الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أععيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبابي الكرام إلى هذا المجلس، والذي نسعى أن يكون المجلس الأخير في تعليقنا بإذن الله على العقيدة الطحاوية للإامام أبي جعفر الطحاوي رحمة الله تعالى عليه، نسأل الله دائماً حسن الختام والتمام على خير، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلنا أحبابي الكرام في تعليقنا على العقيدة الطحاوية إلى قول المصنف: وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات. هذه مسألة تتعلق بمسألة ماذا ينتفع الميت بفعل الحي؟ ما الذي يمكن أن ينتفع منه الأموات بفعل الأحياء؟ فنقول أحبابي الكرام عموماً اتفق أهل السنة والجماعة على أن الأموات ينتفعون من الأحياء بأمرين.
الامر الأول ما تسبب إليه الميت في حياته، كل أمر تسبب به الميت في حياته فاستمر الحي يعمل به بناء على ما فعله الميت، كما جاء في الحديث الصحيح عند الإامام مسلم قال صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.
فالأولاد الصالحون الذين يعملون في هذه الحياة الدنيا ويدعون لآبائهم، وكذلك طلبة العلم الذين يعملون بالعلوم التي تعلموها من أشياخهم. كل ما يفعله هؤلاء من الأعمال الصالحة الخيرة، سواء الولد الصالح أو طالب العلم الذي انتفع من شيخه، فثواب هذه الأعمال أيضاً يعطى لأشياخهم الذين ماتوا وقضوا نحبهم، ولآبائهم الذين ربوهم وقضوا نحبهم. فالآباء إذاً ينتفعون من سعي أبنائهم الصالحين، والعلماء ومعلمو الناس الخير ينتفعون من سعي طلبتهم بعدهم في تعليم الناس وإرشادهم.
فإذاً كل ما تسبب إليه الميت في حياته ينتفع به بعد موته، هذه النقطة الأولى متفق عليها.
الأمر الثاني الذي اتفق عليه أهل السنة أيضاً أن دعاء المسلمين الأحياء للأموات واستغفارهم والصدقات التي يتصدقون بها عنهم والحج لمن حج عن ميت، فانه يصله النفع بذلك. إذاً من مناطق الاتفاق أيضاً أن دعاء الأحياء وصدقاتهم وحجهم عن الأموات ينتفع به الأموات، هذه مناطق اتفاق.
إذاً اتفق أهل السنة والجماعة على أن الأموات ينتفعون من الأحياء من جهتين؛ الجهة الأولى ما تسبب إليه الميت في حياته، ما كان الميت سببا في وجوده قبل أن يتوفاه الله سبحانه وتعالى. ثانياً الدعاء والصدقة والحج الذي يفعله الأحياء ويهدون ثوابه للأموات، فهذا أيضاً ينتفعون به باتفاق الجميع.
ووقع خلاف بين أهل السنة والجماعة في سائر الأعمال البدنية الأخرى، يعني داخل مدارس أهل السنة والجماعة. هناك خلاف: هل ينتفع الأموات بما يهديه إليهم الأحياء من الأعمال البدنية الأخرى كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر؟
فذهب السادة الحنفية في المشهور عندهم والسادة الحنابلة في المشهور عندهم إلى أن كل عبادة بدنية أداها الحي إلى ميت فإنه يصله ثوابها بإذن الله، كل عبادة بدنية حتى ولو كانت صوماً أو صلاة أو قراءة قرآن أو ذكراً فإنه يصل ثوابها إلى الأموات بإذن الله.
وذهب كثير من الشافعية والمالكية إلى عدم وصول ثواب هذه الأعمال إلى الأموات، وقالوا يقتصر الأمر فقط على الدعاء والصدقة والحج، وأما سائر الأعمال البدنية الأخرى فلا يصل ثوابها إلى الأموات بحجة أنه لم يرد في الشرع النيابة فيها. وهذه مسألة فقهية أحبابي لا يثرب فيها أحد على أحد.
ابن أبي العز الحنفي رحمة الله عليه لماذا ذكر هذه المسألة هنا؟ أو نقول العقيد أبو جعفر الطحاوي لماذا ذكر هذه المسألة هنا في العقيدة الطحاوية؟ ابن أبي العز الحنفي أشار إلى شيء من ذلك يمكن أن يفهم منه لماذا أشار الطحاوي إلى هذه المسألة في كتاب عقيدة، مع أن الظاهر أو المتبادل للذهن من بادئ الرأي أن المسألة مسألة فقهية بحتة.
فيقول ابن أبي العز الحنفي في شرحه إن بعض أهل البدع ذهب إلى عدم وصول شيء من الدعاء ولا غيره من الصدقات والحج من الأحياء إلى الأموات. يعني بعض أهل البدع أغلق باب إهداء الثواب مطلقاً. وجعل ابن أبي العز جعل هذا القول من أقوال أهل البدع، القول بأنه حتى الدعاء والاستغفار للأموات لا ينفعهم، وأن الصدقات والحج عنهم لا ينفعهم، القول الذي يصل إلى هذه الدرجة جعله ابن أبي العز قولاً بدعياً مخالفاً لطريقة أهل السنة والجماعة، لأنه مر معنا أن أهل السنة متفقون على أن الدعاء والاستغفار والصدقات والحج ينتفع بها الأموات، لكن وقع الخلاف فيما عدا ذلك.
وأما أن ننفي انتفاع الأموات حتى من الدعاء والاستغفار وحتى من الصدقة عنهم وحتى من الحج عنهم فهذا قول بدعي، لأنه مخالف للنصوص الصحيحة التي وردت في ذلك. وهؤلاء أهل البدع الذين قالوا بهذا القول يعني اشتبه عليهم ذلك ببعض الآيات، بعض الآيات التي لم يحسنوا فهمها، اشتبهت عليهم هذه المسألة من خلال بعض الآيات التي لم يحسنوا فهمها كقوله تعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى. قالوا الله عز وجل قال ليس للإنسان إلا ما سعى، فبالتالي لا يمكن أن ينتفع الإنسان بأي شيء يهديه له الحي.
الان سريعا أحبابي الكرام نقول ورد في الكتاب والسنة والاجماع والقياس العديد من الأدلة التي تدل على وصول ثواب أعمال الأحياء إلى الأموات في حال أن الحي أراد أن يهدي ثواب هذا العمل للميت، والصحيح أنه أي عمل أراد الحي أن يهدي ثوابه للميت فانه يصل. دعونا ناخذ أبرز هذه الأدلة.
من هذه الأدلة ما جاء في السنة أن في صلاة الجنازة مثلاً، المشروع بعد التكبيرة الثالثة الدعاء للميت: اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله إلى آخر الدعاء. فما فائدة هذا الدعاء إذا كان لا يصل ثوابه إلى الأموات ولا ينتفعون به؟ نحن ندعو للميت لينتفع بهذا الدعاء والله سبحانه وتعالى يشفعنا فيه، فما الفائدة من هذا الدعاء إذا كان الميت لا ينتفع به؟
كذلك أيضاً شرع لنا أن ندعو للميت بعد دفنه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل. كذلك شرع لنا الدعاء عند الذهاب إلى المقابر: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية. فكل هذه الأدعية المشروعة للأموات المتبادر والظاهر منها أن الأموات ينتفعون بها، وإلا فما الفائدة من ذكرها؟
أيضاً حديث الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر لو تصدقت عنها؟ فقال: نعم. فهذا الرجل سيتصدق عن أمه ويهدي ثواب هذه الصدقة لأمه، لاحظ سيؤدي ثواب هذه الصدقة لأمه، والنبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك.
أيضاً قضية النيابة في الصيام، النبي صلى الله عليه وسلم قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه، كما جاء في الحديث، حديث مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وهذا يدل أحبابي الكرام على أن الميت ينتفع من صيام الحي عنه، الآن بغض النظر عن بعض الخلافيات هي أنه هل هذا في صيام الفرض أم في صيام النذر؟ عموماً لكنه يدل على مشروعية صيام الأحياء عن الأموات.
أيضاً كذلك مسألة الحج التي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: إن أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت أفحج عنها؟ قال: نعم، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ اقضوا الله فالله حق بالوفاء. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً من هذا الحديث أن الأموات ينتفعون من حج الأحياء عنهم. فهذه الأحادیث والآثار أحباب الكرام كلها تدل على قضية انتفاع الأموات بما يفعله الأحياء ويهدون ثوابه لهم.
أيضاً من القياس والاعتبار، كما يقول ابن أبي العز، أن الثواب ثواب الأعمال هو في النهاية حق للمسلم، الثواب هو حق للمسلم الذي فعل الطاعة، فإذا هو أحب أن يهدي ثواب هذا العمل لأخيه المسلم الميت فلا يظهر أن هناك مانع شرعي يمنع من ذلك.
وأما الجواب عما استدل به أهل البدع أو بعض أهل البدع من قوله إن قوله تعالى: وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، يمنع وصول ثواب جميع الأعمال للأموات؟ فنقول هذا من عدم فهم الآية بشكل صحيح، لم يحسنوا فهم الآية بالشكل الصحيح، فإن الآية لم تنفي انتفاع الإنسان من سعي غيره.
ركزوا الآية ايش تقول: وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى. الآية لم تنفي انتفاع الإنسان من سعي غيره، وإنما نفت ملكك أيها الإنسان لغير سعيك، فانت لا تملك إلا سعيك هذا ما تريد الآية أن توصله إليك. أنت أيها الإنسان لا تملك إلا سعيك، ولا تملك سعي غيرك، أما قضية أن تنتفع من سعي غيرك من خلال إهداء الثواب لك فهذه قضية أخرى لم تتطرق لها الآية وتطرق لها الأحاديث الأخرى.
فإذاً فهم الآية الشكل الصحيح يقتضي أن نقول الآية تقول إنه لا يملك الإنسان فعل غيره، وأما أن ينتفع الإنسان من سعي غيره فهذه قضية أخرى لا تتعلق بالقضية التي تشير إليها الآية والله تعالى أعلم.
وأما الرد على من منع وصول ثواب الصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر من الشافعية والمالكية، فيمكن أن يرد على قولهم بأنه يقول: إذا ثبت وصول ثواب بعض الأعمال البدنية كالحج، فالأصل أن باقي الأعمال البدنية الأخرى أو العبادات البدنية الأخرى حالها كحال هذا الحج.
فما الفرق بين الصلاة وقراءة القرآن والذكر والحج؟ لماذا الحج يصل ثوابه والصدقة يصل ثوابها، بينما الصوم والصلاة لا يصل ثوابه؟ والقول بأن هذه الأعمال لم تشرع فيها النيابة وتلك شرعت فيها النيابة لا يظهر أنه فارق مؤثر في إهداء الثواب.
القول بأن والله الصدقة يمكن فيها النيابة والحج يمكن فيه النيابة شرعاً، لكن الصوم والصلاة لا يمكن فيه النيابة، أولاً نقول: الصوم ثبت فيه النيابة في قوله صلى الله عليه وسلم: من مات وعليه صيام صام عنه وليه. فالقول بأن الصوم لم تثبت فيه النيابة ليس بدقيق. وأما الصلاة نعم، وإن لم تثبت فيها النيابة، لكن عدم ثبوت النيابة فيها في الحياة الدنيا لا يمنع من عدم انتفاع لا يمنع من دفاع الأموات بإهداء ثوابها إليهم، لا يمنع من انتفاع الأموات بإهداء ثوابها إليهم.
فهذه قضية عدم النيابة شيء، وقضية انتفاع الأموات بإهداء الثواب إليهم هذه شيء آخر، فالأصل أن هذا لا يستلزم هذا ولا ينتج هذا، والله تعالى أجل وأعلم.
يعني هذا تعليق سريع أنا لا أطيل في هذه المسألة أكثر من ذلك.
إذاً وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم، وتكلم عن الدعاء والصدقات ونحن عممنا الكلام عموماً، منفعة للأموات. ثم قال: والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات، ويملك كل شيء ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين أي أهل الهلاك.
وهذه كلها قواعد جملة عامة واضحة المعالم لا تحتاج إلى شرح، وهو أن الله سبحانه وتعالى يستجيب دعاء الداعين، وتكلمنا عن الأسباب الشرعية في كثير من المجالس الماضية في هذه الدورة وفي غيرها، وعرفنا طرق تأثير السبب الشرعي.
وكذلك قوله تعالى: ويملك كل شيء ولا يملكه شيء، وهذا معنى من معاني الربوبية. وقال: ولا غنى عن الله طرفة عين، وذلك لأن الإنسان خلق فقيراً، والفقر من أهم صفاته الملازمة له. الفقر من أهم صفاته الملازمة له الافتقار للخالق سبحانه وتعالى، فمن استغنى عن الخالق وظن أنه يستطيع أن يسير في هذه الدنيا وحده بدون حاجة إلى مولاه فقد كفر وصار من أهل الحين والهلاك المخذولين، نسأل الله العفو والعافية.
ثم قال: والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى. هذا نص من نصوص الصفات، ولاحظوا كيف أقحمه الإمام الطحاوي رحمة الله عليه في ثنايا الكلام الأخير في الطحاوية، وإن كان الأصل أن يذكر هذا ضمن باب الصفات، وهذا يدل أحبابي الكرام على أن الإمام الطحاوي لا يسير على طريقة الأشاعرة والماتريدية.
وهذا النص أن الإمام الطحاوي يدل على أنه لا يسير على طريقتهم، لأنه واضح في إثبات صفة الغضب والرضا من دون تأويل. إذاً، طبعا الأشاعرة والماتريدية لما يشرحون العقيدة الطحاوية يقولون: الإمام الطحاوي يثبت الغضب والرضا لكنه يتأولها، فيتأول الرضا بإرادة الإاحسان، والغضب بإرادة الانتقام، وذلك أن الأشاعرة وعموم الفرق المتأولة تعيد هذه الصفات الاختيارية مثل الغضب والرضا والمحبة تربطها كلها في صفة الإرادة، فتقول كلها تعود إلى صفة الإرادة.
لكن الإمام الطحاوي رحمة الله تعالى عليه لم يقل ذلك، ولم يشير إلى ذلك في شيء من طحاويته إلى أن هذه الصفات متأولة، بل هو أثبتها على ظاهرها كما هي، أثبتها على ظاهرها كما هي فقال: والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى. فأثبت الغضب والرضا صفة لله سبحانه وتعالى وهي من الصفات الاختيارية، ثم نفى أن يكون غضبه كغضب المخلوقين ولا رضاه كرضا المخلوقين، وهذا شيء يقره أهل السنة والجماعة: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فهناك إثبات وهناك نفي للتشبيه في آن واحد.
وقضية الصفات تطرقنا لها كثيراً في المجالس الطحاوية فلا حاجة لإعادة الكلام عن مثل هذا الأمر، ودعونا ننطلق إلى.
المواضيع التي تليها. فقال: ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.
هنا بدأ الإمام الطحاوي رحمة الله عليه في هذه الفقرة والذي تليها الكلام عن ما يسمى بمباحث الصحابة، والكلام عن أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وزوجاته، وهذه المباحث أحبابي الكرام يشير إليها أهل السنة والجماعة بسبب الخلافات التي وقعت في تاريخ الأمة في موقف الفرق الإسلامية من الصحابة الكرام، خصوصاً فرقة الخوارج والشيعة. فإن أول الخلافات التي وقعت وشقت صف هذه الأمة خلاف الخوارج وخلاف الشيعة، فهناك من خرج وسفك دماء الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم كالخوارج، وهناك من تشيع لبعض الصحابة الكرام وأفرط فيهم على حساب غيرهم، بل بعضهم وصل به الحال إلى تأليه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بعض الصحابة. فمن الخلافات التي شقت صف الأمة موضوع الموقف من الصحابة الكرام، فلابد أن يشير علماء أهل السنة دائماً في كتبهم العقدية الموسوعية إلى موقف أهل السنة والجماعة المتزن من الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم، جميل؟
آه طبعا الكلام عن الصحابة أيضاً موضوع مهم من جهة أيضاً أن الصحابة هم الذين نقلوا الدين عقيدة وفقهاً وأخلاقاً وسلوكاً إلى الأجيال، فالطعن فيهم في الحقيقة هو طعن في أصل الرسالة، طعن في الصحابة الكرام والموقف الخاطئ منهم يسبب مع الوقت ماذا؟ طعن في الرسالة التي بلغها الصحابة لهذه الأمة. فإذاً من التحصين العقدي المهم جداً في تدريس العقيدة أن نحصن الشباب المسلم والفتيات المسلمات في جانب الصحابة، نرفع أي شبهة يمكن أن تحيط بموضوع موقفنا من الصحابة، نبين لهم الموقف الرشيد، كيف يتعاملون مع بعض الأخطاء التي صدرت منهم حتى نصل لموقف متزن نحافظ به على سياج العقيدة.
الصحابة هم الذين نقلوا العقيدة، احفظوا هذا جيداً. إذاً فالطعن فيهم وإسقاط جلالتهم وعدالتهم هو إسقاط لهذه الرسالة برمتها، لذلك كما قلت اهتم أئمة أهل السنة والجماعة بالموقف منهم، فانظروا ماذا قال الطحاوي، فقال: ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم. لا يصل بنا الأمر إلى التفريط بأن نؤلهه أو ننزلهم منزلة فوق منزلة الصحبة. قال وفي نفس الوقت: ولا نتبرأ من أحد منهم. لا نتبرأ منهم أبداً ولا من واحد منهم، حتى من صدر منهم أخطاء لا نتبرأ لا من علي ولا من معاوية لا من عمرو بن العاص ولا من الزبير، فكلهم صحابة أجلاء على العين والرأس ونغض الطرف عما وقع بينهم من فتن، فالله سبحانه وتعالى يعني يرحمهم برحمته، وهذه الأخطاء التي بدرت من بعضهم تغور وتذوب في بحر الخير والعطاء والتضحية التي بذلوها لخدمة هذا الدين.
فقالوا: ونبغض من يبغضهم. فكل من يبغض الصحابة ويشتمهم ويقع في عرضهم أو يتهمهم نحن نبغضه ديانة لله سبحانه وتعالى، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم ولا نذكرهم إلا بخير. ثم قال: وحبهم دين وإيمان وإحسان. أي من درجات التدين ومن أصول الإيمان حب الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ومن أراد الوصول إلى مراتب الإحسان فلا بد أن يصل إلى هذه القنطرة ويبين بشكل واضح موقفه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكم وصى النبي صلى الله عليه وسلم بصحابته الكرام ونهى عن سبهم ونهى عن جفائهم ونهى عن التطاول عليهم؛ لأنه يدرك بأبي هو وأمي أن هذه الأمة سيخرج فيها هؤلاء الطاعنون النابزون بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يحمي جنابهم الموقر من خلال بيان الموقف الذي يجب أن يتخذ من أصحابه فقال: لا تسبوا أصحابي في العديد من المواطن، ونهى عن التطاول عليهم والتجاسر على مقامهم الشريف.
ثم قال: وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. فبغض الصحابة كفر ونفاق وطغيان، فمن أبغض الصحابة من جهة حملهم للرسالة وتوصيلها لنا فهذا كفر، يعني من أبغض الصحابة من جهة تدينهم ومن جهة ما بلغوه للأمة من الخير والهدى والرشد أو طعن فيهم طعناً يقدح في عدالتهم الدينية فهذا كفر. وأما من خاض في الصحابة الكرام خاض فيه وأساء الأدب معهم لكن لم يصل الأمر به للطعن في العدالة الدينية والطعن فيما بلغوه، وإنما أساء الأدب مع بعضهم كما يفعل الجهال والسفهاء من مثلاً التطاول على مقام الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان أو غيره من الصحابة الكرام، فهذا يخشى على قلبه من النفاق، وهذا بالتأكيد شكل من أشكال الطغيان كما قال الإمام الطحاوي وتجاوز الحد الشرعي.
فبغض الصحابة قد يصل بالإنسان إلى الكفر وقد يصل به إلى النفاق والطغيان وتجاوز حدود الله سبحانه وتعالى، فالموقف إذاً هو أننا نحب الصحابة، لا نذكرهم إلا بخير، نبغض من يبغضهم وفي نفس الوقت لا ننزل أحداً منهم فوق منزلته التي وضع لها.
ثم خصص حديثه بعد ذلك فقال: ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً لأبي بكر الصديق تفضيلاً له وتقديماً على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب، ثم لعثمان بن عفان، ثم لعلي بن أبي طالب، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون. وهذه السمة التي تفرق بين أهل السنة والجماعة وبين الروافض الذين يرون أن عمر وأبا بكر غصبوا الخلافة لما لم يعطوها لعلي بن أبي طالب، وأنه كان هو الأولى بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كلام فاسد، فإن خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الأمة هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.
وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى استحقاقه الخلافة في كثير من النصوص إشارات وتنبيهات تدل على أحقيته بهذا، منها أمره أن يؤم الناس في الصلاة في مرض موته، وقوله صلى الله عليه وسلم يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر إلى غير ذلك من النصوص التي وردت في تقديمه على سائر الصحابة الكرام. أيضاً ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يبين فيه من موقف عمر يعني منزلة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وجلالة قدره الإشادة به وبمواقفه تدل على فضيلته على علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وهذا لا ينقص من قدر علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهو إمام جليل وصحابي كريم من الصحابة الكرام، لكن إعطاء الأمور حقها هذا هو الذي نحن نريده.
فقد جاء في الحديث عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه: كنا نفاضل في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفضل أبا بكر ثم عمر ثم عثمان، ثبت في الحديث الصحيح، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع الصحابة وهم يفضلون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ويقرهم على ذلك، فهذا يدل على تقديم هؤلاء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم تقديم فضيلة وتقديم خلافة، تقديم فضيلة وتقديم خلافة.
ووقع خلاف من حيث الفضيلة بين عثمان وعلي بين بعض السلف، وإن كان جمهور السلف على تقديم عثمان على علي في الفضل، لكن بعضهم كسفيان الثوري نسب إليه أنه يقدم علياً على عثمان في الفضل وروي أن سفيان الثوري تراجع عن ذلك، فهذه مسألة مسألة تفضيل بين عثمان وعلي مسألة ليس يبدع فيها المخالف في الحقيقة لا يبدع فيها المخالف، وإن كان الصحيح الذي استقر عليه أهل السنة والجماعة تقديم عثمان على علي. لكن الخلاف في تقديم أحدهما على الآخر ليس مما يبدع فيه، وأما تفضيل علي رضي الله تعالى عنه على أبي بكر وعمر نعم فهنا يبدع المخالف في هذه المسألة لأنها مسألة متفق عليها بين جميع السلف بلا نزاع في ذلك.
ثم انتقل بعض الخلفاء الراشدين إلى العشرة المبشرين فقالوا: إن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله الحق، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن أبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة رضي الله عنهم اجمعين. وقد جاء الحديث عن عبد الرحمن بن عوف حديث صححه طوائف من أهل العلم بأن هؤلاء العشرة في الجنة بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم لهم، فقال أبو بكر في الجنة، عمر في الجنة، عثمان في الجنة، علي في الجنة، وطلحة في الجنة إلى آخر العشرة. فنحن نصدق النبي صلى الله عليه وسلم ونشهد لهؤلاء بالجنة على ما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال الطحاوي: ومن سن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أزواجه الطاهرات من كل دنس ومن كل قبيح، وذرياته المقدسين من كل رجس الحسن والحسين فقد برئ من النفاق. فهو سلامة من النفاق من علامة حسن الاعتقاد محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبة الأنصار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه لا يحب الأنصار إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق. فمن علامة أهل الإيمان وسيماهم محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، محبة زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيرهن، محبة ذرية النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيرهم. ومن علامة أهل النفاق كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم التنقص من الصحابة الكرام والتطاول على مقام ساداتنا أمهات المؤمنين وذرية النبي عليه الصلاة والسلام. فمن أراد أن يعرف علامة تميز بين أهل الإيمان وبين أهل النفاق فلينظر في الموقف من الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم.
ثم بعد محبتنا وتوقيرنا للصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم نوقر أهل السلف، أهل القرون المفضلة الذين فضلهم النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فيجب علينا تعظيم أصحاب القرون الثلاثة الأولى ومعرفة حقهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين هذا حق، لذلك قال الطحاوي عليه رحمة الله: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين الذين تبعوهم بإحسان أئمة أهل السنة والجماعة أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل. من تطاول على السلف أو تنقص أحد العلماء الذين تابعوا السلف على طريقة أهل السنة والجماعة، من ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل، ليس على السبيل الرشيد أحبابي الكرام.
وكما قال ابن عساكر: لحوم العلماء مسمومة، وإن عادة الله سبحانه وتعالى في هتك أستار منتقصيهم معلومة. فالمسلم يححسن الموقف من السلف ولا يجرئنك الشيطان على أن تخوض في أحد العلماء الكبار من علماء السلف أو ممن سار على منوالهم ممن اعتنوا بالكتاب والسنة ونصروها وعززوها وأيدوها. وأيضاً أضيف على ذلك أحبابي الكرام حتى الموقف من علماء الفرق المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة كعلماء الأشاعرة وعلماء المعتزلة، فإن الأصل في طالب العلم الأدب مع العلماء، هذا هو المنهج الذي تربينا عليه الأدب مع العلماء خصوصاً ممن نحسن الظن أنه كان هدفه الوصول إلى الحق لكنه لم يصل إليه ولم يوفق له. فنحن نحسن الظن في علماء الأشعرية، ظننا بهم أرادوا الوصول إلى الحق في تنزيه الله سبحانه وتعالى لكنهم لم يوفقوا، منهم طبعا من تعصب ومنهم من أخطأ في الدخول في مسالك الفلسفة ومنهم من نشأ مقلداً، فأحوالهم متباينة والله سبحانه وتعالى هو الذي يتولى الجميع، لكننا نحسن الظن بهم.
حسن الظن بالمسلم هذا أصل في عقيدة أهل السنة والجماعة، ونحن أرحم الناس بالناس، ونفتح باب العذر لهم وندعو الله عز وجل أن يرحمهم وأن يتقبلهم وأن يجزيهم عنا خير الجزاء فيما تركوه من تراث للأمة نافع في غير أخطائهم العقدية، ما المانع من ذلك؟ أليس هذا موقف علمائنا الكبار من المتأخرين كابن تيمية وابن القيم وابن رجب وابن كثير والمعلم ومن بعدهم ومن قبلهم؟ هذا كان الموقف المعتدل الذي يسمى موقف الوسطي الهادئ المتزن، موقف بيان الأخطاء ودحضها لكن في نفس الوقت أن يعرف لأهل الفضل فضلهم ولاهل الحق حقهم، ويعرف من بذل وقدم لهذا الدين، ولا يعلم الطالب التطاول على العلماء حتى لو كنت لا أجعلهم من أهل السنة والجماعة كاسم، حتى لو كنا لا نلقبهم أنهم من أهل السنة والجماعة فهذا لا يمنع من التأدب في مقاماتهم، وأن رحمة الله سبحانه وتعالى تشمل الجميع وأن قدر الله عز وجل واسع.
ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه حقيقة إمام يقتدى به في هذا الميدان في الترحم على الأئمة والإحسان إليهم، وعندما جاءه ابن القيم رحمة الله عليه مسروراً يخبره أن أحد أقرانه من الأشاعرة قد توفاه الله سبحانه، فابن تيمية كأنه غضب من ابن القيم يعني قال له: أنت جاي تخخبرني بموت أحد أقراني من الأشاعرة؟ وكان صحيح كان يؤذيني لكن الآن انتهى الأمر، أمره إلى الله سبحانه وتعالى والله يعذره بعذره. فابن تيمية مباشرة قام من مجلسه وذهب إلى أهل هذا المتوفى فأخبرهم أنه يعني يواسيهم ويقف معهم في مصابهم وأنه كالأب لهم، وأي حاجة يحتاجونها فهو يقضيها لهم. يعني هذا الموقف هو الذي يعني نريده في شبابنا أن لا يكون تشنجات تصل بنا إلى التطاول على مقام الأئمة، ويأتي شاب ما زال مبتدئاً وناشئاً في العلم يتطاول على مقام علماء كبار.
النووي وابن حجر وعلماء بلغوا مبلغاً عظيماً وآثارهم تشهد بحسن نواياهم. يعني نحن لا نتكلم عن أناس كان هدفهم هدم الدعوة الإسلامية أو الطعن فيها، نتكلم عن أناس تركوا تراثاً كبيراً جداً في الفقه وفي الحديث وفي أصول الفقه وفي الذكر وفي جميع أبواب الخير. فنسأل الله سبحانه وتعالى فدائماً أن يرحم الجميع برحمته وأن يحسن ختامنا، وأن يلحقنا بركب العلماء، وأن نبقى على عقيدة أهل السنة والجماعة. ولا تذهب بنا الأهواء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
بعد ذلك انتقل الإمام الطحاوي رحمة الله عليه لمسألة الأولياء. فقالوا: ولا نفضل أحداً من الأولياء على أحد من الأنبياء. كما يفعله غلاة الصوفية، وأنا أقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء، ونؤمن في نفس الوقت بما جاء من كراماتهم، نؤمن بكرامات الأولياء وما صح عن الثقات من رواياتهم. الكرام، دعوني قليلاً نتكلم في موضوع الولاية. نقول: هؤلاء من أولياء الله، من هم أولياء الله سبحانه وتعالى؟ ما مفهوم الولاية في الشريعة الإسلامية؟ أولاً نقول: مفهوم كلمة الولاية في اللغة العربية مأخوذة من المحبة والقرب، مأخوذة من المحبة والقرب. فأقول هذا أي حبيبي وقريبي، هذا المعنى اللغوي.
وأما المفهوم الشرعي الصحيح لكلمة الولاية؛ فالولاية أو الولي هو الذي جمع بين الإيمان والتقوى. والشخص الذي جمع بين الإيمان والتقوى فكل مؤمن تقي هو ولي لله سبحانه وتعالى، من جمع بين الإيمان والتقوى فهو ولي لله سبحانه وتعالى. ما الدليل على ذلك يا شيخ؟ الدليل قوله تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. فهذه جملة تفسيرية. أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. من هم يا رب؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. فالله سبحانه وتعالى بين لنا معيار الولاية له، فالأولياء هم المؤمنون الأتقياء.
هذه النقطة الأولى طبعا، وبناء على هذا التعريف إذا قلنا الولاية هي أو الولي هو من جمع بين الإيمان والتقوى، فأولياء الله متفاوتون في مراتبهم بسبب تفاوتهم في مقدار الإيمان والتقوى. فالإيمان والتقوى متفاضل بين الناس وليس على مقدار واحد، فالأولياء أيضاً هم متفاوتون. وموقف أهل السنة والجماعة من أولياء الله سبحانه وتعالى هو أن الأولياء أناس من البشر مؤمنون متقون كما ذكرنا، ليسوا معصومين وليس لهم صفة معينة وشكل معين، ليس لهم صفة معينة لا في كلامهم ولا في أشكالهم ولا في لباسهم ولا في غير ذلك، وليس لهم معين أو طائفة معينة أو لباس معين أو رتب معينة وأسماء معينة تخصهم.
وفي هذا السياق يقول ابن تيمية رحمة الله عليه مؤكداً هذه الفكرة، يقول: ليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحاً، وهذا مباح بيلبسوا أي حاجة، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ظفره إذا كان مباحاً طيب. بل يوجدون يقول يعني ابن تيمية: بل يوجدون في جميع أصناف أمة محمد صلى الله عليه وسلم بشرط إذ لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور. وبالتالي يوجدون في أهل القرآن وفي أهل العلم، ويوجدون في أهل الجهاد والسيف، ويوجدون في التجار والصناع والزراع. يعني الأولياء الله سبحانه وتعالى موجودين في جميع أصناف أهل الإيمان الذين ليسوا من أهل البدع.
وكل من كان على طريقة أهل السنة والجماعة، من كان على طريقة أهل السنة والجماعة وليسوا من أهل البدع والفجور الظاهر، يوجد فيهم أولياء الله سبحانه وتعالى. سواء كانوا أهل القرآن أو أهل جهاد وسيف ورباط وعمل إسلامي مثلاً، أو كانوا تجار وصناع وفلاحين وأناساً يقפים على ثغور أخرى من ثغور الأمة. الولاية ليست خاصة بطلاب العلم ولا بالشيوخ، الولاية عامة في كل من جمع بين وصف الإيمان والتقوى كما يقرر ذلك ابن تيمية.
وهذا أحبابي الكرام يدل على أن الأولياء ليسوا أصحاب الخرق الخضراء، وليسوا الذين يتميزون بشكل معين من أشكال الخرق أو شكل معين من أشكال الجسد أو الجلوس بطريقة معينة وغير ذلك من الرسميات التي ترونها اليوم عند غلاة التصوف. ليس هذه معيار أبداً للولاية، وأنك لا تصبح ولياً إلا إذا لبست الخرقة ووضعها لك الشيخ الفلاني وأن الشيخ هو الذي يرقبك، هذي كلها رسميات ما أنزل الله بها من سلطان. معيار الولاية هو الإيمان والتقوى بدون الحاجة إلى أن يلبس الشيطان عليك أنك تحتاج إلى لباس معين وشكل معين ولون معين واسم معين. فهذا ليس لا عند الصحابة ولا عند التابعين ولا حتى عند علماء التصوف الصحيح كالجنيد وسهل التستري وإراهيم بن أدهم والحارث المحاسبي وغيرهم من علماء التصوف الذين كانوا يسيرون على منهج الكتاب والسنة رحمة الله تعالى عليهم.
وأقول أيضاً ويقرر أهل السنة والجماعة أنه ليس من شرط الولاية العصمة وعدم الوقوع في تلبيس الشيطان، الولي يمكن أن يقع في معاصي، يمكن أن يلبس عليه الشيطان في بعض الأمور، بل يمكن أن يقع في شيء من البدع. لكن لا يكون منهاج العام منهاج أهل البدع، يمكن أن يقع في شيء من البدع. وفي بيان هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه: وليس من شرط ولي الله أن يكون معصوماً لا يغلط ولا يخطئ، بل يجوز أن يخفى عليه بعض علم الشريعة خصوصاً إذا لم يكن من طلبة العلم، إن كان مثلاً صنائعي أو من الزراع وما شابه ذلك. ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين، حتى إن بعض الأمور مما أمر الله به ومما نهى عنه ولا يكون الأمر كذلك.
ويجوز أن يظن في بعض الخوارق أنها من كرامات أولياء الله وتكون من الشيطان لبسها علي. يعني بعض الأولياء الصادقين يمكن تحدث أمامه بعض الأمور، هو المسكين يظنها كرامة له وهي لا تكون كرامة بل من تلبيس الشيطان علي، ويكون معذوراً عند الله سبحانه وتعالى لطيبة قلبه. طيب وهذا التقرير الذي يقرره شيخ الإسلام أحبابي الكرام يترتب عليه أمر منهجي عميق، وهو أن الولي لا خصوصية له في اتباع أقواله ولا حجة فيها. هل الأولياء بالتالي أقوالهم حجة في الشريعة الإسلامية أو أقوالهم يتحاكم إليها في بيان الصواب من الخطأ؟ كلا.
لذلك يقول شيخ الإسلام أيضاً: ولهذا لما كان ولي الله يجوز أن يغلط لم يجب على الناس الإيمان بجميع ما يقوله من هو ولي لله لئلا يكون نبياً، أي لئلا يعامل معاملة الأنبياء، بل ولا يجوز لولي الله أن يعتمد هو على ما يلقى في قلبه إلا إذا وجده موافقاً للشرع، ما فيش الولي يقول حدثني قلبي بلاغي، حتى لو أنت ولي من يلقى في قلبك وفي روعك تعرضه على ميزان الشريعة وعلى ما يقع له مما يراه إلهاماً ومحادثة وخطاباً من الحق. بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فان وافقه قبله وإن خالفه لم يقبله، وإن لم يعلم موافق هو أو مخالف توقف فيه.
فكلام شيخ الإسلام ابن تيمية وهو من أحسن الكلام الذي جمع في موضوع الولاية، يبين أن الولي في النهاية شخص مثله مثل سائر الناس، أقواله وأفعاله غير معصومة، يصدر منه الخطأ فليس مرجعاً لنا في الأحكام الشرعية ما يتكلم به يعني خصوصاً إذا لم يكن من علماء الدين ولا من المتخصصين. بل نعرض أقواله على الكتاب والسنة فما وافق الكتاب والسنة قبلناه، وما خالف الكتاب والسنة رددناه.
هذا هو موقفنا الوسطي من موضوع الولاية، فنحن لا ننفي الولاية كما يزعم غلاة الصوفية أن أهل الحديث متعصبون ضد لا، لكن نسبة الولاية كما أثبتها الله: الذين آمنوا وكانوا يتقون. وتثبت الولاية كمرتبة من مراتب التدين والعبودية لله سبحانه وتعالى وليس مرتبة من مراتب التقديس للأشخاص.
بقي علي أن يعني أن أشار إلى بعض الأخطاء التي وردت عند الفرق في مفهوم الولاية، أختم بهذه الفكرة في موضوع الولاية فأبين مجموعة من الأخطاء وقعت في تصور قضية الولاية. هناك سبعة أخطاء عموماً سأشير إليها في موضوع الولاية. الخطأ الأول: وقع في ضابط الولي وصفاته، فلم يعد الولي عند بعض الطوائف المحافظ على الإيمان والتقوى وإنما أضحى الولي عندهم هو المحافظ على الأوراد والتراتيب كما هو الحال عند الصوفية، أو الولي هو الحاصل على الخرقة من شيخ من الشيوخ. إذاً، أول خطأ وقع فيه تصور من هو الولي. هسا احنا أهل الحديث نرى أن الولي هو رجل متبع للكتاب والسنة ويظهر هذا على جوارحه، هذا الضابط باختصار. وفرق أخرى لم تلتفت إلى هذا الضابط وجعلت الولاية متعلقة بأوراد معينة لازم يتلوها هذا الشخص الذي يريد أن يكون ولياً، تراتيب معينة لازم يصل إليها، وأسرار لازم يكتشفها، أبواب لازم يطرقها، خرق لازم يلبسها، فهذا خلل منهجي في بيان ضابط الولاية.
أيضاً الخطأ الثاني المنهجي الذي وقعت فيه الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة: ادعاء العصمة للولي. وهذا الخطأ وقعت فيه طوائف من غلاة التصوف وغلاة التشيع، والتصوف والتشيع بينهما علاقة وثيقة كما بين الدكتور صديق خان في كتابه عن الصوفية وعلاقاته بالتشيع، أنصح بقراءة هذا الكتاب. فقد بين فيه ارتباطاً واضحاً بين مفهوم التصوف ومفهوم التشيع، كما أن الشيعة يرون العصمة لأئمتهم الاثني عشر، كذلك الصوفية يرون العصمة لأوليائهم وأقطابهم وأبدانهم. طيب، وإن كان هذا ليس كما قلنا متفقاً عليه بين الصوفية فبعضهم لا يدعي العصمة، لكن منتشر عند غلاة التصوف ادعاء العصمة للولي.
الخطأ الثالث: إسقاط التكاليف، فإن ثمة طوائف متعددة تقرر بأن الإنسان إذا بلغ مرتبة معينة من الولاية فإن التكاليف الشرعية تسقط عنه، فيصبح غير مكلف بالصلاة والزكاة والصيام وما شابه ذلك، ويحل له تركها، وهذا خلل منهجي يصل بصاحبه للكفر.
الخطأ الرابع: إضافة الصفات الإلهية للأولياء، فعدد من الطوائف يدعي أن الولي مثلاً يعلم الغيب، أو يتصرف في الكون، أو أنه يستجيب الدعاء، وهذه من صفات الإله سبحانه وتعالى، وهذا خطأ يصل بصاحبه للكفر والعياذ بالله.
الخطأ الخامس: تحديد طبقات ومراتب مبتدعة للأولياء، يضعون لهم تراتيب، يقول لك: القطب، الوتد، الغوث، وأصعد معهم، وغير ذلك من المصطلحات التي تجدونها في كتب الصوفية. هذه من الأخطاء المنهجية في موضوع الولاية.
الخطأ السادس: ادعاء استغناء الولي عن اتباع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لعله الذي أشار إليه الطحاوي لما قالوا: لا نفضل أحداً من الأولياء على أحد من الأنبياء كما يزعم الغلاة، غلاة التصوف ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء، الولي هو الذي يتبع الرسول، أما ولي يقول أنا أفضل من الرسول، فهذه سقطت ولايته مباشرة. إذاً، ادعاء استغناء الولي عن اتباع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، هذا أيضاً من المناهج أو المفاهيم الخاطئة في الولاية.
سابعاً وأخيراً: ادعاء مفهوم ختم الولاية، وهو أن الأولياء لهم خاتم يختمهم كما أن الأنبياء لهم خاتم يختمهم. وهاي الفكرة للأسف ادعاها حكيم الترمذي في كتابه ختم الولاية، أول من ادعى هاي الفكرة، فكرة أن الأولياء لهم خاتم يختمهم كما أن الأنبياء لهم خاتم يختمهم، هو الترمذي في كتابه ختم الولاية. ثم تطورت هذه الفكرة تطوراً كبيراً إلى أن بلغت أن بعضهم ادعى أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء والعياذ بالله. بعضهم ادعى أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم ايش؟ الأنبياء، وبعضهم ادعى أن خاتم الأولياء أفضل من جميع الأولياء الذين سبقوه، وهذه كلها أقوال بدعية.
إذاً، هذه إشارة سريعة لأبرز الأخطاء التي وقعت في مفهوم الولاية طلبت أن أشار إليها باختصار لنفهم لماذا يتكلم أبو جعفر الطحاوي عن موضوع الولاية في كتابه؛ لأنه موضوع فعلاً شائك، والفرق سواء من الصوفية أو الشيعة وخاصة غلاة التصوف وغلاة التشيع خلطوا في هذا الباب كثيراً على الأمة، وخاضوا في موضوع الولاية وسلكوا طرقاً يعني للأسف نقول إنها أخرجت كثيراً منهم إلى خارج أسوار الشريعة وأصبح باباً للخرافات والأساطير، هذا باب الولاية.
لكن أهل السنة والجماعة توسطهم في هذا الباب أنهم يثبتون الولاية ويثبتون كرامات الأولياء، وسبق أن بينا الفرق بين المعجزة والكرامة فيما سبق من الدروس السابقة أرجو العودة إليها، لكن في نفس الوقت لا ننزل الأولياء منزلة أكبر من المنزلة التي وضعها الشرع لهم.
فهذا الكلام باختصار عن موضوع الولاية، ثم قال: ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض من موضعها. وهذا فائدة من الأمور الغريبة عند الإمام الطحاوي رحمة الله عليه، يعني كيف أنه يذكر أمور هكذا يعني مبعثرة. مثل هذا الأمر الأصل أنه ذكره لما تكلم عن ماذا؟ عن الموت وأشراط الساعة، يعني لما تكلم عن الموت الأصل ذكر قبل قضية الموت والبرزخ وأهوال يوم القيامة ذكر أشراط الساعة حتى يكون الكلام متسلسلاً. وأما هذه القطعة الواسعة وأن في الختام تذكر أشارات الساعة، فهذا يدل يعني على أمر يعني يحسن بنا أن نبحث عنه: هل الإمام الطحاوي كتب عقيدته هكذا فعلاً بهذا التصور؟ هل كانت عبارة عن خواطر تأتي على ذهنه يكتبها تباعاً على حسب ما يأتي الدين؟ هل كتبها في أوقات متعددة بحيث ما كان يعني على اهتمام أن يكون الكلام منسقاً؟ لماذا كتبت بهذا الشكل؟ هذا سؤال يستفزني حقيقة ويجعلني دائماً أفكر: ماذا كان في ذهن الإمام الطحاوي لما كتب هذه في هذا المكان؟ لماذا هنا ذكرها؟ هذا سؤال يحتاج من طالب العلم الجاد إلى بحث.
أكثر فأكثر لنصل إلى هذا الإصرار. المهم، قال: نؤمن بأشراط الساعة. الآن أحبابي الكرام، مشهور عند كثير من المتأخرين تقسيم أشراط الساعة إلى أشراط كبرى وأشراط صغرى، وهذا ليس تقسيماً يعني ثابتاً عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن السلف، ولكنه تقسيم اجتهادي؛ يعني هو تقسيم اجتهاد لا حرج فيه.
لكن هل هو تقسيم لابد نلتزم به ونؤمن به بهذا على هذه النوعية؟ لا، في الحقيقة، إنما هو تقسيم لبعض المتأخرين من أهل العلم. فهذه الأشراط المذكورة هنا هي من أشراط الساعة التي يقال إنها كبرى، أي إنها تأتي الساعة بعدها، ساعة تأتي بعدها أو عقبها، وهي مثلاً مثل خروج الدجال؛ هو المسيح الدجال الذي يخرج ويملأ الأرض ظلماً وخطئاً، وينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء في دمشق ثم يلاحق الدجال فيقتله في مدينة اللد في فلسطين.
ثم قضية أن عيسى بن مريم لما ينزل يحكم بشريعة الإسلام وشريعة النبي صلى الله عليه وسلم، وكسر الصليب ويقتل الخنزير. وقضية طلوع الشمس من مغربها، وأنها إذا طلعت من مغربها سد باب التوبة على أهل الأرض. وقضية خروج دابة الأرض من موضعها، وهي الدابة التي تخرج عند الكعبة فتسم الناس إلى مؤمن وكافر، فيكتب على جبين كل من كان حيا أن هذا مؤمن وهذا كافر، فيصبح أهل الأرض يعرفون بعضهم بعضاً من هو مؤمن ومن هو كافر. فهذه من أشراط الساعة.
ونلاحظ أنه لم يستقصها رحمة الله تعالى عليه، وإنما ذكر خروج المسيح الدجال وهذه من المعلوم، ونزول عيسى بن مريم وتفاصيل نزوله وأحواله، فينزل -لعلنا نذكر ذلك إن شاء الله في دورات مخصصة عندما نتكلم عن أشراط الساعة بالتفصيل- وقصة أشراط الساعة ومن ينزل وكيف ينزل وماذا سيفعل وأين سيفعل؟ هذه أمور تحتاج إلى تفاصيل أنا أضربت عنها صفحاً في تعليقاتي الختامية على العقيدة الطحاوية.
نؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وهذا أيضاً أهله موضعه في التفصيل، لكن الإشارة العامة فيه أن إذا طلعت من مغربها فإن باب التوبة يغلق، وخروج دابة الأرض من موضعها، وهذه الدابة التي تخرج في أرض مكة وتختم الناس عليهم مؤمن وكافر، ويكون هذا في سيماهم كما دل على ذلك بعض الآثار. ثم ختم فقالوا: لا نصدق كاهناً ولا عرافاً. هل هناك فرق بين الكاهن والعراف في الحقيقة؟ شيخ الإسلام ابن تيمية أشار في بعض نصوصه إلى أن آآ يشمل الكاهن والمنجم، العراف أعم، وبعضهم يقول إن الكاهن هو الذي يخبر عن الأمور المستقبلية، وأما العراف هو الذي يتحدث عن الأمور الماضية التي وقعت.
وهذه كلها يعني كما قلنا اجتهادات من بعض أهل العلم في ذكر الفوارق بين هذين المصطلحين، وإن كان كما قلت أحياناً يطلق الكاهن ويقصد به العراف، ويطلق العراف ويقصد به الكاهن، لكن ذكرهما هنا معاً يدل على أن الطحاوي يفرق بينهما. فما سر التفريق؟ كما قلت يمكن أن يقال كما ذكر بعضهم أن الكاهن هو الذي يخبر عن الأمور المستقبلية، والعراف هو الذي يخبر عن الأمور الماضية، وهذا كله من الأفعال الكفرية لأن فيه ادعاء على اطلاع على غيب الله سبحانه وتعالى.
لذلك قالوا: لا نصدق كاهناً ولا عرافاً ولا من يدعي شيئاً يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة. ونرى الجماعة حقاً وصواباً والفرقة زيغاً وعذاباً. لاحظ كيف يركز أهل السنة والجماعة على أنهم أرحم الناس بالناس، يركزون على مفهوم الجماعة، لكن الجماعة علامة أي يرضي الله سبحانه، وليس الجماعة التي تكون على حساب مفاهيم الدين وتمييع مفاهيمها؛ لأنه بعض الناس بيقول لك: شايف يا شيخ، هيهم يدعون للجماعة، لماذا أنتم تفرقون الناس؟
يقولون: هذه الطائفة طائفة أهل السنة والجماعة، وتلك الطوائف ليسوا من أهل السنة والجماعة. غالباً، وهذه في النهاية مفاهيم شرعية، يعني نحن لسنا مخولين أن نضع المقاييس على اهوائنا، عندك شريعة إسلامية هي التي تضع المقاييس ونحن نتبعها فقط، فالشريعة هي التي بينت وحددت لنا مفهوم أهل السنة. ثم بعد ذلك عندما ندعو إلى الاجتماع ندعو للاجتماع تحت مظلة أهل السنة والجماعة. هذه الفكرة الأولى.
الفكرة الثانية أننا حتى ولو كان الطرف المقابل ليس من أهل السنة والجماعة، لكن تبقى مظلة الإسلام تجمعنا جميعاً. يعني نقول هناك مظلة أهل السنة والجماعة هي التي ندعو إليها الناس، لكن مظلة الإسلام تجمع أيضاً الفرق التي خرجت من دائرة أهل السنة والجماعة لكنها لم تخرج من دائرة الإسلام العظيم. فنحن مع هذه الفرق يجب أحبابي الكرام أيضاً أن نجتمع على كليات العقيدة التي نتفق عليها، فنجتمع مثلاً على تحكيم شريعة رب العالمين، هذا الأصل لا يخالف فيه معتزلي ولا أشعري ولا حديثي ولا كرامي، الأصل هذا متفق عليه.
الدفاع عن بلاد الإسلام والمسلمين ومحاربة أعداء الملة، فهذا التاريخ عبر قرون والمسلمون جميعاً بفرقهم الاعتزالية والاشعرية وأهل الحديث الكل يقاتل أعداء الأمة. فهناك كليات كبرى جميعاً نتحد عليها تحت مظلة الإسلام العظيم، ثم بعد ذلك كل يدعو إلى ما يراه أهل السنة والجماعة. فنحن نرى أن عقيدة أهل الحديث هي عقيدة أهل السنة والجماعة فندعو إليها ونحث عليها ونرد أهل الباطل ونجادل بالتي هي أحسن.
آآ لكن في النهاية مجادلتنا بالتي هي أحسن قارعتهم إلى الأقوال المبطلة لا يمنعنا أن تكون بيننا وبين الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة مساحة من الالتقاء تحت مظلة الكليات الكبرى، فإننا اليوم أحبابي نواجه شبهات الإلحاد وشبهات اللاأدري والشكوكيين وحرباً على مفاهيم إسلامية كبرى، فلا يصلح أن تقول: لا لا، أنا لا أمشي إلا مع أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وكل من يرد على هذه الفرق من غير أهل السنة والجماعة لا أسمع أو لا أستفيد منه، أو لا يمكن أن يكون بيني وبينه عمل مشترك.
أظن أن هذا سوء فهم لمعنى الجماعة، بل علينا أحبابي الكرام أن نعرف ما هي النقاط التي يمكن نلتقي فيها؟ ما هي النقاط التي نختلف فيها؟ نعيد ترتيب أولويات هذه الأمة حتى نصل إلى شيء ملموس من النهضة بهذه الأمة من هذا الغثاء الذي تعيشه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا دائماً على الحق إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ما يزعجنا أن نجد بعض الناس لما يريد أن يجمع الناس على الحق يعني يجمع معه العلماني والليبرالي والحداثي والمصكم، البعض يدخل معها النصراني ويقول لك: يعني في النهاية هذه مصلحة. لا اخي الكريم، نجمع أهل الدين، مجمع أهل الدين حتى ولو كان بيننا وبينهم خلافات عقدية. أما تدخل لي أناساً أفكارهم خارج إطار الإسلام أصلاً من الليبراليين وعلمانيين وغير ذلك، فهذا في الحقيقة طعن في رسالة الإسلام وطعن في ظهر هذه الأمة والأمة ما زالت تطعن بسبب هذا التجميع الفاسد.
ثم قال: ودين الله في الأرض والسماء واحد وهو دين الإسلام، ولا نقبل به بدلاً، هذا هو الدين الحق. والذين يحاولون أن يميعوا اليوم نقرأ في مناهجنا الدراسية للاسف؛ أحد الإخوة يرسل لي في منهج دراسي للصف الثانوي في بلادنا المسلمة يحاولون إظهار أن جميع الديانات مقبولة أو لها اجتهادات والله سبحانه وتعالى يغفر لأربابها. وهذا أحبابي الكرام كلام خطير جداً، يجب علينا أن نعلم وأن نلقن أبناءنا أن الدين الحق الإسلام، كما قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، وقال تعالى: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.
وكما قال الطحاوي: دين الإسلام بين الغلو والتقصير، ليس عندنا غلو وإفراط وليس عندنا تمييع وتفريط، وبين التشبيه والتعطيل، ولا نسلك سبيل المشبهة الضالة، ولا نسلك أسلوب أهل التعطيل الذين عطلوا الله عن صفاته وأسمائه الحسنى، وبين الجبر والقدر وعفواً، وبين الأمن والاياس، وهذي كلياتها مفاهيم مرت معنا أثناء دراستنا للعقيدة الطحاوية. عرفنا موضوع التشبيه والتعطيل هذا يتعلق بباب الصفات، موضوع الجبر والقدر هذا يتعلق بباب القضاء والقدر، مفهوم الأمن والاياس أيضاً أشرنا إليه.
ثم ختم فقال: فهذا ديننا واعتقادنا ظاهراً وباطناً، ونحن برءاء إلى الله من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه. البراءة من أهل البدع ما عندنا مشكلة في ذلك، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا على الإيمان ويختم لنا به، قولوا آمين، آمين يا أرحم الراحمين، وأن يعصمنا من الأهواء المختلفة والآراء المتفرقة والمذاهب الردية. آمين يا رب، اجنبنا هذه المذاهب مثل المشبهة. الآن سيذكر المذاهب الردية مثل المشبهة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية.
طبعاً المعتزلة هي تدخل تحت القدرية، والجهمية تدخل تحت الجبرية، لأنه المعتزلة والجهمية أسماء فرق معينة، والجبرية والقدرية أسماء أفكار، وهذا عليك أن تميزه. الفرق بين أسماء الفرق فالمعتزلة اسم فرقة عندها مجموعة من العقائد الباطلة، والجهمية اسم فرقة عندها مجموعة من العقائد الباطلة في أكثر من باب، أما الجبرية فهو اسم لمعتقد عقدي خاطئ في باب القدر، والقدرية اسم معتقد أيضاً خاطئ في باب القدر، فتميز بين أسماء الفرق وبين أسماء الأفكار المنحرفة.
ولكننا كما قال نتبرأ منها جميعاً، سواء فرق أو أفكار، مخالفا لطريقة أهل السنة والجماعة، قال: وغيرهم من الذين خالفوا الجماعة وخالفوا الضلالة ونحن منهم براء، وهم عندنا ضلال وأزبياء، وبالله العصمة والتوفيق. هذا أحبابي الكرام نهاية تعليق العبد الفقير على كتاب العقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر الطحاوي رحمة الله تعالى عليه. اجتهدت ألا يكون طويلاً مملاً وألا يكون قصيراً مخلاً، حاولنا أن نقتحم العديد من المسائل العقدية المهمة التي هي من مثارات الجدل.
هذا الكتاب لم نسعى فيه للإجابة عن جميع الشبهات التي تطرحها الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة، وإنما تكلمنا عن أصول الشبهات وأصول الردود. ويبقى طالب العلم بالتأكيد أن يخوض غمار كتب العقيدة الكبرى المفصلة، ويذهب إلى الكتب التفصيلية الدقيقة إذا أراد أن يكون متيناً في هذا الباب يتصدى للرد على أهل الأهواء. كما قلت كان الهدف من هذا أن نمر على عقيدة أهل السنة والجماعة عموماً، أن نعرف كيف نتعامل مع عقيدة مثل عقيدة الإمام الطحاوي فيها جانب كبير من الصواب مع بعض الأخطاء مع بعض العبارات المجملة.
آآ أسأل الله سبحانه وتعالى أن أكون وفقت في إيصال الأفكار التي ترضيه عز وجل عني وعنا جميعاً، وما أصبت فيه فمن ربي سبحانه وتعالى وهو محض فضلي علي، وما أخطأت فيه فهو من نفسي مقصرة ومن الشيطان، ونرجو أن نلتقي دوماً أحبابي الكرام في مجالس العلم والمعرفة، وأن يوفقنا الله وأن يمدنا بالصحة والعافية لنلتقي في مجالس جديدة من مجالس غراس العلم بدراسة العلوم الشرعية، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل