تسجيل الدخول

شرح العقيدة الطحاوية (17) / مسألة الهدى والضلال + باب النبوات

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حييتم أحبابي الكرام إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة العقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر الطحاوي رحمة الله تعالى عليه. آه في المحاضرة السابقة انتهينا من الحديث عن مراتب القدر، وتحدثنا عن بعض تفاريعه المتعلق بمرتبة المشيئة ومرتبة الخلق، واليوم بإذن الله سننتقل إلى مسألة وإلى مقطع من كلام الطحاوي هو مرتبط بباب القدر لا يخرج عنه، لكن المسألة الفرعية تبحث فيه، وهي مسألة آآ خلق الهدى والضلال.

يقول الطحاوي رحمة الله تعالى عليه في هذه الفقرة، قال الإمام الطحاوي: يهدي من يشاء ويعصم ومعافي فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً، وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، وهو متعال عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره، آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلا من عنده، هذه نهاية كلامه في باب القدر في هذا المقطع.

وهذه مسألة تسمى مسألة الهدى والضلال، وهي كما ذكر ابن القيم رحمة الله تعالى عليه في شفاء العليل: هي قلب أبواب القدر، يعني مسألة مهمة من أبواب القدر، حتى وصفها ابن القيم بأنها قلب أبواب القدر. فإن أفضل ما يقدره الله سبحانه وتعالى لعبده، أفضل قدر يكتبه الله لك ويقدره لك ما هو؟

أفضل قدر يقدره الله لعبده ويقسمه له هو الهدى، وأعظم ما يبتليك الله سبحانه وتعالى به ويقدره عليك هو الضلال، وكل نعمة هي دون نعمة الهدى، وكل نقمة ومصيبة هي دون مصيبة الضلال. فأعظم الاقدار وأجملها أن يكتب الله لك الهداية، وأصعب الأقدار وأكثرها مصيبة عن العبد أن يكتب الله عليك الضلال، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتبنا جميعاً من أهل الهداية وأن يصرف عنا الضلال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وقد اتفقت رسل الله من أولهم إلى آخرهم والكتب المنزلة عليهم على أنه سبحانه وتعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وأنه من يهد الله فما له من مضل، ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والضلال بيده أساساً لا بيد العبد، ثم العبد في النهاية هو الضال وهو المهتدي. فالهداية والإضلال هو فعله سبحانه وتعالى وقدره، والاهتداء والضلال هو فعل العبد وكسبه، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة.

فالهدى والضلال في النهاية هي من أفعال الله سبحانه وتعالى أو من أعظم من خلق الله سبحانه وتعالى، مثل سائر أفعال العباد فهي تندرج تحت القاعدة العامة في خلق أفعال العباد؛ فأنت الذي تقوم وأنت الذي تشرب وأنت الذي تأكل وأنت الذي تفعل وتفعل، تمام؟ باختيارك بإرادتك الحرة، والله هو الذي يخلق ذلك فيك، والهدى والضلال يندرج تحت هذه القاعدة.

لكن قبل أن أدخل، يعني ساصل لهذه المرتبة، لكن قبل البدء في تحرير هذه المسألة وبيان أقوال الفرق الكلامية وأهل السنة فيها، علينا أن نعرف أن مراتب الهدى أربعة، حتى نعرف عن أي هدى نتكلم؟ ما هو الهدى والضلال الذي نتكلم عنه في هذه المسألة؟

فنقول: مراتب الهدى أربعة، المرتبة الأولى هو الهدى العام، والمقصود به هداية الله سبحانه وتعالى كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها، هداية الله سبحانه وتعالى كل نفس إلى مصالح معاشها، وهذا الذي هو الذي نسميه نحن الإلهام، يلهم الله سبحانه وتعالى الحيوانات جميعاً عن وكل أشكال الحياة على وجه الأرض كيف يقيمون أمور معاشهم؟ فيلهم الإنسان كيف يأكل وكيف يشرب وكيف يكسب معاشه، ويلهم الأسد كيف يقول وكيف يشرب وكيف يأتي بطعامه، ويلهم النحل كيف يذهب إلى رؤوس الجبال وإلى الأشجار وإلى الأزهار فيقطف الرحيق. هذا أوسع أنواع الهداية وهي تتعلق بجميع المخلوقات.

وقال الله سبحانه وتعالى في هذه المرتبة من مراتب الهداية قال: الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى. وقال في سورة العلق: وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى. فالهداية العامة هي هداية الله سبحانه وتعالى جميع المخلوقات إلى ما يصلح معاشهم، وهذا الذي يسمى إلهام فطري، أن يلهمهم الله سبحانه وتعالى كيف يقومون أمور معاشهم.

المرتبة الثانية من الهدى هي هدى البيان والدلالة والتعليم، الهدى بمعنى ماذا؟ البيان والارشاد والتعليم، وهذا خاص بالمكلفين، وهذه الهداية خاصة بالمكلفين، أن الله سبحانه وتعالى يبين لنا ويعلمنا طريق الرشاد وطريق الضلال، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ أي بينا له طريق الخير وطريق الشر.

وهذه المرتبة من الهداية هي ليست خاصة بالله سبحانه وتعالى بل يستطيع أن يقوم بها البشر، فالدعاة إلى الله سبحانه وتعالى هم هادون بالنسبة لهذه المرتبة، والنبي صلى الله عليه وسلم يهدي الناس بمعنى بين لهم طريق الخير وطريق الشر، فالهداية بمعنى بيان طريق الخير وطريق الشر وتعليم الناس الطرق إلى الله سبحانه وتعالى، هذه المرتبة لا يختص الله سبحانه وتعالى بفعلها بل يمكن أن يفعلها المخلوق، يمكن أن يفعلها المخلوق في بين الإنسان لغيره طريق الخير وطريق الشر.

وهذه مرتبة يدل عليها من كتاب الله سبحانه وتعالى قول الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. ما معنى هنا تهدي؟ تدل وترشد، تدل وترشد، فهذا نوع ثاني من أنواع الهداية الواردة في القرآن.

المرتبة الثالثة وهي أخطرها، الهداية المستلزمة للاهتداء، والمراد بها هداية التوفيق. الهداية بالمعنى الثالث: هداية التوفيق، ومعنى هذه الهداية مشيئة الله سبحانه وتعالى لعبده أن يكون مهتدياً وخلقه لدواعي الهدى فيه، وإرادته لأن يكون الاستقامة، وهذا النوع من الهداية لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، هداية التوفيق أن يجعلك الله على درب الاستقامة ويخلق فيك دواعي الذهاب إلى طريق الرشاد، هذا لا يقدر عليه أحد إلا الله سبحانه وتعالى.

قال الله عز وجل لنبيه: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ. لاحظوا الله عز وجل يقول لنبيه: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. في مقابل ذلك يقول: إِنَّكَ لَتَهْدِي مَنْ، طب ما الفرق بين هذي وهذي؟

تقول: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ المراد هداية الدلالة والرشاد والارشاد، لكن وَإِنَّكَ لَتَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ المراد دلالة التوفيق وبيان وعفوا ووضعك على طريق الاستقامة فهذا لا يكون إلا بيد الله، وستأتي معنا لأنه هذه هي محل النزاع أصلاً. هذا النوع هو محل النزاع بين الإسلاميين.

المرتبة الرابعة أو الشكل الرابع من أشكال الهداية: الهداية يوم المعاد في الدار الآخرة إلى طريق الجنة وإلى طريق النار، فهذا نوع رابع أثبته الله عز وجل في كتابه، فقال في الهداية إلى طريق جهنم، قال سبحانه وتعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ. يقول الله عز وجل لملائكته يوم القيامة عن الكافرين إيش؟ اهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ، الهداية هنا معنى سوقوهم إلى طريق الجحيم والعياذ بالله ليدخولوا نار جهنم.

بينما أهل الجنة أهل السعادة ماذا يقول الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ. قال أهل التفسير: سَيَهْدِيهِمْ هذه هداية بعد الموت، فما المراد بالهداية التي بعد الشهادة؟ الهداية إلى طريق الجنة، سَيَهْدِيهِمْ إِلَى الجنة وإلى منازلهم في الجنة، فهذه هداية رابعة وهي الهداية يوم المعاد إلى طريق الجنة وإلى طريق النار.

فإذاً كلمة الهداية وردت في القرآن الكريم في أربع استعمالات: الهداية العامة وهي الإلهام لطليق تصريف طرق المعاش، الهداية الثانية هداية الدلالة والإرشاد، الهداية الثالثة هداية التوفيق، والهداية الرابعة هي الهداية إلى طريق الجنة وإلى طريق النار. وموطن الخلاف أحبابي الكرام بين الإسلاميين فعلياً إنما هو في المرتبة الثالثة، وهي هداية التوفيق، والمراد بها مشيئة الله لعبده الهداية.

والسؤال الوارد الآن، ما هو السؤال الوارد في هذه المرتبة؟ في هداية التوفيق الذي دار عليه الخلاف؟ السؤال هو: هل الله سبحانه وتعالى هو الذي يخلق الهداية في العبد ويخلق الضلال في العبد كما يخلق سائر أفعاله كما يخلق سائق الأفعال للعباد، أم العبد هو الذي يخلق الهداية والضلال في نفسه من دون ارتباط لمشيئة الله سبحانه وتعالى ولخلقه في ذلك؟

هذا السؤال الأول، ما هو السؤال؟ هل الله هو الذي يشاء الهداية للعبد ويخلقها فيه، أم العبد هو الذي يشاء الهداية لنفسه من دون تدخل لمشيئة الله والعبد هو الذي يخلق الهداية لنفسه؟ واضح السؤال.

والسؤال الثاني: هل العبد يملك اختياراً؟ يعني هل الله منح العبد اختياراً ليختار الهدى والضلال؟ أم العبد مجبر مضطر على أحد الطريقين ليسير فيهما من دون اختيار به؟

هذا سؤال آخر وله علاقة بالسؤال الأول لكنه سؤال منفصل. فالآن ما طريقة أهل السنة والجماعة في هذين السؤالين؟ كيف نقرر هذه العقيدة؟ فنقول: أهل السنة، الآن سنقرر عقيدة أهل السنة والجماعة. أهل السنة والجماعة يقررون أن الهداية والضلال خلق الله، يخلقهما بمشيئته وحكمته في عبيده كما يخلق سائر أفعال العبيد من الأكل والشرب والقيام والقعود.

فكما أن هذه الأفعال خلقها الله سبحانه وتقوم في العبد عندما يباشرها والعبد سبب فيها فتنسب للعبد، فنقول: أكل محمد وقام زيد -مر معنا في المجلس السابق هذا الكلام- وجلس بكر، فكذلك الهداية والضلال الله عز وجل يخلقها حيث شاء، والعبد هو الذي يباشر طريق الهداية أو طريق الضلال فيكون العبد هو الذي اهتدى أو هو الذي ضل.

تمام؟ وهذا ينقلنا إلى النقطة الأخرى وهي: هل العبد طيب لما يذهب إلى طريق الهداية فنقول اهتدى أو إلى طريق الضلال فنقول ضل فلان، هل هو مجبر على أن يسلك هذا الطريق أو هذا الطريق، أم أعطاه الله إرادة حرة لاختيار بأحد الطريقين؟ ماذا نقول؟ الله عز وجل منحك الإرادة الحرة ومنحك الآلات حتى تختار أحد الطريقين.

إذاً وفي نفس الوقت نقول: منح الله سبحانه وتعالى الإنسان إرادة حرة ومشيئة من خلالها يختار طريق الهدى والضلال، فهو ليس مضطراً مقهوراً على أحدهما من دون مشيئة منه واختيار. يعني الهدى والضلال حالها حال سائر أفعال العبيد باختصار، نظرة أهل السنة متكاملة في هذا الباب، كما أنك أنت الذي تختار أن تشرب أو ألا تشرب، وأن تسلك هذا الشارع وألا تسلك هذا الشارع، كذلك الهدى والضلال.

الله سبحانه وتعالى منحك إرادة قرة وبين لك بهداية البيان السابقة طريق الخير وطريق الشر وأعطاك الخيار لتسلك أحد الطريقين، فأنت تسلكها بمشيئتك ابتداءً. لكن هل الله سبحانه وتعالى بعلمه السابق ومشيئته السابقة يعلم ماذا ستختار والذي ستختاره؟ نعم، الله عز وجل يعلم ذلك ويشاء ذلك.

طيب، العبد ممكن يعترض يقول: طب إذا كان هناك علم سابق ومشيئة سابقة من الله، إذاً كيف أنا أختار؟ هنا الحيرة عند بعض الفرق، أنه إذا كان هناك علم سابق ومشيئة سابقة من الله أن العبد هذا سيتجه هنا أو يتجه هنا، فكيف إذاً هناك مشيئة للعبد واختيار؟

ماذا تقول؟ لا منافي. لماذا؟ لا منافى. الله الصالح، أحسنت. يعني العبد لما باشر أحد الطريقين باشرها بناءً على مشيئة واختيار منه، من دون علم منه ماذا في علم الله المسبق وماذا في مشيئة الله المسبقة؟ يعني أنت يا هشام لما اخترت أن تسلك درب الالتزام والهداية، هل أنت كنت مطلع على مشيئة الله المسبقة ما الذي تريد لك؟

أنت ما عندك علم بمشيئته الله المسبقة ما الذي تريده لك، وليس عندك علم بالكتابة المسبقة ولا بالعلم السابق، وإنما أنت ظهر لك طريق الخير وعندك إرادة فطرية أنت تؤمن بأنها موجودة ولا يعاكسها إلا إنسان مضطرب، عندك إرادة تشعر أنك اخترت هذا الطريق لأنك اقتنعت فيه الآن. لما ذهبت لطريق الخير وطريق الهدى، حمدت الله سبحانه وتعالى أن وفق مشيئتك نحو هذا الاتجاه، وحمدت الله أنه في علمه السابق ومشيئته السابقة قدر لك أن تسلك هذا الطريق، تمام؟

وعندما يختار إنسان طريق الضلال وطريق الغواية والعياذ بالله، هو بإرادته الحرة ظهر له هذا الطريق ومال إليه، هو لما اختاره هل اختاره بناءً على أن هو يعلم مسبقاً أن الله يريد أن يسلك هذا الطريق؟ هل هو عنده علم بعلم الله السابق أو مشيئة الله السابقة؟

وهذه الحجة الإبليسية التي ذكرناها في المحاضرة السابقة: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا يعني ما ضللنا. فالله عز وجل قال له: هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا. فليس لك أن تعترض على الله سبحانه وتعالى، لأنه كيف أنا أمتلك إرادة حرة ومشيئة ويا رب أنت تمتلك مشيئة سابقة على مشيئتي ومهيمنة على مشيئتي؟

فنقول لك: أنت لا تشعر بقهر مشيئة الله لك، الله عز وجل خلق الإنسان بصورة وبطبيعة لا يشعر بقهر المشيئة الإلهية، صح؟ خلقك بصورة تشعر أن لك المشيئة ولك الاختيار وأنت تختار، كما أنك تختار الجامعة التي تدرسها والطعام الذي تحبه والصديق الذي تمشي معه، اخترت طريق الهدى وطريق الضلال.

هل أحد أجبرك تمشي مع قصي يا شيخ مع هشام؟ لأ، أنت اخترت. هل تنازع في هذا؟ لا لا أنا مجبور، أعصابي تتجه نحو هشام، هذا كلام مخالفة للفطر، هذا بيسميه اللي يسمى منازعة الفطر، لا تنازع فطرتك. أنت تشعر، وهذا أقول من عجيب صنع الله سبحانه ودلالة على عظمة الخالق، كيف خلقك بطريقة تشعر فيها يقيناً بأنك تمتلك إرادة حرة وحاسبك بناءً على هذه الأراضي الحرة، وإن كنت تؤمن مسبقاً أن إرادتك الحرة في النهاية محكومة بإرادة أعلى منها: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ. هذا من بخلق الله لو فكر فيها الإنسان هذا يدل على أنه إله يعبد. ممكن نفهم أنه فعلنا الفعل هاظا ما بنعرف إنه... بسم الله. نعم. ولا مشيئة مسبقة. المشيئة المسبقة حتى

ما عرفناها هي مشيئة أصلاً هي مشيئة، لكن أنت لما تصرفت هل تصرفت بناءً على علمك بالمشيئة؟ هاي هي الحبكة. الله عز وجل يمكن نزع هذا الأمر مني ولكنه في الأخير شاء. أحسنت، هو نزع منك هذه المعرفة ليكون تصرفاتك بناءً على مشيئتك أنت واختيارك، أحسنت هي هذه الفكرة: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ.

أنا عندما أتصرف وأسير هل أتصرف وأنا أشعر بالمشيئة العلوية الإلهية ولا أتصرف بناءً على شعوري بمشيئتي؟ هل أنتم الآن دع نحن نؤمن أن هناك مشيئة مسبقة، لكن هذه المشيئة المسبقة أنت هل تشعر بقهرها لك وأنت تسير في حياة الدنيا لما اخترت وظيفتك، لما اخترت زوجتك، لما اخترت طعامك، شرابك، أكل، أصحابك؟ كل هذه الأمور أنت لا تشعر بذلك تمام؟ بتشعر بتمام الاختيار.

لكن لما تأتي لتفكر في هيك لحظة السكون هذه لحظة التفكير، طب هذه مشيئتي، أليس الله عز وجل شاء؟ آه، جاءها قبل ذلك؟ نعم، جاء قبل ذلك، لكن أنت بطبيعتك الموقف الإيماني الذي يجب أن تقف منه من مشيئة الله ما هو؟ أن أؤمن بها ولكن لا أجعلها متكأ لاختياراتي في الحياة.

ما بقول أنا خلص قصرت لأن الله شاء ذلك، لا لا يا اخي الكريم، أنت لما قصرت نفسك اختارت التقصير وأنت لا تدري هل الله شاء ذلك أم لا قبل أن تصرف؟ إذا بعد أن تصرفت نعم هاي النتيجة النهائية، لكن أنا أقول لكل إنسان لما اخترت هذا الاختيار أنت اخترته بناءً على مشيئتك وهواك ورغبتك وميولك تمام؟

صحيح أنت تؤمن أن هناك مشيئة حاكمة فوق مشيئتك، لكن أنت في النهاية مطلوب منك يعني النبي صلى الله عليه وسلم وجهنا أن نعمل ضمن مشيئتنا، أن نختار ضمن مشيئتنا، وعندما نختار شيئاً وبعد أن نختاره سنعلم في النهاية أن الله عز وجل شاءه مسبقاً، لكن في النهاية ليس المطلوب مني أن أبقى ألتفت إلى مشيئة الله وأنتظر أن يحدث شيء، المطلوب مني: اعملوا فكل ميسر.

يعني خلص التفت لإرادتك الحرة امشي عليها أبني عليها حياة خط تفكر هاي أمامك الخير الشر كل اشي واضح أمامك، عندك آلات، عندك كل شي اختر امشي، فانت عندما اخترت اخترت بكامل قواك العقلية من دون أن تشعر بقهر المشيئة الإلهية، هذه هي الفكرة التي يكررها أهل السنة والجماعة طيب.

ربنا للمشيئة السابقة يعني كل سيمشي في يعني مشيك في الحياة فيظهر لك رويداً رويداً العلم السابق والمشيئة السابقة في حقك، صح ولا لا؟ نعم، ليس مقهور ولكن بدون ما أشعر، يعني هناك شيء يحكم تمام سميها بدون ما تشعر ما عندي مشكلة، لكن أنت في النهاية في حياتك تختار لا.

اه هو اخي الكريم هو انا هو ما الذي يريد أن يصل إلي؟ هو يريد أن يصل أن هناك شيء يحكمه من الله سبحانه وتعالى، لكن هل السؤال العلمي الذي أنا أبني عليه هل أنا أشعر بهذا الحكم خالص؟ يعني أنت يعني اعتبر نفسك بدون تشبيه طبعا في مدرسة وأنت وأستاذك ومديرك يعلم ووضعوا لك مسبقاً النتائج وما شابه ذلك.

لكن أنت في النهاية معطينك الخيار أن تختار هذا الاختبار وأن تتجه وأن تدرس وأن تعمل كل شيء وهم ليسوا حاكمينك، وتستطيع أنت أن تقدم علامة النجاح ولا أحد مانعك من أن تسير في دربك تمام؟ فهل لك أن تحتاج؟ لا لا بس أنتم بتعرفوا مسبقاً. يا عمي احنا تاركينك اعمل وتوكل على الله وهي طريق الخير أمامك وطريق الشر وكل اشي ميسر لك وبينا لك كل شي.

هل هناك شيء؟ هل هناك شيء حرمناك منه أن تستطيع من خلاله أن تختار الخير وأحنا منعناك إياه؟ لم نفعل ذلك، فستحاسب على هذه الإرادة الحرة وهي شيء فطري لا ينبغي أن تنازعه أكثر من في باب القدر ضل لمنازعة هذه الفطرة. أكثر من ضل في باب القدر إنما ضل لماذا؟ لأنه يريد أن ينازع الفطرة أنه بالإرادة الحرة ما بده يشعر في الإرادة الحرة، يريد أن يبقى ينظر إلى القدر السابق.

إذا بقيت تقف مع القدر السابق ستتيه، أنا أقولها إذا ستبقى تقف وتحتج وتتلمح أنك مقهور وتنظر وتقول هناك مشيئة سابقة عن المسابق ستتيه في هذا الباب، فالقدر سر من أسرار وعظمة وهيمنة إلهية، لكن الله عز وجل طلب منك الموقف الشرعي. الموقف الشرعي أن تسير مع إرادتك الحرة اين هداك الله وتتبع هذا الطريق؟

إذا أنت أخطأت وضللت أنت لما اخترت هذا الاختيار اخترته بمشيئتك وبإرادتك الحرة، لا قل لي ما أنا مقهور يا رب العلم السابق. السؤال هكذا يتكرر: عندما اخترت هذا الطريق هل اخترته وأنت تشعر بالقهر أم اخترته وأنت تشعر أنك بإرادتك الكاملة؟ ما الذي كيف كان شعورك وفطرتك وعقلك؟ بإرادته الكاملة. إذا هذا الذي ستسأل عنه تمام البيان والارشاد أي بينا له طريق الخير وطريق الشر.

نعم، بالله سبحانه وتعالى، نعم نعم خاصة بأهل الإيمان: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ هذه لكل النفوس من البشر والجن. طيب آآ الآن طبعا كما قلت لكم يعني شيخ الإسلام ابن تيمية أخبر عن هذه القضية قال ويبقى في يعني أن بمعنى كلامه أنه سيبقى في النفوس شيء من القدر يعني النفوس إذا بقيت تسبح وتفكر في باب القدر سيبقى الشيطان يثير عليها كثير من الزوابع إذا بقيت.

وهذا لا يخلص منه الإنسان إلا بماذا؟ بان يقف موقف التسليم في بعض النقاط خلاص انتهى، لأنك إذا بقيت تسبح في أفكارك وتجول في خواطرك في أحوال القدر والتعارض بين المشيئة الإلهية ومشيئة الإنسان وتصل إلى زوابع تثير في نفسك كثير من الشجون وكثير من الأفكار والوساوس لا تخلص منها إلا وقد تلقيك خارج أسوار الشريعة.

فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن التخاصم في القدر لأنه يدرك عليه الصلاة والسلام أن أغلب النفوس البشرية إذا فتح عليها الخصام في باب القدر وأن تسبح في ذهنها في التفكير فيه لا تستطيع أن تدرك ساعة علم الله. وهنا لما نقول: وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ.

مو هذا موقف الإمام خلاص بدك تفهم أنه عقلك بشري مهما كان ذكياً وفطناً هناك له حجم معين لا يستطيع أن يتجاوزه في العلم الإلهي، فمن رضي واقتنع واستعمل إرادته الحرة خلاص هدي في الحياة، لكن من أبى وبقي ينازع وبقي يناظر في القدر هذا يخشى عليه في دينه نسأل الله السلامة والعافية.

طيب، الفرق الذين خالفوا أهل السنة والجماعة في هذا الباب. أولاً الجبرية، خلونا نقول باختصار الجبرية طردوا مع أصلهم، الجبرية ماذا يرون يا شيخ قصي؟ أن العبد مجبور على أفعاله وليست له أي مشيئة واختيار حقيقي في تصرفاته، فقالوا بالتالي الهدى والضلال أمر جبر عليه العبد ولا اختيار له فيه.

الحقيقة ألغوا مشيئة الله عفواً ألغوا مشيئة العبد واختياره وإرادته حرة، فمن كان كافراً فهو مجبر على كفره، ومن كان مؤمناً فهو مجبر على إيمانه، وهذا في الحقيقة فيه تشعر بماذا بالظلم؟ أنك نسبت الله عز وجل الظلم، أن الإنسان لا يمتلك إرادة حرة وأن كل شيء مفروض عليك، وفي النهاية خلص هيك ربنا شاء أن يكون أنت هادي مهتدي وتكون أنت ضال.

أنت لا تملك إرادة حرة وستحاسب أنت على هدايتك وتحاسب أنت على ضلالك، فهنا تشعر أن هذا يمين لا ظلم الله سبحانه أن الله عز وجل يمارس الظلم حاشاه عز وجل من هذا الأمر. الفرقة الأخرى القدرية، دائماً في باب القدر عندك فرقتين بتقابلوا: جبرية قدرية، القدرية ذهبت إلى ماذا؟ يعني برأيكم إلى أين ستذهب القدرية؟ ايش رأيك يا شيخ عمر؟

العكس تماماً، إلى أن الهدى والضلال هو فعل العبد وخلق العبد ولا علاقة للإله سبحانه وتعالى فيه، والأساس الذي بنى عليه القدرية هذه النظرة -طبعاً القدرية أشهر فرق بالمعتزلة- الأساس الذي بنى عليه القدرية مذهبهم أمران في الحقيقة. الأمر الأول قولهم إن العبد أصلاً هو الذي عندهم يخلق فعله بنفسه، وليس الله هو الذي يخلق أفعال العبيد، والهداية والضلال هي من ضمن الأفعال التي يخلقها العبد بنفسه، وقد سبق الحديث عن هذا الأصل وفندناه وسنعود إليه في مرة أخرى من كلام الإمام الطحاوي رحمة الله عليه.

الأصل الثاني الذي بنى عليه القدرية كلامهم وهذه انتبهوا لها أشار إليها الطحاوي، وأشار إليها الطحاوي لما قال: يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً، شقاء الطحاوي: يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء ويقدر وابتلي عدلاً. هنا اه فيه رد على القدرية في أصلهم الثاني، أصلهم الثاني الذي بنوا عليه قضية الهدى والضلال قالوا إن الإله يجب يجب عليه مراعاة الأصلح لعبيده.

قالوا يجب على الله وجوباً مراعاة الأصلح للعبد، فلو كان -شوفوا ايش وصلت الفكرة هاي الله هيك عندهم- الله يجب عليه مراعاة الأصلح طيب، فلو كان قادرا على خلق الهداية في عبيده لوجب عليه أن يخلقها فيهم ولم يجز له أن يمنعهم منها، فلما رأينا العبيد ينقسمون إلى مهتدين مؤمنين وضلال كافرين، قال القدري عرفنا أنه ليس بمقدوره جل في علاه عن هذا الكلام ليس بمقدوره خلق الهداية والضلال فيهم وأن الأمر في ذلك موكل للعبد فقط، فهمتوا ايش ماذا يقولون؟

إذا هذا أساس مهم بنوا عليه هيدي الفكرة، قالوا الله يجب عليه أن يفعل ماذا؟ الأصلح لعبيده، طب ما هو الأصلح للعبيد؟ الهداية صح هو الأصلح للعبيد. طب هل الله عز وجل يعني هذا جميع العبيد واوهل جميع العبيد على هداية هيك نقول هل جميع العبيد على هداية؟ لا أكثر الناس على الكفر.

هناك اهل هداية وهناك أهل ضلال، إذا هذا يدل يعني ماذا ماذا بنى على هذه القدرية؟ إذا كان الله يجب عليه أن يخلق الأصلح للعبيد والإيمان هو الأصلح للعبيد، ولما نظرنا في العبيد وجدناهم منهم المؤمن ومنهم الكافر، قالوا عرفنا حينئذ أن خلق الهدى والضلال هذا ليس بمقدور للإله سبحانه وتعالى، بل هذا موكل للعبيد فقط.

لانه لو كان للإله لجعل العبيد كلهم على هداية، فلما لم يكن العبيد كلهم على هداية عرفنا أن هذا الأمر أمر الهداية والضلال ليس تحت قدرة الإله أن يخلقه في العبيد بل أمر منكر إليهم تماماً هم يخلقونه بأنفسهم. أنتم الفكرة كيف بنوها؟ من الذي أوجده الآن هذا؟ هذا في الرد عليهم.

فنحن نقول: إذا الإله يجب عليه مراعاة الأصلح هكذا قالوا، الإله يجب عليه مراعاة الاصلاح والأصلح للعبيد هو الهداية. الإله يجب عليه مراعاة الأصلح لعبيده والعبيد الأصلح لهم الهداية، لكن العبيد ينقسمون إلى أهل هدى وأهل ضلال، إذا عرفنا أن هذا ليس مقدوراً للإله أن يخلق الهدى والضلال فيهم لأنه لو كان مقدوراً لخلقهم جميعاً على هداية.

ولكن العبيد في الواقع منقسمون إلى أهل هدى وأهل ضلال، فهذا يدل على أنهم ماذا؟ يدل على أن ليس من قدرة الله خلق الهدى والضلال في العبيد، إذا القدرية بنوا قضية آآ خلق الهدى والضلال على.

طيب الأصل الأول أن العبيد يخلقون أفعالهم بأنفسهم مسألة خلق أفعال العباد، والأصل الثاني قولهم إن الله يجب عليه أن يراعي الأصلح لعبيده، وإذا كان أصلح لعبيده هو الهداية ومع ذلك العبيد ينقسمون إلى أهل هداية وأهل ضلال، فهذا مؤشر إلى أن خلق الهدى والضلال ليس مقدوراً للإله سبحانه وتعالى، تعالى الله عما يقولون.

طيب، لنرد على القدرية، حتى نرد عليهم علينا أولاً نذكر النصوص المتواطئة في كتاب الله سبحانه وتعالى التي تدل على أن الهداية والضلال هداية التوفيق، وأن الضلال هي خلق الله سبحانه وتعالى ومشيئة الله سبحانه وتعالى قبل أن تكون مشيئة للعبد. هناك آيات قرآنية متواطئة على هذا المعنى: أن هداية التوفيق وأن تكون على الصراط المستقيم هذا محض مشيئة الله وخلق الله وتوفيق الله سبحانه وتعالى.

وإن كنت أنت تملك إرادة حرة، لكنك في النهاية تحتاج أن يوفقك الله سبحانه وتعالى للهداية، فمن ذلك قوله تعالى: إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ هذه هداية التوفيق لا يهدي من يضل. قوله تعالى أيضاً: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ. قوله: وَمَنْ يَشَاءِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ لاحظ علق الضلال على المشيئة، وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ علق الهداية على المشيئة.

أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ. وقال: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ. وقال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ. وقال تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا.

وقال تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا. يعني أفلم يعلم ييأس بمعنى يعلم. أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا شوف تعليق الهداية والضلال على المشيئة الإلهية في القرآن كيف جاء متواتراً متواطئاً.

وقال تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا. وقال تعالى: كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ. إذا في هناك استقراء لآيات القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى كثيراً ما يعلق الهدى هداية التوفيق والضلال على ماذا؟ على مشيئته سبحانه وتعالى.

طيب، إذا فنقول إلى غير ذلك من الآيات المتكاثرة حول هذا المعنى والمبينة أن هداية التوفيق هي مرتبطة بمشيئة الله وخلقه يخلقها فيمن شاء من عبيده.

فعلى العبيد أن يسألوا الله سبحانه وتعالى التوفيق إليها. ولهذا شرع لنا سؤالها في كل ركعة من ركعات الصلاة. فنحن ماذا نقول في كل ركعة من ركعات الصلاة: اهدنا الصراط المستقيم. لو كانت هداية التوفيق ليست بيد الله، وإنما بيد العبد فقط، هل هناك فائدة منه؟ اهدنا الصراط المستقيم ما في فائدة، صح ولا لا؟ أنت تقول: يا رب اهدنا الصراط المستقيم. أنت تطلب منه ماذا؟ أن يهديك، أن يخلق فيك الهداية. لو كان الله ليس هو الذي يخلق الهداية، وإنما هي موكلة إليك وحدك، إذا شو الفائدة تقول اهدنا الصراط المستقيم؟ ما في فائدة، طيب. ولو كانت الهداية مرجعها إلى العبد وحده، لكان هذا الدعاء لغوا وسفها.

يقول ابن تيمية، وهو يبين حاجة العبد إلى هداية الله سبحانه وتعالى له، ودائما يقول: ولما كان العبد في كل حال مفتقرا إلى هذه الهداية، أي هداية التوفيق، في جميع ما يأتيه ويذره من أمور قد أتاها على غير الهداية، فهو محتاج إلى التوبة منها، وأمور هدي إلى اصلها دون تفصيلها، أو هدي إليها من وجه دون وجه، فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها ليزداد هدى، وأمور هو محتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها في المستقبل مثل ما حصل له في الماضي، وأمور هو خال عن اعتقاد فيها فهو محتاج إلى الهداية، وأمور لم يفعلها فهو محتاج إلى فعلها على وجه الهداية، إلى غير ذلك من أنواع الهدايات. لما كنت شوف، كل هذه الهدايات أنت تحتاجها.

بعض الناس يقول لك: اهدنا الصراط المستقيم، تعني، يعني معناها ثبتنا على الهداية التي نحن عليها. خطأ، اهدنا الصراط المستقيم ليست فقط ثبتنا. البعض ظن أنه خلاص وصل إلى تمام الهداية. في طلب التثبيت أنت تحتاج إلى الهداية في كل خطوة من خطوات الحياة؛ أنت تحتاج أن يهديك الله في كل خطوة من خطوات الحياة، وأن يوفقك إلى مرضاته في كل سبيل من السبل. فإياك أن تظن أنك حصلت الهداية بتمامها وختمت عليها بس ضايل عليك الثبات عليها. هذا خطأ، أنت تحتاج الثبات وتحتاج إلى هداية متجددة في كل لحظة وفي كل حين. لذلك شرع لنا، لأن حاجتنا إلى الهداية عظيمة جدا، لا يمكننا أن نتركها أو نتخلى عنها في لحظة من اللحظات، كان الدعاء المشروع في كل ركعة من ركعات الصلاة: اهدنا الصراط المستقيم.

شف، ويقول الله عز وجل: إذا قال العبد اهدنا الصراط المستقيم يقول سبحانه وتعالى: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل. ونعم هذه الإجابة. طيب، السؤال الآن: طيب، ما موقف القدرية الآن؟ مرت معنا آيات كثيرة، فوق العشر آيات ذكرت وغيرها الكثير، تدل على أن هداية التوفيق والضلال هذا أمر بمشيئة الله. صح، مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. السؤال: كيف يتعامل القدرية الذين يقولون إن الهدى والضلال هذا موكول إلى العبد، والعبد هو الذي يخلقها بنفسه وليس أمرها إلى مشيئة الله وخلقه، كيف يتعامل القدرية مع هذه الأدلة المتكاثرة في كتاب الله؟ طب ما هي نصوص، كيف يتعاملون معها؟

يقول ابن القيم: والقدرية ترد هذا كله، أي كل هذه النصوص التي تلوتها على مسامعكم، ترده كله إلى المتشابه؛ تقول: هذا من متشابه القرآن، يعني من غير الواضح، وتجعله كل من متشابه القرآن. والطريقة التي يسلكها المتكلمون عموما في متشابهات القرآن التي يزعمون أنها متشابهات، ما هي الطريقة؟ التأويل، أحسنت. فيبدأون يحرفون الكلمة عن مواضعه ويتأولونه على غير تأويله، ويصرفونه عن مراد المتكلم الحقيقي.

طيب، إذا هناك تأويلات عديدة للقدرية تجاه هذه النصوص. دعونا نمر على بعضها، ومن هذه التأويلات التي أوردوها -ساذكر ثلاث تأويلات لهم بهذه النصوص القرآنية-: التأويل الأول قولهم: المراد بهداية الله وإضلاله في هذه الآيات السابقة، تسميته لعبده مهتديا، وتسميته له ضالا. مسار التأويل، يعني يعني مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ أي من يشاء الله يسميه ضالا، ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ أي من يشاء يسميه مهتديا. هيك تفسير عندهم! بشوف كم البعد بين معنى الآية وبين التحريف الذي حرفوه. فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ يعني من يرد أن يسميه مهتديا، بس هيك معناها، أن يسميه مهتديا. وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يجعل صدره ضيقا حرجا.

طبعا أنتم ملاحظين أن التأويل بعيد جدا عن مضمون الآية وفحواها، وما يمكن أن يهمه الإنسان السوي منها. يقول ابن القيم معلقا على هذا التأويل الذي يؤوله: وهذا مما يعلم قطعا أنه لا يصح حمل هذه الآيات عليه، وأنت إذا تأملتها وجدتها لا تحتمل ما ذكروه البتة، وليس في لغة أمة من الأمم، فضلا عن أفصح اللغات وأكملها، أن هدى بمعنى سماه مهتديا، وأن أضله معناها: ايش؟ سماه ضالا، كما يزعمون. وهل يصح أن يقال علمه أي سماه عالما -لما أقول علمتك هل معناها سميتك عالما؟- وفهمه إذا سماه فهيما؟ وكيف يصح هذا في مثل قوله تعالى: لَّسَيْدَكَ هِدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ؟ بالله عليكم حاولوا تجيبوا هذا التأويل. يعني ليس عليك يا محمد أن تسميهم مهتدين، بل الله يسميهم مهتدين. يعني معناه ممجوج.

فهل فهم أحد إلا القدرية المحرفة للقرآن من هذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكَ هِدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ أي ليس عليك أن تسميهم مهتدين، ولكن الله يسمي من يشاء مهتديا؟ وألف أحد قط من قوله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أي أنك يا محمد صلى الله عليه وسلم لا تسميه مهتديا، ولكن الله يسميه بهذا الاسم؟ إذا هذا التأويل الأول النفوس السوية، ومن يقرأ القرآن بلسان عربي مبين، يدرك أنه بعيد بعدا شاسعا أن يكون مقصودا لله سبحانه وتعالى.

التأويل الثاني لهم لهذه الآيات: تأول بعضهم هذه النصوص على أن المراد بها ليس هداية التوفيق وخلق الهداية في العبد، وإنما المراد بها هداية ماذا؟ الهداية الثانية. قالوا: المراد بالهداية هنا هداية البيان والإرشاد. كل هذه النصوص التي تلوتها لكم جعلوها من الهداية الثانية، وهي هداية البيان والإرشاد. فمعنى قوله: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، ماذا سيكون على كلامكم؟ ما هو بزبطش هيك! إذا كانت هداية البيان والإرشاد، هل يصلح هذا أن تحمل عليه الآيات، والله عز وجل يقول لنبيه: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ؟

طب ايش معنى انك لا تهدي من أحببت؟ إذا كانت الهداية هداية ارشاد، هل ننفيها عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ إِنَّكَ لَا تَهْدِي أي انك لا ترشد من أحببت إلى طريق الخير. النبي صلى الله عليه وسلم أرشد الجميع إلى طريق الخير، تمام. طيب، فَمَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، ايش يعني ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ؟ يعني أي من يشاء يبين له الصراط المستقيم، أي من يشاء خلاص هداية بيان وإرشاد فقط، يهديه ويبين له الصراط المستقيم.

طيب، أليس في جعل الله سبحانه وتعالى مبينا الصراط المستقيم لبعض الناس دون بعض، أليس فيه ظلم لمن سيضل لعدم وضوح الصراط المستقيم له؟ يعني أنتم أيها القدرية المعتزلة، أنتم تزعمون أنكم تريدون العدل الإلهي. لماذا قال معتزلة إن العبد هو الذي يخلق فعله بنفسه؟ مش قلنا من أجل أن يحققوا العدل الإلهي في زعمهم، إنه خلاص اللهم إنه ايش دخل في افعال العبيد، هم بخلقوا أفعالهم بأنفسهم وربنا بحاسبهم عليها. صح؟ مش هيك بدهم هم العدل؟

طب هل من العدل أن يكون معنى قوله تعالى فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا، أن يكون معنى الآية فمن يريد الله أن يبين له الهداية يشرح صدره، ومن يريد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا، أنه بعد كلامكم أن الهداية المراد بها في كل هذه النصوص هداية والارشاد، أن الله بين طريق الهداية لبعض الناس ومنع هذا البيان والإرشاد لبعض الناس؟ طيب هل الله، طب أليس هذا بالعكس، ظلما أن يكون طريق الهداية مبين لبعض الناس ومخفي عن بعض الناس؟ هذا ظلم، أنتم تريدون العدل فوقعتم في الظلم من خلال هذا التفسير.

فإذا تأول بعضهم هذه النصوص على أن المراد بالهداية هداية البيان والتعريف لا خلق الهدى في القلب، فإن الله سبحانه وتعالى لا يقدر على ذلك عند هذه الطائفة. وأما الضلال، طب إذا كان الهداية هداية البيان والتعريف، طب شو معنى الضلال؟ قالوا: وأما الضلال فنسب إليه سبحانه وتعالى أن الله يضل من يشاء، بمعنى ايش؟ أنه كان سببا في ضلالهم من جهة أنه منحهم القدرة والآلات التي بها خلقوا الضلال في أنفسهم، فنسب قال إلى الله سبحانه وتعالى ضلالهم، أنه سبحانه أعطاهم القدرة والعقول والآلات اللي من خلالها هم خلقوا الضلال في أنفسهم، فنسب الضلال إلى الله لأنه هو مانح القدرة والآلات. وهذا من عجيب القول والله، أن تنسب الضلال إلى الله بمعنى أنه مجرد مانح الأسباب والآلات، وأنهم هم الذين خلقوا الضلال في أنفسهم بانفسهم.

يقول ابن القيم: وهذا التأويل من أبطل الباطل؛ فانه سبحانه وتعالى يخبر أنه قسم هدايته للعبد قسمين، قسما لا يقدر عليه غيره، وقسما مقدورا للعباد فقط. عفوا، يخبر سبحانه وتعالى أنه قسم هدايته للعبد قسمين: قسما لا يقدر عليه غيره، وقسما مقدورا للعباد، كما أنه مقدور للإله سبحانه وتعالى. القسم الذي لا يقدر عليه العبيد ما هو؟ بداية، أي هداية التي لا يقدر عليها العبيد؟ هداية التوفيق. والقسم الذي يقدر عليه العبيد هو هداية البيان والإرشاد. فقال في القسم المقدور للعبيد: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، واما القسم غير المقدور للعبيد قال: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ. فكيف يكون قيل القسمين مراد بهما هداية الإرشاد والبيان؟ يعني عندك آية: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، وآية: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ. آية فيها إثبات وآية فيها ايش ما في. فكيف كلاهما يكون على نفس المعنى وهو هداية الإرشاد والبيان؟ يعني أنك لتهدي أي تبين يا محمد صلى الله عليه وسلم، وأنك لا تهدي وأنك لا تبين لمن أحببت، بصير التعارض بين الآيات واضح والمعاني ممجوجة.

طيب إذا هذا هو التأويل الثالث لبعضه، الثاني لبعضهم. التأويل الثالث: بعضهم قال: معنى أن الله يشاء الهداية ويشاء الضلال لعبيده في هذا الآيات، هو تعليمهم بعلامة المهتدين وعلامة الضالين حتى تعرفهم الملائكة. يعني آه معنى مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ أي من يشاء الله يجعل عليه علامة الضلال بس، ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ يعني من يشاء يضع عليه علامة أهل الهداية. كأنه ايش؟ يعني ليقال إن هذه علامة ضلال وهذا علامة عليه علامة الهداية. طب ليه قال؟ حتى تعرفهم الملائكة، حتى تعرف الملائكة: آه والله، هذا عليه علامة الضلال، خلاص نخذله لا ننصره، وهذا عليه علامة الهداية، نقف معه ولا نتركه.

فجعلوا كل هذه الآيات المتواطئة على أن الهداية والضلال بمشيئة الله، معناها ايش؟ مجرد التعليم. أنه إن يشأ ألا يضلله، أي من يشاء يعلمه الله بعلامة أهل الضلال، ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم، من يشاء يعلمه الله عز وجل بعلامة أهل الهداية. أيوه، فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ أي من يرد الله أن يعلمه بعلامة الهداية يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله، أي من يرد أن يعلمه بعلامة الضلال يجعل صدره ضيقا حرجا.

يقول ابن القيم: وأما العلامة، فيا عجبا لفرق التحريف ماذا جنت على القرآن والإيمان! ففي أي لغة أصلا، وفي أي لسان من ألسنة الناس: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أي أنك لا تعلم بالعلامة لمن أحببت، ولكن الله يعلم من يشاء؟ يعني المعنى أنت لحالك كإنسان ضعيف في اللغة تشعر أنه ممجوج: شو إنك لا تهدي من أحببت أي أنك لا تعلم بالعلامة يا محمد من أحببت، ولكن الله يعلم من يشاء؟ بأي بيان وباي لغة يكون هذا المعنى؟

طيب، ومَن يَشْأْ يعلمه الله بعلامة الضلال، وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا أي لو شئنا لعلمنا كل نفس بعلامة الهدى. فبأمثال هذه التحريفات معاني ممجوجة لا يقبلها اللسان العربي. ومعلوم أن الإنسان إذا قال: أردت لفلان الهداية، ليس معناه علمته بالهداية. وأردت لفلان الضلال ليس معناه علمته بالضلال، وإنما هناك إرادة حقيقية ومشيئة أن يكون فلان على طريق الخير، وأن يكون فلان على طريق البشار.

إذا هذا بالنسبة لتأويلات القدرية للآيات التي تثبت تعليق الهداية والضلال بمشيئة الله سبحانه وتعالى. طيب، أما قول القدرية إن الله سبحانه وتعالى يجب عليه مراعاة الأصلح لعبيده، وهو الأساس الثاني الذي بنوا عليه الشبهة، فالجواب عنه أن هذه المسألة مسألة أنه يجب على الله فعل الأصلح لعبيده، هذه مسألة فرع عن أي مسألة؟ هي فرع عن مسألة أحسنت، هي فرع عن مسألة التحسين والتقبيح العقلي الذي ينتهجه أهل الاعتزال. فالمعتزلة يقولون إن العقل يوجب على الله سبحانه وتعالى مراعاة الأصلح لعباده، يعني العقل يوجب على الله مراعاة الأصلح للعباد، ويرى أن هذا هو الحسن، فإذا كان العقل يرى هذا هو الحسن، إذا صار حسنا معناها يجب على الله سبحانه وتعالى أن يراعيه.

وهذه المسألة مسألة التحسين والتقبيح العقلي هي أصلا من الأصول الفاسدة التي يقوم عليها الفكر القدري الاعتزالي؛ فإن العقل، أحبابي الكرام، لا يوجب على الله سبحانه وتعالى شيئا سبحانه. وطب منح الله عز وجل الهداية لعبيده، وهذي ركزوا فيها حتى يختم المسألة: ومنح الله الهداية لعبيده هو محض فضل الله سبحانه وتعالى على العبد أن يمنحك الله الهداية ويوفقك، هو ايش؟ محض فضل الله. لذلك ايش قال الطحاوي؟ يَهْدِي مَن يَشَاءُ.

ويعصم ويعافي فضلاً، آه، هو بدو يركز الطحاوي على هاي الجزئية: يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً. فإذا منح الله الهداية للإنسان، هو محض تفضيل الله، محض فضل الله وتفضله على العبد، وهذا ليس فعلاً واجباً عليه. هل يجب على الله أن يمنحك الهداية؟

لا، ليس يجب على الله أن يعطي. هذا فضل الله سبحانه وتعالى يعطيه من يشاء، ومن لم يمنحهم الله سبحانه وتعالى هذه الهداية، هل نقول إن الله ظلمهم يا شيخ عمر؟ لماذا؟ لماذا لم يظلمهم الله؟ الذين لم يمنحهم الله هداية التوفيق، أنت تقول لم يظلمهم الله، لماذا لم يظلمهم؟ أعطيني جواباً مقنعاً، ماذا تقول أيها فضيلة الشيخ ناصر؟

هي التي في علمه السابق نعم عز وجل. نعم، من علمه فهذا هم سيضلون، غير هذا لو قلنا غير هذا أيضاً ماذا تستطيع أن تقول في بيان أن الله لم يظلمهم؟ نقول إن الله سبحانه وتعالى منحهم الآلات والقدرات والعقول التي يتمكنون من خلالها الوصول للهدى. يعني هل الله عز وجل منح هداية الإرشاد لطائفة دون طائفة؟ لا، بالعكس، هو يقول أي طائفة لم يصلها هداية الإرشاد والبيان لم تقم عليها الحجة صح، ولن أُحاسبها يوم القيامة ما دامت لم تقم عليها الحجة في الحياة الدنيا، وسيكون لهم اختبار خاص يوم القيامة.

فسبحانه وتعالى منح الجميع الإرشاد لطريق الخير وطريق الشر، وعفا أو ما يسوق العفو لمن لم يتم له الإرشاد والبيان للطريقين ولم يعرفهما لم تقم عليه الحجة. اثنين، منح الجميع الآلات. ثلاثة، منح الجميع القدرات. بالتالي، الإنسان المجنون هل سيحاسبه الله سبحانه؟ ما راح يحاسب على جنونه، لأنه خلاص أنت تفقد الآلات. فالإجابة إذاً: من لم يمنحه الله الزوجة للهداية، لماذا نقول هو لم يظلم؟ نقول لأنه منح الجميع الآلات والقدرات وهداية البيان والإرشاد، ما يمكنه من الوصول للهدى، لكنه لم يتفضل على الجميع، بل تفضل على بعض دون بعض لحكم يعلمها وأسرار ادخرها عنده.

فالمتفضل لا يعتبر ظالماً عندما يعطي فضله من يشاء. إذا أنا واجب علي مثلاً فرضا أعطي كل إنسان أجره، أعطيتك أنت عشرة وأعطيت الشيخ عشرة، قضية الشيخ عشرة وأحببت أكرم واحد منكم زيادة، إذا أنا أعطيت كل واحد حقه وتفضلت على من شئت، فهل أنا أعتبر ظالماً؟ أنا لا أعتبره ظالماً؛ لأن الحق منح للجميع، والفضل هذا مني أنا أعطيه من شئت وأحرمه من شئت، فلا تستطيع أن تصفني بالظلم لأنني منحت فضلي لفلان ولم امنحه لفلان. هذا فضل، الفضل هو الزيادة.

تمام، آآ نقول: المتفضل لا يعتبر ظالماً عندما يعطي فضله من يشاء ويمنع فضله ممن يشاء، وإنما يكون ظالماً متى؟ إذا منح بعض خلقه الآلات والقدرات لإدراك الحق وحرم بعضهم من هذه الآلات والقدرات، نقول هذا ظلم، لكن إذا منح الجميع نفس الآلات، نفس القدرات، نفس الهداية، نفس الإرشاد، تمام، ثم بعد ذلك تفضل على فلان فخلق الهداية فيه ولم يتفضل على غيره بخلق الهداية فيه، فهناك حكم وأسرار هو الذي يعلمها، وليس لك أن تعترض على الله سبحانه وتعالى.

أنت هل منعك الله سبحانه وتعالى؟ هل تشعر أن هناك قهر عليك بأن تختار طريق الضلال؟ لا، لم يقهرك الله على طريق الضلال. أنت عندك قدرات وآلات وإرادة حرة، بين لك طريق الهدى وطريق الضلال وأنت ملت إلى طريق الضلال. نعم، الله لم يتفضل عليك، هو سبحانه وتعالى صاحب الشأن، فباختصار هو عادل مع الجميع ومتفضل على من يشاء. هيك العبارة باختصار: هو عادل مع الجميع ومتفضل على من يشاء، هذه عبارة تختصر لك المسافة. تفضل شيخ.

نعم، نعم، نعم. هذا التفضل بمعزل عن أفعال العبد، تمام. الله عز وجل لما علم أن هذا الإنسان، الله عز وجل نعم ننظر الآن، الحب لا يكون جر أكيد هو يعني هذا، لكن هذا التفضل يعلمه الله يعني عفواً عفواً أفعال العبيد يعلمها ويشاؤها، فهو بناءً على هذه الأفعال تفضل عليهم ومنحهم. نعم، هذا ليس يكون بمعزل عن هذا، لكن كله في النهاية بعلم سابق ومشيئة سابقة، فهو سبحانه وتعالى أعلم حيث يجعل رسالته وأعلم حيث يجعل فضله.

فإن قيل: طيب لماذا لم يتفضل على جميع المخلوقات بجعل الهداية لهم؟ مش ممكن واحد يسأل هيك سؤال: لماذا لم يتفضل على جميع المخلوقات؟ فالجواب أن هنا أسرار الحكم الإلهية التي لا يحيط بها العقل البشري. هذا أول جوابه: أن هناك له حكم، هو الخالق، هو المدبر. يعني أنتوا شوفوا هذه المسائل تأتي فرعية بعد إقرار وجود الإله، فإذا أنت أقررت بوجود إله ورب خالق مدبر متصرف في هذا الكون، ستصبح الإجابات سهلة عليك بعد الإقرار بأصل الربوبية أنه هو الرب والمدبر، فله بالتأكيد أسرار وحكم العقل البشري لا يستطيع أن يحيط بها.

ومما أظهره لنا من هذه الحكم: البعض ذكر شيئاً من هذه الحكم، لماذا لم يتفضل على الجميع؟ قالوا من مظاهر هذه الحكم هو أنه سبحانه وتعالى يريد أن تظهر آثار أسمائه الحسنى وصفاته العلا في هذا الكون، فمن أسمائه أنه المنتقم الجبار العزيز، وهذه كيف يظهر آثارها؟ لابد وأن يكون هناك أناس يستحقون الانتقام ويستحقون لأن ينزل الله سبحانه وتعالى بهم جبروته، فكان من الناس من هو ليس على درب الهدى ولم يتفضل الله عز وجل عليهم بمنع الهداية.

كذلك سبحانه وتعالى يحب أن يظهر أثر اسمه التواب الغفور الرحيم، لذلك جعل العباد ماذا يعصون؟ لماذا أنت تعصي؟ من هذه لها حكم، من حكمها أن الله سبحانه وتعالى يريد أن تظهر آثار أسمائه ولا تتعطل أسماؤه سبحانه وتعالى كاسم التواب والغفور والرحيم. وآآ ومن أوصافه سبحانه وتعالى أنه ولي المؤمنين وناصرهم، ولابد وأن يظهر أثر ذلك في نصرهم على أعدائهم، فكان لابد من وجود الجنسين، ويبين سبحانه وتعالى أيضاً المقدرة على خلق المتقابلات وخلق المتضادات.

فهناك مؤمن وهناك كافر، وهناك أسود وهناك أبيض في هذه الحياة، ويريد سبحانه وتعالى أن يبتلي المؤمنين وينظر في صبرهم: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا. يريد أن يرى أهل الإيمان وأهل الصبر وأهل الجهاد وأهل الثبات على الدين، فكان لابد من أن يكون هناك هداية وضلال وحق وباطل، فهذه أسرار كثيرة من أسرار خلق الله سبحانه وتعالى.

لكن في النهاية في النهاية الله عز وجل عدل مع الجميع وتفضل على من يشاء، هكذا نؤمن وهكذا نطمئن أنه سبحانه عدل مع الجميع وتفضل على من يشاء، ولذلك ركز الطحاوي على هذه الفكرة وأن يفهمها جميع الناس: أن الله سبحانه وتعالى عندما يمنح الهداية والعصمة والمعافاة فهذا كله محض فضل الله سبحانه وتعالى، وعندما يضل ويخذل ويبتلي فهذا كله محض عدل الله عز وجل.

ثم قال: وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله. هكذا العبيد، نحن في الحياة الدنيا نتقلب بين فضل الله ومشيئة العباد. والله سبحانه وتعالى كثيراً في القرآن إيش يقول؟ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ. كم مرة تكررت هذه؟ كثير. لأن لا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. يعني آية كاملة في في بيان الفضل الإلهي، أنه ما حدا يتدخل في أمور تفضل الله، هذا ليس من شأن العبيد أن يوزعوا فضل الله على أهوائهم وعلى مقاييس عقولهم.

فضل الله سبحانه بيده يمنحه هذا الرب من يشاء ومن يستحق، والقلوب التي تستحق أن تكون أهلاً لذلك، وعدله سبحانه وتعالى عم الجميع، تبارك اسمه وتعالى جدُّه ولا إله غيره. ثم قال: وهو متعال. الآن سأعلق على عبارات الطحاوي: وهو متعال عن الأضداد والأنداد. الآن برأيكم لماذا الطحاوي أتى بهذه العبارة وهو متعال عن الأضداد والأنداد في ضمن كلامه عن القدر؟

آه، بدي إياكم تعملوا عقولكم شوي، إنه إيش يا هشام؟ آه، صنف مئة بالمئة، أن هو أراد أن ينزه الله سبحانه وتعالى عن قول القدرية الذين قالوا إن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم؛ لأنك إذا جعلت العبد هو الذي يخلق فعله بنفسه وهو الذي يخلق الهداية والضلال بنفسه، فانت جعلت لله ندّاً في هذا الكون يخلق كخلق الله ويمتلك مشيخة تقارن مشيئة الله. فهو أراد أن ينزه الله عن قول القدرية الذين جعلوا لله أنداداً حينما جعلوا العبيد هم الذين يخلقون أفعالهم بأنفسهم.

ثم ختم بهذه العبارة فقال: لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه. لا راد لقضائه أي لا أحد يستطيع أن يرد قضاء الله، أراد نفوذه. القضاء هو الشيء الذي أراد الله نفوذه، تمام؟ لذلك البعض يفرق بين القدر والقضاء، أن القدر هو الشيء الذي كتبه وعلمه، والقضاء هو الشيء الذي أراد خلاص أن ينزله وينفذه. ويقولون: المحو والإثبات إنما يكون في القدر، وأما القضاء فهذا خلاص إذا جاء انتهى. وإن كان هذا الفرق الذي ذكره البعض أظن يعني فيه نظر، يعني فيه نظر.

المهم: لا راد لقضائه أي ما شاء الله أن يكون لا يستطيع أحد أن يرده، ولا معقب لحكمه، ذكر ابن أبي العز شرحها أي لا يؤخر أحد حكم الله إذا شاء خلاص. يعني هي عبارات متقاربة المعنى: لا راد لقضائه لا معقب لحكمه أي لا يؤخر أحد حكم الله إذا شاء أن يقع. لا غالب لأمره، المراد أمر الكوني، إذا الله عز وجل أمر شيئاً في هذا الكون هل يستطيع أحد أن طالب الله سبحانه وتعالى؟ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.

آمنا بذلك كله وأيقنا أن كل من عندي، أي آمنا بكل هذه المسائل التي سبق أن قررناها في باب القدر، وأيقنا أن كل ما يحدث في هذا الكون إنما هو من عند الله سبحانه وتعالى، فهو صاحب العلم السابق والكتابة السابقة والمشيئة السابقة والخلق جل شأنه. هكذا نكون انتهينا من هذه الفقرة المتعلقة بمسائل القدر.

طيب، ننتقل الآن إلى فقرة جديدة من فقرات الإامام الطحاوي رحمة الله تعالى عليه، وهي فقرة متعلقة يعني هي موضوع جديد، وسنعدي الآن إلى موضوع جديد من مواضيع العقيدة الطحاوية معطوفة على أول الكتاب. الآن هو ماذا قال في أول الكتاب؟ نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: أن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله، إلى آخر ما ذكر. ممتاز.

ثم مشى مشى مشى الطحاوي، قرر مسائل التوحيد. قرر الطحاوي مسائل التوحيد: توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وذكر بعد ذلك مسائل القضاء والقدر كونها تعتبر فرعاً من فروع مسائل الربوبية. بعد أن انتهى من تقرير توحيد الله سبحانه انتقل الآن إلى الكلام عن النبوات. الكلام عن النبوات وعموماً يعني هو علم العقيدة أحبابي الكرام يحصر في ثلاثة أبواب، أن العقيدة كلام عن التوحيد بأقسامه وأنواعه ومتعلقاته، وكلام عن النبوات، وكلام عن السمعيات. هي ثلاثة مسائل، ثلاثة محاور يدور عليها علم الاعتقاد: الكلام عن التوحيد وأنواعه ومستلزماته ومتعلقاته، الكلام عن النبوات، والكلام عن ماذا؟ عن مسائل السمعيات، كمسائل آآ اليوم الآخر والقبر وأشراط الساعة وما كان وما يكون مما أخبر به.

ويدرجون تحت مسائل السمعيات في العادة مسائل المتعلقة بالصحابة وحقوقهم وفضل الصحابة، والمسائل المتعلقة المسائل المتعلقة بالصحابة وحقوقهم وفضلهم، والمسائل المتعلقة بالإمامة وحكم التعامل مع الأئمة والولاة، هذي يعني تدرج تحت مسائل السمعيات أو تلحق بها.

فالآن سننتقل مع الطحاوي رحمة الله عليه إلى قلنا موضوع آخَر هو موضوع النبوات، وإن كان الطحاوي في الحقيقة يعني هو كتاب لم يكن مرتباً كثيراً، لذلك بعد أن أنتهي من دراسة النبوات مسألة النبوات سيعود بنا إلى مسألة الكلام الإلهي، سيعود بنا إلى مسألة مباشرة بعد فقرة كاملة في النبوات سينتقل ويعود ويقول آآ عن كلام الله سبحانه وتعالى ويتكلم عنه كلامه، ثم سيتكلم عن رؤية الله عز وجل يوم القيامة والخلاف فيها مع المعتزلة، ثم سيتكلم عن شيء من مسائل آآ السمعيات، ثم يعود فيدرج شيء من مسائل التوحيد، ثم يعود فيدرس شيء من مسائل السمعيات.

فالكتاب ليس مرتباً بطريقة التدريسية التعليمية مثل كتبنا المعاصرة، إنه خلص يتكلم عن موضوع يقفله وينتقل لموضوع ثاني يقفله، لأ، هو كتاب سردي، لكن نحن من نحاول أن نؤطر مواضيعه حتى يكون في منهجية في الطرح ولا يكون الإنسان يعني ما هو عارف إلى ماذا ينتقل، أين دخل وأين خرج.

فنقول الآن انتهينا من جل الكلام عن مسائل التوحيد، بقي علينا سنتكلم عن مسألة الكلام الإلهي عندما يأتي إليها ومسألة الرؤية رؤية الله عز وجل عندما يأتي إليها. الآن سننتقل لموضوع آخر، هو نفسه فصل لما قال: وأن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده المصطفى. هذه الجملة: وأن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده المصطفى هي معطوفة على الجملة التي في بداية العقيدة: أن الله واحد لا شريك له.

شوفوا إذا هو قال: إن الله واحد لا شريك له ومشى، أعطاك صفحة كاملة صفحة ونص مسائل التوحيد تتعلق بالتوحيد. الآن انتقل لفقرة جديدة، موضوع جديد: وأن محمداً عبده المصطفى. فقال الإمام الطحاوي رحمة الله عليه في مطلع النبوات: وأن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وأنه خاتم الأنبياء، وإامام الأتقياء، وسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين. وكل دعوة نبوة بعد نبوته فغي وهوى. وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى وبالنور والضياء. هي فقرة حقيقة قصيرة لم يستفض الإمام الطحاوي رحمة الله عليه في باب النبوات، لكن نحن وظيفتنا أن نسلط الأضواء على أهم مسائل النبوات التي نحتاجها.

كلامه كان عن نبوة النبي صلى الله عليه وسلم بالتحديد يعني لم يتكلم عن النبوات عموما حتى إنما يتكلم عن نبوة النبي صلى الله عليه وسلم بالتحديد وأهم أوصافه. فنقول: مسائل النبوات هي الأصل الثاني في علم العقائد بعد مسائل التوحيد ومتعلقاته، وهي الركن الثاني في شهادة التوحيد، أليس كذلك؟ الركن الثاني في شهادة التوحيد: وأشهد أن محمداً رسول الله. فكل من أراد الولوج في دين الله سبحانه وتعالى لا بد وأن يقر بنبوة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

ونقول أحبابي الكرام: هناك العديد من المسائل، أنا في الحقيقة سأؤصل سأدخل في مسائل لم يتطرق لها الطحاوي، لكن مهم للطالب في هذا المستوى أن يكون على دراية بها. سأدخل في آآ نقول هناك العديد من المسائل المهمة المرتبطة بهذا الأصل بمبحث النبوات، تدرس في علم العقائد، أهم هذه المسائل: أولاً، ما هي طرق إثبات النبوات؟ هذه المسألة الأولى؛ طرق إثبات النبوات، كيف نثبت أن هذا الشخص نبي؟ ثانياً، تحرير معنى المعجزة، ما معنى معجزات الأنبياء؟ والفرق بين المعجزة وبينها وبين الكرامة وبينها وبين السحر والكهانة، ما الفرق بين المعجزة والكرامة والسحر؟ مصطلحات ثلاث مهمة ينبغي أن نفرق بينها. ثالثاً، ما الذي يجوز على الأنبياء وما الذي يمتنع عليهم وما الذي يجب عليهم؟ ما الأشياء التي تجوز عليهم؟ وأما الأشياء التي تمتنع على الأنبياء أن يفعلوها مثل الكبائر وما شابه ذلك، وما الذي يجب عليهم أيضاً؟ طيب، وساقتصر في الحديث في الحقيقة على المسألة الأولى والثانية؛ يعني مسألة ماذا يجوز على الأنبياء وما الذي يمتنع وماذا يجب؟ هاي نتركها إن شاء الله للمطولات، ساقتصر في حديثي عن المسألة الأولى والمسألة الثانية، فسأتكلم عن طرق إثبات النبوة، وسأتكلم عن الفرق بين المعجزة والكرامة والسحر.

فنبدأ بالمسألة الأولى، وهي مسألة طرق إثبات النبوة، إذاً هذه مسألة مهمة جداً؛ مسألة طرق إثبات النبوة. فنقول: يقرر أهل السنة والجماعة أن إثبات النبوة له العديد من الطرق، هذا احفظوه أحبابي الكرام لأنه أصل عند أهل السنة والجماعة؛ يؤصل أهل السنة والجماعة أن إثبات النبوة له العديد من الطرق وليس طريقاً واحداً فقط. وهنا يظهر التمايز الواضح بين منهج أهل السنة والجماعة منهج أهل الحديث، وبين منهج المتكلمين الذين حصروا طرق إثبات النبوة في طريقة واحدة فقط، ألا وهي طريقة المعجزة، واعتبروا الطرق الأخرى طرق تكميلية لا أصلية، بل بعضهم لم يعترف بوجود طريق آخر لإثبات النبوة إلا طريق المعجزة. إذاً هناك خلاف بين منهج أهل الحديث ومنهج المتكلمين: هل هناك عدة طرق لإثبات النبوة ولا طريق واحد؟ أهل الحديث يرون أن هناك ليس فقط طريق المعجزة لإثبات النبوة، بل هناك العديد من الطرق لإثبات صدق الأنبياء في دعواهم، المتكلمون يرون أن هناك طريق واحد هو طريق المعجزة فقط، وكل الطرق الأخرى إما تكميلية وإما لا يعترفون بها أصلاً. ممتاز، فهمنا هذا الأصل؟

طيب، الآن يقول ابن أبي العز الحنفي -عندكم في العقيدة الطحاوية- مقرراً لطريقة أهل الحديث في هذا الجانب في طرق إثبات النبوة، ماذا يقول؟ يقول: والطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر تقرير نبوة الأنبياء بالمعجزات. هذه طريقة المتكلمين، قال: والطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر تقرير نبوة الأنبياء من خلال إيش؟ بالمعجزات، لكن كثير منهم لا يعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات بس هذه الطريق، وقرروا ذلك بطرق أصلاً مضطربة عندهم، ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح فنحن لا نقلل من شأنها، لكن الدليل غير محصور في المعجزات، فإن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين. النبوة ممكن يدعيها أصدق الصادقين ويكون صادقاً، وممكن يدعيها أكذب الكاذبين مثل مسيلمة الكذاب والأسود العنسي تمام. ولا يلتبس هذا بهذا، ما يلتبس الصادق من الكاذب إلا على أجهل الجاهلين، يعني سهل، ويقول لك: تعرف مين الصادق ومين الكاذب حتى ولو لم تكن هناك معجزة، بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما وتعرف بهما وتميز بين الصادق والتميز -عفواً- بين الصادق والكاذب.

له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة؟ يعني أنت في مسألة مسألة لسا أسهل من مسألة دعوى النبوة أنت بتقدر تعرف إنه فلان صادق وفلان كاذب بدون ما يأتوا بمعجزات، في مسائل أسهل من مسائل دعوى النبوة أنت يمكن أن تميز بين الصادق والكاذب من خلال قرائن الأحوال بدون الحاجة إلى معجزات، فما بالك في مسألة عظيمة ترى مثل مسألة النبوة؟ فواضح من هو الصادق فيها من الكاذب، والناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة. حتى في المدعي للصناعات والمقالات، يعني لما يجيك شخص يقول لك: أنا والله شاطر في الفيزياء النووية تمام، تبلش تسولف معه كلمتين ثلاث لا هو فاهم إيش في الفيزيا، بتعرف إنه إيش إنه كاذب هاد الزلمة. لكن يأتيك شخص ويقول لك: أنا شاطر في هذه الصناعة، صناعة الفيزياء، ويتكلم بكلام أهل العلم والتخصص في هذا ويروح ويأتي، تعرف إنه فعلاً صادق، أن الرجل متخصص صح؟ فبقول لك حتى في الصناعات والمقالات، كمن يدعي الفلاحة والنساجة والكتابة، ويدعي علم النحو والطب والفقه، تستطيع أنك تعرف الصادق من الكاذب المدعي لهذا العلم وهذه الصناعات، فما بالك في دعوى النبوة التي هي أمر عظيم جداً جداً؟

طيب قال: والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لابد أن يتصف الرسول بها وهي أشرف العلوم وأشرف الأعمال، فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب؟ يعني معقول أنك ما تعرفش الصادق من الكاذب فيها إلا لما يأتي بمعجزة؟ ولا ريب أن المحققين على أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة قد يقترن به من القرائن ما يحصل معه العلم الضروري، كما يعرف الرجل رضا الرجل وحبه وبغضه وفرحه وحزنه وغير ذلك مما في نفوسه بأمور تظهر على وجهه قد لا يمكن التعبير عنها. يعني باختصار لتستطيع أن تعرف كثير من الأمور عن هذا الشخص وكذبه وصدقه من خلال قرائن تحيط به، إذا أنا بستطيع أعرف إنه أنت سعيد أو حزين أو فرح أو غاضب من خلال القرائن، فالقرائن كثيرة جداً، فلا يمكنك أنك تحصر لي إثبات النبوة فقط من خلال المعجزات.

طيب، فإن كان صدق المخبر وكذبه يعلم مما يقترن من القرائن بمدعي بدعوى المدعي أنه رسول الله رسول من الله، كيف يخفى صدق هذا من كذبه؟ وكيف لا يتميز الصادق في ذلك من الكاذب بوجوه من الأدلة؟ عندك كثيرة بها تعرف الصادق من الكاذب. إذا علم هذا -الآن انتهى كلام اقتباسي من كلام ابن أبي العز- فأقول: إذاً ابن أبي العز يبين لنا أنه لا يمكن أنكم تحصروا أيها المتكلمون تحصروا طريق إثبات النبوة في المعجزات، وأي طريق يسلكه الناس في إثبات النبوة طريق فاشل، هذا مش صحيح، فإن القرائن واضحة جداً تظهر على من هو الصادق من الكاذب في ادعاء النبوة، وسنذكر الآن مجموعة من هذه الأمور.

فنقول: إذا علم هذا وعرفنا الفرق بين أهل الحديث والمتكلمين في هذا الجانب، نقول: دعونا ننتقل لنبين ما هي أبرز طرق إثبات النبوة وصدق الأنبياء التي ينتهجها أهل الحديث. الآن أنت قلت: إذاً أهل الحديث عندهم طرق كثيرة لإثبات النبوة صح؟ أذكر لنا نقول واحدة واحدة نبدأ بها واحدة واحدة. الطريق الأول من طرق إثبات صدق الأنبياء: أولاً، ما أحدثه الله سبحانه وتعالى لهم من النصر والغلبة وحسن العاقبة وإهلاك عدوهم واستئصال شأفتهم، كما حدث مع الأمم المكذبة كقوم نوح وعاد وثمود وفرعون، انتهاء بكفار قريش وكيف استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يعود لبلده فاتحاً منتصراً وخضعت له العرب بأسرها، فهذا له أعظم دليل على ماذا؟ على صدق هؤلاء الأنبياء في لما تعرف قصة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف بدأ واحداً وتوسعت دعوته رويداً رويداً، ثم بعد ذلك خرج مهاجراً فاراً بدينه إلى الله ورسوله إلى المدينة النبوية، ثم كيف كانت مع عدوه وكيف انتصر عليهم في العديد من المشاهد، ثم مع الوقت يعود منتصراً، ثم يفتح مكة، ثم تدين له العرب بأسرها، ثم ينتشر دينه في أصقاع الأرض. أليست هذه كلها قرائن أن هذا الرجل صادق كثيراً صادق في دعواه، كيف أن الأمور تسير معه وأن هناك إلهاً يقف وراءه؟ مش عيب تؤخذ منها قرائن؟

لما تنظر ماذا حدث بين موسى وفرعون وتسمع أهل الكتاب يقصون علي كيف أن الله سبحانه وتعالى فرق البحر لموسى فاستطاع موسى أن يجتازوا مع بني إسرائيل وهلك فرعون ومن معه، طب مش هذا دلالة على إنه هؤلاء صادقون في دعواهم للنبوة ولا كيف أيدوا بهذه التأييدات من الله وكانت العاقبة لهم؟ يقول ابن أبي العز الحنفي عندكم مبيناً هذا الطريق الأول يعني بدون أن تنظر في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم بس مجرد نظرك في سيرته وكيف استطاع أن ينتصر على أعدائه وتكون الغلبة له، وكيف استئصلت شأفة خصومه، هذا بحد ذاته الدليل على صدقه في دعوى. يقول ابن أبي العز: بل إنكار -شوفوا الكلام العقلاني كيف يكون بعقله المنطق السليم- ما إنكار رسالته صلى الله عليه وسلم طعن في الرب تبارك وتعالى، ونسبته له إلى الظلم والسفه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. كيف؟ وبيان ذلك أنه إذا كان محمد ليس بنبي صادق -ده نفرض لو كان محمد ليس بنبي صادق بل كان ملكاً ظالماً- فقد تهيأ له أن يفتري على الله وأن يتقول عليه النبوة ويستمر في التحليل والتحريم على الناس، ويفرض لهم فرائض ويشرع لهم، وينسخ لهم الملل ويضرب الرقاب ويقتل أتباع الرسل -اليهود يقصد أهل الكتاب وهم أهل الحق- ويسبي نساءهم ويغنم أموالهم وديارهم، ويتم له وذلك حتى يفتح الأرض وهو ينسب ذلك كله إلى الله سبحانه وتعالى ومحبته له، والرب عز وجل يشاهده وهو يفعل باهل الحق ذلك وهو مستمر في الافتراء على الله ثلاثاً وعشرين سنة، وهو مع ذلك كله يؤيده وينصره ويعلي أمره ويمكن له من أسباب النصر الخارجة عن عادة البشر.

وأبلغ من ذلك أنه يجيب دعوته -بيرفع النبي يدعو الله بالنصر يستجيب دعاءه ويهلك أعداءه ويرفع له ذكره- هذا وعندهم هو في غاية والافتراء والظلم، فانه لا أظلم ممن كذب على الله وأبطل شرائع أنبيائه وبدلها وقتل أولياءه واستمرت نصرته عليهم دائماً الله يقره على ذلك ولا يأخذ منه باليمين ولا يقطع منه الوتين. فيلزمهم أن -يعني أنت شف تعرف يعني- كل هذه الأمور لو تحدث معناه أن الإله ظالم لهذه البشرية لما ترك شخص مثل محمد صلى الله عليه وسلم لو كان كاذباً كما تقولون يفعل كل هذه الأفاعيل وينتشر دينه في الأرض وهو ينسب كل أفعاله إلى الله ويستنصر بالله والله يعطيه ويمنحه. هذه لو كان النبي صلى الله عليه وسلم كاذباً في دعواه لكان هذا فيه جحد جحود للرب أصلاً وتعطيل لله وهذا من أبواب الإلحاد. قال: فيلزمهم أن يقولوا لا صانع للعالم ولا مدبر، ولو كان له مدبر قدير حكيم لأخذ على يده ولقابله أعظم مقابلة وجعله نكالاً للصالحين، إذ لا يليق بالملوك غير ذلك، فكيف بملك الملوك وأحكم الحاكمين؟

يعني لو كان النبي صلى الله عليه وسلم كاذباً في دعواه حاشاه، هل يعقل أن يتركه الله ثلاثاً وعشرين عاماً يفعل كل هذه الأفاعيل وتكون العاقبة له والنصر له؟ أليس لو كان كاذباً في مملكة الرب سبحانه وتعالى لأهلكه الله ولأنزل به العقاب؟ يعني لو أن ملكاً من ملوك الأرض جاء شخص كاذب يدعي أنه مرسل من عنده ويفعل الأفاعيل بالناس وهو كاذب في أنه مرسل من عند الملك، ألا تجد الملك ينزل به أقسى العقوبات؟ فكيف بملك الملوك سبحانه وتعالى يأتي شخص ثلاث وعشرين سنة يدعي أنه مرسل من إله وأن الإله يعاقب وأن الإله ينصره ويدعوه فيستجيب له وكل هذا يطلع في النهاية كذب وليس له شيء من الواقع؟ هادي هادي تمشي نعم نمر في قرون لا مو هادا هو، هل هل تم لهم من النصر ومن التمكين وهل تم لهم من الرفعة ما يتم للأنبياء ونصرة الأنبياء من الأحداث؟

ادخل في تفاصيل الأنبياء وفي حياتهم وما فتح الله على أيديهم. الآن أكيد كل الدعاوى الباطلة تجد لها جمهوراً، لكن الكلام عن تفاصيل حياة النبي صلى الله عليه وسلم كيف كانت الأمور دائماً تأتي في صالحه وينصره الله ويؤيده ويثبته وتكون الأمور معه ويستجيب دعاؤه وما شابه ذلك، وينسب كل هذا إلى الله وأن الله يستجيب دعاؤه ثم يكون بعد ثلاثة وعشرين سنة بكل هذه التفاصيل، هذا لم يحدث أخي إلا للأنبياء، كن مرتاحاً، لم يحدث لأي أنبياء. نعم، أصحاب المقولات الباطلة يروجون باطلهم على الناس، لكن سيرتهم ونهجهم في حياتهم لا يكون أبداً كنهج الصالحين. نعم، قد ينتصرون على من هو أفجر منهم، فتجد الروم والفرس يتقاتلون وينتصر الروم على الفرس لأن كفر الفرس أسوأ وأصعب من كفر الروم، لكن في النهاية هذا كافر وهذا كافر. لذلك لما جاءت نور الإسلام استطاع أهل الإسلام أن يطبقوا على الروم ويخرجوهم من ديارهم ويردوهم إلى أصولهم وإلى الأماكن التي أتوا منها. فهذا الانتشار وهذا النصر وهذا تأييد هذه السيرة مع القرائن الأخرى التي ستأتي -يعني أنت لا تقتصر فقط على هذا الدليل بل اعتمد أيضاً مع القرائن الأخرى- ستجد أنه هذا لا يمكن أن يكون لسيرة إنسان ظالم كاذب فيما يدعيه على الله سبحانه وتعالى. هذا هو مرادهم، والله تعالى أعلم.

ثم قال: ولا ريب ما زال يكمل ابن أبي العز فيقول: ولا ريب أن الله قد رفع ذكره وأظهر دعوته والشهادة له بالنبوة على رؤوس الأشهاد في سائر البلاد.

ونحن لا ننكر أن كثيراً من الكذابين قام في الوجود هذا الكلام الذي تقوله، وظهرت له شوكة، ولكن لم يتم أمره ولم تطل مدته، وسلط الله عليه رسله وأتباعهم وقطعوا دابره واستأصلوه. هذه سنة الله التي قد خلت من قبل، حتى إن الكفار يعلمون ذلك.

طيب، إذا الطريق الأول هو أن ننظر في عاقبة الرسل، وكيف أن الله سبحانه وتعالى رفع شأنهم ورفع ذكرهم وأهلك عدوهم. فما حدث من إهلاك قوم نوح، ألا يدل على نبوة نوح؟ وما حدث من إهلاك قوم عاد بالريح الصرصر العاتية، ألا يدل على نبوة هود؟ وما حدث من إهلاك ثمود بالصيحة، وما حدث من إهلاك قوم لوط؟ كل هذه الإهلاكات الشديدة والعذاب الأليم الذي حل بهم، وما حدث من إهلاك فرعون وقومه، هذا يدل أن هناك إلهاً نصر أولياءه.

ويقول لك: انظر إلى سير الأنبياء جميعاً، كيف تكون العاقبة لهم؟ وكيف يكون الاستئصال والعذاب الشديد يحل بأعدائهم؟ هذا يدل على صدقهم في الدعوة من الله سبحانه وتعالى. يعني لما سيدنا صالح يقول لقومه ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب، ثم بعد الثلاثة أيام فعلا يحل العذاب الشديد بقوم صالح، مش هذا دليل على أن هذا الرجل نبي مؤيد من إله؟ وهل يمكن أن يكون هذا كاهناً أو ساحراً أو كذاباً أو ملكاً من ملوك الأرض، ويقول ثلاثة أيام وتأتي بعد ثلاثة أيام زي ما قال؟ هذه القرائن كلها تدل على أنه صادق فيما ادعاه من نبوته. إذا هذا هو الدليل الأول.

الدليل الثاني: إخبارهم لقومهم بالأمور السابقة بتفاصيلها، والأمور اللاحقة بتفاصيلها، ووقوع ما أخبروا به على ما وصفوه، ومنه قصة قوم صالح اللي ذكرتها لك. من علامات النبوة الإنسان أنه يخبر بالتفاصيل السابقة وبالأحوال السابقة على تفاصيلها الدقيقة، ومن أمور اللاحقة بتفاصيلها الدقيقة، ويكون كلامهم كما قالوا، فبتعرف أن هذا لا يمكن أن يكون إلا هو مؤيد بوحي من الله. الآن الكاهن مهما كان شاطر، بعطيك كلام عام، عام، بعضه صدق وبعضه كذب، ما بستطيع يعطيك تفاصيل تفصيلية عما حدث في الأمم السابقة، ولا ما يعطيك في المستقبل أمور تفصيلية دقيقة تقع بالحرف الواحد كما قال.

وإنما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: يأخذون الكلمة من الجن، كلمة واحدة صادقة يخلطون معها مئة كذبة، فيحدث من الذي قالوه اثنين، ثلاثة، أربعة بالمية، ويكذبون في أربعة وتسعين، خمسة وتسعين بالمية تمام. أما أن يقع الكلام كله كما قال الإنسان المدعي للنبوة، هذا لا يكون إلا من إنسان مؤيد بالوحي من الله سبحانه وتعالى. فقد أخبرنا، وهذا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أو أخبر قومه عن أحوال الأمم السابقة بتفاصيل لا يعرفها إلا نبي، ووقع كلامه صلى الله عليه وسلم عن الأمم السابقة مطابق لما في الكتب السماوية.

يعني اليهود والنصارى مع شدة وطأتهم وحبهم لبيان كذب النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أن يكذبوه، لم يمسكوا عليه كذبة واحدة فيما قاله من الوقائع السابقة. لما سئل عن أصحاب الكهف، لما سئل عن الأمم السابقة، وحاولوا أن يكذبوه في أي جزئية، بس جزئية وحدة، لم يستطيعوا أن يظفروا بخبر واحد كاذب من النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه كان يعطي التفاصيل الدقيقة، فعرف اليهود أن هذا لا يمكن أن يكون إلا مؤيد بوحي من الله.

كذلك ما كان يخبر به صلى الله عليه وسلم من الأمور اللاحقة وكيف كانت تقع لأصحابه كما قالوا، كيف كانت تقع لأصحابه كما قالوا بالضبط وبالتفصيل من دون أن ينخرم من ذلك شيء واحد، كل هذا يعتبر دليلا قاهرا على صدق النبي صلى الله عليه وسلم في دعواه.

ومن النماذج التي آمنت بصدق النبي صلى الله عليه وسلم من خلال هذا المسلك: الصحابي الجليل عمير بن وهب. بتعرف عمير بن وهب رضي الله تعالى عنه؟ أعطيكم قصته حتى يعني برضه يكون المجلس فيه قصص جيد يعني بيغير الأجواء. عمير بن وهب كان جالس مع صفوان بن أمية في حجر الكعبة بعد معركة بدر بيسير، بعد انتهاء غزوة بدر وما أصاب المشركين فيها. عمير بن وهب من رجالات قريش الكبار، كان جالساً مع صفوان بن أمية بحجر الكعبة، وكان عمير بن وهب شيطاناً من شياطين قريش كما وصفوه، وممن كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويلقون منه العناء الشديد في مكة. وكان ابن عمير بن وهب ابناً أسير عند النبي صلى الله عليه وسلم أسره في معركة بدر.

فقال صفوان بن أمية لعمير بن وهب وهم جالسون مع بعض في الحجر: انظروا صفوان كيف بيحكي! يقول: والله ما في العيش بعدهم خير. يعني ما في خير في العيش بعد الذين ماتوا من رجالاتنا يوم بدر. فقال له عمير: صدقت يا صفوان، أما والله لولا دين علي ليس عندي قضاؤه، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله صلى الله عليه وسلم. فقال فاغتنمها صفوان بن أمية.

قال: خليني أغتنمها. فاغتنمها صفوان بن أمية فقال لعمير: علي دينك، خلص، دينك اللي أنت خايف عليه علي، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، أنا بواسيهم، لا يسعني شيء ويعجز عنهم. فقال له عمير: خلص، إذا أنت تكفلت بالدين وبرعاية عائلتي، فاكتم عني شأني وشأنك. يعني ما تحكيش لحدا اللي اتفقت عليه أنا وياك. فأراد أن يسير إلى المدينة ليقتل النبي صلى الله عليه وسلم. صفوان بن أمية قال له: سأفعل. ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له وسم، وضع فيه السم، ثم انطلق حتى قدم المدينة.

فبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ويذكرون ما أكرمهم الله به وما أراهم في عدوهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب دخل وقد أناخ راحلته على باب المسجد متوشحاً السيف. فقال عمر: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب، ما جاء إلا لشر وهو الذي حرش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر. ثم دخل عمر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحاً سيفه.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أدخله علي. فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها. يعني عمر مسكه بحمالة السيف وشدوا فيها. وقال لمن كان معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله. عمر يقول للأنصار: ادخلوا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأجلسوه عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث فإنه غير مأمون. يعني عمر عارف أن هذا الرجل شراني، فقال لهم يعني استعدوا وكونوا متوثبين أي هجمة على النبي صلى الله عليه وسلم تمسكه. ثم مسك عمر عمير بن وهب ودخل به على النبي صلى الله عليه وسلم.

فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه، مربط بن حمالة السيف في العنق، قال: أرسله يا عمر. ثم قال له: ادن يا عمير. فدنا عمير ثم قال: أنعم صباحاً يا محمد، وكانت تحية أهل الجاهلية. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة.

فقال: أما والله يا محمد، إن كنت بها لحديث عهد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم بيسأل عميراً قال: فما جاء بك يا عمير؟ فقال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم أحسنوا إليه. يعني جئت مشان إيش؟ أبني الأسير عندكم، مش قلنا ابنه كان مأسور عندهم؟ يعني عمل حاله أنه جاي ليفديه قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه.

قال: فما بال السيف في عنقك؟ طب أتيت لأسيرك ليش حامل السيف في عنقك؟ قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئاً يوم بدر؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اصدقني، ما الذي جاء بك؟ فقال: والله ما جئت إلا لذاك لابني. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بل قعدت أنت وسفيان بن أمية في الحجر فذكرت ما أصاب القوم من قريش، ثم قلت لصفوان: لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمداً. فتحمل لك صفوان بن أمية دينك وعيالك على أن تقتلني، والله حائل بينك وبين ذلك.

أعطاه القصة بالتفصيل. فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، ما فيش شقاء يعني إيش أكثر من هيك؟ لا هسا الآن هل عمير عمير شاف المعجزة القرآن ومع ذلك لم يؤمن؟ لكن بماذا آمن؟ بهذا الخبر أنه مش ممكن، هذا مش كشغل كاهن ولا شغل ساحر، هذا لا يمكن أن يفعله ويخبر بهذه التفاصيل الدقيقة إلا إنسان موحى إليه من الإله. فقال: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره، هاي قصة لم يحضرها إلا أنا وصفوان، فواللَّه إني لأعلم ما أتاك به إلا الله.

شوف الناس العقلاء، صح هو كان عنده مشاكل لكنه عاقل في النهاية، يعلم أن مثل هذا التفصيل لا يمكن أن يأتي به الكاهن ولا ساحر، رجل مؤيد من الله سبحانه وتعالى. فالحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق. ثم شهد شهادة الحق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقهوا أخاكم في دينه وعلموه القرآن وأطلقوا له أسيره. ففعلوا.

شوفوا قصة عمير بن وهب تعطيك نموذج أنه كيف كان القوم يسلمون؟ هل فعلا كان القوم يعتمدون على المعجزة تمام؟ يعني على المعجزة الخارقة للعادة، ولا مجرد أخبار النبي صلى الله عليه وسلم بما كان وما سيكون كان يكفي في بيان صدقه عليه الصلاة والسلام؟ كان يكفي في بيان نطقه، أنا لسا بدي أقول يعني هي البعض يجعلها أصلاً صورة من صور الإعجاز، صور من صور الإعجاز أن يخبره صلى الله عليه وسلم عن ذلك، لكن ليست هي المعجزة الكبرى التي يعني عارضهم بها، وهي معجزة القرآن الكريم. مجرد أخبارهم عن خبر السماء كان هذا دليل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان هذا كما قلت البعض لم يخرجه عن كونه من باب معجزاته.

طيب، فهذا المسلك الثاني. هذا المسلك الثاني، آه، كما قلت، البعض ذكره مسلكاً منفصلاً عن المعجزات، والبعض ذكره تحت دائرة المعجزات. فلننتقل للمسلك الثالث، كم ذا من الوقت؟ طيب.

المسلك الثالث: خصاله وشمائله وكريم فعاله وتصرفاته وسياسته مع أنصاره وأعدائه. سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كخصال وصفات وسياسته هي من أكبر الأمور التي تميز بين الصادق والكاذب والمحق والمبطل. لذلك أحبابي الكرام، خديجة رضي الله عنها عندما دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم ملهوفاً فزعاً مما رآه في غار حراء، طمأنت زوجها وقالت له: لا تخف، فإن الله لن يخزيك أبداً.

ماذا قالت له؟ مقولتها المشهورة: كلا والله، لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق. يعني خديجة عارضة خصال زوجها رضي الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها. فلما أخبرها أنه جاءه ناموس ووحي من الله وهكذا، وأنه خاف على نفسه وخشي، قالت له: لا يمكن أن يخزيك الله سبحانه وتعالى، لا يمكن أن يخزيك الله سبحانه وتعالى لأن فيك من الخصال ما تدل بأنك رجل مؤيد. خديجة لم تنتظر معجزة، لكنها علمت أن خصال هذا الرجل لا يمكن أن يتركه الله سبحانه وتعالى وأن يخزيه وأن يكون ما يأتيه كذب أو كما يأتي السحرة والكهان وما شابه ذلك.

وممن استدل بأحواله وكريم خصاله وأفعاله على صدق دعواه: هرقل ملك الروم، الذي حين قابل وفداً من قريش في بلاد الشام على رأسهم أبو سفيان بن حرب، وكان ذلك في ثنايا صلح الحديبية. أبو سفيان كان خارج تجارة للشام، اتنصلوا الحديبية. فهرقل ملك الروم دعا، قال يعني قال لحاشية: يبحثوا لي عن أناس من جزيرة العرب حتى أنظر في أمر هذا النبي الذي خرج، هل هو صادق أم كاذب؟ فوجدوا أبو سفيان بن حرب ومجموعة، فأتوا بهم إلى هرقل ملك الروم.

ادعاهم الراقي وجلس يسألهم عن أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وعن طبيعة الصراع بينه وبينهم. فماذا قالوا؟ فسألهم ملك الروم: هل كان في آبائه من ملك؟ شوفوا كيف؟ العاقل بمجرد الخصال والصفات يعرف الصادق من الكاذب في دعوة النبوة، مش بحاجة لمعجزة. قال لهم: هل كان في آبائه من ملك؟ قالوا: لا. قال: هل قال هذا القول أحد قبله يعني فيكم؟ في كان أحد يدعي النبوة قبله؟ قالوا: لا. طيب. وسألهم: هل هو ذو نسب فيكم؟ قالوا: نعم. وسألهم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قالوا: لا والله، ما جربنا عليه كذباً. وسأل: هل اتبعه ضعفاء الناس أم أشرافهم؟ فذكروا أن الضعفاء اتبعوه. وسألهم: هل يزيدون أم ينقصون أتباعه؟ فذكروا أنهم يزيدون. وسألهم: هل يرجو أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ قالوا: لا. وسألهم: هل قاتلتموه؟ قالوا: نعم. واسألهم عن الحرب بينه وبينه، فقالوا: يدال علينا مرة وندال عليه أخرى، يعني مرة إحنا بننتصر ولا هو بيمنتصر. طيب. وسألهم: هل يغدر؟ فذكروا أنه لا يغدر. وسألهم: بماذا يأمركم؟ فقالوا: يأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئاً، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا.

بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. وهذه أكثر من عشر مسائل. ثم بين لهم ما في هذه المسائل من الأدلة، فقال لهم: سألتكم هل كان في آبائه ملك فقلتم لا، قلت: لو كان في آبائه ملك لقلت رجل يطلب ملك أبيه.

وسألتكم: هل قال هذا أحد قبله؟ فقلتم لا، فقلت: لو قال هذا أحد قبله لقلت رجل يأتم بقول قيل قبله. وسألتكم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقلتم لا، فقلت: قد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله.

وسألتكم: ضعفاء الناس يتبعونه أم أشرافهم؟ فقلتم: ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل يعني في أول أمرهم. ثم قال: وسألتكم هل يزيدون أم ينقصون؟ فقلتم: بل يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم. وسألتكم: هل يرتد أحد منهم عن دينه؟ فقلتم: لا، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد.

وهذه من أعظم علامات الصدق والحق، فإن الكذب والباطل لابد وأن ينكشف أمره في آخر الحال، فيرجو عنه أصحابه ويمتنع عنه من لم يدخل فيه، والكذب لا يروج إلا قليلاً ثم ينكشف. وسألتكم: كيف الحرب بينكم وبينه؟ فقلتم: أنها دُول، وكذلك الرسل تبتلى وتكون العاقبة لها.

قال: وسألتكم هل يغدر؟ فقلتم لا، وكذلك الرسل لا تغدر، تشوفه بعقله عرف. قال: فإن كنتم صدقتموني فيما قلت، ليملكن هذا الرجل مكان قدمي هاتين. اختم لكم القصة يعني في نهاية القصة، هرقل الطويل قال لهم في النهاية: إذا كان فعلا ما كلمتوني به صدق، ليملكن هذا الرجل مكان قدمي هاتين.

فعرف هرقل أنه رسول الله، هذا يحتاج إلى معجزة؟ لا، النظر في قرائن الأحوال وطبيعته مع معرفة هرقل بالأنبياء السابقين وقصصهم، قاس هذه القصص على أو قاس قصة نبينا صلى الله عليه وسلم على من قبله من الأنبياء والرسل فعرف أنه نبي. إذاً أحبابي الكرام، هذه طريق ثالث.

طيب، هناك طريق رابع أيضاً، وهي الشرائع والأحكام التي أتى بها، وما فيها من الفضائل والمحامد والمقاصد الشريفة. فإن الناظر في هذه الشريعة في شتى نواحيها يلحظ تنسيقاً عجيباً أو تناسقاً عجيباً، وأحكاماً ملفتة للانتباه لا يأتي به سوى نبي.

إذا نظرت في الأحكام ومقاصدها والفلسفة التي بنيت عليها، تجد تناسقاً عجيباً، من أحكام الطهارة حتى أحكام الإقرار والقضاء والجنايات. ومن هنا لما سمع النجاشي من جعفر بن أبي طالب عن طبيعة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع الأحكام التي يدعو إليها والفضائل التي يؤزهم عليها، ثم تلي عليه جزءاً من القرآن الكريم، أدرك النجاشي مباشرة أن هذه الشريعة التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم شريعة الأنبياء، فقال لجعفر ولصاحبه: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة.

النجاشي مثال آخر، النجاشي لم ينتظر معجزة، النجاشي لما سمع الفضائل والأمور والأحكام والتشريعات التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تلي عليه جزء من القرآن فيه العقائد التي يدعو إليها النبي صلى الله عليه وسلم، عرف أن هذا كلام الأنبياء ولا يمكن أن يكون كلام غيرهم، وليست المعجزة هي التي اتكأ عليها في بيان ذلك. إذاً يعني -طبعاً هنا نقلت لكم كلام ابن أبي العز عن هذا الوجه الرابع- قالوا: ومنها أن ابن أبي العز ذكر عندكم بعض وجوه أو طرق دلائل النبوة.

فيقول عن الطريق الرابع: طريق الشرائع والأحكام. ومنها أن من عرف ما جاءت به الرسل من الشرائع وتفاصيل أحوالها، تبين له أنهم أعلم الخلق، وأنه لا يحصل مثل ذلك من كذاب جاهل، وأن فيما جاءوا به من الرحمة والمصلحة والهدى والخير، ودلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرهم، ما يبين أنه لا يصدر إلا عن راحم يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق.

إذاً هذا الطريق الرابع، طريق طبيعة الأحكام والشرائع التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم. اجعل إنساناً يدرس الشريعة الإسلامية من أولها إلى آخرها، صدقني سيسلم إذا كان عنده عدل وإنصاف، يدرك أن هذه مستحيل تكون شريعة بشر، الدقة المتناهية في الأحكام هذه تدل على شريعة إله، على شريعة إله.

طيب، الطريق الخامس: بشارة الكتب السماوية السابقة به، هذه طريق خامس. فإن الناظر في الكتب السماوية السابقة على بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم يجدها ذكرت كثيراً من البشارات ببعثته والعديد من صفاته التي تطابقت مع صفات نبينا الكريم تماماً. وأسلم بسبب ذلك الكثير من اليهود كعبد الله بن سلام، بل حتى من غيره ممن أدرك التطابق التام بين ما جاءت به الكتب السماوية وبين صفات النبي صلى الله عليه وسلم كسلمان الفارسي.

سلمان الفارسي كيف عرف صدق النبي صلى الله عليه وسلم؟ الراهب الذي جلس عنده آخر شيء أعطاه صفات النبي عليه الصلاة والسلام: يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة وعليه خاتم نبوة. فسلمان الفارسي لما جاء ونظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورأى تطابق صفاته مع الصفات التي أخبر بها من الراهب عرف أنه صادق. فالكتب السماوية بشرت بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأهل الكتاب الأمور اللي هتعتمدوا عليها في معرفة صدق النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن هي معجزة ابتداء، وإنما نظروا في الصفات التي في كتبهم، هل تتطابق مع هذا النبي؟ فعبد الله بن سلام وغيره من اليهود الذين أسلموا عرفوا تطابق الصفات تماماً المذكورة في كتبهم مع ما شاهدوه من أوصاف النبي عليه الصلاة والسلام فعرفوا أنه لا يمكن أن يكون كاذباً، تمام؟

فهذا إذاً أيضاً طريق آخر. إذاً كم طريق صاروا؟ أنا لحد الآن خمس طرق. تذكر الطريق الأول يا شيخ هشام؟ لا، إمتلاءات المعجزة لسا ما حكيناش هي الطريق السادس.

لا، الطريق الأول يا جماعة الخير: انتصاره على أعدائه وكون الغلبة له. الطريق الثاني: إخباره بالأخبار بالقصص السابقة بتفاصيلها وبالقصص اللائق بتفاصيلها، وإن كانت هذه -كما قلت لكم- يمكن إدراجها تحت المعجزة. ثالثاً: مناقبه وصفاته وخصاله. رابعاً: شرائعه وأحكامه؛ يعني ما هي الأحكام التي شرعها لهذه الأمة والتي دعا إليها؟ خامساً: بالبشارة في الكتب السماوية السابقة به. هذه مهم جداً تعرفوها، حتى تعرف أن معرفتنا بصدق النبي صلى الله عليه وسلم ليست فقط من المعجزات، بل هناك العديد من الأمور هي التي تدعونا للإيمان بصدقه وأنه مرسل من الله.

الطريق السادس هو طريق المعجزات، هو طريق المعجزات. لكن هذا الطريق سأتركه للمحاضرة القادمة، لأنني سأذكر هذا الطريق وأبين أن هو الطريق الوحيد الذي يؤمن به أهل الكلام، أما الطرق السابقة فلا يلتفتون إليها، والبعض إذا التفت إليها فاستئناساً، ويعتبرون الطريق الوحيد هي طريق المعجزات.

فسأذكر طريق المعجزات في المحاضرة القادمة إن شاء الله، وأعلق عليها، ونبين بعد ذلك الفرق بين المعجزة وبين السحر والكهانة. وهذا نهاية مجلسنا لهذا اليوم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.