحال هذه كما قلنا ليست صحيحة، أن الله سبحانه وتعالى يكلف الإنسان بالمحال، وإن كانت الفرق الأشعرية قالوا بقضية التكليف بالمحال ثم فسروا المحal بأنه المحال لذاته والمحال لغيره ودخلوا في هذه التقاسيم. نقول: على ما يتبادر إلى الذهن من المحال، الله سبحانه وتعالى لا يكلف العبد بالمحال، بل كل شيء كلف الله سبحانه وتعالى به العبيد فهو داخل تحت استطاعتهم؛ الاستطاعة بمعناها السابق والوسع وسلامة الآلات.

فكل شيء كلف الله سبحانه وتعالى به العبيد، ركزوا، فهو داخل تحت سلامة سلامة الآلات والأدوات والأعضاء، ممتاز. الآن، كونه سبحانه وتعالى لا يوفقهم إلى الطاعات التي كلفهم بها، ولا يكلفهم إلى ولا يوفقهم إلى اجتناب المعاصي، وهي الاستطاعة بالمعنى الثاني، هذا أمر آخر. لا يجعل هذا من قبيل التكليف بماذا؟ بالمحال؛ لأن البعض يقول: تكليف الكافر بأن يسلم، تكليف الكافر الذي يعلم الله أنه سيموت على الكفر كأبي لهب، تكليف الكافر بأن يسلم مع أن الله يعلم أنه سيموت على الكفر، البعض هذا قال: هذا تكليف بالمحال.

لكن في الحقيقة ليس هذا تكليفا بالمحال، لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى لما كلف هذا الكافر بأن يسلم، وكلفه بعد أن أعطاه الأدوات والالات التي يتمكن من خلالها أن يسلم وأن يمارس الإسلام، كون الله سبحانه لا يريد أن يوفقه إلى الإسلام ويريد أن يموت على الكفر، هذه قضية تتعلق بالقدر، ليس لها علاقة بقضية التكليف، فما بصير احنا نخلط بين امرين؛ قضية علم الله السابق وأرادته السابقة في هذا الشخص هذا أمر قدري، وبين مسألة الخطاب، خطاب الأمر والنهي هذا خطاب شرعي. فنحن الخطاب الشرعي بالأمر والنهي هذا متوقف على الاستطاعة بالمعنى الأول، وهي سلامة الأعضاء والأدوات والآلات كما قبل قليل، وهذه موجودة في الكفار وموجودة في المسلمين، فيكون الخطاب يشمل هذا وهذا.

فالقول بأن الكافر الذي يموت كافراً تكليفه بالإسلام تكليف بما لا يطاق هذا ليس صحيحاً؛ لأن تكليفه بناءً على العناصر الموجودة المتاحة بين يديه، وليس له علاقة بقضية ما الذي كتبه الله لي أو لم يكتبه، فهذا أمر عند الله، فلا يصح أن نعارض بين الأمر الشرعي وبين القضاء الكوني. طيب، إذاً ولم يكلفهم الله إلا ما يطيقون، إذاً أهل السنة والجماعة يقولون: كل ما كلف الله عز وجل به عبيده فهو داخل تحت طاقتهم، أي تحت الاستطاعة بالمعنى الأول، بمعنى سلامة الأدوات والأعضاء؛ لأن الطاقة شف كلمة الطاقة والوسع والاستطاعة، شايفين هذه الكلمات الثلاث كلها مترادفة، الطاقة والوسع والاستطاعة كلها مترادفة.

طبعاً الاستطاعة بمعنى سلامة الأعضاء والأدوات، فنحن نقر أن الله لم يكلفنا إلا بما نطيق، بما نستطيع، بما هو في وسعنا، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا. وأما قوله: ولا يطيقون إلا ما كلفهم، فهذه العبارة مشكلة في الحقيقة، هل نحن فعلاً لا نطيق إلا ما كلفنا ربنا أم نطيق أكثر مما كلفنا ربنا والله سبحانه وتعالى خفف ويسر علينا؟ يعني لو الله فرض علينا ست صلوات بدل خمس صلوات، لو فرض علينا عشر صلوات بدل خمس صلوات، هل هذا شيء لا نطيقه؟ حقيقة لا نطيقه، لكنه رحمة بنا خفف ونزل الصلاة من خمسين إلى خمس رحمة بهذه الأمة.

فقوله أو قوله: ولا يطيقون إلا ما كلفهم، عبارة تحتاج إلى نظر، هذا أكثر ما أقوله إن العبارة ليست بالدقة العالية؛ لأن العباد يطيقون من التعبدات لله أكثر مما كلفهم الله به، لكن الله خفف ويسر علينا، فلا يطيقون إلا ما كلفهم ليست دقيقة. ثم قال: وهو تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله، قوله: وهو تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله، أيضاً فيه نظر، يعني هل تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله؟ يعني لم يكلفهم الله إلا ما يطيقون ولا يطيقون إلا ما كلفهم، هل هذا هو تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله؟

أقول: هذا فيه نظر، لكن هو يشقبعد ذلك قال: وهو تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله. نقول: لا حيلة لأحد ولا تحول لأحد ولا حركة لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله سبحانه وتعالى. إذاً هذا المعنى الذي ذكره بعد نعم عموماً مقبول لا حرج فيه لو قلنا لا حول ولا قوة إلا بالله، يعني لا حيلة لنا ولا قدرة لنا ولا استطاعة على التحول من معصية الله إلا بمعونة الله، فعموماً الكلام مقبول، ولا قوة لنا على إقامة طاعة الله إلا بتوفيق الله وبمعونة الله، أيضاً كلام مقبول.

أما أن تجعل ولم يكلفهم إلا ما يطيقون ولا يطيقون إلا ما كلفهم هو تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله، يعني هذا فيه نظر، فالكلام تشعر أنه شوي متداخل مع بعضه البعض، وكنا نتمنى أن الطحاوي جلى الأمر أكثر من ذلك، والله تعالى أعلم. ثم قال: وكل يجري بمشيئة الله وعلمه وقضائه وقدره وهذا فرغ أن بيناه، غلبت مشيئته المشيئات كلها وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما تشاء وهو غير ظالم أبداً، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ.

وقد سبق أن قررنا كل هذه المفاهيم بمواطن سابقة من هذه العقيدة، إن شاء الله في المحاضرة القادمة بإذن الله نتكلم عن قضية إهداء ثواب الأعمال للموتى، ثم نشرع في المسائل الختامية المتعلقة بموقف أهل السنة والجماعة من الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم، وموقف أهل السنة من مفهوم الولاية، ثم تأتي العبارات الختامية من الإمام الطحاوي، نسأل الله لي ولكم الختام دوماً على خير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.