بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
في المحاضرة السابقة أحبائي الكرام بدأنا وشرعنا في أدلة أهل الحديث على المسائل العقدية الكبرى على المطالب العالية، وهي مسألة وجود الله سبحانه وتعالى، مسألة توحيد الربوبية وتوحيد الألوحية وتوحيد الأسماء والصفات.
هذه المسائل الأربع تسمى المطالب العالية، أعظم مسائل في حياة الإنسان: إثبات وجود الله، باب توحيد الربوبية، واثبات توحيد الألوحية، واثبات الأسماء والصفات.
وعرفنا أن أهل الحديث أهل السنة والجماعة يقيمون الأدلة أو عندهم ثلاثة من الأدلة يستندون فيها لإثبات هذه المطالب العالية، الدليل الأول دليل الفطرة، الدليل الثاني دليل العقل، الدليل الثالث هو الأدلة النقلية في الكتاب والسنة.
وشرعنا في الدليل الأول وهو دليل الفطرة، فعرفنا أن معرفة الله سبحانه وتعالى يعني إثبات وجود الله ومعرفته وتوحيد الربوبية والألوحية وأصل الأسماء والصفات وأصل الأسماء والصفات تدل عليها الفطرة، فهو أمر بديهي فطري عند أهل السنة والجماعة، بخلاف فرق المتكلمين الذين يعتقدون أن الفطرة لا تدل على وجود الله عز وجل ولا تدل على توحيده، وإنما يستدل على وجوده وعلى توحيده بالأدلة العقلية النظرية.
وعرفنا أن هذه المسألة الخلاف فيها بين أهل الحديث وبين المتكلمين انبنى عليه مسألتان.
المسألة الأولى يلا من يتذكرها شيخ قصي؟ مسألة ما هو أول واجب على المكلف؟ فقلنا هو أول واجب شهادة التوحيد أم أول واجب النظر؟ فعلى رأي المتكلمين أول واجب على المكلف النظر، وأما عند أهل الحديث فأول واجب عند المؤمن هو شهادة التوحيد، لأن معرفة الله أصلاً فطرية ضرورية لا تتوقف على النظر ابتداء.
المسألة الثانية التي انبنت عليها مسألة إيمان المقلد إذا بتتذكرون، وقلنا: هل يصح إيمان المقلد أم لا يصح عند أهل السنة؟ لا يرد هذا السؤال ابتداء، لماذا؟ لأن معرفة الله عندهم فطرية ضرورية، وأما عند المتكلمين فهم يبحثون عن صحة إيمان المقلد، فبعضهم لم يصححه، وبعضهم صححه مع تأثيمه.
ثم بعدُ أقمنا أدلة أهل السنة والجماعة على أن الفطرة تعرف الله، قلنا لو شخص سألك من المتكلمين: ما دليلك على أن الفطرة تعرف الله سبحانه وتعالى؟ فبماذا تجيبه؟ أولاً نقول له: الله سبحانه وتعالى عندنا آيات قرآنية يأمرنا الله سبحانه وتعالى فيها بلزوم الفطرة، فلو كانت الفطرة لا تعرف الله لما أمرنا الله سبحانه وتعالى بلزوم الفطرة.
ما هي الآية التي تأمرنا بلزوم الفطرة؟ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، وتقدير الآية: الزموا فطرة الله التي فطر الناس عليها.
الأدلة الثانية: الأدلة التي يخبر الله سبحانه وتعالى فيها أنه فطر الإنسان على معرفته، وقلنا هناك دليلان سنقتصر عليهما في هذه الدورة: الدليل الأول قوله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟
وعرفنا أن من هذا الحديث وقع خلاف بين أهل الحديث وبين أهل السنة والجماعة في تفسيره: ما معنى كل مولود يولد على الفطرة؟ فذكرنا أربعة أقوال.
القول الأول: أن يكون مولود يولد على الفطرة أي ماذا؟ على القدر السابق الذي قدره الله له من الشقاء والسعادة، وعرفنا أن هذا الفهم ليس بسديد.
القول الثاني: أن كل مولود يولد على الفطرة المراد به الميثاق الذي أخذه الله من ذرية آدم حينما أخرجهم من ظهر آدم، وهذا أصلاً محل نزاع قلنا: هل هناك ميثاق حقيقي بمعنى هل أخرج الله ذرية آدم من ظهر آدم حقيقة وأشهدهم إشهادا أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا؟ أم أن المراد بهذه القضية شيء آخر سنعرفه اليوم إن شاء الله؟ فصحة هذا القول ينبني على ماذا؟ على إثبات القصة وعدم إثباتها.
القول الثالث: أن المراد بكل مولود يولد على الفطرة ماذا؟ يولد أي صفحة لا يوجد فيها لا إيجابي ولا سلبي، لا خير لا شر لا إسلام ولا كفر، واختاره ابن عبد البر وطائفة، وعرفنا أن هذا القول أيضاً ليس بسديد، بل سياق الحديث إذا تأملنا فيه يمنعنا أن نقول: كل مولود يولد على الفطرة يولد كاللوح غير مكتوب في أي شيء لا إيجاباً ولا سلباً، لا خير ولا شر، لا إسلام ولا كفر.
وهذا ليس بسديد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال؟ قال: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ولم يقل: أو يؤسلمانه، طب لماذا لم يقل: أو يؤسلمانه؟ هذا فيه دليل على أن الفطرة ليست عبارة عن لوح لا شيء مكتوب فيه، بل يوجد فيه ما هو مكتوب من اقتضاء الإيمان وطلبه، فعرفنا أن هذا القول ضعيف.
فعرفنا أن الصحيح في قوله صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة هو القول الرابع، وهو الذي اختاره المحققون من أهل الحديث ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم، أن المراد بكل مولود يولد على الفطرة أي كل مولود يولد وفطرته تميل إلى الحق.
ها نحن لا نقول إن المولود يخرج من بطن أمه يعرف الإسلام، لا نقول هذا لأن هذا خلاف الواقع، فإنك لو أتيت إلى طفل خرج من بطن أمه فانه لا يعرف شيئاً كمعرفة، والله تعالى يقول: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا.
ولكن ما معنى أنه يولد على الفطرة على الإسلام؟ أي أنه يخلق بفطرة تميل إلى الإسلام دون سائر الأديان الأخرى هذا واحد، ويوجد في هذه الفطرة قوة تقتضي من داخلها إذا مضى في الحياة أن يعرف الحق والاسلام، فلابد أن تدرك الأمرين أن معنى كل مولود يولد على الفطرة ما معناه؟ أنه يولد بفطرة مائلة إلى الدين الحق، مائلة إلى معرفة وجود الله وتوحيده.
اثنين: أن هذه الفطرة لا تحتاج إلى شخص خارجي يعلمها وجود الله وتوحيده، بل هي تعرف هذا الأمر كما تتعرف سائر الأمور الضرورية، كما تتعرف الضرورات الأولية مثل كما تتعرف أن الكل أكبر من الجزء، أن السبب ينتج المسبب، وأن الأثر لابد له من مؤثر، تعرف هذه الفطرة من تلقاء نفسها أن هناك صانع لهذا العالم وأنه ينبغي أن يكون واحد جل في علاه.
هذا هو الصحيح في تفسير كل مولود يولد على الفطرة.
اليوم بإذن الله بعد أن انهينا الحديث عن هذا الدليل موكول هود هنود على الفطرة، ساذهب للدليل الثاني الذي وعدتكم به والذي يدل على موضوع الفطرة وهو قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ.
هذه الآية أحبابي الكرام أو هاتان الآيتان كيف تدلان على دليل الفطرة؟ في الحقيقة هذان الآيتان اختلف نظار اهل الحديث في تفسيرهما، فذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أن المراد بأخذ الميثاق من ذرية آدم وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ أن هناك أخذ حقيقي من ظهر آدم في الأزل، أن الله سبحانه وتعالى في الأزل اخذ من ظهر آدم الذرية وأخرجهم كالذر وأشهدهم إشهادة حقيقياً أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ فقالت الذرية بَلَى شَهِدْنَا.
إذن بعض وضاة اهل السنة يقول: الآية تدل على أن الله عز وجل في القدم أخذ من ظهر آدم الذرية التي ستأتي وماذا فعل هشام؟ أشهدها إشهادة حقيقياً وقال لها: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ فقالوا جميعا قالوا: بَلَى شَهِدْنَا.
تمام، الآن على هذا الكلام هذا لا يدل على دليل الفطرة، وإنما يدل على أن هناك ميثاق أخذة الله من ذرية آدم لما أخرجهم من بني آدم.
الآن الذين اخذوا بهذه القصة وبهذه الواقعة استدلوا بمجموعة من الأحاديث والآثار، ذكرت أن الله سبحانه وتعالى فمسح ظهر آدم بيمينه فأخرج ذريته كالذر وأشهدهم، فاستدلوا بمجموعة من الأحاديث.
الآن هل هذه الأحاديث في درجة عالية من الصحة في ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ هنا وقع الخلاف، فذهب كثيراً من المحققين أن هذه الأحاديث المرفوعة في أن الله استخرج ذرية آدم من ظهر آدم وأشهدهم أنها لا تثبت مرفوعة، أربعة لا تثبت إيش مرفوعة.
فبالتالي هناك قول آخر لأهل الحديث في تفسير هذه الآية، وهو القول الذي نريده وهو الذي يدل على الفطرة، وهو أن المراد بأخذ الذرية في هذه الآية وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ أن المراد بها الكناية، أنه فطرهم مقرين بوجود الله سبحانه وتعالى.
هذا المراد بأخذ الميثاق، أن المراد بالميثاق في هذه الآية وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ المراد الكناية عن كونه فطرهم على التوحيد، وهذا القول معاكس للقول الذي ذكرناه في الفطرة.
قلنا في الفطرة أحد الاقوال الأربعة ايش قالوا؟ أن الفطرة هو الميثاق السابق صح؟ هون بالعكس، أن الميثاق السابق هو الفطرة، تذكروا قبل قليل لما قلت لكم هناك اربعة أقوال في تفسير الفطرة، أحد الاقوال أن الفطرة هي ماذا؟ هي الميثاق السابق، وضعفنا هذا القول أو ما بدي اقول ضعفنا، توقفنا فيه كما قلت لأن القصة فيها كلام هل هي ثابتة أو ليست ثابتة.
لكن هذا التفسير الذي أذكره الآن للاية وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ أنه كناية عن كونه فطرهم على التوحيد هذا يكون عكس القول السابق، أن الميثاق الذي أخذ من ذرية آدم إنما هو ايش؟ إنما هو فطرهم على التوحيد وهم في بطون أمهاتهم، فهمتوا كيف؟ هو عكس أننا كنا قبل قليل نقول إن الفطرة هي الميثاق السابق، لا، احنا بنقول العكس: الميثاق السابق المراد به الفطرة وليس الفطرة هي الميثاق السابق، فهمتم؟
فإذن ابن تيمية وابن كثير في تفسيره وابن القيم وغيره من محققيه ونظار أهل السنة يقولون: المراد بالميثاق في هذه الآية وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ المراد بهذا الإشهاد وهذا الميثاق ما هو؟ فطرهم على التوحيد هذا هو المراد، وليس أن هناك أخذ من ظهر آدم لذريته واخراجهم واستنطاقهم، لا لا لا، يقول ابن تيمية وابن كثير: هذا ليس هو الأصوب في تفسير الآية.
وإنما الأصوب أن نقول: المراد أنه أخرج ذرية آدم من ظهره، المراد ماذا؟ أن الفطر على التوحيد، والدليل القوي الذي استدل عليه ابن تيمية وابن كثير على هذا التفسير ما هو؟ أن الله سبحانه في الآية ما قال: وأذ اخذ ربك من قهري آدم، الآية مش هيك، لا، ايش تقول؟ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ.
ما قال: وإذا أخذ ربك من آدم من ظهره ذريته، الآية ما قالت لك يقول ابن تيمية، الآية تقول: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ، والإنسان كما لا يخفى عليكم إنما يولد من ماذا؟ نطفة من مني يمنى تكون خارجة من ظهر أبيه، الماني أين ينشأ؟ أليس في ظهور الآباء وفي أصلابهم؟
فهذا يقول ابن تيمية تفسير الآية أن الله عز وجل يقول: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وهو أية عملية استخراج من ظهور الآباء ودخولها في أرحام الأمهات، فلما أخذ الله بني آدم من ظهور آبائهم وأودعهم في أرحام أمهاتهم، أودع معهم هذه الفطرة التي تقر بوجود الله وتقر بتوحيده.
طبعا احنا عرفنا ايش يعني تقر بوجود الله، مش أن هاي الفطرة تخرج هي عارفة بوجود الله، لا، مائلة طالبة لوجود الله وتستطيع بنفسها أن تدرك هذا الوجود من دون حاجة إلى من يوقفها من الخارج، فهذا هو الفهم الذي اختاره ابن تيمية وابن كثير وابن القيم وغيرهم من نظار أهل السنة في تفسير هذه الآية.
يقول ابن تيمية: فاما نطقهم (لأن ابن تيمية يعلق على هذه الآية فيقول في بدأ تعارض العقل والنقل): فاما نطقهم أن الله يعني أخرجهم من ظهر آدم وأنطقهم إنطاقاً حقيقياً، قال: فليس فيه شيء من الأحاديث المرفوعة الثابتة، يعني لا يوجد حديث مرفوع ثابت نستند عليه في هذه القصة، ولا يدل عليه أصلاً القرآن.
فإن القرآن ماذا يقول؟ يقول: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وفي قراءة ذرياتهم بالجمع وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، فذكر الأخذ من ظهور بني آدم لا من نفس آدم، وكلام منطقي صح ولا لا؟ فاخذ الأخذ، فذكر الأخذ من ظهور بني آدم وليس من ظهر آدم تمام.
وقوله سبحانه: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ، يقول ابن تيمية: فشهادة المرء على نفسه ما المراد؟ أشهدهم على أنفسهم يقول: شهادة المرء على نفسه إذا ذكرت في القرآن فالمراد بها إقراره على نفسه.
انت لما تشهد على نفسك بشيء ايش يعني؟ انت تقر على نفسك، أليس كذلك يا شيخ خالد؟ أنا أشهد على نفسي أني فعلت كذا، ايش يعني؟ أنا أقر إذا على نفسي بأني، فالشهادة على النفس هو أن تقر بشيء.
إذن فشهادة المرء على نفسه في القرآن المراد بها إقرار هذه النفس، وقولهم بَلَى شَهِدْنَا هو إقرارهم بأنه ربهم، ومن أخبر بأمر عن نفسه فقد شهد به على نفسه، وقوله سبحانه أشهدهم يقتضي (لاحظ الآية ايش تقول؟ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ)، لفظة أشهدهم تقتضي أنه هو الذي جعلهم شاهدين على أنفسهم بأنه ربهم، وهذا الإشهاد متى؟ قال: هو مقرون بأخذهم من ظهور آبائهم، وهذا الأخذ المعلوم المشهود الذي لا ريب فيه هو أخذ المني من أصلاب الآباء، فالله أخذهم من ظهور آبائهم المراد أخذ.
من أصلاب الآباء. فلما أخذ المنية من أصلاب الآباء أشهدهم على أنفسهم ألست بربربكم والمراد بهذا الإشهاد إنما هو على التوحيد، إنه هذه الفطرة التي سينشأون عليها هي فطرة التوحيد المائلة إلى التوحيد، الطالبة له، المقتضية له، المستلزمة له، عبر كما شئت.
إذا وهذا الأخذ المعلوم لأنه هو إيش قال؟ الآية تقول: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ. ما معنى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ؟ يقول ابن تيمية: أخذ المنية من أصلاب الآباء، وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ. المراد أخذ المني من أصلاب الآباء، وعندما أخذ المني من أصلاب آبائي وشكلوا الفطر، هذه الفطر شكلت مائلة إلى الحق، طالبة له، مستلزمة له منذ أن خلقت تمام.
ثم قال الله في الآية يكمل ابن تيمية: أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ. فذكر لهم حجتين يدفعها هذا الإشهاد، يعني لماذا الله خلق هذه النفوس على الفطر ليدفع حجتين يحتج بها الكفار على الله سبحانه وتعالى يوم القيامة؟ لما يجي الكفار يوم القيامة ويشوفوا العذاب الشديد سيحتجوه بأحد حجتين، إيش يقولوا؟ أما أن يقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين يا الله ما كناش عارفين أنك موجود وأن توحيدك حق، أو يقولوا حجة أخرى: إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم.
فحتى يدفع الله عز وجل هاتين الحجتين، فطرهم على التوحيد حتى ما حدا يجي يوم القيامة ويقول إيش: إنا كنا عن معرفتك وعن توحيدك غافلين، أو يأتي يوم القيامة فيقول: إنا أشركنا لأن آباءنا أشركوا. لا عذر لكم عند الله يوم القيامة، لماذا؟ لأن الله خلقكم على فطرة طالبة للتوحيد مقتضية له. لكن سنعرف إن شاء الله أن من كرمه وفضله وتمننه على عبيده أنه لا يعذبهم مع أنهم خلقهم على فطرة التوحيد والمعرفة لا يعذبهم حتى تثبت عليهم الحجة الرسالية وهذا من باب التفضل فقط، الله سبحانه كما أخبرنا في الآية سيأتي ابن تيمية يقول: دعونا نكمل مع ابن تيمية يقول ذكر لهم حجتين يدفعها هذا الإشهاد وهذه الفطرة.
إحداها أن تقول يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، فبين أن هذا أي أن هذا التوحيد وهذه المعرفة بالإله علم فطري ضروري لابد لكل بشر من معرفته، وهذا يتضمن حجة الله في إبطال قيل التعطيل يعني إنكار وجود الصانع، وأن القول بإثبات الصانع أمر فطري ضروري. والحجة الثانية لهم: أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم، فهذه حجة لدفع الشرك، إذا ابن تيمية يقول قولهم: إنا كنا عن هذا غافلين، أي لم نكن نعرف وجودك، أو تقول: إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم، هذا حجة أخرى، أي كنا نعرف وجودك لكننا أشركنا لأن آباءنا كانوا.
فهناك حجتان لهم: حجة ينكرون بها وجود الصانع، وحجة يبررون بها شركهم. فجاء الإشهاد وجاءت الفطرة لتدفع كلا الحجتين. الحجة الأولى وهي أنهم ينكرون وجود الصانع: أننا عطلناك ولم نعرف وجودك، فيقول لهم: كلا إنتم كاذبون، فالسترة تعرف وجودي. وإذا قالوا: أشركنا لأن آباءنا أشركوا، نقول لهم أيضا كذبتم، فإن الفطرة تعرف توحيدي.
فالفطرة يا شيخ هشام لا تدل فقط على وجود الله، بل تدل على ماذا أيضا؟ على توحيده. وهذا أصل عند أهل السنة والجماعة: أن فطرتنا التي فطرنا الله عليها تدلنا على وجود الصانع، وتدلنا على توحيد الربوبية، وتدلنا على توحيد الألوهية، حتى توحيد الألوهية فكله أمر فطري فطر الله عز وجل عليه الإنسان. وعرفنا ما معنى فطر الله عليه الإنسان؟ أنه خلقه بفطرة مقتضية له، مائلة له، تستقل بنفسها في معرفته.
وليس المراد أنه أخرجنا من بطون أمهاتنا ونحن نعرف التوحيد حقا، لا، لأنه الله عز وجل يخرجنا لا نعلم شيئا، لكن فطرنا تميل إلى التوحيد وتعرفه لولا وجود المؤثر، فإذا جاء مؤثر أبواه يهودانه أو صرامه أو يمجسانه هذا يحذف الفطرة عن مسارها، جميل.
طيب، ويقول ابن تيمية بعد ذلك: وهذا لا يناقض قوله تعالى وما يعني آآ احتجاج الله عز وجل عليهم بدليل الفطرة، هل يناقض قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا؟ الآن الكفار يوم القيامة لما يقولوا لربهم آه كنا عن وجودك غافلين أو أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم فيحتج الله عز وجل عليهم بالفطرة، فيقول: لا تحتجوا بانكم كنتم عن هذا غافلين ولا تحتجوا بأن آبائكم أشركوا من قبل فقد فطرتكم على التوحيد.
هل هذا يتعارض مع قوله عز وجل: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا؟ يقول ابن تيمية: هذا لا يتناقض مع قوله سبحانه: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا، فإن الرسول يدعو إلى التوحيد صحيح، لكن إن لم يكن في الفطرة دليل يعلم به إثبات الصانع لم يكن مجرد الرسالة حجة عليهم. تصوروا يقول ابن تيمية: لو أن الفطر لا تعرف وجود الصانع أصلا لم تكن مجرد بعثة الرسل حجة عليهم، فالحجة الأقوى والأعلى على بني آدم ليست حجة الرسل يقول ابن تيمية، بل حجة الفطرة التي فطروا عليها.
وللأسف أن المتكلمين يلغون هذا الجانب تماما، جانب أن الفطرة تعرف التوحيد وتميل إليه وتستطيع وحدها أن تصل إليه، بفكر الكلام بطوائفه متعددة الأشعرية، ماتريدية، معتزلة، ينفون هذا تماما، ويقولون معرفة الله لا تكون إلا بأدلة عقلية، وأما أن نقول إن الفطر تميل إلى معرفة الله وتطلبها وتعرفها هذا لا يكون عندهم، وهذا تقصير شنيع في تقرير مسائل التوحيد والمطالب العالية.
إذا وهذا لا يتناقض مع قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا، فإن الرسول يدعو إلى التوحيد، لكن إن لم يكن في الفطرة دليل على التوحيد يثبت به الصانع لم يكن مجرد الرسالة حجة عليهم. ومعرفتهم بذلك وأن هذه المعرفة والشهادة أمر لازم لكل بني آدم تقوم به حجة الله سبحانه وتعالى في تصديق رسله، فلا يمكن أحدا أن يقول يوم القيامة: إني كنت عن هذا غافلا، ولا أن الذنب كان لأبي المشرك دوني، لأنه عارف بأن الله ربه لا شريك له من خلال فطرته، فلم يكن معذورا في التعطيل ولا الإشراك، بل قام به ما يستحق به العذاب.
ثم لاحظوا إيش يقول؟ ثم إن الله بكمال رحمته واحسانه لا يعذب أحدا إلا بعد ارسال الرسل إليهم وإن كانوا فاعلين لما يستحقون به الذم والعقاب. كما كان مشركو العرب وغيرهم ممن بعث إليهم الرسول فاعلين أهل السيئات قبائح التي هي سبب الذم والعقاب، والرب تعالى مع هذا لم يكن معذبا لهم حتى يبعث رسوله.
إيش معنى هذا الكلام؟ الآن أحبابي الكرام سيأتي مشركون يوم القيامة بين يدي الله يقفون، إذا قالوا لربهم أنه يا الله نحن أشركنا أو كفرنا لأننا لم نكن نعرف وجودك أو لأن آباءنا كانوا مشركين، فالله سبحانه وتعالى سيقول لهم: كذبتم، فإن فطراكم التي فطرتكم عليها تميل إلى معرفة الحق، أي تميل إلى معرفة وجودي وماذا وتوحيد، لكنني بكرمه يقول لهم تعالى: لا أعدبكم مع أنكم فعلتم ما يستحق العذاب، خالفتم مقتضى الفطر التي فطرتكم عليها، مع فعلكم ما يستحق العذاب ومخالفتكم لمقتضى الفطار لن أعذبكم حتى تثبت قيام الحجة عليكم بالرسل.
تفهمي كيف النقاش بيكون؟ أن هؤلاء المشركون بجميع أنواعهم الكفار الذين لم يؤمنوا بوجود الله لما يقفوا بين يدي الله إذا قالوا: نحن لم نكن نعرف وجودك أو أشركنا لأن أنا أشرك، الحجة علي ابتداء تقوم بماذا يا خالد؟ بالفطرة، إنه هذا ما لا حجة لكم في كفركم وجحدكم الصانع ولا حجة لكم في إشراكم، فاني خلقتكم بفطرة تميل إلى معرفتي وتميل إلى توحيدي وتعرف ذلك تمام.
لكنني يعني هو سبحانه برحمته وكرمه لن أعذبكم مع أنكم فعلتم ما يستحق العذاب وقمتم بما يستحق اللوم، لن أعذبكم حتى يثبت ماذا قيام الحجة عليكم بالرسل، وهذا من تفضله وتمننه على عبيده فقط. والا فلو قال لك قائل: هل الحجة تقوم بالرسل فقط على العباد؟ بتقول له: كلا، فهذه الحجة قامت على العباد أصلا بالفطرة، لكن الله بكرمه لأنه لا أحد أحب إليه العذر من الله من شدة عذره لبني آدم يقول: لن أعذبكم ما أنكم فعلتم ما يستحق العذاب وفعلتم ما يستحق اللوم، لن أعذبكم حتى يثبت قيام الحجة عليكم بالرسل.
فمن ثبت قيام الحجة عليه بالرسل فهذا يدخل جهنم، ومن لم يثبت قيام الحجة عليه بالرسل فهؤلاء يأخذون حكم أهل الفترات، حكم أهل الفطرة وهذا فيه خلاف مع حكم أهل الفترات، أنه وكثير من نظار هذا الحديث يقولون هذه الفترة يكون لهم امتحان خاص بهم يوم القيامة بين يدي الله.
فالمسألة التي أريد أن أركز عليها: أن المشركين الذين أنكروا الصانع وأشركوا بالله مع عدم بعثة الرسل إليهم؟ هل هم معذورون في خطأهم وشركهم بالله؟ لا، هذه هي الفكرة كعذر مش معذورين ليه؟ لأنه فطرهم هي تميل إلى وجود الصانع أصلا وتقتضي وجوده بنفسها، لكن الله بكرمه لن يعذبهم ما دامت أن الحجة الرسالية لن تقم عليهم بعد.
فهمتم الفكرة كيف؟ لأن البعض يظن لما نقول إن المشركين الذين لم تقم عليهم الحجة الرسالية لا يعذبهم الله يقول إن هؤلاء إيش؟ معذورون، بمعنى إيش؟ أنه عندهم عذر حقيقي، لا، المراد أنهم معذورون أي أنه لن يعذبوا فقط، وليس المراد أنهم معذورون أن عندهم ما يبرروا شركهم أم كفرة.
وما هي ملحظ دقيق لأن كثير من المعاصرين اليوم من هذا الحديث لا يدعى لا يدققون العبارة، لما يقول لك إن الكفار الذين لم تبلغهم الرسالة معذورون، نقول: قصدك بمعذورين خل قصدك معذورين أن عندهم ما يبرر كفرهم وشركهم؟ لا يوجد ما يبرر الكفر والشرك ما دامت هذه الفطر تدل على التوحيد، لكنهم معذورين بمعنى ايش؟ أو لكنهم معذور بمعنى إيش؟ أنهم لا يعذبوا فقط.
شوف هذا الملحظ الدقيق أن بعض الناس يعبر اليوم بطريقة ليست دقيقة في هذا الميدان، لما يقول إن أهل الفترات يعني أن الكفار الذين لم تقم عليهم الحجة الرسالية معذورون، ويفهم الناس أنهم معذورون بمعنى ايش أنه عندهم ما يبرر ما وقعوا فيه من الشرك والكفر، لأ هذا خطأ، ليس عندهم ما يبرر شركهم وكفرهم بالمعنى الحقيقي، لأن الفطر والعقول وحدها تدل على توحيد الصانع وعلى وجوده، لكن عندهم ما يعذرهم في عدم تعذيبهم فقط، هذا معنى العذر في هذا السياق، فهمت؟
طيب، وهذا ما يقرب ابن القيم. إذا هذه الآية: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ من الأدلة التي استند عليها كثير من مضارع هذا الحديث على أن الفطرة تعرف وجود الله، بناء على تفسير هذه الآية بأن الأخذ من ظهور بني آدم إنما هو أخذ المني من أصلاب الآباء ووضعه في عام الأمهات، وفي هذه اللحظة فطرهم الله سبحانه وتعالى على التوحيد.
لكن هل الفهم الآخر للآية وهو أن الله لا لا أن ليس كما يقول ابن تيمية، كما يقول الطرف الآخر أن هناك أخذ من ظهر آدم حقيقي وإخراج للذرية وأن الله استنطقهم استنطاقا حقيقيا، هل هذا الفهم الآخر الآية فهم مردود ولا نقول المسألة فيها اختلاف واجتهاد وتقبل النزاع؟
الان احنا قلنا هذه الآية فيها تفسيران لأهل الحديث: تفسير يقول إن الأخذ من ظهور بني آدم هو الأخذ من ظهر آدم حقيقة، أخرج الذرية واستنطقها ثم أعادها في ظهر آدم. هل هذا التفسير نقول إنه مردود وغير صحيح؟ أم نقول بل هو محتمل في الآية؟
نقول هو محتمل، لأ هو رأي ابن تيمية أن الأحاديث غير ثابتة لكن غيره يقول أنها ثابتة، نعم. يعني هي أحاديث ثبتت في المسانيد وفي بعض السنن، ابن تيمية يرى أنها غير ثابتة وابن كثير ابن القيم، لكن المسألة فيها نزاع بثبوت هذه الأحاديث. فمن صحح أحاديث الأخذ من ظهر آدم قال هو أخذ حقيقي، ومن لم يصححها كابن تيمية وابن القيم وابن كثير وغيرهم قالوا وليس أخذ حقيقي بمعنى أنه استخرجهم من ظهر آدم، وإنما المراد بأخذ ميثاق إنما هو فطرهم على التوحيد.
فأنا بدي أعلمك منهجية: أنه مش لأنه رأي ابن تيمية هو أنه أخذهم من يعني المراد الفطرة معناها الرأي الآخر تلغيه وتعتبره رأي غير صواب أبدا، لأ، لأن هناك آراء أخرى لأهل الحديث وتحتمل التصويب، فنقول فهم ابن تيمية وابن كثير وابن القيم للآية بهذا المنظور هو اجتهاد، هو اجتهاد منهم والرأي الآخر، إياك أن تقول إنه مردود أو ليس بصواب، بل هو اجتهاد أيضا من أهله ومن أصحابه وعليه كثير من نظار أهل حديثي أيضا والله تعالى أعلم.
لكن دعوني أنقل لكم وجهة نظر ابن كثير في تفسيره لهذه الآية بسم الله، إن ابن كثير في التفسير وافق ابن تيمية وهو من تلميذ ابن تيمية أصلا. الحمد لله وافق ابن تيمية على أن المراد بالميثاق في الآية هو الفطرة.
يقول، وهذا كلام ابن كثير الآن: وأما الإشهاد عليهم بأنه ربهم فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، يعني هو حديث موقوف وليس مرفوع، وابن عباس معلوم أنه كان يأخذ شيئا من أو مطلع مطلع على الإسرائيليات. وكذلك في حديث عبد الله بن عمرو موقوفا، وقد بينا أنهما طوفان لا مرفوعان كما تقدم. إذا ابن كثير يرى كما يرى ابن تيمية أنه لا يوجد حديث مرفوع.
يثبت في قضية الإشهاد، وإنما هو أحاديث موقوفة على ابن عباس وابن عمرو، وكلاهما يأخذ من الإسرائيليات. طيب. ومن ثم يقول ابن كثير: ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف أن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد، كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشع، ومن رواية الحسن البصري عن الأسود بن سريع، وقد فسر الحسن البصري الآية بذلك. يعني من التابعين الحسن البصري ومجموعة تبعوه أن الآية فعلاً أن المراد بالإشهاد إنما هو الفطر على التوحيد. قالوا: ولهذا الله عز وجل قال: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ولم يقل من آدم نفسه، مِنْ ظُهُورِهِمْ ولم يقل من ظهره، ذُرِّيَّتَهُمْ ثم قال: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا. يقول ابن كثير: ومما يدل على أن المراد بهذا هذا، أي مما يدل على أن المراد بأخذ من بني آدم من ظهورهم ذريتهم إنما هو فطرهم على التوحيد، أن الله سبحانه جعل هذا الإشهاد ركزوا في المعاني، أن الله جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك.
صح، إن شاء الله عز وجل سيحتج عليهم بهذا الإشهاد، لئلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، فالله احتج عليهم بهذا الإشهاد. قال: ومما يدل على أن المراد بهذا هذا، أن الله جعل هذا الإرشاد حجة عليهم في الإشراك، فلو كان قد وقع هذا كما قاله من قال لكان كل واحد يذكره ليكون حجة عليه. ما معنى هذا الكلام؟ أفصل هذا الهاتف الآن. لاحظوا كيف التفكير المنطقي بفكر فيه ابن كثير، بقدروا ابن كثير الآن الله سبحانه وتعالى ألم يجعل هذا الإشهاد حجة على المشركين يوم القيامة؟ بلى. لو كان المراد بالإشهاد هو أنه استخرجهم من ظهر آدم، لو كان المراد بالإشهاد أنه استخرجه من ظهر آدم لكان ينبغي على كل أحد أن يتذكره. الآن لو سألتكم هل واحد فيكم يتذكر لما طلع من ظهر آدم؟ فش واحد فيكم بيتذكر أنه طلع من ظهر آدم وأن الله أشهده، هيك بيحكي ابن كثير. طب كيف الله عز وجل سيحتج علينا بشيء نحن لا نذكره؟ صح، ما انت تقول هذا الإشهاد سيكون حجة لله على خلقه، صح. فكيف الله سيحتج علينا يوم القيامة بشيء نحن في حياتنا الدنيا لما ولدنا لا نذكره؟ يقول ابن كثير: أنت بعيد.
وإنما الذي يمكن أن يحتج به علينا، فطرنا التي فطرت تميل إلى الحق وتطلبه. فبالتالي أي القولين أقرب إلى الصواب؟ يعني الله سيحتج علينا بهذا الإشهاد، فهل يحتج علينا بإشهاد نحن لا نذكره ولا نتذكر شيئاً منه؟ لأنه يمكن إذا لو كان هذا هو المراد بالإشهاد لكنا يوم القيامة نقول لله إنه يا رب هذا الإشهاد الذي أخذتنا فيه من ظهر آدم، والله خلقنا في الحياة الدنيا ولا نذكر شيئاً منه. لا، مو هذا هو. هذا الإشهاد الذي وقع في عالم الذر هو الذي يتكلم عنه ابن كثير، هل أنت تذكره؟ الآن، إذا أنت الآن لا تذكره، هذا العبرة عندي الآن. يعني أنت خرجت من بطن والدتك وإلى الآن وتموت وأنت لا تذكره، فعندما يأتي بك الله يوم القيامة ويحتج عليك به، هل يحتج عليك بشيء أنت خرجت إلى الدنيا لا تذكره، ولا سيحتج عليك بشيء أنت خرجت إلى الدنيا وفيك هذا الأمر؟
يحتج عليك بشيء خرجت إلى الدنيا وفيك هذا الأمر. وما الذي هو فيك؟ الفطرة التي تعرف الحق، أي تعرف وجود الله وتوحيده، وليس الميثاق السابق الذي لا أحد فينا يتذكره، على ما حمله ابن تيمية أن المراد بدلالة الحال وليس دلالة المقال. ابن تيمية وابن كثير -يعني ابن كثير لأنه أنا يعني تجاوزت بعض الأمور عنده حتى لا أغلكم بنصه- قالوا: شهدنا على أنفسنا. يقول: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، أي أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له حالا وقالا. أي ابن تيمية وابن كثير وابن القيم وغيرهم من ينشر هذا الرأي، يقولون إن هذا الحوار الذي حدث إنما هو بدلالة الحال وليس بدلالة المقال. دلالة الحال كأنه حوار حالي وليس مقالاً حقيقياً أن الله سبحانه وتعالى -طبعا يمكن أن نقول إنه حوار حقيقي يقع، أن الله يشهد هذه الفطرة أنني ربك، فتشهد الفطرة له، يمكن هذا أن يكون حواراً حقيقياً-.
يمكن أن الله يشهد الفطرة، ألست بربك في الفطرة؟ تقول: نعم، وأنت تخرج بهذه الفطرة التي تميل إلى معرفة الله سبحانه وتعالى. فنقول: يمكن أن يكون هناك حوار حقيقي، حتى على رأي ابن تيمية أن الله لما أخذ المني من أصلاب الآباء ووضعه في أرحام الأمهات، وخلق هذا الإنسان وأودع في الفطرة، أخذ هذه الفطرة وأشهدها: ألست بربك؟ فهذه الفطرة شهدت أن الله ربها. تمام، ثم لما تخرج هذه الفطرة إلى الحياة الدنيا، تخرج وهي تميل إلى هذه المعرفة التي أُشهدت عليها، جميل؟ إلى هذه المعرفة التي أُشهدت عليها وتطلبها.
ولذلك يكون هي تعرفها بنفسها إذا ما وجد مؤثر خارجي يفسدها، تعرفها بنفسها لأن الله استنطقها عليه منذ أن أخرجها أو أخذها من ظهر أبيها. أو يكون بدلالة الحال، فيمكن أن يكون بدلالة المقال ويمكن أن يكون بدلالة الحال فلا يشكل علينا. واضح الكلام.
طيب، لكن أنا أريدك تفهم كلام ابن كثير. يعني ابن كثير قال: ومما يدل على أن المراد بالآية الدليل الفطري، أن جعل الإشهاد حجة عليهم في الإشراك، أن الإشهاد هذا وأن الفطرة ستكون حجة عليهم في ماذا؟ في الإشراك. فلو كان قد وقع هذا كما قاله الفريق الأول، أنه أخذهم من ظهر آدم، أخرجهم وسألهم وليس المراد به الفطرة، لكان كل واحد يذكره ليكون حجة عليه. لكن في الواقع لا أحد يذكر الميثاق القديم، لو كان واقعاً ما في أحد يتذكره. فهذا دليل ابن كثير على أن الراجح هو القول الآخر، أن المراد بأخذ الميثاق إنما هو الفطرة.
فإن قيل -طب لو شخص قال لك: إخبار الرسول به كاف في وجوده- يعني ماشي ولا واحد فيكم بتذكر أن الله أخرجه من ظهر والده آدم، لكن الرسول أخبركم بذلك، أن الله أخرجه من ظهر آدم. خلاص، إخبار الرسول كاف في أن تتذكروه، مش هيك ممكن واحد يحاورك؟ مم. أنه أنت صح ما بتتذكر أن الله أخرجك من ظهر آدم، لكن الرسول أخبرك أن الله أخرجك من ظهر آدم، فخلص هذه تقوم به الحجة. فيقول ابن كثير: المشركون المكذبون هم يكذبون الرسول في كل ما أخبر به، فسيكذبونه في هذا القول أيضاً، فلا تقوم الحجة أيضاً بمجرد الرسول في هذا على المشركين، لأن المشركين يكذبون الرسل في كل ما يقولون، فهو منه هذا الخبر الذي يقولونه، فلا تقوم أيضاً بهذا حجة. والله سبحانه وتعالى جعل هذا الميثاق حجة مستقلة عليهم، فدل هذا على أن هذا الميثاق إنما هو الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد.
إذاً، يعني هو لاحظوا كلياته احتدام في اخذ وعطاء في تفسير هذه الآية: ما المراد بقوله تعالى في سورة الأعراف: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ؟ هل المراد أن هناك إخراج حقيقي من ظهر آدم للذرية وإشهاد حقيقي لها يجعله الله حجة علينا يوم القيامة؟ أم المراد بأن الله أخذ من ظهر آدم من ظهورهم ذريتهم، تلك الفطر التي أخذها الله فطرها على التوحيد؟ هذا قول وهذا قول. والاقرب من حيث الاستدلال النظري والعقلي ما هو؟ القول الثاني الذي يذهب إلى أن الأخذ هو الفطرة.
ولكن من حيث الآثار فالقول الأول هو الأقرب، لأن هناك عدة أحاديث في المسانيد والسنن تدل على القول الأول. لكن ابن تيمية وابن كثير وغيرهم يرون أنها أحاديث إيش؟ لا تثبت مرفوعة وإنما هي موقوفة. وابن عباس وعبد الله بن عمر يأخذون من الإسرائيليات، فلا نتكأ على هذا على هذه الأسانيد ولا على هذه الآثار، وستبقى المسألة في النهاية مسألة اجتهادية في هذا الدليل، هذا الدليل مسألة اجتهادية.
نعم، ما أخذه، لا أدري والله إذا كان هناك أحد ذكره، لكن أنتم ابن كثير ذكر لك من ذهب إلى هذا الرأي. يعني أنا ذكرت لك قالوا: ومن ثم قال قائل من السلف والخلف أن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد، كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار، ومن رواية الحسن البصري عن الأسود بن سريع، وفسر الحسن البصري الآية بذلك. فهؤلاء كلهم سند له من التابعين، ومن الصحابة الكرام فله مستنده بالتأكيد. لكن عن أي واحد منهم بالضبط اتكأ -يعني لم أقف على شيء في هذا- ولكن واضح أن هناك جملة من الصحابة ومن التابعين يذهبون إلى أن تفسير الميثاق هو الفطرة، وهذا يذكره ابن كثير، يعني في يعني فيش، لذلك أنا قلت هي مسألة اجتهادية. ولا يجوز لشخص منكم بعد أن يذهب فيخطئ الرأي الآخر ويقول: لا هذا نرفضه. لا لا، يعني روح العصر أن المسألة اجتهادية وكل يؤخذ منه يرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يتعصب الإنسان لشخص معين، بل يعرف أين الاجتهاد وأين مواطن القطع لئلا يحمل الأقوال ما لا تحتمل.
طيب، هكذا بسم الله، هكذا يعني أكون أنا انتهيت من الحديث عن دليل الفطرة وعن أدلته وأن أثبت أن فعلاً أهل السنة والجماعة في قولهم إن الفطرة تعرف وجود الله وأنها تستدل عليه لهم أدلة ونظرية ونقلية كثيرة تدل على هذا الأمر. بقي علي أن أنبه على مجموعة من القضايا، أقول مما ينبغي التنبيه عليه في النهاية -وقد سبق أيضاً يعني قدمت ذكره سابقاً- هو أننا عندما نقول إن معرفة الله فطرية ضرورية، لا نعني بهذا أنه لا يصح إقامة الأدلة العقلية عليها.
ركز، أنا لما أقول لك يا شيخ خالد أن معرفة الله فطرية ضرورية، هل هذا إني أنا أمنع إقامة الأدلة العقلية عليها؟ كلا، لا. بيصير تقيم أدلة عقلية على وجود الله وعلى توحيده. لكن أنا بقول لك إنه قبل الدليل العقلي اللي بدك تقيمه، هناك دليل أسبق منه، وهو دليل الفطرة. هذه حتى لا يفهم كلام أهل الحديث خطأ، ويظن أن أهل الحديث يمنعون إقامة الأدلة العقلية على وجود الله، هذا غلط. نحن نقول: تقابل الأدلة العقلية على وجود الله، لكن هناك دليل أسبق منها وهو دليل الفطرة. إذاً، مما ينبغي التنبيه عليه وقد سبق ذكره أيضاً، أننا عندما فنقول إن معرفة الله فطرية تعرفها الفطرة ضرورة، فلا نعني بهذا أنه لا يصح إقامة الأدلة العقلية عليها، بل يصح فعل ذلك. فكون القضية ضرورية لا يعني أنه لا يمكن إقامة أدلة عليها تزيد اليقين بها، لكنه يعني أن المسألة تستغني بدليل الفطرة.
يعني أننا نستطيع أن نستغني بدليل الفطرة؟ نعم. لكن يمكن نقيم أدلة تزيدنا إيماناً بوجود الله؟ أيضاً نعم. وهذه مسألة منطقية فلسفية مهمة جداً تتقنوها، أننا لما نقول إن هذه المسألة من الضروريات، هل هذا يعني أنه لا يجوز إقامة الأدلة عليها؟ أم لا نحتاج إلى إقامة الأدلة عليها؟ ترى فرق بين العبارتين. لما نقول أن هناك مسألة ضرورية من الضروريات، سواء هذه المسألة أو غيرها، هل معنى هذا أنه لا يجوز إقامة الأدلة عليها؟ اه، ركز. أو لا يحتاج ابتداءً لإقامة الأدلة عليها؟ أي الجملتين الصحيحة؟
انظر إلى، لا لا، أنا عندي الآن جملتان شيخ ناصر، يعني الآن بس ركزوا معي في الجملتين وأعطوني أيهما الصواب. لما نقول إن هذه المسألة، سواء هذه المسألة أو غيرها، لما نقول إن هذه المسألة من الضروريات، هل هذا يعني أنه لا يجوز إقامة الأدلة العقلية عليها أم لا يحتاج ابتداءً لإقامة الأدلة العقلية عليها؟ الثانية، لأنه هذه البعض يخطئ فيها في علم المنطق، يظن أننا إذا قلنا إن المسألة من الضروريات يعني هذه لا يجوز إقامة الأدلة عليها. خطأ، لما نقول إن المسألة ضرورية معناه أنه لا يحتاج ابتداءً لإقامة الأدلة عليها، مش معناته أنه لا يجوز إقامة الأدلة عليها. فهمتوا الفرق بين الجملتين؟ فرق واضح.
فلما نقول إن معرفة الله وتوحيد الله ضروري، ايش معناته هذا يا شيخ؟ لا يحتاج ابتداءً، ها ابتداءً لإقامة الأدلة العقلية، ليس معنى أنه لا يجوز، بل يجوز إقامة الأدلة التي تزيدك يقيناً واقناعاً وثباتاً على هذه العقائد. يقول ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل -لاحظوا كلام ابن تيمية-: والشيء قد يكون ضرورياً، ها والشيء، يعني المسألة، قد يكون ضرورياً مع إمكان إقامة الأدلة النظرية عليها، فلا منافاة بين كونه ضرورياً مستقراً في الفطر وبين إمكان إقامة الدليل عليها، ها لا منافاة بين هذا وهذا. هذا كلام علمي وفلسفي عميق، لأنه في الحجاج العقلي مع المتكلمين بدك تكون أنت فاهم يعني كيف تمسك الأمور حتى لا تخطئ.
وننبأ الآن هذا التنبيه واضح. إذاً، معرفة الله فطرية، لكن لا مانع من إقامة أدلة عقلية تزيد المرء إيماناً، بل ينبغي على المسلم أن يحرص على إثارة العقل في الاستدلال على الله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ. القرآن يستثيرنا إلى أن نعمل العقل لنزداد يقيناً، فبالتأكيد لا بد من استثارة العقل ليزداد إيماناً على إيمانه.
هذا التنبيه الأول. التنبيه الثاني: إنصافاً أن بعض المتكلمين، بعض المتكلمين وافق أهل السنة والجماعة في فطرية المعرفة الإلهية، أن المعرفة الإلهية فطرية. منهم الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل، الذي ألف كتاباً سماه نهاية الأقدام في علم الكلام، هو من المتكلمين في الحقيقة، يقول إن الفطرة السليمة الإنسانية شهدت بضرورة فطرتها وبديعة فكرتها على صانع حكيم.
قادر عليم، أَفِي اللَّهِ شَكٌّ؟ شوف شو بحكي، أَفِي اللَّهِ شَكٌّ سبحانه جل في علاه؟ فلاحظوا كلام الشهرستاني واضح أنه يوافقنا على دليل الفطرة، ايش يقول؟ أن الفطرة السليمة الإنسانية شهدت بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها على صانع حكيم قادر عليم.
أَفِي اللَّهِ شَكٌّ؟ قال: وأنهم غفلوا عن هذه الفطرة في حال السراء، فلا شك أنهم يلوذون إليها في حال الضراء، دعوا الله مخلصين له الدين. وَإِذَا مَسَّكُمُ الضَّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ.
بهذا العدو يغش، يقول الشهرستاني أسأل الله أن يرحمه ويغفر له، كلام المتأخر ترى فيه منطقية عالية. يقول الشيخ الشهرستاني: ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع، هل هناك آية تقول لك: اعرف وجود الله؟ لا، لم يرد تكليف بمعرفة وجود الصانع، لأنه أنت لو استقراءت القرآن والأحاديث ما في آية بتقول لك: اعرفوا أن ربكم موجود، ما في تكليف بذلك؛ ليه؟ لأنه مغروس في الفِطَر.
وإنما ورد إيش؟ التكليف بمعرفة التوحيد ونفي الشرك، أن الله بماذا وردت الآيات؟ فاعبدوا الله، يعني وحدوا الله، لا تشركوا به شيئاً. فكل الآيات القرآنية والأحاديث إنما أتت الدعوة إلى ماذا؟ إلى التوحيد ونفي الشرك، ولم تدعك إلى معرفة وجود الله، ليس لأن معرفة وجود الله ليس بمهم، بل هو أصل أصل المطالب، لكن لأنه الكل يقر بفطرته، فلا حاجة إلى أن يطيل القرآن النفس في إثباته، هذا هو؟ نعم، إذًا ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع، وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشريك.
ثم يقول الشيخ الشهرستاني، لاحظوا في لحظات الإنصاف كيف ينصفون، يقول: وقد سلك المتكلمون طريقاً في إثبات الصانع وهو الاستدلال بأيش؟ بالحدوث، دليل الحدوث، وهو الاستدلال بالحوادث على محدث الصانع.
وسلك الأوائل الذين قبل المتكلمين هؤلاء، اللي هم يقصد المعتزلة، وسلك الأوائل الذين قبل الأشاعرة طريقاً آخر، وهو الاستدلال بإمكان الممكنات على مرجح لأحد طرفي الإمكان. المهم ويدعي كل واحد من جهة استدلالي ضرورة وبديهة.
وأنا أقول، يعني هو يقول الشهرستاني: أن أصحابنا المتكلمين المتأخرون من المتكلمين اعتمدوا في إثبات الصانع على دليل، والأوائل من المتكلمين اعتمدوا على دليل الإمكان والتركيب، وكل واحد منهم بقول لك: أنا دليلي هو الدليل القاطع الذي لا يشق له غبار. فيقول الشهرستاني معلقاً على الدليلين: وأنا أقول ما شهد به الحدوث أو دل عليه بعد تقديم المقدمات دون أي أقل ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياج ذاته إلى مدبر.
يعني بقول للمتكلمين: دليل الحدوث تبعكم ولا دليل التركيب ولا دليل التخصيص كلياتها أضعف بكثير من دلالة الفطرة على الاحتياج إلى صانع، مع أنه هو متكلم، مش عم بقول عن ابن تيمية، بنقول عن أحد كبار المتكلمين في لحظات يعني الأخيرة في حياتهم لما يعودوا ويصحصحوا على فساد المناهج الكلامية ويؤلفوا الكتب المتأخرة، بعرفوا أن الأدلة القرآنية أقوى وبكثير من الأدلة التي أتوا بها.
فدون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياج ذاته إلى مدبر هو منتهى مطلب الحاجات، فيرغب إليه ولا يرغب عنه، ويستغني به ولا يستغني عنه، ويتوجه إليه ولا يعرض عنه، وفزع إليه في الشدائد والمهمات، الفطرة هي تدعوك بافتقارها واحتياجها إلى أن هناك صانع. هو بيقول لك: فهذا حد ذاته يكفي، لا تقول لي دليل الحدوث ولا دليل تركيب ولا دليل تخصيص ولا توجع راسهم مقدمات والعرض لا يقوم زمانين، ولازم نثبت وجود أعراض، وأن الأعراض تقوم في الأجسام، وكل هاي الفلسفة.
بقول لهم: لو رجعتم إلى فطركم، فإن الفطر لما تشهد على نفسها بالافتقار إلى إله تفزع إليه في الملمات، أليس هذا أكبر دليل على وجود الصانع؟ دعوكم من الفلسفة ومن التشدق بترتيب المقدمات إلى آخره.
يعني ثم ختم كلامه، هذا إذا نهاية حديثنا عن دليل الفطرة أحبابي الكرام، وعرفنا أن هذا من المستندات الأساسية لأهل الحديث في المطالب العالية، معرفة وجود الله وتوحيد الله في الربوبية والألوهية ومعرفة أصل الأسماء والصفات، كله يتكئ ابتداءً عندنا على دليل لماذا؟ الفطرة.
ننتقل أحبابي الكرام الآن إلى الدليل الثاني الذي يعتمد عليه أهل الحديث في المطالب العالية في إثبات وجود الله وتوحيده ربوبية وألوهية وأسماء وصفاتاً، هو الدليل العقلي. طبعا سبق أن بينت لكم وقلت وأكرر مرة أخرى أن دليل الفطرة ودليل العقل إنما يثبت المطالب العالية إثباتاً إجمالياً، وأما تفصيلاً فهذا للوحي، فأنت عندما تقول أن دليل العقل يثبت لك إثبات وجود الله وتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وأصل الأسماء والصفات، فهل هو يوقفك على التفاصيل فيها؟ لا، الذي يوقفك على تفاصيل الربوبية والألوهية والأسماء والصفات هو الوحي الإلهي، لكن الفطرة والعقل توقفه على هذه الأمور توقيفاً إجمالياً.
فأقول مستعيناً بالله: يؤمن أهل الحديث بأهمية الأدلة العقلية في الاستدلال على وجود الإله والاستدلال على توحيده في الربوبية والألوهية، بل يؤمنون أيضاً أن العديد من صفات الله كما يتم اثباتها بالسمع والوحي يصح اثباتها بالعقل؛ كصفة الحياة وصفة القدرة وصفة الإرادة وصفة العلو الإلهي، هذه ليس الوحي فقط هو الذي يستأثر بإثباتها، بل حتى العقل البشري يستطيع أن يثبتها.
فأنت هل تعقل إلهاً ليس حياً؟ هل تعقل إلهاً ليس قادراً؟ ليس مريداً؟ ليس عالياً على مخلوقاته؟ لو فكرت بعقلك حتى لو لم يأتك الوحي لتعرف أن هناك صفات لله، نفس العقل البشري يقود إلى إثباتها ولو لم يصل إليه وحي، فإذاً الدليل العقلي مهم في جميع المطالب العالية.
وعهد الحديث هم أحق الناس بالأدلة العقلية الصريحة التي توافق الأدلة النقلية الصحيحة، بل أصولهم العقلية التي ينطلقون منها أسلم وأصوب من الأصول العقلية التي ينطلقون منها كثير من المتكلمين، الذين أدلتهم من فلسفة اليونان وفلسفة الفرس وفلسفة الهند، فشوشوا عليهم كثيراً للأسف من مسلمات العقول وقواعد الاستدلال.
لماذا؟ لان الفلاسفة هذه افهموها أحبابي الكرام لأن فلاسفة اليونان خصوصاً، فلاسفة اليونان خصوصاً خاضوا في العلوم الإلهية بأهوائهم وذوقياتهم، ولم يقبلوا ما جاءت به الانبياء، فكلامهم في العلوم الإلهية كلام عقلي محض تدخل فيه الأهواء والآراء والمشارب والنظرات. فللأسف لما يأتي الإسلاميون يرثون فلسفة اليونان، أنتم ترثون فلسفة قوم لم يأخذوا بعلم النبوات ولم يأخذوا بالوحي الإلهي، وإنما قوم تكلموا في الإلهيات بماذا؟ بأذواقهم ونظراتهم.
وهذه المأساة عندما يأخذ المتكلم كثيراً من القواعد الكلامية والتي يتحدث بها في المطالب الإلهية يأخذها ممن؟ من علوم فلاسفة اليونان والفرس والهند.
ويحصل بي هنا أن انقل كلام أبي سليمان الخطابي رحمة الله تعالى عليه وهو يقرر هذه الحقيقة، يقول أبو سليمان الخطابي يعني يقرر حقيقة ماذا؟ أن أهل السنة والجماعة عندهم أدلة عقلية، وأدلتهم العقلية أصوب من أدلة المتكلمين، ماذا يقول أبو سليمان الخطابي؟ مع أنه كان متأثراً بالكلاميين قليلاً رحمة الله عليه.
يقول أبو سليمان: فإن قال هؤلاء القوم، فانكم قد انكرتم الكلام، يعني متكلمون لو اتوا هيك واحد متكلم بحكي معك، ايش بقول لك: فإنكم انكرتم الكلام، انكرتم علينا علم الكلام، طيب ومنعتم استعمال أدلة العقول، فما الذي تعتمدون عليه في صحة أصول دينكم ومن أي طريق تتوصلون إلى معرفة حقائقها؟ وقد علمتم أن الكتاب لم يعلم حقه أي أنه حق، وأن الرسول لم يثبت صدقه إلا بأدلة العقول، وأنتم قد نفيتموها.
طبعا هذا السؤال أصلاً خطأ، المهم خلينا ماشي معه، هو بحكي لنا: أنتم يا جماعة الخير قلتوا عنا احنا علماء الكلام أن الكلام مذموم وفهمنا، طيب أنتم يا اهل الحديث كيف تثبتون المطالب العالية باختصار؟ كيف تثبتون المطالب العالية؟ يقول أبو سليمان في الجواب عن هذا المتكلم: قال إننا لا ننكر أدلة العقول، أنت مين قال لك أن احنا أصلاً ننكر أدلة العقول؟ أنه هو ايش قال في السؤال؟ أنتم انكرتم أدلة العقول، فانت بدك تنتبه أنه مين قال لك أنه احنا ننكر أدلة العقول؟ نحن لا ننكر أدلة العقول والتوصل بها إلى المعارف وإلى المطالب الإلهية، ولكننا لا نذهب في استعمالها إلى الطريقة التي سلكتموها أنتم في الاستدلال بالأعراض وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها على حدوث العالم واثبات الصانع.
احنا مشكلتنا في طريقة استدلالكم وليس بأنكم وظفتم العقيدة، احنا ما عنا مشكلة في توظيف العقل، بل نطلب ذلك، لكن كيف يوظف العقل؟ أنتم رايحين لي على الأعراض والأعراض وتدخل الجواهر وجواهر وجسم والجوهر الفرد وغير هاي الأمور، هاي اللي بتستدلوا فيها على اثبات الصانع، هذا الذي نحن نرغب عنه، فنرغب عنها إلى ما هو أوضح بياناً، احنا بنرغب عن طرائقكم ونذهب إلى طرائق عقلية أوضح بياناً وأصح برهاناً.
وإنما هو شيء أخذتموه عن الفلاسفة وتابعتوهم عليه، هو نفس الخطابي بيقول هيك للمتكلمين، مع أنه هو رجل متأثر بعلم الكلام، يعني الخطابي مش رجل نقول متعصب لأهل الحديث، لا لا، هو الرجل يعني له صولات وجولات راح وأجا شوي الخطابي رحمة الله عليه في علم الكلام، فليس محققا لطريقة أهل الحديث، لكنه خبير بطرق المتكلمين، فهو بعطيك الخلاصة، هو يقول للمتكلمين: أن طرائقكم في إثبات المطالب الإلهية إنما هو شيء أخذتموها عن الفلاسفة واتبعتموهم عليه.
وإنما سلكت الفلاسفة، على راح شو بحكي الخطابي؟ وإنما سلكت الفلاسفة هذه الطريقة لأنهم لا يثبتون النبوات أصلاً ولا يرون لها حقيقة، فكان أقوى شيء عندهم في الدلالة على إثبات هذه الأمور، يعني اللي هي المطالب العالية، ما تعلقوا به من الاستدلال بهذه الأشياء، بالجوهر والعرض وحلول الأعراض في الجواهر والجوهر الفرد وأجسام وغير هذه القصص، هذه أقوى أدلة عندهم، فأما مثبتو النبوات، يعني أما نحن أهل الإسلام الذين نثبت النبوات، فقد أغناهم الله عن ذلك وكفاهم كلفة المؤنة في ركوب هذه الطريق المنعرجة التي لا يؤمن العنت على راكبها تمام، التي لا يؤمن العنت على راكبها والانقطاع على سالكها.
إذا فهمتم ايش بيقود الخطابي؟ بيقول: يا عمي احنا مش انتم يا أشاعرة يا ما تريدية يا معتزلة مش انتم بتؤمنوا بالنبوات؟ الاصل أنه عندكم الحمد لله من الأدلة العقلية ما يغنيكم عن فلسفة اليونان وغيرهم من الفلاسفة الذين لا يؤمنون بالنبوات ولا يسيرون في هذه الطرقات، فاحنا الإيمان بالنبوات يغنينا عن فلسفات اليونان. وبالتالي يقول، يعني اظن ابن القيم في الصواعق المرسلة أنه علينا أن نعقل أن كل أمة من الأمم لها موروثاتها العقلية الخاصة بها والتي شكلتها تجاربهم ورؤيتهم ونظرتهم للأمور، فاليونان الهم فلسفات عقلية خاصة بهم، الهند الهم فلسفات، الفرس الهم فلسفات، واحنا أهل الإسلام لنا نظرتنا الخاصة، ما بصير نعتمد على فلسفات لا تتناسب مع فكرنا ومع إيماننا بالنبوات ومع حجم الموروث العالي عندنا من كلام الأنبياء والرسل، ما بصير هذا الخطأ التاريخي الذي ارتكبه المتكلمون لما ذهبوا إلى طبيعة قوم وفلسفة قوم هم اليونان لا تتناسب مع الفلسفة والفكر الإسلامي أصلاً في منشأها ومنبعها وتشكلاتها وطريقة تكوينها، هذا خطأ شنيع هو الذي جلب علينا الويلات.
طيب ونأتي الان إلى ذكر الأدلة الان بعد ما خلصنا هاي المقدمة، طيب يا شيخ ما هي الأدلة العقلية الصحيحة إذا الدالة على وجود الله والتي نبه عليها القرآن؟ أنتم تعترضون على دليل الحدوث ودليل التخصيص والتركيب الذي يسلكه المتكلمون، فالسؤال يا خالد: ما هي الأدلة العقلية التي يعتمد عليها أهل الحديث في إثبات وجود الله وتوحيده ربوبية وألوهية؟ ما هي الأدلة؟
فنقول: القرآن الكريم بشكل عام أشار إلى دليلين أساسيين في هذه المطالب العالية، الدليل الأول ما يسمى دليل الخلق والاختراع، والدليل الثاني دليل العناية والاتقان. اكتبهم على الشاشة عندكم: أدلة أهل الحديث العقلية على المطالب العالية، عندنا الدليل الأول دليل إيش يا هشام؟ دليل الخلق والاختراع، لأ الآن احنا بنتكلم على الأدلة العقلية بس، الدليل الثاني: دليل العناية والاتقان.
يعني لو استقرأت القرآن الكريم كيف القرآن يخبرنا عن وجود الله وعن توحيده ربوبية وألوهية ستجد أنه يتحدث بشكل عام عن دليلين: دليل الخلق والاختراع ودليل العناية والإتقان. الان بدنا نتعرف على كل دليل وندخل فيه، طيب من من افضل من تكلم في الحقيقة عن هذين الدليلين مع مباينتنا له في المنهج؟ ابن رشد الفيلسوف صاحب كتاب مناهج الأدلة.
طبعا ابن رشد هو للأسف بخلط، وهو فيلسوف أصلاً، يعني للأسف أنه أفكاره أسوأ من أفكار الأشاعرة وما تريدية، لكنه هو أصلاً لا يقبل الفكر الاشعري والماتوريدي، حتى الاعتزال هو لا يقبل، هو متعصب جداً لأرسطو طاليس ويفهم كلام أرسطو طاليس أفضل من ابن سينا، يعني هو أدق من ابن سينا في فهم كلام أرسطو طاليس واتقانه وتدقيقه وتحريره، لكنه أفضل من ابن سينا في الحقيقة ليه؟ يعني وصح هو افهم من ابن سينا في كلام أرسطو، لكن هو افضل منه لماذا؟ لأنه الرجل كان مطلع على الكتاب والسنة وله كتاب بداية المجتهد في الفقه، يعني الرجل مطلع على الفقه وعلى الأدلة، فيعني تأخذ به ذات اليمين وذات اليسار الأمور، لكن هذا لا يمنعنا من أن نستفيد من تقريراته الصحيحة في بعض المناطق.
فهنا اتكلم كلام سديد حقيقة في كتاب مناهج الأدلة عن أدلة وجود الله سبحانه وتعالى، اه يقول في كتاب مناهج الأدلة: فإن قيل، الآن هو ذكر من؟ طريقة المتكلمين في إثبات وجود الله وزيفها وبين بطلانها، طريق الحدود وغيرها، بين بطلانها وأنها أدلة خطابية، إذ بتذكره في المنطق كنا نتكلم عن الحجج، هناك حجة برهانية، هناك خطابية، حجة جدلية، حجة شعرية، حجة سفسطائية. فابن رشد كان يرى أن أدلة المتكلمين، كل دليلكم هذا الذي تعتمدون عليه هي أدلة ايش؟ خطابية جدلية وليست أدلة برهانية كما تزعمون.
فبعد أن زيف طرق المتكلمين، ماذا قال؟ فإن قيل: هذا كنائب الرشد الآن. فإن قيل: فإذا قد تبين أن هذه الطرق كلها ليست واحدة منها هي الطريقة الشرعية التي دعا الشرع منها جميع الناس على اختلاف فطرهم إلى الإقرار بوجود الباري سبحانه وتعالى. يعني أنت ابن رشد بينت لنا أنه كل هاي الطرق المتكلمين طرق غير شرعية، فالسؤال الذي سيوجّه إليك: فما هي الطريق الشرعية التي نبه الكتاب العزيز عليها واعتمدها الصحابة الكرام في المطالب العالية؟ شو هي؟ قلنا ناس يجيبوا بالرشد.
الطرق التي نبه الكتاب العزيز عليها ودعا الكل من بابها إذا استقرأ الكتاب العزيز وجدت تنحصر في جنسين؛ أحدهما: طريق الوقوف على العناية بالإنسان وخلق جميع الموجودات من أجله، ولنسمِ هذا الدليل: دليل العناية، هو نفسه قال: ولنسمه دليل العناية. كيف أن الله اعتنى بهذا الإنسان وجعل كل هذه المخلوقات الموجودة لتخدم هذا الإنسان، صحيح؟ سماوات، أرض، رياح، جبال، كلها لخدمة هذا الإنسان. أليس هذا فيه عناية من؟
طيب، الآن سنعود لهذا الدليل ونؤصل بعد قليل، بس خلينا الآن نتكلم جملة. وأما الطريق الثانية قال: فهو ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء الموجودات. يعني اختراع المخلوقات، خلاص الجواهر يعني شوي بضلهم متأثرين بكبار. اختراع جواهر الأشياء الموجودات، مثل اختراع الحياة في الجماد والادراكات الحسية والعقل، ولنسمي هذا: دليل الاختراع. فإذا أصبح عندنا كم دليل على وجود الله؟ دليل العناية والإتقان، ودليل الاختراع.
طيب، الآن سيبدأ بالطريق الأول، طبعا هو إيش أول طريق؟ الطريق ذكروه العناية، فسنبدأ نحن بالعناية. قال: أما الطريقة الأولى فتنبني على أصلين. الآن سأبدأ بدليل العناية ثم نعود إلى دليل الخلق.
طيب، خلينا قال لي هذا موجود هيك لاء، يعني ما بدي أمسحها. نيجي نبدأ: دليل العناية ما هي المقدمات التي ينبني عليها؟ لاحظوا كيف أن مقدماتها سهلة، ما فيش فيها تعقيدات المتكلمين. قال: أما الطريقة الأولى وهي طريق دليل العناية فتنبني على أصلين.
يعني على مقدمتين، المقدمة الأولى قال: إن جميع الموجودات إن جميع الموجودات التي ها هنا، يعني التي على كوكب الأرض، موافقة لوجود الإنسان. هذه المقدمة الأولى أنه أنت لو تأملت جميع المخلوقات التي على كوكبنا الأرضي ستجدها يا اخي منسجمة مع الإنسان، صح؟ كمية الهواء الأكسجين اللي في الهواء، كمية ثانية أكسيد الكربون، المي الاتش تو أو فيا وحجمها وتناسبها مع خلايا جسم الإنسان. لو نظرت في الرياح، حب الأمطار اللي بتنزل، خلق الجبال، خلق الحيوانات، إيش كمان؟ أها، تقلب الليل والنهار. تقلب الليل والنهار، شو في كمان ها الفصول الأربعة. بيقول لك يا اخي لو فكرت فيها كلياتها تجدها سبحان الله كأنها جاي مسطرة على هذا الإنسان.
طيب، إذا المقدمة الأولى لهذا الدليل أن جميع الموجودات التي ها هنا على كوكب الأرض موافقة لحياة هذا الإنسان، يعني هذا معنى موافق لوجود الإنسان، أي موافقة لحياة هذا الإنسان. طيب، المقدمة الثانية: أن هذه الموافقة أن هذه الموافقة هي ضرورة من قبل فاعل قاصد لذلك مريد، إذ ليس يمكن أن تكون اتفاقا. اتفاقا يعني صدفة. المقدمة الثانية لهذا الدليل ما هي؟ إنه هذا الانسجام هذا الانسجام بين الإنسان وبين الموجودات من حوله ضرورة عقلية لابد أن يكون هناك من صنعه، إذ لا يمكن أن يكون هذا الانسجام مع كل هذه المخلوقات على كثرتها وقع مصادفة، يعني العقل نفسه مستحيل.
يعني لو كان مصادفة لكان يعني في انسجام مع عشرين بالمية، خمسين بالمية، وعدم انسجام مع خمسين بالمية. يعني يا اخي خليها عشرين بالمية مثلا عدم انسجام. مية بالمية انسجام مع الإنسان، فصول أربعة، ليل نهار، حيوانات، بحار، مياه، كل شي انسجام. العقل البشري بنظرية الاحتمالات الرياضية هذه يأبى، لابد أن هناك صانع هو الذي أوجد هذا الانسجام. شوف كيف بفكروا علمائنا، وهذا يدل على أن الفكر الإسلامي فيه طاقات.
يعني شيء واضح لا يمكن أن يكون هذا الانسجام وهذا التوافق الدقيق بالحبة. طبعا احنا اليوم مع توسع المعرفة لو كان ابن رشد في زماننا بده يصطلح طريق الفلاسفة وصرمانا، لأنه احنا أصبحنا نعرف بالمجاهر خلايا جسم الإنسان، إيش تكوينات الخلية الإنسانية، وكل الدم وإيش يحمل الدم وكريات دم حمراء، صرنا نعرف كل إشي بدليل العناية بهذه الطريقة. فلذلك الإنسان الأصل لما تزداد معرفة بخلق الإنسان داخلا وخارجا تزداد معرفة بوجوده صانع. ومن الغريب العجيب أن تجد إنسان عالم في الأحياء وما زال مصرا على الإلحاد. هذا والله من عجيب الأمر، يعني أنت كيف عقلك؟ أنت أستاذ أحياء دكتور في جامعة أمريكية ولا بريطانية بتعرف خلايا جسم الإنسان والدقة الهائلة وما زلت تلحد؟ هل يمكن أن يكون أي دقة هائلة بالصدفة؟ مستحيل، مستحيل. يعني شو ما حاولت تفكر فيها، تقلبها يمين شمال، ما بتيجي. سبحان الخالق.
طيب، فالان بعد أن ذكر المقدمتين أراد أن يدلل على المقدمة الأولى سيبدأ بالتدليل على المقدمة الأولى. قال: فاما كونها أي هذه المخلوقات موافقة لوجود الإنسان فيحصل اليقين بذلك باعتبار موافقة الليل والنهار والشمس والقمر لوجود الإنسان، وكذلك موافقة الأزمنة الأربعة اللي هي الفصول الأربعة له، والمكان الذي هو فيه اللي هو كوكب الأرض، وكذلك تظهر الموافقة كثير من الحيوان له والنبات والجماد، وجزئيات كثيرة مثل الأمطار والبحار والأنهار، وبالجملة الأرض والماء والنار والهواء، كل هذه المكونات الأساسية الأربعة لهذا العالم كلها إيش تدل على هذه العناية.
وكذلك أيضا تظهر العناية في أعضاء الإنسان. اطلع في أعضائك وفي أعضاء الحيوان، وفي أعضاء الحيوان عفوا، وكذلك تظهر العناية في أعضاء الإنسان وأعضاء الحيوان لو أنت تأملت في أعضائك أو أعضاء حيوان أمامك. أعضاء الأسد، بتعرف إنه كل إشي خلق في الأسد يتناسب مع خلقه. أنظر في الجمل، الجمل سفينة الصحراء، تنظم من رجليه لراسه، كل إشي خلق فيه يتناسب مع كونه سفينة الصحراء. سبحان الذي خلق!
إذا وكذلك تظهر العناية في أعضاء الإنسان وأعضاء الحيوان أعني كونها موافقة لحياته ووجوده. فالحيوانات البحرية أعضائها تتلاءم مع حياتها في البحر، الحيوان الهوائية أعضائها بتتلائم مع إيش؟ يعني هل في حيوان هوائي شايف أنه والله أعضاؤه بتتلائمش مع كونه مائي؟ ما في، أي حيوان هوائي إلا أعضاؤه تنسجم مع كونه هوائياً. وكذلك الحيوانات البرية تنسجم أعضاؤها مع كونها هوائي. وبالجملة فمعرفة ذلك أعني منافع الموجودات كلها داخلة في هذا الجنس.
ولذلك وجب على من أراد أن يعرف الله أن هذا يعني نصيحة من ابن رشد لكم: وجب على من أراد أن يعرف الله المعرفة التامة أن يفحص عن منافع جميع الموجودات. يعني تأمل في كونك دائما وازدد معرفة. حلو هيك تحضر لك برنامج وثائقي عن خلق الإنسان، ترى تزداد إيمان. تحضر لك برنامج وثائقي عن الحياة البرية وتشوف كيف الله عز وجل يعطي الحيوانات المفترسة أدواته والحيوانات الغير مفترسة أدواته، وهذا بيجري وهذا بركض وهذا سريع، وهذا كله انسجام هائل. عقلي البشري لا يمكن أن يستوعب أن يكون حدث بالمصادفة.
طيب، هذا إذا هاتان المقدمتان: المقدمة الأولى جميع الموجودات موافقة لوجود الإنسان. المقدمة الثانية أن هذه الموافقة ضرورة من قبل فاعل قاصد لذلك، ليس يمكن أن تكون وقعت اتفاقا مصادفة. فما هي النتيجة النهائية من هاتين المقدمتين؟ أن العالم له صانع، وهذا امر يعني القرآن دعana إليه بكثرة، وسيأتي بعد قليل يسرد لنا آيات قرآنية تدل على دليل العناية. بس الآن بده ياخدنا رحلة على الدليل الآخر وهو دليل الاختراع.
قال: وأما دليل الاختراع، ها دليل الاختراع اللي هو الخلق. الاختراع إيش هو يا هشام؟ الخلق. قالوا: وأما دلالة الاختراع فيدخل فيها وجود الحيوان كله ووجود النبات كله ووجود السماوات. وهذه الطريقة تنبني على أصلين أيضا موجودين بالقوة في جميع فطر الناس. ما هما؟ أو ما هي المقدمات التي ينبني عليها هذا الدليل؟ أحدهما إحدى المقدمتين: أن هذه الموجودات مخترعة. المقدمة الأولى بدليل الاختراع ما هي؟ أن هذه الموجودات من نبات وحيوان وجماد مخترعة.
الآن هذه المقدمة الأولى أن كل ما تشاهده من نبات من حيوان هو إيش؟ مخترع. شو الدليل على هذه المقدمة؟ الحس، أنه أنا بشوف واحد ما كانش موجود اليوم الثاني صار موجود. أنا مبارح ما كان عندي طفل، اليوم صار عندي إيش؟ طفل، إذا هو مخترع. يعني مبارح هذا الحيوان ما كانش موجود، اليوم أمه ولدته. هل هذا أمر يحتاج إلى دليل أصلا؟ ما أنت بحسك تشاهده، اليوم هاي النبتة ما كانتش موجودة هيها طلعت فرضا. فانت لما تشوف نبتة ما كانتش موجودة طلعت من الأرض، لما تشوف حيوان خرج من بطن أمه، لما تشوف إنسان أنت عندك ما كان طفل صار عندك طفل. هذا لأن هذه الموجودات كلها وجدت بهذه الطريقة فهي إيش؟ مخترعة.
إذا المقدمة الأولى أن هذه الموجودات من نبات من حيوان من جماد مقترح تمام، وهذا معروف بنفسه في الحيوان والنبات كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ. المهم فانا نرى مثلا أجساما جمادية ثم تحدث فيها الحياة، حيوان منوي عبارة عن جماد صح؟ فجأة هذا الحيوان يدخل طبعا شجاعة أثناء عملية الجماع يدخل يصب في رحم المرأة بويضة مخصبة شهرين ثلاث أربع، أها هذه الجماد أصبحت تدب فيه الحياة. مين اللي دب الحياة في هذه البيضة الزايغوت؟ من الذي خلق فيها الروح؟ أليس هذا جماد دبت فيه الحياة؟ فعلم قطعا أن ها هنا موجدا للحياة ومعنعما بها وهو الله تبارك وتعالى.
وأما السماوات فنعلم من قبل التي لا تفتر أنها مأمورة بالعناية بالكوكب الأرض ومسخرة لنا، والمسخر المأمور لابد وأن يكون مخترعا من قبل غيره ضرورة. المهم دلالة الاختراع إذا معلومة بالحس، من حيث المقدمة الأولى أن هذه الموجودات من نبات وحيوان مخترعة. هذه المقدمة الأولى تقول: معلومة بماذا بالحواس، أنك تشاهد بحاسة البصر كثيرا من هذه الأمور التي تخترع أمامك، فتعرف منها أنه هذه الموجودات كلها مخترعة.
وأما الأصل الثاني المقدمة الثانية ماذا ستكون؟ مين يعرفها؟ ماذا ستكون المقدمة الثانية بدليل الاختراع؟ المقدمة الأولى أن هذه الموجودات مخترعة، ماذا ستكون المقدمة الثانية؟ أحسنت هادي: كل مخترع أو عفوا كل مخترع فله مخترع. كل مخترع فله مخترع، يعني سامحونا هلأ نزبطها نزبطها. المقدمة الثانية تقول: كل أمر مخترع قاله مخترع. طيب النتيجة المحصلة من المقدمتين: المقدمة الأولى هذه الموجودات مخترعة، كل مخترع فله مخترع، إذا هذه الموجودات لها مخترع. هذه موجودات وهي تشمل العالم لها مخترع.
إذا أثبتنا وهي المقدمة التي يتعبنا المتكلمون حتى يصلوا إليها أن العالم له صانع، هي نفسها تمام؟ فيقول لهم ابن ابن رشد: حين وصلنا لها أدنى الأمور، لا تقول لي دليل أعراض ولا ولا أن الأعراض تحل في الأجسام، وأن العرض هو الذي سيبقى زمانين، وأن الأجسام هي أصلا متكونة من الجواهر الفردة، وتدخلني في سالفة طويلة عريضة. واحنا بنستطيع نثبتها بالطريقة القرآنية اليسيرة: دليل العناية ودليل الاختراع. تمام، هو المنطق سيوظف وهو آلة بشرية، لكن هناك من يوظفه بطريقة منهكة متعبة بمقدمات لا توصل للمقصود موروثة من مقدمات الفلاسفة.
احنا ما عناش مشكلة مع المنطق الصحيح، المشكلة مع الفلسفة، ركز احنا كل مشكلتنا مع إيش قاعدين نحكي؟ مع الفلسفة وما تأثر به علم المنطق منها. أما المنطق الصحيح مو العقل هو منطق، العقل هو منطق، فلابد يكون هناك منطق في التفكير. لكن هذا المنطق هو المنطق القرآني، المنطق اليسير، المنطق الذي لا أجحاف فيه، المنطق الذي يدركه المرأة والرجل الصغير والكبير، وليس شيئا معقدا تجعل مسألة وجود الله كأنها مسألة فيزيائية معقدة تنهك الإنسان حتى يعرف وجود الله، مع أنها المسألة من أوضح الواضحات ومن أجل الأمور التي لا يحتاج فيها إلى كل هذا التعقيد.
إذا يقول ابن رشد: ولذا كان واجبا على من أراد أن يعرف الله حق معرفته أن يعرف جواهر الأشياء ليقف على الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات، لأن من لم يعرف حقيقة الشيء لم يعرف حقيقة الاختراع. فانت تأمل في الإنسان، تأمل في ضعفه وفقره واحتياجه، تعرف أنه هذا مخترع. تأمل في الحيوان تعرف أنه مخترع. تأمل في السماوات بتعرف أنها مخترعة. تأمل في الأرض بتعرف أنها مخترعة. والمخترع يحتاج إلى مخترع، إذا العالم له مخترع في النهاية.
يقول سبحانه وتعالى: أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ. وكذلك أيضا من تتبع معنى الحكمة في موجود موجود، أعني معرفة السبب الذي من أجله خلق والغاية المقصودة به، كان وقوفا على دليل العناية اللي هو الدليل السابق أتم.
إذا باختصار يقول ابن رشد: فهذان الدليلان هما دليلان الشرع، يعني القرآن. ما هي الأدلة العقلية التي دعانا لاستعمالها لإثبات وجود الصانع؟ احنا الان ترى بتكلم ابتداء عن أدلة وجود الصانع، رح آجي على الأدلة العقلية لتوحيد الربوبية، ورح آجي عن الأدلة العقلية لتوحيد الألوهية. أنا الأدلة اللي بتكلم فيها الآن الأدلة العقلية لإثبات وجود الصانع. راح آجي بعد شوي إن شاء الله نتكلم عن الأدلة العقلية لتوحيد الربوبية، إنه كيف نوظف هاي الأدلة لتوحيد الربوبية، بعدين كيف نوظفها في توحيد الألوهية. احنا الآن خلونا في الخطوة الأولى: أنه هذا دليل الخلق ودليل العناية يدل على ماذا؟ أن هذا الكون له صانع، طبعا توحيد الربوبية والألوهية لها أدلتها نيجي عليها إن شاء الله.
الإمام ابن رشد بده يقنعك بأنه هذان الدليلان هما أدلة القرآن، فيقول: وأما أن الآيات المنبهة على الأدلة المفضية إلى وجود الصانع سبحانه في الكتاب العزيز هي منحصرة في هذين الجنسين من الأدلة، فهذا بين لمن تأمل الآيات الواردة في الكتاب العزيز في هذا المعنى. وذلك أن الآيات في الكتاب العزيز في هذا المعنى إذا تصفحت وجدت على ثلاثة أنواع. يعني بده يقول لك احنا لو استقرأنا آيات القرآن الكريم التي تتكلم طبعا دليل الخلق ودليل العناية سنجدها على ثلاثة أنواع:
آيات تتضمن التنبيه على دليل العناية فقط، وآيات تتضمن التنبيه على دليل الخلق فقط، وآيات تتضمن التنبيه على الدليلين معا. يعني في نفس الوقت تدل على العناية وعلى الخلق، سنبدأ بالنوع الأول. أما الآيات التي تتضمن دليل العناية فقط فمن أمثلتها قوله تعالى: أَلَم نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَادًا، أي ما جعلنا لكم الأرض مهادا، أنتم عمركم فكرتم في هاي الآية أنها تدل على إثبات الصانع؟ ألم نجعل الأرض مهادا، والجبال أوتادا، وخلقناكم أزواجا، وجعلنا نومكم سباتا، وجعلنا الليل لباسا، وجعلنا النهار معاشا، وبنينا فوقكم سبعا شدادا. هذه آيات ايش بتتكلم؟ أم دليل العناية، صح أنك تتكلم كيف ربنا فرش لكم الأرض، وخلق لكم الليل تنام فيه يتناسب مع النوم، وخلق النهار لتعيشوا فيه، وبنى السماء فوقنا والارض تحتنا، كل هذا عناية بالانسان.
أليست هذه دليل العناية؟ هذا هو دليل العناية في صورة عمه، سورة بنقرأها كثير بس احنا ما بننتبه أنها بتدل على دليل العناية على إثبات وجود الله سبحانه وتعالى، ومثله قوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ. يعني أنت لو تأملت تقلب الليل والنهار والسماء وهذه البروج، هذا يذكرك أن هناك صانع صنع وإله وجد، هذه طبعا كلها ما بتتكلمش عن الخلق، بتتكلم عن العناية.
لاحظوا هاي الآيات اللي بتتكلم عن ايش؟ كيف أن هذه المخلوقات خلقت بشكل منسجم مع طبيعة هذا العالم الكوكب الأرضي، وطبيعة الإنسان الذي وجد فيه ليخلف الله سبحانه وتعالى. كذلك قوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، تطلع أيها الإنسان لطعامك كيف بيجيك الناصر بن الماء صبا، ثم شققنا الأرض شقا، فأنبتنا فيها حبا. طبعا هنا وإن كان هذا الدليل حقيقة مختلط أنا أرى أنه هذا مش دليل فقط عناية هاي الآية، بل هو دليل عناية ودليل خلق، المهم نذهب إلى النوع الثاني.
وأما الآيات التي تتضمن دلالة الاختراع فقط. الآن بده يسرد لنا ابن رشد آيات قرآنية بتتكلم عن دليل الاختراع فقط، قوله تعالى: خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ. هاي الآية شو بتؤمرك؟ تذكر خلقك وأنا خلقت من من؟ لأنه هذا يذكرك أن هناك صانع صنعك، هذا دليل الخلق، وقوله تعالى في سورة الغاشية: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. قليل الخلق، ومثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ. من الذي يخلق الذباب الصغيرة؟ الله جل في علاه.
فأنت إذا تلاحظ خاصة جزء عم أحبابي الكرام، جزء عم الناس بتقرأه هيك أسرية لأنه سهل، لكنه مليء بالأدلة العظيمة على إثبات وجود الصانع عن طريق دليل الخلق وعن طريق دليل العناية. وأما الآيات التي تدل على الدليلين معا، آيات تدل على الدليلين معا، قال: بل هي الأكثر في القرآن. إذا هاه ابن رشد يقول: الأكثر في القرآن أن تأتي الآية لتتكلم عن دليل الخلق ودليل العناية في نفس الوقت، مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الذي جعل لكم شف أعبدوا ربكم الذي خلقكم، دليل ايش قلق الاختراع، بعدين الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأحسنت دليل العنا، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، هذا دليل العناية.
لذلك الآن والواجب على طالب العلم من اليوم فصاعدا اللي ما تقرأوا القرآن تستخرجوا هذه الأدلة، اجعل من أهداف قراءتك للقرآن استخراج دليل الخلق ودليل العناية، كيف الله سبحانه وتعالى وظف هذين الدليلين ليخبرنا عن وجوده من خلالهما؟ وهل بالله عليكم الاستدلال على وجود الصانع بدليل الخلق ودليل العناية يحتاج إلى إثبات صحة القرآن أولا؟ رح يرجعكو من هاي الفكرة، أن المتكلمين ايش بقولوا؟ ما بصير نرجع للقرآن حتى نثبت وجود الصانع. بقول لهم ليش ما بصير ترجع؟ هذا القرآن القرآن مليء بأدلة عقلية أنت تستطيع أن توظفها حتى ولو لم يثبت لك صدق القرآن أنه من الله.
لو أنت تأملت في آية ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا، ما أنت هذا الشيء شايفه أمامك، أليس هذا يدلك على إثبات الصانع؟ فانتم هم للاسف المتكلمون حرموا أنفسهم من الاستفادة من الأدلة القرآنية لما وضعوا هذا الصنم أمامهم أننا لا نعود إلى القرآن إلا بعد إثبات الصانع. طب يا اخي تعال للقرآن وخذ منه الأدلة العقلية التي فهمها واستنباط دلالاتها لا يتوقف على إثبات صحة قرآن، أنت خذ هذا الدليل العقلي.
مم أحسنت، يعني هذا دليل عقد، القرآن بيقول لك اطلع على الأرض واطلع على السما واطلع على المطر واطلع على الليل واطلع على النهار، ألا يخبر هذا بوجود الصانع؟ انتهى الأمر، لا تقول لي والله القرآن لا استفيد منه إلا بعد إثبات صحتهم، وهذا خطأ، هذا فساد في المنطق العقلي في التفكير. هذا دليل عقلي، إن شاء الله انسان من الغرب اتاك به أو انسان من الشرق اتاك به أو من شمال الأرض أو من جنوبها اعطاك دليل عقلي، أنت ايش علاقتك بمن اتى بالدليل؟ أنت انظر في نفس الدليل صح ولا لأ؟ الدليل عقليا صحيح إذا تستفيد من الأدلة القرآنية العقلية.
إذا يقول ابن رشد: فهذه الطريق هي الصراط المستقيم التي دعا الله سبحانه وتعالى الناس منها إلى معرفة وجوده. وهذا كلام صحيح من ابن الرشد في الحقيقة، نوافق على هذا الأمر وننبههم على ذلك بما جعل في فطرهم من إدراك هذا المعنى. والى هذه الفطرة الأولى المغروزة في طباع البشر الاشارة في قوله تعالى، لاحظوا ابن رشد وابن تيمية يتوافقان على أن الآية وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ المراد بها الفطرة. فيقول ابن رشد: والى هذه الفطرة الأولى المغروزة في طباع البشر الاشارة في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِ ذُرِّيَّتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ، هذا هو دليل الفطرة، إلى قوله تعالى: بَلَى شَهِدْنَا.
ولهذا يجب على كل من كان همه طاعة الله في الإيمان به وامتثال ما جاء به رسله أن يسلك هذه الطريقة حتى يكون من العلماء الذين يشهدون لله بالربوبية مع شهادته سبحانه لنفسه وشهادة ملائكته له: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ. الآن انتهينا من كلام ابن رشد، لاحظوا ابن رشد واضح كلامه وكلامه في الحقيقة صحيح وموفق في هذا الباب.
من أيضا اشار إلى هذا الموضوع إشارة صحيحة؟ اه الخطابي نعود إليه، اشار إلى أهمية دليل الخلق ودليل العناية، هذان الدليلان بدي اياكم تحفظوهم. إذا شخص من المتكلمين سألك في يوم من الأيام كيف تثبت وجود الصانع؟ فتقول له مش ترتبك والله كيف أعرف؟ قال لك أنت بتقول لي دليل الحدود غلط صح؟ يلا أنت كيف بتثبت وجود الصانع؟ بكل بساطة الأمر مش معقد، دليل الخلق ودليل العناية هيني حفظتهم، صعبات؟ مش صعبات، وباجي بسرد له الآيات اللي بتتكلم عن دليل الخلق والآيات بتدله عن طريق العناية، فأنت هكذا تلجمه وتوقفه في مكانه، أنه أنا لا محتاج دليل الحدوث ولا محتاج أعرف شو معنى عرض، وأنه العرض يحل في الجسم أو قضية الجوهر والعرب والجوهر الفرد ومش الجوهر الفرد، وأن الأجسام هل تحل بها الحوادث وهل الحوادث لها بداية وليست لها بداية؟ كل هاي القضايا الفلسفية أنا بغنى عنها كطالب علم، أنا عندي دليل الخلق ودليل العناية الحمد لله تكفيني وتشفيني ولا أحتاج إلى أن أخوض في مسائل أنت كل العقل منها.
وللاسف أن المقدمات أنتم أنفسكم كمتكلمين لستم متفقين عليها، وسأرد لكم كلام الأبدي وهو أحد أقطاب لمين صاحب كتاب غاية المران في علم الكلام وأفكار الأفكار كما هو نفسه بعد ما خلص حدوثه وادى به والاعتراضات اللي عليه قال: وهذا دليل الحدوث سراب بقيع. يعني شو ما قلت لكم أنا يعني هو بتكلم عن نفسه كمتكلم وهو بس بقول لك في النهاية الحدوث شو ما أجيت عليه اعتراض! طب ليش أنت تخوض حارس في هذا الموقف يا أمين رحمة الله عليك؟ عندك الأدلة القرآنية السهلة الميسرة التي تأخذك إلى الله بعيدا عن كل هذه الفلسفات والصفسات، عندك دليل الخلق ودليل العناية واللي احنا كما قال ابن عقيل إذا بتذكره، اللي احنا لانا أذكياء، لا لا احنا لأنه طبقة اه ذكية جدا ما بنقبل بدليل الخلق ودليل العناية، بدنا أدلة هيك يعني صعبة جدا حتى تكون على مستوى ذكائنا.
ما أنتم لما عملتوا هيك ضللتم، هذا قضية أن يقتنع الإنسان أنه مهما كنت ذكيا مهما كنت عبقريا عليك برضو أن تعرف اه كيف تؤكل الكتف كما يقولون، ولا بذكائك لأنه هذي ذكرناها احنا في المحاضرات الأولى اللي سمعتها، كلام ابن عقيل أنه قالها أن مشكلة هؤلاء القوم أنهم اعتدوا بذكائهم ورفضوا أن يكونوا كعامة الناس، فقالوا احنا نستدل على وجود الصانع بأدلة ذكية جدا ما بنستدل زيكم، هذا دليل خلق ودليل عناية للناس البسطا يعني عالبركة، أما احنا لازم نجيب أدلة هيكا فبركة صعبة ومقدماتها معقدة حتى نقتنع بوجود الصحيح. وهكذا يعني توخذ الأمور، والله لو قنعتم بهذه الأمور لكفيتم أنفسكم شر كل هذه الفتن التي جلبتموها على الأمة، ولو وظفتم طاقتكم العقلية في أمور مهمة للأمة. يا ريت هاي الطاقات العقلية في علم مقاصد الشريعة وفي علم اه الفقه واستخراج النوازل واجتماع كلمة المسلمين، أليس هذا كان هو الأولى أن توظف في هذا الذكاء؟ اللهم اهدنا لأحسن الاقوال لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
المهم بسم الله اه طبعا يصلحوا، طبعا لذلك انا قلت يعني حتى الملحد القرآن نبهني ما هي الأدلة العقلية اللي استعملها مع آتي الملحدة؟ كله عن الخلية البشرية فقط قل له عمي هاي الخلية البشرية شوف فيها كم فيها من الإتقان والعناية بالإنسان، هل يمكن تكون هذه الدقة المتناهية في قانون الرياضيات الذي تؤمن به أنت وجدت من غير صانع؟ ما هو أن تصوغ الفكرة بلغة هي تتناسب معه هي الفكرة، أن تصوغ العبارة. غير مؤمن بالقرآن؟ ما هو مش مشكلة لأنه أنا أقول له هذه الفكرة ليست مبنية على صحة القرآن، مبنية على صحة العقل الذي أنت تؤمن به، مش أنت بتقول لي يا ملحد أن أنت عندك عقل؟ يلا خاطبني بالعقل، أنا بدي آتي بالأدلة العقلية التي جابها القرآن بدون ما أقول لك أنها من القرآن، لازم أقول أنها من القرآن؟ لأ، أنا آتي بالأدلة العقلية وقلت اطلع عالخلية اطلع أرض تطلع السماء، أنتم يعني أقدر منا أصلا على إثبات هذه العلوم المعاصرة.
شوفوا شو بحكي عنكم المعاصر وتعالوا قل لي: هل هناك عاقل يقول أن هذا وجد من دون صانع؟ فالإلحاد هو خروج عن العقل للاسف. اسمع قبل فترة أحدهم يقدم مقابلة، أحد مسلمين يعني يقدم مقابلة ويقول أن الإلحاد موقف عقلاني، ويجب أن احنا نتفهم ونناقش بالدليل، أقول والله هذا من الحرمان! والله أنك تقود الإلحاد موقف عقلاني ونحترمه! الإلحاد هو قمة الانحدار الإنساني، قمة الانحدار الإنساني الإلحاد، لأنه تعطيل لكل القوة والحواس البشرية التي خلقت فيك أن تنكر وجود صانع، لا يمكن لهذا العقل أن يتقبل هذه الفكرة، فهو انحدار في الفطرة الإنسانية والعقل البشري لا يتقبل. المهم حتى لا نطيل بس انتبه لنا عالوقت شيخ نعم.
طيب اه الخطابي يقول مبينا دليل الخلق ودليل العناية أيضا يقول: ما وجدوه في أنفسهم (يعني هذا سياق كلامه أنا اقتطعت من سياق كلامه) يعني من أدلة وجود الصانع: ما وجدوه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من حولهم من آثار الصنعة ودلائل الحكمة الشاهدة أن لها صانعا حكيما. لاحظ آثار الصنعة اللي هو الخلق، ودلائل الحكمة اللي هي العناية، إذا ما وجدوه في أنفسهم وفي سائر المصنوعات من آثار الصنعة وأثار الحكمة الشاهدة على أننا صانعا حكيما عالما خبيرا تام القدرة بالغ الحكمة.
وقد نبههم الكتاب عليه أي على هذه الأدلة ودعاهم إلى تدبره وتأمله والاستدلال به على ثبوت ربوبيته، فقال عز وجل: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ. اطلعوا في أنفسكم، في خلاياكم، في هذه الأجسام، ما تبصرون؟ ما تعقلون أن هذه تدل على وجود الصانع؟ إشارة إلى ما في هذه الأنفس من آثار ولطيف الحكمة الدالين على وجود الصانع الحكيم، لما ركب فيها من الحواس التي عنها يقع الإدراك، والجوارح التي ترويها القبض والبسط، والأعضاء المعدة للأفعال التي هي خاصة بها كالأضراس الحادثة فيها عند استغنائهم عن الرضاع. كيف الطفل أول ما يطلع ما عندوش أسنان صح؟ لأنه يمص ثدي أمه، ثم بعد ذلك لما يبدأ يأكل كيف تنتج الأضرار؟ هاي شي مهول، مين اللي طلع له هاي الأضراس في الموعد المحدد لها بالضبط حتى تبدأ عملية طحن الطعام؟ كالأضراس الحارثة فيها عند استغنائهم عن الرضاعة وحاجتهم إلى الغذاء فيقع بها الطحن له، وكالمعدة التي اتخذت لطبخ الغذاء، والكبد لا الخطاب يتكلم عن وظائف جسم الإنسان، والكبد التي يسلك إليها صفاوته، لأنه الكبد هو الذي بيخلصك من السموم.
وعنها يكون انقسامه على الأعضاء في مجال العروق المهيئة لنفوذه إلى أطراف البدن، كالأمعاء التي يرسب إليها نقل الغذاء وطحانه، فيبرز عن خاصة الأمعاء الغليظة. وكقوله تعالى مثلا: أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ.
وقوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ. ثم يقول الخطابي، اسمعوا إيش يقول مبينا تفوق أدلة القرآن العقل على الأدلة التي يقدمها المتكلمون على وجود الرب سبحانه وتعالى كدليل الحدوث.
بدء يبين تفوق الدليل العقلي القرآني وما أشبه ذلك من جلالة الأدلة. الآن هو بعد أن خلص سرد الأدلة القرآنية قالوا: وما أشبه ذلك من جلالة الأدلة وظواهر الحجج التي يدركها كافة ذوي العقول.
هذي أول ميزة لدليل القرآن العقلي أنه إيش؟ أنه إدراكه للكل، مش متوقف على طبقة من الأذكياء الجهابذة، الكل؛ رجلا، امرأة، شاب، ناشئ، رجل كبير. الدليل القرآني يدركه العربي الأعرابي في الصحراء، ويدركه الحضري الذي يعيش في المدن.
إذا التي يدركها كافة ذوي العقول وعامة من يلزمه حكم الخطاب، مما يطول تتبعه واستقراؤه. فعن هذه الوجوه ثبت عندهم، أي عند أهل الحديث، أمر الصانع، من هاي الأدلة احنا أثبتنا الصانع، ثم بينوا وحدانيته وعلمه وقدرته بما شاهدوه من اتساق أفعاله على الحكمة، واضطرادها في سبلها، وجريها في أدلائها في أذلالها.
ثم علموا سائر صفاته توقيفا، ذلك بعد أن عرفنا وجود الصانع وتوحيده في الربوبية والألوهية من خلال هذا جاء الوحي ليوقفنا على صفاته بالتفصيل وعلى أسمائه بالتفصيل. لذلك ثم علموا سائر صفاته توقيفا عن الكتاب المنزل الذي أبان حقه، وعن قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي قد ظهر صدقه.
ثم تلقى جميع أمر الدين عنهم أخلافهم واتباعهم كافة عن كافة، قرنا بعد قرن، فتناولوا ما سبيله الخبر منه تواترا واستفاضة على الوجه الذي تقوم به الحجة وينقطع فيها العذر. ثم كذلك من بعدهم عصرا بعد إلى آخر من تنتهي إليه الدعوة وتقوم آه عليه بها الحجة.
فكان ما اعتمده المسلمون من الاستدلال في ذلك أصح وأبين، وفي إلى المقصود به أقرب، إذ كان التعلق في كثرة ذلك إنما هو بمعاني ترك الحس وبمقدمات آه من العلم مركبة عليها لا يقع الخلف في دلالتها. يعني يريد أن يقول إن خلاصة دليل الخلق ودليل العناية أمور سهلة ميسرة، الحواس تدركها بأبسط أمر، والمقدمات التي تنبني عن الحواس.
يعني أنتم لاحظتم شو مقدمات دليل الخلق؟ المقدمة الأولى إيش كانت؟ قشر معك أن هذه الموجودات كلها مخلوقة. هسه هاي كيف عرفناها؟ من خلال أحساسنا الحس.
والمقدمة الثانية أن كل مخترع يحتاج إلى مخترع، هاي المقدمة مقدمة عقلية ضرورية لا تحتاج إلى تكلف لإثباتها. وكذلك نفس الشيء لما كنا نتكلم عن دليل لما كنا هنتكلم عن دليل العناية، المقدمة الأولى أن جميع الموجودات وجدت لخدمة الإنسان أو تنسجم مع الإنسان، هذه الحس هو الذي وصل إليها، هكذا يقول الخطابي.
والمقدمة الثانية أنه هذا الانسجام لا يمكن أن يكون مصادفة وقع، وإنما لابد له من موجد، وهذا شيء عقلي، يعني الاحتمالات الرياضية البديهية تعرف أن هذا الانسجام مائة بالمائة لابد له من صانع أوجده. فبقول الخطابي رحمة الله عليه: إذ كان التعلق في أكثر هذه الأدلة إنما هو بمعاني يدركها الحس ومقدمات مركبة عليها، هاي المقدمة مركبة على هاي المقدمة.
مقدمة أولى يدركها الحس ومقدمة ثانية تنبني عليها، وهاي المقدمة الثانية مقدمة ضرورية لا ينازع فيها عاقل. فلذلك أتت أدلة القرآن أدلة سهلة، واضحة، بينة. أما أدلة أدلة المتكلمين؛ أدلة لا يدركها الحس أو يحتاج صعوبة جدا في فهم إدراك الحواس لها، فهذه هي المشكلة.
طبيعة إذا؛ الدليل العقلي القرآني يتميز بماذا؟ أولا؛ السهولة واليسر إذ إنه ينبني على إدراك الحواس. ثانيا؛ أنه مفهوم لكافة الناس. الدليل الكلامي سلبيته ماذا؟ أنه دليل يتسم بالتعقيد وأنه لا يفهمه إلا الأذكياء، لو شخص أراد أن يقابل بين الأدلة العقلية القرآنية والأدلة العقلية الكلامية.
ولذلك ومن هنا قال الآمدي، وهو من كبار نظار الأشاعرة بعد أن تكلم عن دليل الحدوث والاعتراضات الموجهة إليه، قال: وعند التحقيق هو سراب غير حقيقة. بعد ما تكلم هو عن دليل الحدوث وحاول يجيب عن الاعتراضات الموجهة عليه، ما ما خلصش، فقالت للنهاية التي وصلت إليها أنه دليل المتكلمين على وجود الصانع اللي هي أخطر مسألة، إيش بحكي الآمدي عنه؟ وهو سراب غير حقيقة.
المشكلة أن المتكلمين لا ينقلون لكم هذه النصوص، ما بتسمعوها منهم، مستحيل نقول لك إن الآمدي قال عن دليل الحدوث إنه سراب غير حقيقي، لأنه بيعرف أن هذا يفت عضده، بس هو بجيب لك إيش قال الرازي في مدحه وماذا قال بعضهم في عليه.
لكن لو أنتم يا شباب هذا الحديث دخلتم في كتب المتكلمين ونظرتم في حجم الاضطرابات التي يعيشونها في داخل مصنفاتهم، ستحمدون الله سبحانه وتعالى على تميز عقيدة أهل الحديث بوضوحها وجلائها، وأنها تنبني على أدلة واضحة ميسورة لا يختلف فيها اثنان.
أنا لاحظتم هاي الأدلة التي أتيت بها، هل شخص منكم والله عنده اعتراض عليها أو مخالفة فيها؟ لا يمكن، لأنها مبنية على أمور ضرورية فطرية، حواس كل تستطيع أن تدركها، فهذا يعني ما يمكن أن نقوله في هذا المجلس.
هذا إذا دليل الخلق ودليل العناية هو دليل وجود الله. في المحاضرة القادمة أتكلم عن دليل أهل الحديث، الدليل العقلي على توحيد الربوبية والدليل العقلي على توحيد الألوهية، ثم ننتقل للكلام عن الأدلة السمعية النقلية في إثبات وجود الله، وفي إثبات الربوبية والألوهية، حتى أكون أنا رتبت الأمور كاملة.
لأن أنا مطالب أهل الحديث لما يتكلم عن المطالب العالية الأربعة، يكون يعرف ما هي الأدلة التي يعتمد عليها، لأنه البعض ينشغل بالرد على المخالفين ينسى أن يؤصل نفسه، فمهم جدا تفهم هذا الكلام؛ كيف تأصل نفسك في المطالب العالية. أدلة وجود الله فطرة وعقلا وسمعا، توحيد الربوبية هي فطرة وعقلا وسمعا، توحيد الألوهية فطرة وعقلا وسمعا، وتوحيد الأسماء والصفات.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل