تسجيل الدخول

شرح العقيدة الطحاوية (19) / صفة الكلام الإلهي

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبابي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة العقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى عليه. في المحاضرة السابقة أحبابي الكرام تكلمنا عن الفرق بين المعجزة والكرامة والسحر، وعرفنا خلاف المذاهب العقدية في هذه المسائل، وعرفنا قول المعتزلة، وعرفنا قول الأشاعرة والماتريدية عموماً، وعرفنا قول أهل الحديث أهل السنة والجماعة في هذه المسألة.

اليوم بقي عليّ في باب النبوات أن أتكلم عن بعض المسائل الفرعية التي تدرس في باب النبوات، بعض المسائل الفرعية التي يتحدث عنها في النبوة، ثم نقرأ كلام الطحاوي ونعلق عليه تعليقاً يسيراً، وننتقل إلى المبحث الذي يليه وهو مبحث الكلام الإلهي. المسألة الأولى التي يعني سنتطرق إليها وهي كما قلت مسألة فرعية: هل من الجن رسل؟ هذه مسألة تبحث في باب النبوات وإن كانت فرعية وذكرها الإمام ابن أبي العز الحنفي عندكم.

هل من الجن رسل؟ هذه مسألة نقول: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين، فالقول الأول والذي عليه جماهير أهل العلم أنه ليس في الجن رسل، الذي عليه جماهير أهل العلم أنه ليس في الجن رسل، قالوا وإنما يكون منهم نذر. وهذا قول الجمهور كما قلنا، واستدلوا بعدة أدلة، يعني ما هو الدليل على أنه ليس في الجن رسل؟ استدلوا بعدة أدلة، من ذلك قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى. الله عز وجل نص على أن من أرسلهم رجال، رجال نوحي إليهم من أهل القرى، أيضاً قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ. فتكلم عن عادة الأنسيين ولم يتكلم عن عادة الجن.

وقول إراهيم الخليل آآ وقوله تعالى عن إبراهيم الخليل عليه السلام: وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ. فأخبر أن النبوة إنما هي في ذرية إبراهيم وهم من الإنس. وطبعاً الأدلة هذه كما لا يخفى على شريف علمكم ليست أدلة قطعية، ها، ليست أدلة ترتقي لدرجة القطع، لكنها ظاهرة الدلالة، ظاهرة الدلالة في هذا الباب وإن لم تصل لدرجة القطع. يقول القرطبي رحمه الله عليه في كتابه الجامع لأحكام القرآن، يعني ينص على هذه المسألة فيقول: وإنما الرسل من الإنس دون الجن، بعد أن علق على هذه الآيات وغيرها، يعني يقول إن هذه الآيات تدل على ماذا؟ على أن الرسل من الإنس وليسوا من الجن.

ويقود الحافظ ابن كثير رحمة الله تعالى عليه بتفسير قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَروهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ. يقول ابن كثير في تفسيره معلقاً على هذه الآية: وقد استدل بهذه الآية على أنه في الجن نذر وليس فيهم رسل، على أنه في الجن ماذا؟ نذر ينذرون أقوامهم، لكنهم ليسوا رسلاً ولا أنبياء، ولا شك أن الجن لم يبعث الله منهم رسولاً. واستدل بهذه الآية: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ. أن الجن اعتمدوا على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولم يعتمدوا على رسول منهم، فهذا يدل على أن أنسيين، على أن الرسل من الإنس كانوا يبعثون رسلاً إلى الإنس والجن، أن الرسل الأنسيين كانوا يبعثون رسلاً إلى الإنس وإلى الجن معاً، واما الجن فإنما كان فيهم النذر كهؤلاء الذين قص الله عز وجل علينا وسطهم في سورة الأحقاف: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ. ولو يلا قوهم ايش؟ منذرين. ومن هنا أخذوا أن الرسل، أن الجن منهم نذر، أن الله عز وجل قال: وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ، فهذا دل على أن الجن فيهم النذارة ولكن ليس فيهم الرسالة والنبوة.

وهذا القول اعتمده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه، واعتمده السبكي أيضاً في فتاويه، وابن أبي العز الحنفي في شرحه على الطحاوية، والسفاريني في لوامع الأنوار، كل هؤلاء هذا القول في المسألة. القول الثاني آآ قالوا لا، في الجن أنبياء ورسل من جنسهم، القول الثاني يرى أن الجن فيهم أنبياء ورسل من جنسهم كما أن في الإنس رسل وأنبياء، فالجن فيهم رسل وأنبياء. وهذا رأي مقارن، والضحاك من المفسرين كما نقله عنهم ابن جرير الطبري رحمه الله عليه في تفسيره، وهو أيضاً يعني أبو انتصر لهذا القول ابن حزم الظاهري رحمة الله تعالى عليه، تعرفون ابن حزم؟ انتصر لهذا القول في المحلى حيث يقول: وصح يقيناً أنه بعث إليهم أنبياء منهم. هكذا يقول.

طبعاً الكل يتكلم بلغة الجزم يعني ايش يقول ابن حزم؟ صح يقيناً، يتكلم بلغة الجزم، صح يقيناً أنه بعث إليهم أنبياء منهم. لكن هذا يقين زائد عن حده يعني في كلام ابن حزم الظاهري رحمة الله تعالى عليه. طب أو بماذا استدل من يرى أن الجن كان منهم أنبياء ورسل؟ استدلوا بظاهر قوله تعالى في سورة الأنعام: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ. يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا. قالوا: شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين. فظاهر قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ. ظاهر هذه الآية أن الرسل كانت تبعث من الإنس ومن الجن، ومن حقيقة دليل له حظه يعني، ليس القوم اعتمدوا على هراء، اعتمدوا على دليل له حظ من النظر، فظاهر الآية أيضاً يعني يدل على هذا المعنى.

لكن بماذا رد على هذا الاستدلال؟ أن الخطاب من رد على هذا الاستدلال قال: الخطاب للمجموع وليس للجميع. ما معنى يعني؟ الكلام للإنس والجن: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ، يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ؟ الآية لم تقل رسل من كل جنس منكم، الآية ما حكت هيك، رسل منكم، يعني جاءت رسل تدعوكم إلى الله سبحانه وتعالى منكم، أي من مجموعكم، منكم ليس من جميعكم، بل من ايش؟ من المجموع. ما آتاكم، آتاكم، فانتم أيها الإنس آتاكم رسول أنسي، وأنتم أيها الجن أيضاً آتاكم رسول أنسي، فالكلام عن المجموع وليس عن للجميع.

فقوله: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ، كما قالوا أي من مجموعكم، من مجموعكم يا معشر الجنس يا معشر الجن والإنس، ما آتاكم رسل من مجموعكم، آتاكم رسل. الآية ليست صريحة ونص أن الرسل تبعث من الجن، بل يمكن حملها على المجموع لا على الجميع. كما يعني عمل مع هذه الآية ورد عليها الجمهور، أو رد على الاستدلال بها، خلينا نقول على مسألة أن من الجن رسل.

فإذا الجواب عن هذا الاستدلال هو أن الخطاب لمجموع الجنسين وليس لكل واحد منهم على انفصال، فلا يلزم من هذا إذا كان الخطاب للمجموع، يعني على جميعكم، على مجموعكم وليس على جميعكم، ولا يلزم من هذا أن يكون الرسل من كلا الجنسين، بل يكفي أن يكونوا مرسلين من أحدهما. إذا هذه المسألة الأولى، وكما تلاحظون يعني الجماهير يذهبون إلى أنه كان منهم نذر وليس منهم رسل.

المسألة الثانية التي سنتطرق إليها هو: ما هو الفرق بين النبي والرسول؟ وهي مسألة فرعية أيضاً. لما أقول مسألة فرعية يعني مسائل الاعتقاد يمكن أن تكون فيها مسائل فرعية لا يبدع فيها المخالف، مسائل الاعتقاد يمكن أن تدرس فيها مسائل فرعية يكون الكلام فيها محط اجتهاد ولا يبدع فيها المخالف، ومن ذهب إلى هذا القول فهذا رأي ومن ذهب إلى ذاك القول فهذا رأي، وليست من مسائل الأصول الكبرى التي يكون فيها الخلاف التبديع.

فمن المسائل الفروعية: ما الفرق بين النبي والرسول؟ نقول اختلف العلماء في هذه المسألة أيضاً على أقوال، اختلفوا في تحديد الفرق بين النبي والرسول على أقوال. القول الأول: ذهبوا إلى أن من نبأه الله بخبر السماء وأمره أن يبلغ غيره، من آتاه خبر من السماء ووحي من السماء وأمره الله أن يبلغ غيره فهو نبي رسول، وأما من آتاه خبر من السماء لكنه لم يؤمر بالتبليغ فهذا نبي فقط.

نعيد الفرق مرة أخرى، إذا الأصحاب الاتجاه الأول قالوا: من آتاه خبر من السماء إن أمر بالتبليغ فهذا يكون نبياً ومرسلاً في نفس الوقت، وأما من آتاه خبر من السماء ولكنه لم يؤمر بالتبليغ فهذا يكون نبياً فقط. يقول ابن حجر العسقلاني رحمه الله عليه في هذا القول وناصراً لهذا القول يقول: فإن النبوة من النبأ، والنبأ ما هو؟ الخبر. النبأ في اللغة العربية ايش هو؟ النبأ هو الخبر. فالنبي في العرف إذا هو المنبأ من جهة الله بأمر يقتضي تكليفه، أعطاه الله عز وجل أوامر وكلفه بتكليفات، لكن قال: وإن أمر بتبليغه إلى غيره. الآن يمكن أن يكلف هذا الرسل بتكليفات، يمكن تكليفاته قاصرة عليه لم يؤمر بتبليغها لغيره، فيقول: وإن أمر بتبليغه إلى غيره فهو رسول وإلا فهو نبي غير رسول، إذا أمر بتبليغه لغيره فهو ايش؟ رسول، وإلا (يعني وإذا لم يؤمر بتبليغه لغيره) فهو نبي.

وعلى هذا فأيهما أعم وأيهما أخص؟ النبوة أعم ولا الرسالة أعم؟ لا، النبوة أعم. النبوة أعم، فإن كل نبي رسول وليس كل رسول نبي، فالنبوة هي الأعم. فالرسول والنبي يشتركان في أنهما منبأن من الله، جاءهما خبر من الله، لكن الفرق بينهما ما هو؟ أن الرسول أمر بالتبليغ، فالرسول هو نبي مئة بالمئة، الرسول هو نبي لأنه جاءه نبأ من السماء، فإن أمر بالتبليغ فهو رسول، وإن لم يؤمر بالتبليغ فهو نبي فقط.

أهذا قول؟ لكن في الحقيقة يعني أه كما ترون المسألة اجتهادية، يعني ليست مسألة فيها نص عن النبي عليه الصلاة والسلام أو عن الصحابة أو عن التابعين في تحديد القضية، مسألة اجتهادية في النظر. ولكن لا يظهر لي قوة هذا القول في الحقيقة، أن يقول إن النبي مجرد جاءه وحي من السماء ولكنه لم يؤمر بتبليغه ليس بذاك القوي، يعني لأنهم يقولون طب لماذا جاءه خبر من السماء إذا لم إذا إذا لم يبلغ ولم يوصل رسالة؟ إذا ما فائدة أن يأتيه خبر من السماء؟ فهذا اعتراض على هذا القول: ما فائدة مجرد أن يأتيه خبر من السماء إليه وليس لك أي علاقة بالإبلاغ ولا تعليم الناس، إذا ما الفائدة؟ فنذهب إلى القبر الثاني، إذا هذا القول فيه نظر من حيث من هذه الحيثية، نذهب إلى القول الثاني.

القول الثاني يرى أن الرسول هو من أرسله الله لقوم معاندين يدعوهم إلى الإصلاح والتوبة والعودة إلى الله سبحانه وتعالى. الرسول هو من أرسل إلى قوم معاندين معارضين لأصل الرسالة، يدعوهم إلى التوحيد والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، أما النبي فهو مرسل إلى قوم غير معاندين، هو مرسل أيضاً (ركزوا، النبي مرسل) لكنه مرسل إلى قوم غير معاندين باوامر من الله سبحانه وتعالى أو مجموعة من النواهي ومجموعة من التعليمات.

فالفرق إذا بين الرسول والنبي على هذا القول ليس في قضية الأمر بالتبليغ، فالرسول مأمور بالتبليغ والنبي مأمور بالتبليغ، لكن الفرق طبيعة من أرسل إليهم، الفرق في في هذا القول طبيعة المخاطبين، فالرسل يخاطبون أقواماً معاندين لأصل التوحيد والرسالة فيأمرونه بتوحيد الله سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ. تمام؟

وأما النبي فهو مرسل أيضاً، فهو مرسل، لكن مرسل إلى من؟ إلى قوم ليسوا معاندين لأصل التوحيد والرسالة، وإنما منصر بمجموعة من الأوامر الجديدة والتعليمات الإلهية والنهي ومجموعة من النواهي، ويأمر بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فهو ليس مرسلاً إلى قوم معاندين لأصل رسالة التوحيد. وهذا حال أنبياء بني إسرائيل في أكثرهم، أنهم كانوا يأتون إلى بني إسرائيل، وكان بنو إسرائيل في الأصل عندهم التوحيد لله سبحانه وتعالى (كونه يدخلون بالتحريف) لكن كثير ما كان يأتيهم رسل، ثم بين كل رسول ورسول يكون هناك مجموعة كبيرة من الأنبياء، وظيفة هؤلاء الأنبياء أمرهم بالمعروف، نهيهم عن المنكر، مجموعة من الأوامر، مجموعة من التذكيرات، هذه وظيفة الأنبياء.

من انتصر لهذا القول؟ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه، فقال: فالنبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأه الله به، فانه (يعني فهو ينبئ) لابد ينبئ، يخبر الناس بما أنبأه الله به. فقال: فان أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول. وأعيد عبارة شيخ الإسلام، يقول: فالنبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبأ بما أنبأه الله به يوصل المعلومات للناس، فإن كان هذا النبي أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله، إلى المعاندين لأصل الرسالة، ليبلغ بلغه رسالة من الله إليه فهو حينئذ يكون رسولاً.

ويقول في موطن آخر شيخ الإسلام يقول: فالأنبياء ينبئهم الله فيخبرهم بأمره ونهيه وخبره، وهم ينبئون المؤمنين بهم. شف شو قال؟ وهم ينبئون مين؟ المؤمنين، مش ينبئون المعاندين، هذه وظيفة الأنبياء، وهم يؤمنون (عفواً) وهم ينبئون المؤمنين بهم بما أنبأهم الله من الخبر والامر. ما هي إذاً على هذا القول يكون النبي مأمور بالتبليغ وهو مرسل من حيث هذا المعنى، لكنه مرسل إلى من؟ إلى قوم مؤمنين عندهم أصل الإيمان، يأمرهم، ينهاهم، يذكرهم، يعظهم كما كما قلنا هو حال أنبياء بني إسرائيل في جلهم. وأما الرسول كما قلنا: الرسول هو الذي أرسل إلى قوم معاندين.

الرسول هو الذي أرسل إلى قوم معاندين لأصل الرسالة، ويأمرهم بتوحيد الله سبحانه وتعالى ونبذ الشرك وما هم عليه من مخالفة أوامر الله سبحانه وتعالى. هذا القول نصره شيخ الإسلام وله حظ من النظر في الحقيقة.

طيب، يكمل شيخ الإسلام أنا نقلت النص السابق ولم أكمل، دعوني أكمل، وقال أيضاً: فالانبياء ينبئهم الله فيخبرهم بأمره ونهيه، وهم ينبئون المؤمنين بهم ما أنبأهم الله به من الخبر والامر والنهي.

ثم قال: فإن أرسلوا هؤلاء الأنبياء إلى كفار يدعونهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له فهم رسل. شف قال: فإن أرسلوا، قال: إلى كفار يدعونهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له فهم رسل.

والرسل لابد أن يكذبوا، وهي وتجري سنة الله: وَلَقَدْ كُذِّبَتْرُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا. بخلاف الأنبياء، الأنبياء أصلاً هم أرسلوا إلى قوم مؤمنين بأصل التوحيد لكن يأتون بأوامر جديدة، نواهي جديدة، تعليمات إلهية، أمر بمعروف، نهي عن منكر، وهكذا.

إذاً هذا القول هو الذي انتصر إليه شيخ الإسلام، هو الذي انتصر إليه عموماً، أنه هو قد يقول: يوافق النصوص أكثر، يوافق النصوص أكثر من القول الأول؛ لأن الله سبحانه وتعالى ايش قال؟ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ. صح؟ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ. فمطلع الآية قال: وما أرسلنا، إذاً الرسول والنبي كلاهما مرسل: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيا. فإذاً الرسول مرسل والنبي مرسل. القول الأول لا يساعد على هذا الفهم، القول الثاني هو الذي يساعد؛ لأنه الآية تقول: هناك إرسال للرسول كما أن هناك إرسال للنبي. لكن الخلاف بينهم في طبيعة المرسل إليهم، في الأنبياء يكونون مؤمنين وفي الرسل يكونون معاندين، هيك باختصار.

هناك قول ثالث يرى أنه لا فرق بين النبي والرسول. القول الثالث ماذا يقول؟ يقول: لا فرق بين النبي والرسول، وهذا في الحقيقة من أضعف الأقوال؛ لأنه مخالف لاستعمال القرآن؛ لأن القرآن هو الذي فرق بين النبي والرسول. ألم يقل: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيا؟ هذا العطف يفيد ماذا؟ العطف يفيد التغاير، فكيف تقول إن الرسول هو نفس النبي من جميع الجهات؟ فهذا قول ضعيف؛ لأنه مخالف لاستعمال القرآن، فالقرآن فرق بينهما بشكل واضح. فضلاً أن القرآن الكريم وصف بعض آآ من أرسلهم الله بأنه رسول ونبي ووصف بعضهم بأنه ايش؟ نبي فقط. ففي هناك يعني استقراء أسلوب القرآن يدل على التخالف، يدل أن هناك من وصف بالنبوة فقط وهناك من وصف بالنبوة والرسالة.

فهذا يدل على أن هناك فرق بين الاستعمالين. إذاً هاتان مسألتان أختم بهما الكلام في باب النبوات. سأعليق على كلام الطحاوي الذي ذكرناه في فقرة النبوات، الطحاوي رحمة الله عليه كما ذكرنا لم يتطرق إلى مسائل النبوات عموماً، لم يتطرق إلى طرق إثبات النبوة، لم يتطرق إلى الفرق بين المعجزة والكرامة، لم يتطرق إلى مثل هذه المسائل الفرعية، وإنما تطرق وصف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بمجموعة من الصفات التي وصفه الله بها أو وصف هو نفسه بها ومن باب تعظيم شأنه وأمره عليه الصلاة والسلام.

فقال الطحاوي عليه رحمة الله قال: وأن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده المصطفى. وأن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده المصطفى ونبيه المجتبى ورسوله المرتضى. هكذا بدأ عندكم. صحيح؟ ونلاحظ نقول الآن سأعليق على هذه الفقرة. نلاحظ أنه قدم العبودية، قال: وأن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده. قبل الرسالة والنبوة. لماذا قدم العبودية على النبوة والرسالة؟ ليعلم أن الرسالة والنبوة لم تخرجه عن كونه عبداً من عباد الله، حتى لا يعتقد في مقامه الشريف صلى الله عليه وسلم ما يعتقده النصارى في عيسى ابن مريم من الألوهية وما شابه ذلك.

فبدأ بالعبودية ليؤكد أن محمداً صلى الله عليه وسلم وإن كان نبياً مرسلاً لكنه لم يخرج عن مقام العبودية لله سبحانه وتعالى؛ لئلا يغلو فيه الغالون فينزلونه منزلة الآلهة أو أنه ابن الإاله وما شابه ذلك من الاقوال التي قالتها النصارى في المسيح ابن مريم، وليعلم أن أشرف مقامات النبي صلى الله عليه وسلم هو مقام العبودية. لو سألك شخص: ما أشرف مقامات النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل هو مقام الرسالة ولا مقام العبودية؟ نقول: مقام العبودية هو أشرف مقاماته بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه.

لذلك الله سبحانه وتعالى خاطبه به أو وصفه به في أشرف المقامات. فلما تكلم في الإسراء والمعراج وهو من المقام الشريف له الله عز وجل تكلم عنه بمقام العبودية فقال: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ، ولم يقل: برسوله. كذلك لما أخبر في سورة الجن: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ، فوصفه في هذه المقامات بالعبودية لأن هذه مقامات أشرف من مقامات الرسالة والنبوة، وإن كان مقام الرسالة والنبوة فيه من الشرف ما فيه. طيب، إذاً وأن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده المصطفى.

النصوص الدالة على الاصطفاء والاجتباء له صلى الله عليه وسلم والتفضيل كثيرة، يعني لو استقرأت الكتاب والسنة ومن أفضل من جمع هذه النصوص؟ من ارتفع للقاضي عياض اليحصوبي، جمع فيها خيراً عظيماً في دلالة اصطفاء الله واختيار واجتباه لنبيه صلى الله عليه وسلم. واقتصر في هذا المقام. قال: الحديث الذي أخرجه مسلم وغيره من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم.

فذكر النبي صلى الله عليه وسلم سلسلة الاصطفاء من بدايتها إلى نهايتها في هذا الحديث. وكما قلت لكم يعني من أراد التزود من ذلك فليراجع كتاب الشفاء للقاضي عياض اليحصوبي عليه رحمة الله تعالى، فقد استوعب هذه المسألة وذكر فيها من النصوص الكثير الكثير. إذاً وأن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده المصطفى ونبيه المجتبى ورسوله المرتضى.

عرفنا معنى العبودية، وعرفنا معنى النبوة، وعرفنا معنى الرسالة وما الفرق بين النبوة والرسالة ذكرناه قبل قليل، والاصطفاء والاجتباء كلها بمعنى متقارب. ثم قال الطحاوي: وانه خاتم الانبياء. هذا وصف رابع للنبي صلى الله عليه وسلم، ويعدد أوصاف النبي عليه الصلاة والسلام. وانه خاتم الانبياء. وهذا مصداق لقوله تعالى: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ، فهذا نص لا محيد عنه.

وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه في الصحيحين: مثلي ومثل الانبياء كمثل قصر أحسن بناؤه، وترك منه موضع لبنة، يعني موضع طوبة واحدة، وترك منه موضع لبنة فطاف به النظار يتعجبون من حسن بنائه إلا موضع تلك اللبنة لا يعيبون سواها فكنت أنا سددت موضع مع تلك اللبنة ختم بي البنيان وختم بي الرسل. وهذا حديث واضح في دلالته على أنه صلى الله عليه وسلم قال: وختم بي الرسل. فالقرآن وسنة قطعيان في دلالتهما على أنه خاتم الأنبياء.

ثم وصفه بوصف خامس فقال: وأمام الأتقياء. فهو صلى الله عليه وسلم أولاً الإمام الذي يؤتم به ويقتدون به. والنبي صلى الله عليه وسلم يعني من هو الإمام؟ الإمام في اللغة هو السيد الذي يقتدى به، هذا هو الإمام، الإمام السيد الذي يقتدى به ويتبع. فالنبي صلى الله عليه وسلم بل جميع الرسل إنما أرسلوا ليكونوا أئمة، أي ليتبعوا من قبل أقوامهم، ولذلك الله سبحانه وتعالى ربط محبته باتباع النبي صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهَ. فاصلاً محبة الله لك أنه قال: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله. فمحبة الله لك مرهونة باتخاذك للنبي صلى الله عليه وسلم إماماً، باتخاذك للنبي صلى الله عليه وسلم إماماً. فهو إمام الأتقياء.

وهو قد جاء في الحديث أيضاً: إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، فهو أتقى هذه الأمة وأتقى البشرية لله سبحانه وتعالى بأبيه وأمه صلوات ربي وسلامه عليه. طيب وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث أيضاً يبين أنه هو إمام الأتقياء. طبعا الأتقياء هنا تشمل البشرية جميعها حتى الأنبياء السابقين، كلمة الأتقياء هنا تشمل البشرية جميع البشرية، حتى من سبقهم من الأنبياء فهو إمام الأنبياء والرسل والبشرية جمعاء.

قال صلى الله عليه وسلم: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة. أنا سيد ولد آدم يوم القيامة. وفي حديث الشفاعة: أنا سيد الناس يوم القيامة. ففي لفظ: أنا سيد ولد آدم، وفي لفظ آخر: أنا سيد الناس. طيب فإن قيل يعني هذا التفضيل للنبي صلى الله عليه وسلم؟ هذه مسألة طرحها ابن أبي العز الحنفي في الشرح عندكم. يعني يشكل على تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء قوله عليه الصلاة والسلام: لا تفضلوني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، سوف أكون أول من يفيق فأسجد موسى باطشاً بساق العرش، فلا أدري هل أفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله.

فهنا النبي صلى الله عليه وسلم ايش يقول؟ لا تفضلوني على موسى. طيب كيف نقول إن النبي صلى الله عليه وسلم إمام الأتقياء وسيد الناس جميعاً بما فيهم الأنبياء؟ طيب فكيف يجمع بين هذا وبين قوله: أنا سيد ولد آدم ولا فخر؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنا سيد ولد آدم، ثم يقول في حديث آخر: لا تفضلوني على موسى. طيب أنا سيد ولد آدم هذه تقتضي التفضيل، ولا تفضلوني على موسى تقتضي ترك التفضيل. فأيهما الذي يتبع؟ يقول ابن أبي العز الحنفي: فالجواب آه أن حديث لا تفضلوني على موسى إنما ورد بسبب قصة وقعت.

وهي أن يهودياً قال لأحد الصحابة: لا والذي اصطفى موسى على البشر، حلف باصطفاء موسى على البشر، فلطمه الصحابي، لطمه الصحابي وقال: أتقول هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا؟ فجاء اليهودي فاشتكى من المسلم الذي لطمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام هذا القول: لا تفضلوني على موسى، قال هذا الحديث: لا تفضلوني على موسى. لماذا؟ لأن التفضيل إذا كان على وجه الحمية هذا هو التخريج الأول للحديث، أن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية وهو النفس كان مذموماً. يعني لا تفضلوني على موسى تفضل عصبية وهوى، لا لا يريد النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة ومن اتباعه أن يفضلوه على موسى تفضل العصبي والهوى؛ لأن هذا الصحابي واضح أنه أخذته الحمية للنبي صلى الله عليه وسلم فلطم اليهودي.

فلاحظ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الملحظ أن هذا الرجل انتصر لي عصبية وهوى، فذم النبي صلى الله عليه وسلم هذا النوع من الانتصار له. تمام؟ بل إذا كان الجهاد في سبيل الله إذا كان لعصبية وهوى يكون مذموماً ولا يكون في سبيل الله، فما بالكم بغير ذلك؟ وأما التفضيل بين الأنبياء فهو واقع، يعني لا نستطيع أن ننكر أن هناك تفضيل بين الأنبياء بل هذا نص القرآن: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ، وقال تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا، فهناك تفاضل بين الأنبياء لا شك فيه بنص القرآن.

فبالتالي علم أن المذموم إنما هو التفضيل على وجه الفخر أو على وجه الانتقاص، يعني إذا فضلت نبياً على نبي حتى تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم على نبي آخر، إذا كان مرادك منه التعصب والهوى أو كان مرادك من تفضيله صلى الله عليه وسلم الانتقاص من النبي الآخر هذا مذموم، فهذا مذموم. وعلى هذا يحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تفضلوا بين الأنبياء إن كان ثابتاً، لأنه هذا فيه خلاف في ثبوته، لا تفضلوا بين الأنبياء، يعني البعض ذكر له علة هذا الحديث لكن على القول بثبوته: لا تفضلوا بين الأنبياء كيف نفهم هذا الحديث؟ أي لا تفضلوا بين على وجه يقتضي الانتقاص من من المفضول، والعصبية والهوى فقط للنبي الفاضل. هذا النوع لا نريده من التفضيل.

طيب، وقد أجاب بعضهم عن هذا الحديث بجواب آخر وهو أن قوله صلى الله عليه وسلم: لا تفضلوني على موسى وقوله: لا تفضلوا بين الأنبياء نهي عن التفضيل الخاص فقط. أي لا تفضل بعض الرسل على بعض الرسل بعينه. لا تقل: محمد صلى الله عليه وسلم خير من موسى. محمد صلى الله عليه وسلم خير من يونس بن متى. وهذا جاء فيه حديث آه: لا تقولوا، لا يقول أحدكم إنه خير من يونس بن متى. آه لا تقول: محمد صلى الله عليه وسلم خير من نوح. التخصيص المعين على معين هذا هو المنهي عنه.

لماذا؟ لأن تخصيص المعين على معين قد يجعل القلب ينتقص من من المفضول، قد يجعل القلب ينتقص من المفضول. وأما التفضيل العام فلا يرد عليه هذا الاشكال. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عنه أنه فضل نفسه على نبي بعينه. صح؟ ما قال: أنا خير من نوح أو من إبراهيم أو من إسماعيل، لم يقل. وإنما تكلم على وجه العموم فقال: أنا سيد ولد آدم. فهذا فيه تفضيل بالتأكيد له على جميع الأنبياء، لكنه تفضيل على وجه العموم لا يرد فيه الانتقاص الذي قد يرد إذا كان التفضيل على وجه الخصوص.

فعرفتم الوجه الثالث آخر ما هو؟ الوجه الآخر يقول: لا يفضل نبي على نبي على التعيين. فلا تقل: محمد صلى الله عليه وسلم خير من نوح أو من موسى أو من عيسى أو لا لا يقال هذا، وإنما يقال: محمد صلى الله عليه وسلم خير الناس.

سيد الناس على العموم والطلاق، حتى لا يأتي وارد التنقيص إذا كان هناك تعيين. ويقول الطحاوي: ثماني، عفواً! يقول ابن أبي العز الحنفي بعد أن ذكر هذا الوجه في الجمع بين النصوص، قال: ثماني، رأيت الطحاوي أجب بهذا الجواب في شرح معاني الآثار.

في كتاب الطحاوي، الطحاوي له كتاب اسمه شرح معاني الآثار، أجاب بهذا الوجه الثاني. قال: النهي لا تفضلوني على موسى ولا تفضلوا بين الأنبياء، إنما المراد به النهي عن تفضيل المعين على معين، وأما التفضيل العام المطلق كقولنا إنه صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء، وكقوله صلى الله عليه وسلم: أنا سيد ولد آدم، فمثل هذا التفضيل المطلق لا حرج فيه؛ لأنه لا يخطر في ذهنك انتقاص واحد من الأنبياء معين، أليس كذلك؟ طيب.

ثم قال الطحاوي: وحبيب رب العالمين. هذا وصف جديد من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم. الآن ثبت له صلى الله عليه وسلم أعلى مراتب المحبة وهي الخلة؛ فكما أن إبراهيم خليل الله سبحانه وتعالى، كذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو خليل لله، كما صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً. وقال عليه الصلاة والسلام: ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبابكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الرحمن.

فالنبي صلى الله عليه وسلم ثبتت له أعلى مراتب المحبة الإلهية وهي الخلة، وقد اتخذه الله خليلاً كما اتخذ سيدنا إبراهيم خليلاً. وأما الحديث الذي ذكره الترمذي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وفيه قوله: إن إبراهيم خليل الله إلا وأنا حبيب الله ولا فخر، هذا الحديث ضعيف في الحقيقة. يعني البعض استدل، يعني بعضه خاصة بعض المتكلمين الذين شرحوا العقيدة الطحاوية، علقوا على عبارة وحبيب رب العالمين أنها فيها إشارة لما ورد في حديث ابن عباس عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن إبراهيم، طبعا حديث طويل وفيه أن إبراهيم خليل الله إلا وأنا حبيب الله، تفرق أن إبراهيم خليل الله إلا وأنا حبيب الله ولا فخر. لكن هذا الحديث لم يثبت في الحقيقة حتى يعتمد عليه.

ثم الفقرة التي تليها، يقول فيها الطحاوي: وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى. وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى. وهذا تكملة لما ثبت من أنه خاتم الأنبياء. يعني إذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، فكل إنسان يدعي النبوة بعد النبي عليه الصلاة والسلام فدعوته غي وهوى. غي: ضلال، وهوى: أي هوى النفس. فيجب أن تهجر هذه الدعوة ولا يلتفت إلى صاحبها.

يقول ابن أبي العز: لما ثبت أنه خاتم النبيين، علم أن من ادعى بعده النبوة فهو كاذب. ولا يقال: فلو جاء (يعني لو قال قائل: لو جاء المدعي للنبوة بالمعجزات الخارقة والبراهين الصادقة)، كيف تقولون بتكذيبه؟ يعني لو شخص طرأ عليك هذا السؤال يا شيخ أنس، قال لك: لو جاء شخص بعد النبي صلى الله عليه وسلم، لو جاء شخص بعد النبي صلى الله عليه وسلم ادعى النبوة وأتى بالمعجزات القاهرة الباهرة، هل ستكذبه؟ لو أتى بمعجزات تدل على صدقه، هل ستكذبه؟

فهنا أنت ماذا تقول؟ تقول: أصلاً هذا الأمر لا يتصور أصلاً. أنت لا تقول، طبعا أن تقول: هذا الأمر لا يتصور أصلاً، اه طبعا للتكذيب بس وأنت تقول: لا يتصور أصلاً أن الله سبحانه وتعالى يؤيد شخصاً بمعجزة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ويكون هذا الشخص كاذباً. بما أن الله الدليل القطعي أخبرنا أن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، إذاً لا يتصور أصلاً، لا يتصور أصلاً أن يأتي شخص بعد النبي صلى الله عليه وسلم يدعي النبوة ويؤيده الله سبحانه وتعالى بخوارق للسنن الكونية، ممكن يكون ساحر، ممكن يكون كاهن، ما عناش مشكلة.

وأحنا عرفنا أن السحر والكهانة هل فيها خرق للسنن الكونية؟ كلا، بل هي من مقدور البشر، والا الناس ليسوا معتادين عليه، لكن فيه شيء من الحيلة والاستعانة بالجن والشياطين، لكن هي في النهاية من جنس مقدور البشر. وأما أن تخرق السنن لشخص يدعي النبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم فهذا لا يمكن أصلاً. نعم، تمام، لكنه سيأتي سيكون تابعاً للنبي عليه الصلاة والسلام، ويحكم بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام.

إذاً نحن نقول: هذا لا يتصور أن يوجد، وهو من باب فرض المحال. أن تفرض إنساناً يأتي بعد النبي صلى الله عليه وسلم يدعي النبوة وتخرق له السنن الكونية، هذا من باب فرض المحال؛ لأن الله لما أخبر أنه خاتم النبيين فمن المحال أن يأتي مدع يدعي النبوة، ولا يظهر أمارة، أي لا يظهر الله سبحانه وتعالى أمارة كذبه في دعواه. طيب.

ثم قال: وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى وبالنور والضياء. المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى، الورى هم الناس صلى الله عليه وسلم بأبي وأمي، مرسل إلى الجن وإلى الإنس، مرسل إلى الثقلين. فقال: وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى والنور والضياء.

والدليل على أنه مبعوث إلى الجن ما جاء في قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ، إلى ما جاء فيها لما قال الجن لبعضهم البعض: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ. فإذاً داعي الله لهم، فهو إذن مرسل إلى الجن. وكذلك قصة سورة الجن المعروفة لما أتاه وفد جن نصيبين وصلى بهم النبي أو تلى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن وسألوه الزاد. فهذا يدل على أنه كان مرسلاً إلى الجن كما كان مرسلاً إلى الإنس.

هكذا نكون انتهينا من تعليقنا على قسم النبوات في هذه العقيدة.

بسم الله الحمد لله، ننتقل الآن لمبحث جديد من مباحث العقيدة الطحاوية، ألا وهو مبحث الكلام الإلهي. مبحث الكلام الإلهي، ما هو كلام الله سبحانه وتعالى؟ وما طبيعة القرآن الذي بين أيدينا؟ فقال الطحاوي في فقرة جديدة من فقرات هذه العقيدة المباركة، قال:

وأن القرآن كلام الله، منه بدا بلا كيفية قولا، وأنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية. فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه أوعده بسقر، حيث قال تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ. فلما أوعد الله بسقر لمن قال: إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، في سورة المدثر لما قال الوليد بن المغيرة: إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، إيش قال تعالى؟ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ. فلما أوعد الله بسقر لمن قال: إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، علمنا وأيقنوا أنه قول... قول، ركزوا على هذه العبارات لأنها محورية. قول البشر ولا يشبه قول البشر، ومن وصف الله بمعنًى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار زجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر.

تمام، هذا هو المقطع الذي تحدث فيه عن موضوع الكلام الإلهي. وفي الحقيقة هذه من المواطن التي صرح فيها الإمام الطحاوي رحمة الله تعالى عليه بعقيدة أهل الحديث، أهل السنة والجماعة.

نحن قلنا إن الفرق المختلفة؛ الأشاعرة، الماتريدية، الكل يحاول أن يجر العقيدة الطحاوية لصالحه ويشرحها على طريقته، وبيننا في بداية شرحنا أن العقيدة الطحاوية فعلياً هناك عبارات مجملة كثيرة فيها يصلح أن يجرها الماتريدي إلى عقيدته، والأشعري إلى عقيدته، وأهل الحديث إلى عقائدهم. هناك كثير من العبارات المجملة، لكن هذا الموطن من المواطن التي صرح فيها الطحاوي رحمة الله تعالى عليه بعقيدته صراحة في مسألة الكلام الإلهي؛ لأنه قال: وأن القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية طويلة (عفواً: بلا كيفية قولا).

فهذا القول لا تقول به لا المعتزلة ولا الأشعرية ولا الماتريدية، وإنما يقول به أهل الحديث. فهذا صراحة أن الرجل، يعني أنا بدي أفترض أن الطحاوي لو في بعض المسائل ليس موافقاً لهذا الحديث، لكنه في غيرها موافق لأهل الحديث. لو سنفترض، لأنه سيأتي معنا أنه في باب الإيمان لم يتفق تماماً قوله مع قول هذا الحديث، في بعض الكلام استعمل عبارات مجملة. لكن هنا الكلام واضح، ولما يقول لك: وأنه كلام الله بالحقيقة وأيقنا أنه قول خالق البشر، إذاً أي عملية تأويل لهذا النص من قبل الماتريدية والأشاعرة (ارجعوا لكتبهم ستجدونها متكلفة) حاولوا أن يميعوه، طبعا لأنهم صارحوا العقيدة هذه وينسبونها إليهم فهم حاولوا أن يؤولوا كلام الطحاوي وتحريفه عن مراده.

لكن أنا أقول: هناك شف، هناك عبارات للطحاوي نعم، يعني تأويلها من قبلهم محتمل، هو المحتمل ليست صريحة، لكن هذه بحد ذاتها أي تأويل منهم فهو ممجوج؛ لأنه مخالف لظاهر العبارة المتبادر إلى الذهن منها، موافق لظاهر العبارة المتبادل للذهن منها، فأي تأويل وصرف لها سيكون ممجوجاً. يعني إذا هم تأولوا القرآن ما بدهم يتأولوا كلام؟ إذا هم تأولوا اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ بأنه استولى على العرش، وتأولوا العين واليد بالنعمة، وتأولوا العين بغير ذلك من المعاني، وتأولوا الغضب والرضا بالإرادة، يعني إذا هم كانوا محترفين في تأول القرآن والسنة، سيعجزون عن تأول كلام البشر، كلام الطحاوي رحمة الله تعالى عليه؟

فهم كما قلت لكم، يعني تعسفوا وتأولوها. لكن هذه من المواطن الجيدة جداً الممتازة في كلام الإمام الطحاوي، والتي تجعلك تقتنع أن الطحاوي فعلاً ليس موافقاً للقوم في عقائدهم. ولا كيف يقول: وأن القرآن كلام الله منه بدا، ها، أو ايش قال؟ منه بدا، أي خرج من الله، خرج من الله بلا كيفية. نحن نقول بلا كيفية كأهل السنة، قولا.

ثم قال: وأنه كلام الله بالحقيقة، يعني ما فيش داعي لأي مجاز أو احتمال. ثم قال: وأيقنا أنه قول خالق البشر. كل هذه العبارات تتضافر وتتأكد مع بعضها البعض لإثبات أن الكلام الإلهي كلام حقيقي بصوت وحرف، وليس كما تدعي الفرق الأخرى، كما سيأتي معنا.

نقول أحبابي الكرام: في البداية تعتبر صفة الكلام الإلهي من أكثر الصفات التي سببت خلافا بين الإسلاميين في الحقيقة، أكذب وسألك شخص: ما هي أكثر صفة وقع فيها خلاف بين الفرق الإسلامية؟ تقول: أي صفة؟ صفة الكلام الإلهي. حتى قيل إن علم الكلام إنما سمي علم الكلام لاختلافهم في صفة الكلام الإلهي، كما ذكر هذا الوجه ابن خلدون في تاريخه. ويقول أبو العباس ابن تيمية بعبارة رشيقة: مسألة الكلام حيرت عقول الأنام. يعني مسألة الكلام الإلهي حيرت عقول الأنام. يعني كل الفرق الإسلامية، كل فرقة تذهب فيها إلى منحى وإلى جهة.

وقد ذكرت أقوال عديدة في تفسير طبيعة الكلام الإلهي، أوصلها ابن أبي العز الحنفي تبعا لشيخ الإسلام ابن تيمية (يعني ابن أبي العز هنا ينقل كلام شيخ الإسلام)، أوصلوها إلى تسعة أقوال. يعني الذين تكلموا في صفة الكلام الإلهي عن طبيعتها، تسعة أقوال تكلموا بها. لكن في الحقيقة بعضها متداخل، بعض هذه الاقوال متداخل.

ولذلك في دراستنا معا إن شاء الله سنركز في هذا المبحث على أصول هذه الأقوال وهي ثلاثة. إذاً هي وصلت إلى تسعة لكن أصولها ثلاثة: قول أهل السنة والجماعة، قول المعتزلة، قول الأشاعرة والماتريدية، هذه الأقوال الثلاثة التي تدور عليها. طبعا هناك قول الكرامية لكن لا يهمني كثيرا أن نعرفه، ما علوش نقاش وفساده واضح. وقول بعض أهل الحديث وبعض الحنابلة، وهذا سأتطرق إليه في الحقيقة أيضا. قول بعض أهل الحديث وبعض الحنابلة سأتطرق إليه، لكن يهمني كما قلت لكم ثلاثة أقوال رئيسة: قول أهل الحديث، أهل السنة والجماعة، وقول المعتزلة، وقول الأشاعرة والماتريدية.

فنذهب، دائما الإنسان لما يتعلم أولا يتعلم عقيدته، يضبط عقيدة أهل الحديث، ثم بعد ذلك ينتقل لكلام الفرق المخالفة في هذا الباب. فنقول أولا: قول أهل السنة والجماعة في صفة الكلام الإلهي.

مذهب أهل السنة والجماعة في صفة الكلام الإلهي أحبابي الكرام يقوم على ثلاثة مرتكزات. مذهب أهل السنة والجماعة بصفة الكلام الإلهي يقوم على كم مرتكز يا شيخ عمر؟ على ثلاثة أصول، على ثلاث مرتكزات. المرتكز الأول: أن الكلام، أن الكلام حقيقة مركبة من اللفظ والمعنى. هذا هو الكلام الذي يعرفه البشر. الكلام، إذا سألك شخص ما تعريف الكلام؟ الكلام حقيقة مركبة من ماذا؟ من اللفظ والمعنى.

فليس الكلام عند أهل السنة هو اللفظ فقط، وليس الكلام هو المعنى فقط، وليس الكلام مشتركا اشتراكا لفظيا كالعين تطلق على الجاسوس وتطلق على العين الباصرة، فليس مشتركا يطلق على اللفظ ويطلق على المعنى، بل هو حقيقة مركبة بين اللفظ والمعنى، حقيقة مركبة من اللفظ والمعنى.

وهذا الأصل في الحقيقة (انتبهوا على هذه الفكرة)، هذا الأصل يتفق عليه أهل السنة والجماعة مع المعتزلة. المعتزلة يوافقوننا في هذا الأصل، وهذه فائدة أن المعتزلة كانوا أضبط وأقعد في اللغة من الأشاعرة، وإن كانوا أكثر انحرافا منهم. المعتزلة أشد انحرافا من الأشاعرة والماتريدية، لكنهم من حيث اللغة، من حيث اللغة في الجملة في الجملة أكثر انضباطا. ليس شرطا دائما، يعني ليس قاعدة كلية، بل ستجد أنت في بعض المسائل ستجد أن المعتزلة كأضبط للغة وللمفهوم ولمفاهيمها من الأشاعرة؛ لأن الأشاعرة ملفقة تروح هون وهون فتضيع بعض المفاهيم الواضحة.

إذاً هذا الأصل نقول: نتفق في أهل السنة مع الجماعة مع المعتزلة، نتفق كلانا على أن الكلام هو حقيقة مركبة من اللفظ والمعنى. فالكلام الحقيقي إذا أطلق، يعني لما واحد يقول لك: أنا تكلمت...

او هذا كلام. الكلام متى كلمة كلام؟ متى أطلقت فإنها تشمل الألفاظ من حروف وأصوات ومعاني. هذي بدنا نضبطها القاعدة، ها مكتوبها على الشاشة أيضاً. الكلام يعني افتحوا المعاجم، افتحوا المعاجم، انظروا ما هو تعريف الكلام عند اللغويين، عند النحاة، عند العرب؟ ما هو تعريف الكلام؟

الكلام عبارة عن حقيقة مركبة من اللفظ والمعنى. طبعا لما نقول اللفظ، إيش تعريف اللفظ؟ يلا يا جماعة هون نستفيد من النحو، شو تعريف اللفظ؟ الصوت المشتمل على بعض الأحرف الهجائية، هذا تعريف الصوت، لفظ حتى في كتب النحو.

فاللفظ إذاً هو صوت وحروف. طبعا أحبابي الكرام الحروف ما هي؟ الحروف هي أصوات، الحروف ما هي أصوات؟ لأن البعض يعني يعني من الأشاعرة يعترض على أهل الحديث: أن هذه الحروف اه مخلوقة وهذا ليست مخلوقة؟ فالطالب شوي بيقول لك: كيف اه الحروف مخلوقة ولا مش مخلوقة؟ بفكر أن الحروف هو شيء مستقل مخلوق خارجي. الحروف هي عبارة عن أصوات با فجيب هي الحروف هي عبارة عن أصوات.

فإذا كانت من الله سبحانه وتعالى فهذا صوت الإله ليس مخلوقاً، وإذا كان من المخلوق فهو مخلوق. فالحروف ليست شيء منفصل عن الأصوات حتى يعني يلمزك بها أو تظن أن فيها مشكلة. هل أقول الحروف التي تكلم بها الله مخلوقة وليست مخلوقة؟ الحروف هي الأصوات.

الحروف هي أصوات، لكنها أصوات بهيئات معينة، هذه هي الفكرة. فإذا كانت الحروف والتي هي أصوات من الله سبحانه وتعالى فهي قطعاً ليست مخلوقة، وإذا كانت من المخلوق من مثلي ومثلك فهي بالتأكيد مخلوقة، تمام؟

فإذاً الكلام أنا الآن أتكلم طبعا عن الكلام عموماً، لا أتكلم عن الكلام الإلهي، أنا أتكلم عن الكلام: كلامي وكلامك وكلام الله. الكلام متى أطلق الكلام الذي تعرفه العرب ويسمعه الناس جميعاً؟ الكلام هو عبارة عن اللفظ زائد المعنى. اللفظ زائد المعنى، هذا هو الكلام. فالكلام ليس هو اللفظ فقط، والكلام ليس هو المعنى فقط، وهذا بيمننا الجزئية الثانية: سنعرف أن الأشاعرة والماتوردية جعلوا الكلام ما هو؟ قالوا: الكلام هو المعنى القائم في النفس فقط.

وبعض الأشاعرة حتى أكون منصفاً معهم قال: الكلام مشترك لفظي يطلق على اللفظ فقط، ويطلق على المعنى فقط. فكل هذه الأقوال خطأ؛ الكلام ليس هو اللفظ فقط، وليس هو المعنى فقط، وليس مشتركاً لفظياً يطلق على اللفظ أو على المعنى، بل هو يطلق على اللفظ والمعنى معاً. هذا هو الكلام الذي يعرفه العرب والعجم والفرس والجن والإنس، هذا هو الكلام المعهود إذا سمعنا الكلام نعود إليه. ونحن أصلاً في كتب النحو بماذا نعرف الكلام؟ أنتم ماذا قال ابن الرومي في تعريف الكلام؟

اللفظ المركب المفيد. المفيد، إذاً الكلام هكذا عرفه ابن حا... اللفظ المفيد، تمام؟ ماذا قال ابن مالك في الألفية؟ كلامنا لفظ مفيد. إذاً كل النحاة وكل الصرفي والكل يتفق على أن تعريف الكلام لابد يكون لفظ مفيد، فلماذا نأتي بعد ذلك ونحرف هذه الأمور ونقول الكلام هو المعنى القائم في النفس؟ أنت خالفت قواعد اللغة العربية، وخالفت ما عليه إجماع، ليس إجماع فقط الإسلام يعني آآ إجماع البشرية ممن لم يدخل في هذه التهوكات، واتيت بمعنى لم يقل به أحد وسنأتي إن شاء الله ونعرف أن من قال إن الكلام هو المعنى النفسي من ابن كلاب وتبعه عليه الأشعري رحمة الله عليهم أتوا بشيء لم تعهده يعني ليس معروفاً عند قبلهم، ليس معروفاً عن أحد قبلهم، وهم يأتون يعني دعوهم يأتون بمستندهم، لن تجد أحداً.

ابن كلاب والأشعري تفوه بهذا الكلام الذي تفوهوا به، وبعض اللغويين من المتأخرين كان أشعرياً هاي انتبهوا لها. بعض اللغويين من المتأخرين كان أشعرياً، فلما يأتي يعرف كما حدث مع الفيومي في المصباح المنير.

فلما يعرف الكلام يقول لك الكلام هو هو المعنى في النفس، فيأتيك الشخص موافق للأشاعرة يقول لك هاي افتح الفيومي في المصباح المنير، أليس بدك من المعاجم وشوف شو حكى؟ بقول له: تعال يا عمي، هذا زلمة متأثر، هذا الرجل أشعري شهادته مجروحة، أنا لا آخذ تفسير هذه اللغة من شخص أصلاً أشعري ماتوريدي ويقول هذا متأثر بكم، فلما يقول هذا الكلام في معجمه هو متهم في هذا الكلام، أنا أريد شخصاً قبل ابن كلاب عرف الكلام بأنه المعنى النفسي، هذا الذي أنا أطالب به، سآتي إلى هذا، لكن المهم أن نقرر طريقة أهل الحديث.

إذاً وهذا الأصل أن الكلام حقيقة مركبة من نلفظه بالمعنى، هذا الأصل يتفق فيه أهل السنة مع المعتزلة، نحن نتفق مع الاعتزاليين في هذه الجزئية، فالكلام الحقيقي إذا أطلق من دون قيد يشمل الألفاظ من حروف وأصوات ومعاني، وهذا ما يقرره علماء اللغة أيضاً لذا يتواطؤون على تعريف الكلام بأنه نطق مفهم أو لفظ مفهم أو لفظ مفيد. يقول ابن تيمية رحمة الله عليه: وعامة ما يوجد في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة بل وسائر الأمم عربي وعجمهم من أه من لفظ الكلام والقول وهذا كلام فلان أو كلام فلان فإنه عند اطلاقه ها.

كلمة كلام قول أو لما نقول هذا كلام فلان أو هذا كلام علان قال: فإنه عند اطلاقه يتناول اللفظ والمعنى جميعاً، كلمة الكلام تتناول اللفظ والمعنى جميعاً لشموله لهما، ليس حقيقة في اللفظ فقط كما يقوله قوم، ولا في المعنى فقط كما يقوله قوم، ولا مشترك بينهما مشترك لفظي بينهما كما يقوله قوم، بل هو يطلق عليهما معاً جميعاً اللفظ والمعنى. وهذا الأصل أحبابي الكرام في الحقيقة يمثل حقيقة فطرية عقلية يدركها الناس بفطرهم، ويعرفونها بعقولهم.

يعني لما نقول إن الكلام هو آآ الألفاظ مع المعاني، هذه ليست مسألة نحن استدللنا عليها بدليل واحد ولا بدليلين أو بثلاثة أدلة، هذه حقيقة وجودية الكل يدركها من نفسه.

أصبحت حقيقة فطرية عقلية، كل الأمم والشعوب عرباً وعجماً تعرف هذا الكلام، فهي ليست تحتاج والله أعطي الدليل على أن الكلام هو اللفظ والمعنى، أقول بأدلة لكن أنا بدي أفهمها قبل ما آتي بأدلة جزئية أن الأمر أضخم من ذلك.

أن هذه معقولة حقيقة مثل هذه الحقيقة تخفى على البشر؟ الكلام هو الشيء الذي يعني لا يتوقف عنه الناس يومياً، الكلام هو الشيء الذي لا يتوقف عنه الناس يومياً من الصباح للمساء صح ولا لا؟ فهل يعقل أن الناس مش عارفة الكلام؟ هل يعقل أن هذه الحقيقة والله خافية وتحتاج إلى خلاف بين الإسلاميين حتى نعرف شو طبيعة الكلام؟ شو المقصود بالكلام؟ هذا شيء الناس تتعامل به يومياً.

مثله مثل الماء، هل لو جاءك شخص وقال هناك خلاف في الماء؟ ما هو الماء؟ قل يا اخي في خلاف في الماء، والماء معروف لا أحد يناقش فيه، لماذا؟ لأنه شيء يتعامل به الناس يومياً لا يقضي يوم إلا وانت تشرب الماء.

فهذه الحقائق المشهورة ما يأتيك شخص يقول لك آآ والله سأستدل على أن الكلام ليس هو اللفظ هو المعنى ببيت للافضل آآ إن الكلام لفي الفؤاد أقول لك يا شيخ وأنت ستبني كل مفهومك للكلام من بيت لشاعر آآ نصرانياً والبيت لم يثبت، وإذا ثبت فله عدة تأويلات وعدة.

هل تثبت لي حقيقة كبرى أتعامل بها يومياً من بيت تائه يعني الله أعلم من أين ظفرتم به؟ هل هكذا تبنى حقائق العامة المعروفة صورة فنقول: وهذا الأصل وهو أن الكلام حقيقة مركبة من اللفظ والمعنى، حقيقة فطرية عقلية يدركها الناس بفطرهم ويعرفونه بعقولهم، فإدرאكه لا يتوقف لا على دليل ولا دليلين ولا على كلام شاعر من هنا وهناك، بل عمدته أساساً ما يتعارفه الناس ويفهمونه من لفظ الكلام، وما استقر عليه استعمالهم لمصطلح الكلام، فإن مصطلح الكلام ليس مصطلحاً خاصاً تتعامل به فئات محددة من المجتمع حتى يبحث له عن شواهد توضح مدلوله، بل هو حقيقة انسانية كبرى بها الخلق جيلاً بعد جيل. لكن مع ذلك يعني إذا بعد أن قررنا أنه الموضوع فش فيه خفاء وإنما هي تفذلكات لبعض الفرق، لكن مع ذلك.

لا بد من أن نورد مجموعة من الأدلة تدل على أن الكلام إنما هو اللفظ والمعنى وليس هو اللفظ فقط أو المعنى فقط، فمثلاً أول دليل سأورده قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم أو تتكلم ماذا تفهم أنت من هذا الحديث إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم ماذا ما المراد بالكلام من هذا الحديث؟

الكلام هو الحروف والألفاظ المعبر به عن المعاني، ولا يمكن أن يكون الكلام هو ايش؟ المعنى النفسي وإلا تناقض الحديث. ما هو النبي صلى الله عليه وسلم ايش يقول في بداية الحديث؟

إن الله تجاوز ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم، ففرق بين حديث النفس وبين الكلام الذي يكون باللسان. طيب اذكروا حديثاً آخر آآ قوله صلى الله عليه وسلم: إن الله يحدث لنبيه ما يشاء، وإن مما أحدث لنبيه ألا تكلموا في الصلاة. يعني ألا تتكلموا في الصلاة، يعني الله عز وجل أمر نبيه بأنه لا أحد يتكلم بكلام الناس داخل الصلاة. ما المراد بالكلام هنا؟

وإن مما أحدث لنبيه ألا تتكلموا في الصلاة. ما المراد بالكلام؟ الكلام اللفظ والصوت، لأنه لو كان المراد بالكلام حديث النفس كان كل صلاتنا احنا الله يسهل عليها، لأنه هل أحد فينا يصلي صلاة ما يحدثش فيها.

لقى نفسه إلا الأبدال الأقطاب كما قالوا الأئمة الكبار ولا لا؟ لو كان المراد وإن مما يحدث لنبيه ألا تكلموا في الصلاة، المراد بالكلام حديث النفس معناه تكون صلاتنا يا شيخ احنا امورها تعبانة، لأنه ما في أحد فينا إلا يحدث نفسه، لا شيخ هشام الورطات والمواسير والها طالعة جاية، فأنت في الصلاة إلا يقل عليك من حديث النفس، وهذا شيء يعني الحمد لله أن الله عز وجل يرحم عبيده، لكن الإنسان يحرص على الخشوع في الصلاة طبعا ويحاول أن يجمع قلبه على الله سبحانه وتعالى.

إني وهنا قبل أيام كنت أقرأ في تاج العروس لعطاء من عطاء الله السكندري كان يقول: وإن الذي لا يجمع قلبه في الصلاة مريض القلب، وإن الذي لا يجمع قلبه في الصلاة على الله مريض القلب.

يعني لا تجمع نفسك وذهنك على الله سبحانه وتتجه إليه وحده بل عقلك في شعاب الدنيا مفرق قال هذا مريض القلب وهذه من المقولات الصحيحة أن الإنسان يعني لم يجمع قلبه على الله سبحانه وتعالى في صلاته ولم يسعى نقول ولم يبادر.

فهذا هناك مرض في قلبه عليه أن يبادر بعلاجه، فإن كثرة الغفلة في الصلاة والانشغال بالدنيا وأمورها تدل على أن القلب ما زال في غفلة وبعيد عن الله سبحانه وتعالى، نسأل الله أن يوقظ قلوبنا. إذا هذا الحديث واضح الدلالة كما ترون على أن الكلام إنما هو الكلام اللساني وليس يعني بصوت وحرف وليس هو الكلام النفسي، وإلا كما قلنا فسدت صلاة جماهير الأمة.

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وأنا لن أتتبعها أكثر من هذا لأني كما قلت لكم الأمر أوضح من هذا، الأمر أوضح من أن يتتبع من حديث أو حديثين أو ثلاثة أو أربع.

بل هي النصوص التي يعني استقرت عند الأمة وعرفتها وأمور عقلية فطرية لا يحتاج فيها إلى كثير بيان، لكنني الآن سانتقل لأنقل لكم أقوال أئمة السلف في إثبات أن الكلام الإلهي كلام بصوت وحرف.

ننقل الآن قول أئمة السلف لأن الكلام الإلهي كلام بصوت وحرف، لئلا يزعم أن هذه المقولة هي فقط من مقولات ابن تيمية أو ممن جاء بعده هو الذي ابتدع هذا الكلام. الحمد لله.

ابن تيمية هو مقرر لما قاله من سبقه فقط، لا تظن أنه أتى بأفكار من بنات يعني من أو أتى بأشياء من بنات فكره أو من جيبه اخترعها. طيب ائتونا بأدلتكم يا أهل الحديث. نقول: خذوا هذه الأدلة.

سريعاً قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في كتاب السنة: قال أبي أحمد بن حنبل في حديث ابن مسعود رضي الله عنه: إذا تكلم الله عز وجل سمع له صوت سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان أي على الحجر.

قال أبي أي أحمد بن حنبل: وهذا الحديث الجهمية تنكره. طبعا الجهمية هنا مفهوم عام يدخل فيه كل من ينكر هذه الأحاديث حتى ولو كان من أول ما تريدية، وقال أبي أحمد بن حنبل.

قال عن الذين ينكرون هذا الحديث قالوا: وهؤلاء كفار، ما هيش عبارة شديدة من أحمد بن حنبل؟ قال: وهؤلاء كفار أي الجهمية، يريدون أن يموهوا على الناس. من زعم أن الله لم يتكلم فهو كافر.

إلا أنا نروي هذه الأحاديث كما جاءت، وهذه طريقة أهل السنة أن الأحاديث اللي نرويها كما جاءت بلا كيف، لا ندخل في تكييف طبيعة الكلام الإلهي، نثبت أنه بحرف بحرف وصوت، وهذا نص في الصوتية. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: قلت لأبي أحمد بن حنبل: إن هاهنا من يقول، شوف كيف الوضوح عبد الله يسأل والده يقول له: إن هاهنا من يقول إن الله لا يتكلم بصوت، فقالوا: يا بني هؤلاء جهمية زنادقة، إنما يدورون على التعطيل، الذي يقول إن الله لا يتكلم بصوت يقول عنه أحمد بن حنبل: جهمية زنادقة، وإنما يريدون يدورون.

فماذا؟ يريدوا أن يعطلوا هذه الصفة عن الله سبحانه وتعالى. وذكر صالح بن أحمد بن حنبل وحنبل أن أحمد بن حنبل رحمة الله عليه قال في القرآن، هذا كلام أحمد بن حنبل في القرآن. ماذا قال أحمد بن حنبل؟

جبريل سمعه من الله، والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل، والصحابة سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم. ذكر هذا الأثر قوام السنة الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة. يعني لاحظوا في بداية جبريل سمعه من الله، إذا كيف سمعه إلا وأنه صوت؟

وقال الخلال: أنابنا أبو بكر المروزي: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، وقيل له -طبعا ليش أنا بركز على أحمد بن حنبل؟ لأنه أحمد بن حنبل هو أكثر من نقل عنه نصوص في العقيدة، يعني أكثر من أبي حنيفة ومالك والشافعي، بانشغاله بهذا الأمر وتصدره له، فأكثر من نقل عنه تفاصيل في هذه الميادين أحمد بن حنبل، لكني سأذكر عن غيري لا تقلقوا-.

وقال الخلال: أنابنا أبو بكر المروزي: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، وقيل له إن عبد الوهاب قد تكلم -وقال عبد الوهاب أحد أقران أحمد بن حنبل-، ماذا تكلم وقال؟ قال عبد الوهاب: من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت فهو جهمي عدو لله وعدو للإسلام. فتبسم أبو عبد الله وقال: ما أحسن ما قال. يعني أقره على هذه المقولة، من قال إن الله لم يكلم موسى بصوت. شوفوا العبارات الشديدة، ثم يأتيك يقول لك الخلاف لفظي أو خلاف فروعي، الأئمة أئمة الإسلام كانوا يقولون في من يخالف في هذه العقائد أنهم عدو لله وعدو.

تريد أن تجعله داخل دائرة أهل السنة والجماعة؟ هذا من يعني في الحقيقة إبطال ما تعب به الأئمة. الأئمة تعبوا لتوضيح العقيدة الحقة، نحن من باب دعاة التقريب ودعاة التجميع نقول: لا، خلص الكل أهل سنة وجماعة، حتى ولو قالوا ما قالوا في العقائد. إخواني هذا هدم لما بناه السلف، شيء تعب فيه السلف وبنوا فيه وقالوا فيه العبارات الشديدة، تأتي أنت بأدنى عبارة تقول: يا شيخ مشي ما فيها، هدية ليست مفاصلة على سلعة، هذا دين وهذه عقيدة رب العالمين.

نعم، هناك حكمة في التعامل مع المخالف ومراعاة مصالح وكليات الأمة، هذا شيء نحن نقره، لكن أنا ما يزعجني أن أسمع أصوات تريد أن تجعل من يعطل صفات الله سبحانه وتعالى داخل دائرة أهل السنة والجماعة، ويعطلها اتباعاً لقول أرسطو طاليس واتباعاً للفلسفة اليونانية والهندية والفارسية، هذا لا يمكن أن يقبل أبداً.

ويقول أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخي في كتابه الذي سماه الفصول في الأصول: سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت أبا حامد الإسفراييني. يقول أبو حامد الإسفراييني أحد أئمة الشافعية الكبار، ماذا يقول؟ يقول: ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال هو مخلوق فهو كافر. والقرآن -انتهى كلام أبي حامد- اسمعوا قال: والقرآن حمله جبريل مسموعاً من الله، والقرآن حمله جبريل مسموعاً من الله. إذاً هنا أبو حامد الإسفراييني أحد كبار السادة الشافعية المتقدمين يقول: والقرآن حمله جبريل مسموعاً من الله، والنبي سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الإمام البخاري صاحب الصحيح، الإمام البخاري في الصحيح في كتاب التوحيد عقد باباً قال: باب كلام الرب مع جبريل. في أوضح من هيك يا جماعة؟ البخاري يقول لك: باب كلام الرب مع جبريل ونداء الله الملائكة. طبعا البخاري هو يدرك، هو كما يقولون فقه البخاري أين؟ في تراجمه، ولماذا يبوب هذه الأبواب؟ حتى يعلمك أن كلام الله كلام حقيقي بصوت وحرف.

فقال: باب كلام الله مع جبريل ونداء الله للملائكة. ثم ذكر الحديث: أن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبداً نادى جبريل -نادى المناداة شكل من أشكال الكلام-: نادى جبريل إني أحب فلاناً -هذا كلام الله- إني أحب فلاناً فأحبه.

وبوب باباً آخر فقال: باب قول الله: وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ. وذكر حديثاً عن أبي سعيد الخدري قال صلى الله عليه وسلم: يقول الله يا آدم، فيقول آدم: لبيك وسعديك، فيُنادى بصوت -وهذه الرواية الصحيحة للحديث-: فيُنادى بصوت أن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، فيُنادى بصوت، فينادى بصوت. ابن حجر العسقلاني علق على عبارة فيُنادى بصوت قال: ووقع فيُنادى مضبوطاً عند أكثر، يعني أكثر من روى صحيح البخاري ضبطها بكسر الدال فيُنادى بصوت، ووقع في رواية أبي ذر الهروي بفتحها.

لأن الأشاعرة يعتمدون على رواية أبي ذر الهروي أن الرواية مش فيُنادي بصوته، الرواية هي يُنادى بصوت على المبني للمجهول، قالوا: إذاً هو ليس الله الذي نادى، يُنادى مجهول. لا، نقول: الرواية عند الأكثر كما ضبطها ابن حجر العسقلاني: يُنادي مبنية للمعلوم أن الله ينادي بصوت.

وقال البخاري أيضاً في ذات الباب، ورواية معلقة ذكرها البخاري، رواية بالتعليق طبعا هذه: ويذكر عن جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أنيس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يحشر الله العباد في ناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك الديان، أنا الملك الديان.ها، ينادي بأيش؟ بصوت. طبعا هنا سيقول البعض: هذا الحديث رواية ايش؟ معلقة، وبصيغة المبني للمجهول، ويذكر قال البخاري، ما جعلها رواية في أصل صحيحه.

طيب، سأرد على هذا فأقول: روى هذا الحديث البخاري أيضاً في كتابه الأدب المفرد، وروى هذا الحديث أيضاً في كتابه خلق أفعال العباد في ثلاثة كتب، واحتج به الإمام البخاري، الإمام نفسه البخاري احتج به. وقد ذكر البخاري في كتابه في كتاب العلم قصة رحيل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس بصيغة الجزم، وهو أصل هذا الحديث، معروف أن جابر بن عبد الله رحل إلى عبد الله بن أنيس ستة أشهر ليسمع منه هذا الحديث، أصل القصة بصيغة الجزم رواها البخاري.

وهذا الحديث: فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، ذكره البخاري في ثلاثة كتب؛ في صحيحه، وفي الأدب المفرد، وفي خلق أفعال العباد. ثم علق البخاري على هذا الحديث في كتابه خلق أفعال العباد: وفي هذا دليل -هذا كلام البخاري-: وفي هذا دليل على أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق، بأن صوته جل ذكره يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته. هذا كلام مين؟ كلام البخاري في كتابه خلق أفعال العباد.

طبعا لأنه كثير من طلبة العلم ما بيقرؤوا هذا الكتاب ما بمروا عليه، سهل أن يأتيهم شخص يعني يفدلك عليهم الحديث ويقول: هذا الحديث رواية معلقة ولا نقبل المعلقات. نقول: أخي الكريم، كما أشرت في شرحنا على نزهة النظر، بينا أن معلقات البخاري التي جاءت بصيغة التمريض ليس كل ما علقه بصيغة التمريض المراد -وذكر ذلك ابن حجر في النكت على ابن الصلاح- ذكر أنه ليس كل ما ذكره البخاري بصيغة التمريض أن المراد تضعيف، وهذا خطأ، وهذه من المفاهيم المنتشرة أنه خلص كل ما علقه البخاري بصيغة التمريض موضوع التضعيف هذا ليس بصحيح، بل هناك علل أخرى ارجعوا إليها ذكرها ابن حجر في النكت على ابن الصلاح من أجلها يقول البخاري أو يذكر البخاري الحديث معلقاً بصيغة التمريض.

إذاً، وقد توهم البعض أن ذكر البخاري لهذا الحديث بصيغة المبني للمجهول قصد به الإشارة إلى ضعفه، وليس هذا هو المقصود، وقد أشرنا في مقام سابق أن الإتيان بصيغة المجهول له مقاصد عديدة عند الإمام البخاري، وليس المقصد الوحيد الإشارة إلى الضعف. كيف يعني؟ كيف يكون أصلاً البخاري يعتقد ضعفه ثم هو يستدل به في كتابه خلق أفعال العباد وفي كتابه الأدب المفرد، ويعلق عليه في خلق أفعال العباد، يعني مش أنه في خلق أفعال العباد ذكر الحديث واحتج به وعلق عليه، هل يكون هذا كله وهو يعتقد أنه ضعيف؟ لا يمكن، والبخاري لم يذكره بصيغة التمريض ليدل على ضعفه، فهذا يعني عدم دراية بأساليب الإمام البخاري في صحيحه.

طيب، وهناك أبواب أخرى عقدها البخاري في صحيحه: باب قول الله تعالى: يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ، وبوب باباً: وكلام الرب يوم القيامة، مع باب قوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا، باب كلام الرب مع أهل الجنة. ماذا يقصد البخاري من كل هذه التبويبات؟ ويحشد لك في كل هذه التبويبات هذا الأصل العظيم الذي أنكرته الجهمية ومن صار على دربهم، أن هناك كلاماً إلهاً حقيقياً، وهو كلام بصوت كما قال هو نفس البخاري في كتاب خلق أفعال العباد.

وطبعا لما تأتي للمخالفين ايش بقول لك؟ لا، هو قصد البخاري بباب كلام الرب يوم القيامة على الأنبياء يقصدون الكلام النفسي، ويقصدون باب وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا أي الكلام النفسي، يعني بيضلهم يدندنون حول الكلام النفسي، فانت تقول لهم: البخاري صرح أن كلام الله صوت في كتاب خلق أفعال العباد، فكيف تجعلونه نفسياً؟

من نصوص السلف أيضاً وأنا يهمني حقيقة استقراء نصوص السلف لأنها عمدة عندنا في هذا الباب، لأن أساس عقائدنا بالنقل عن السلف رضوان الله عليهم. قال الإمام الحافظ ابن منده في كتابه التوحيد، بيان آخر يدل على أن الله إذا تكلم بالوحي سمعه أهل السماوات، عقد باباً قال فيه: بيان آخر يدل على أن الله عز وجل إذا تكلم بالوحي سمعه أهل السماوات، وساق أحاديث.

والإمام السجزي في رسالته إلى أهل زبيد، وهي رسالة متخصصة من الإمام السجزي في إثبات أن كلام الله سبحانه وتعالى بصوت وحرف، بس رسالة في إثبات أن كلام الله بصوت وحرف. هذه الرسالة عقد الإمام السجزي في رسالته لأهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت قال: وهذه القضية توجب أن يكون كلامه سبحانه وتعالى حرفاً وصوتاً، وكذلك كلام محدث، يعني كلامي أنا وياك حرف صوت، إلا أن كلامه سبحانه معجز ولا نهاية له وأزلي، وكلام محدث أي أنا وياك كلام غير معجز وهو متناه مخلوق، أليس كذلك؟

فكلام الله وكلام البشر كل بحرف وصوت، لكن الفرق أن كلام الله سبحانه وتعالى كلام ماذا؟ معجز لا انتهاء له: وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ. وكلام المحدث وهو المخلوق يقصد غير معجز وهو متناه. طبعا قوله قول السجزي أنه أزلي فيها نقاش، لأنه هو يذهب مع مذهب بعض أهل الحديث أن كلام الله بصوت وحرف لكن كله قديم، السجزي يذهب إلى هذا المذهب أن كلام الله بصوت وحرف لكن كله قديم، وهؤلاء خطأهم أقل بقليل من خطأ الفرق الأخرى، لكنه أيضاً كلام ليس بصحيح، أن كلام الله سبحانه وتعالى كأصل الصفة نعم قديمة، لكن آحادها متجددة مرتبطة بمشيئته سبحانه، فهو يتكلم متى شاء.

فكلامه مع موسى عليه السلام كلام قام بذاته لما كلم موسى وليس كلاماً قديماً، وكلامه مع جبريل كلام قام بذاته لما تكلم مع جبريل، وكلامه معي ومعك يوم القيامة لما نقف بين يديه، محدث يحدث في ذاته وقت ما شاء، وكلامه مع أهل الجنة كلام يحدثه في ذاته وقت ما شاء. فليس الله سبحانه وتعالى قديماً، ليس كلام الله سبحانه وتعالى قديماً كله أو قديماً كله كما ذكر بعض أهل الحديث، لكن هذه المسألة ستأتي معنا إن شاء الله لا أريد أن استعجل بها.

وقال الإمام السجزي أيضاً: ينبغي أن ينظر. هذا انظروا كلام السجزي ماذا يقول: يقول: ينبغي أن ينظر في كتب من درج وفي أخبار السلف، هل قال أحد منهم إن الحروف المتسقة التي يتأتى سماعها وفهمها ليست بكلام لله على الحقيقة؟ في واحد من السلف قال هيك؟ وأن الكلام غيرها ومخالف لها، وانه معنى لا يدرى ما هو غير محتمل شرحاً وتفسيراً.

فإن جاء ذلك عن أحد من الأوائل والسلف وأهل النحل قبل مخالفينا من الكلابية والاشعرية عذروا في موافقتهم إياه. يعني احنا بنحكي للكلابية والاشعرية وماتريديتها: عندكم كلام أحد ممن سلفكم من السلف الصالح من الصحابة ومن التابعين ومن تابعي التابعين القرون المفضلة، هل أحد منهم قال بقولكم إن الكلام إنما هو معنى في النفس وليس هو الحروف والأصوات؟ هل في أحد قال؟ يا عمي إذا في أحد قال نقول: والله معكم حق أنتم معذورون في قولكم. وإن لم يرد ذلك عمن سلف من القرون، ولا نطق به كتاب منزل، ولا فاه به نبي مرسل، ولا اقتضاه عقل، ولا اقتضاه عقل علم جهل وابداعهم أي ابتداعهم علم أنهم جاهلون ومبتدعون، ولن يقدر أحد في علمي، لن يقدر أحد -هو يقول السجزي- في علمه على إيراد ذلك عن الأوائل ولا اتخاذه إياه ديناً في أثر ولا عقل، لا يمكن أن يأتوا بأثر عن أحد سبق الكلابي والأشعري.

وقال أيضاً السجزي: فقول خصومنا إن أحداً لم يقل إن القرآن كلام الله حرف وصوت -الآن أشاعرة ماتريدية كلابية ماذا يقولون؟ يقولون إن أحداً لم يقل إن القرآن كلام الله حرف وصوت- فماذا يقول السجزي؟ هذا كذب وزور، بل السلف كلهم كانوا قائلين بذلك. وإذا أوردنا فيه المسند وقول الصحابة من غير مخالفة وقعت بينهم في ذلك صار كالإجماع. يعني هو يريد أن يقول إن هذا منتشر مشتهر عن الصحابة والسلف، وهو إجماع مستقر بينهم لأنه لم ينكر ذلك أحد، ولم أجد أحداً يعتد به ولا يعرف ببدعة من نفر من ذكر الصوت إلا البويطي. تعرفون البويطي من السادة الشافعية؟ هو الوحيد من المتقدمين نقل عنه.

إنكار الصوت والحرف ولم يقع عنه الإنكار بل نقل عنه التوقف إن صح ذلك عنه، حتى السجن يشكك في صحة ذلك عن البويضي؛ فإن عند أهل مصر رسالة يزعمون أنها عن وفيها أنه يقول: البويضي لا أقول إن كلام الله حرف وصوت، ولا أقول إنه ليس بحرف وصوت. يعني هو إيش متوقف الرجل؟ لا أقول هكذا ولا أقول هكذا. يا عمي اشتبهت عليه المسألة البويطية، لكن في عندك مئات من الأئمة والسلف وافقوا على أن الكلام بحرف وصوت.

طيب، انتقل إلى عبد الغني المقدسي رحمة الله عليه في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد في إثبات أن كلام الله بحرف وصوت. وروى حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء كجر السلسلة على الصفوان. نفس الحديث الذي مر معنا في البداية.

وذكر الحديث وقول قائل: نعد بأن الحرف والصوت لا يكون إلا من مخارج؛ يعني من يقول إن الحرف هو الصوت لابد له من مخارج حروف، نقول: هذا كلام باطل. هكذا يقول عبد الغني المقدسي، يقول: هذا كلام باطل. إيش الدليل على بطلانه لو جاءك الشخص وقال لك: إذا أنت تقول إن الله يتكلم بحرف وصوت، إذا أنت تثبت لله مخارج حروف واللسان والفم وما شابه ذلك؟ أقول: لا يلزمني ذلك البتة.

ما هو الدليل على أن الكلام لا يستلزم أن يكون من مخارج ومن فم ولسان وأسنان تمام؟ طب في هناك دليل من القرآن واضح؟ لا، دليل أن هناك أشياء تتكلم بدون مخارج الحروف واللسان. نعم، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ. ستشهد، لما تشهد أيديهم وأرجلهم ستتكلم. وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ إيش قالت الجلود؟ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ.

فالله جعل الجلود تنطق وتتكلم بصوت وحرف من دون ما يكون لها أسنان ولا فم ولا مخارج. يعني هذا في المخلوق؛ الذراع الذي تكلم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إني مسموم، لما سم. أليس الذراع تكلم وقال: إني مسموم؟ كيف تكلم الذراع؟ هل خرج له لسانه؟ تكلم، أنطقه الله. فإذا كان الله قادر أن ينطق المخلوقات من دون مخارج حروف ولا لسان ولا فم، فهذا الإلزام ركيك ضعيف إلى مخلوقات يمكن أن تتكلم بلا حرف وصوت. هاي شغلك الراديو، فما بالك بماذا؟ بخالق الأكوان سبحانه وتعالى.

لكن الراديو مش رح يزبط معك كثير، إنه إيش ممكن يقول لك؟ إنه أصل الكلام بصوت وحرف، فهمت علي؟ الراديو ما بزبط معك ليه؟ لأن أصل الكلام الذي تسمعه كلام مخلوقين، يعني بألسنتهم ومخارجهم. فإن احنا بنقول: لأ، الكلام كلام الشاة وكلام الذراع وكلام والاعضاء كلها لم يكن بمخارج، ومع ذلك أنطقها الله. فالله سبحانه وتعالى قادر أن يتكلم كيف شاء، ولا ندخل في التكييف.

طيب، ولذلك نفس عبد الغني المقدسي يقول: يوم نقول لجهنم، جهنم مش ستتكلم يوم القيامة؟ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ. كيف ستقول جهنم هل من مزيد؟ هل سيكون لها أسنان ومخارج؟ لا، ستقول، ينطقها الله وهي تقول. إذا الصوت والحرف لا يستلزم وجود أسنان. هذا فينا كمخلوقين؟ نعم، احنا البني آدمين، لكن ليس قاعدة عقلية ملازمة للصوت والحرف أنه لابد أن يكون هناك أسنان ولسان.

وكذلك قال الله إخباراً عن السماء والأرض: فَقَالَتَا لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. كيف قالت السماوات والأرض ذلك؟ طيب، فحصل القول من غير مخارج ولا أدوات. وروي عن النبي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كلمه الذراع المسمومة، وصح أنه سلم عليه الحجر. كيف سلم الحجر على النبي صلى الله عليه وسلم؟ بأسنان؟ تكلم! وهذا كله كلام عبد الغني المقدسي.

طبعا عبد الغني المقدسي ٦٠٠ هجري اه، السجزي ٤٤٤ هجري، ابن مندة ٣٩٥ آآ، الإامام البخاري طبعا ٢٥٦، الإمام أحمد بن حنبل، طبعا أبو حامد الإسفراييني ٤٠٦ هجري. ليش بهمني هاي التواريخ؟ كلهم قبل ابن تيمية! كلهم قبل ابن تيمية! والامام أحمد رحمة الله عليه معلوم أنه قبل شيخ الإسلام رحمة الله عليه.

وهو ابن قدامة وهو الذي عشنا معه رحلتنا في الكتاب السابق لمعة الاعتقاد، لما شرحنا عقيدته بينا أن ابن قدامة في جل كتبه، وله كتاب خاص، له كتاب خاص في إثبات أن كلام الله بصوت وحرف. لكن ابن قدامة ينصر قول بعض الحنابلة وبعض أهل الحديث أن كلام الله بصوت وحرف قديم، اه، هو مع مثله مثل السجزي في هذه القضية. وهذا قول في الحقيقة ليس بسديد، لكنهم أثبتوا أن كلام الله بصوت وحرف.

يقول ابن قدامة: وكلام الله صفة من صفاته، وهو حروف وأصوات. يعني واضحة فش فيها مجاملة: وهو حروف وأصوات. فاذا القضية إذا ليست إبداعاً تيمياً، ليست من مخترعات شيخ الإسلام، وإنما هو الرجل يقرر ما قرره وما وجده عن السلف الصالح منقولاً في هذه المسائل؛ اه، الذي يخالف طبعا أهل السنة.

كل هذا كلاماً عن كلام عن الأصل الأول طبعا أحبابي الكرام. هذا الكلام كله هو عن الأصل الأول، وهو أي أصل؟ وهو أن حقيقة الكلام ما ركب من لفظ ومعنى. قلنا من الذي يوافقنا من الفرق المخالفة؟ المعتزلة يوافقوننا على هذا الأصل. واما الكلابية والاشاعرة والماتريدية فيخالفوننا في هذا الأصل، ويجعلون كلام الله معنى نفسياً. وسيأتي معنا لما نذكر مرتكزات قول الأشاعرة والماتريدية في الكلام الإلهي.

طيب المرتكز الثاني الذي يقوم عليه قول أهل السنة والجماعة. إذاً ليش المرتكز الأول الذي يقوم عليه قولنا في الكلام الإلهي اه أن الكلام مركب من لفظ ومعنى؟ هذا المرتكز الأول.

الممرتكز الثاني: أن الكلام صفة قائمة بذات الله، وليست صفة منفصلة عن الله. هذا الأصل الثاني في الحقيقة نتفق فيه مع من؟ مع الأشاعرة والماتريدية؛ نحن والأشاعرة والماتريدية نتفق أن الكلام صفة قائمة في ذات الله، صحيح. ومن يخالفنا في هذا الأصل؟ المعتزلة. هنا العكس صارت القضية، في هذا المحور المرتكز الثاني انعكست الأمور.

هنا الأشاعرة والماتريدية وافقونا على أن الكلام صفة تقوم في الله، لكن عرفنا الفرق بينا وبينهم أنه احنا أهل السنة والجماعة نقول صفة تقوم في الله لكنه ايش حرف وصوت، لكن الأشاعرة قالوا صفة تقوم في الله لكنه معنى نفسي، وسيأتي معنا قول الأشاعرة بالتفصيل أكثر.

لكن المعتزلة وافقونا على الأصل الأول وايش قالوا المعتزلة؟ قالوا: احنا زيكم يا أهل الحديث، الكلام عندنا مركب من لفظ ومعنى، من حروف وأصوات ومعاني، لكنه ليس شيئاً يقوم في ذات الله، ولا وين يا جماعة الخير؟ قالوا: هذا الكلام الإلهي يخلقه الله في مخلوقاته، وهي التي تتكلم نيابة عن الله؛ فلما كلم الله موسى مثلاً خلق الله عز وجل الكلام في الشجرة، والشجرة كلمت موسى، فالأصوات والحروف والمعاني خرجت من وين؟ من الشجرة، وليس كلاماً من الله سبحانه وتعالى قام به.

فإذاً نقول: الأصل الثاني الذي يقوم عليه قول أهل السنة والجماعة أن الكلام صفة تقوم في ذات الله، وليست شيئاً منفصلاً عن الله سبحانه وتعالى. هذا الأصل الثاني يتفق عليه أهل السنة والأشاعرة والماتريدية، ويخالفنا فيه المعتزلة. فان أهل السنة ومن وافقهم أن الكلام صفة تقوم في ذات الله، وليس شيئاً منفصلاً عنه يقوم في غيره. وهناك العديد من الأدلة التي تدل على هذا الأصل.

ساذكر الدليل العقلي والدليل النقلي. أما الدليل العقلي فهو أن الصفة إذا نسبت إلى محل، فالأصل أنها تقوم في ذلك المحل لا في غيره. لما تقول أنت كلام الله، لما تنسب صفة إلى محل، فالصفة تقوم أين؟ في ذلك المحل ولا تقوم في غيره. لما نقول رحمة الله، إذا الرحمة أين تقوم؟ في الله. هل نقول رحمة الله وتكون الرحمة قائمة في المخلوق؟ مش رح ينفع أصلاً ككلام كعقل ومنطق ما بمشي.

فلما نقول نحن كلام الله، إذاً نحن نسبنا صفة إلى الله، إذاً فالأصل أن هذه الصفة تقوم في ذات الله سبحانه وتعالى. إذا الصفة إذا نسبت إلى محل فإنما تقوم في ذلك المحل لا في غيره، فمن نسبت له صفة الحياة فإنما تقوم صفة الحياة فيه، لما نقول حياة الله إذاً أين الحياة قامت؟ في ذات الله. وكذلك سائر الصفات، منها الكلام، فإن نسبة الكلام إلى الله تعني أن الكلام صفة قائمة في ذات الله، وليست شيئاً منفصلاً عنه قائماً في غيره، كما تزعم المعتزلة أنه والله خلق الكلام في غيره.

لو كان كلامهم صحيحاً، لو كان الله خلق كلامه مع موسى في الشجرة، لكان الكلام ينسب إلى من؟ الشجرة! كما قلنا كلام الشجرة، كلام الحجر. أما نقول كلام الشجرة، عفوا، نقول كلام الله ثم نجد هذا الكلام ليس من الله، فالخارج من شجرة ثم نقول كلام الله، يعني في انفصال هنا. أنت تقول كلام الله، فإذا به يخرج من شجرة!

طيب، نأتي إلى الأدلة النقلية. طيب الأدلة النقلية الكثيرة الدالة على أن الكلام فعل من أفعال الله يقوم في ذات الله. أولاً نسبة الكلام إلى الله على جهة، إذ أن الله نسب الكلام إليه على جهة، فإنه فاعل له، كقوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا. فأخبر بالفعل أنه قام به، وأكد ذلك بالمفعول المطلق: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا. هذا مفعول مطلق وظيفته التأكيد، أنه كلام الله كلام حقيقي. فأكد ذلك والله سبحانه أعلم العالمين، يعلم أنه ستخرج طوائف في هذه الأمة تنكر كلام الله الحق الحقيقي مع موسى وتجعله كلام شجرة أو كلاماً نفسياً، فجاء الكلام بالتأكيد لمن يريد التبصر والبحث عن الحقيقة: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا.

أيضاً نسبة الكلام إلى الله مباشرة لقوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ. نسبة الكلام إلى الله مباشرة. وقوله تعالى: قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي.

ثالثاً: نسبة القول والحديث إليه. يعني لا ينسب الكلام أحياناً، ينسب القول والحديث، لفظة القول ولفظة الحديث ينسب إليه: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ. نسب القول إليه سبحانه، هل هذا القول يخلقه في شجرة أو في حجر؟

طيب، رابعاً: نسبة السلف القرآن إلى الله واتفاقهم على أنه كلام الله منه صدر، منه خرج. هذه عبارة اتفق عليها السلف. يقول عمرو بن دينار رحمة الله عليه: أدركت الناس منذ سبعين سنة، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن دونهم. يعني هو يقول لك: أدركت الناس منذ سبعين سنة. طبعا لما تجد عمرو بن دينار يتكلم بهذا الكلام هو يعطيك ليس رأيه الخاص فيه، هو يعطيك ما استقر عليه قول السلف، يعطيك رأي من عاش معهم، يقول لك: أدركت الناس منذ سبعين سنة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن دونهم، يقولون: الله خالق وما سواه مخلوق، إلا القرآن فإنه كلام الله منه خرج وإليه يعود.

هذه عبارة عمرو بن دينار وجد عليها الصحابة والناس والسلف منذ سبعين سنة، ينقل لك إجماع جيل كامل على عبارة، ما بقول لك والله أنا أعتقد، لا لا، بقول لك ماذا كان، وهؤلاء أئمة! ما أحد يستطيع أن يكذب هؤلاء الأئمة أو يتهمهم والعياذ بالله بالخيانة، أئمة كبار أثبات، اجتمعت الأمة على تزكيتهم، وكل المؤرخين على ثقتهم، يقولون هذا الكلام. إذاً هو يقول لك إجماع جيل.

طيب الأصل الثالث أو المرتكز الثالث والأخير من مرتكزات أهل السنة والجماعة في صفة الكلام الإلهي. إذاً المرتكز الأول ما هو يا هشام يلا؟ ما هو المرتكز الأول؟ أن الكلام مركب من اللفظ والمعنى. المرتكز الثاني: أن الكلام صفة تقوم في ذات الله وليست منفصلة عنه. المرتكز الثالث: أن الكلام قديم النوع حادث الآحاد. هذه الفكرة الثالثة التي يجب أن تكتبها، يعني لما دائماً أي شخص يقول لك: أعطيني مختصر قول أهل السنة والجماعة في الكلام الإلهي، أعطيه هذول الثلاث جمل: أن الكلام حقيقة مركبة من اللفظ والمعنى، أن الكلام صفة تقوم في ذات الله وليست منفصلة عنه، أن الكلام قديم النوع حادث الآحاد.

هذه الجمل الثلاث تلخص الكلام الإلهي عند أهل السنة والجماعة. المرتكز الثالث: أن الكلام قديم النوع حادث الآحاد، هذه لا يختلف أهل السنة والجماعة آآ يعني لا يختلف عن سُند الجماعة فيها، ولا توجد أي فرقة توافقنا فيها؛ يعني المرتكز الأول وافقنا عليه المعتزلة، المرتكز الثاني وافقنا عليه الأشاعرة والماتريدية، المرتكز الثالث ما في أحد يوافقنا عليه، وهو من خاصة قول أهل السنة والجماعة.

لا يختلف، نقول الآن: لا يختلف اعتقاد أهل السنة والجماعة في صفة الكلام عن باقي الصفات الاختيارية، لأن الكلام في النهاية هو صفة من الصفات الاختيارية، مثله مثل صفة المجيء، مثله مثل صفة الضحك، مثل صفة الفرح، مثله مثل صفة الغضب، مثله مثل صفة الرضا، كلها صفات اختيارية مفعلات لله متى شاء الله سبحانه وتعالى.

فنقول: لا يختلف اعتقاد أهل السنة في صفة الكلام عن باقي الصفات الاختيارية بأنها صفة قديمة النوع متجددة الآحاد؛ أي أن الله متصف بها منذ الأزل من حيث الجنس، وأما آحادها فهي متعلقة مرتبطة بمشيئة الله. وهذا هو الكمال الإلهي، أن نجعل الله متكلماً متى شاء، ولا أربط الله سبحانه وتعالى برباط من عندي أقول: لابد يكون كلامه قديم. الكمال في صفة الكلام أن يكون متكلماً متى شاء، وليس لك أن تدخل في أكثر من ذلك.

ويخالف أهل السنة والجماعة في هذا الأصل سائر الطوائف، فإن الطوائف الأخرى -كما سيظهر لنا- إما تقول بأن صفة الكلام جنسها وآحادها حادث. الآن أحبابي الكرام، الكرامية وهؤلاء أنا لا نذكر قولهم لكن سأذكره الآن سريعا، الكرامية يقولون إن صفة الكلام جنسا وآحادا حادثا، وهذا قول لا نقبله أبدا.

لماذا؟ لأنه إذا قلنا إن جنس صفة الكلام حادث في ذات الله، إذاً هو كان معطلا قبل ذلك عن الكلام، فأثبتم النقص لله سبحانه وتعالى. إذاً عندنا من يقول من الفرق الإسلامية أن الكلام وآحاد الكلام كلها حادثة، هذا قول الكرامية، وهذا قول مرفوض البتة، لماذا؟ لأن معناه أنه كان الله معطلا عن الكلام، ما كانت عنده هذه الصفة ثم نشأت عنده، فهذا نرفضه.

وهناك من يقول إن جنس الكلام وآحاد الكلام كلها قديمة أزلية، الجنس والآحاد، وهذا يذهب إليه طبعا الأشاعرة والماتريدية، ويذهب إليه أيضا بعض أهل الحديث كابن قدامة والسرخسي ونحوهم، على اختلاف طبعا بين ابن قدامة وبعض أهل الحديث مع الأشاعرة والماتريدية. النجارية والماتريدية كلام قديم لكنه نفسي، وأما بعض أهل الحديث فقالوا هو كلام قديم لكنه بحرف وصوت.

لكن أنا اريدك أن تفهم أن هناك من قال إن جنس الكلام وآحاد الكلام كله حادث، هذا قول الكرامية. وهناك من قال جنس الكلام وآحاد الكلام كلها قديم، وهذا قول الأشاعرة والماتريدية وبعض أهل الحديث. وهناك أهل السنة والجماعة في المنتصف، قالوا جنس الكلام -يعني كأصل الصفة- قديمة، لكن آحادها متجددة متى شاء، فنفرق بين الجنس وبين الآحاد.

وقد اتفق السلف على أن الله سبحانه وتعالى متكلم متى شاء كيف شاء. يقول ابن تيمية في التسعينية -وهي تسعون دليلا لابن تيمية على صفة الكلام الإلهي سميت بالتسعينية، تسعون دليلا ساق ابن تيمية على هذه المسألة- قال: وإن أحدا من السلف والأئمة لم يقل... ما في أحد من السلف والأئمة يقول إن القرآن قديم وأنه ما يتعلق بمشيئته وقدرته.

فابن تيمية ينقل ويرصد لنا اتفاق السلف قبل الخلاف الحادث، يرصد أنه ما في أحد يقول إن القرآن الذي نقرأه ونتلوه القرآن كلام الله أن هذا كلام قديم، بل كلهم يعلمون أنه متجدد حادث بمشيئته، سمعه منه جبريل، ونقله جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ونقله النبي صلى الله عليه وسلم لنا. ثم نقول: ومن استقرأ النصوص الشرعية بإنصاف وتفهم، جزم بصحة هذا المعتقد.

أي أن الكلام قديم النوع حادث الآحاد. انظروا النصوص التي ستدل على صحة هذا المعتقد: قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ. ثم إيش قلنا للملائكة؟ إذا راعي الترتيب وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا، ثم قلنا إذا هذا كلام إيش؟ متجدد، ما قال قلت قديما، لا، خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا، فهذا يدل أن هذا الكلام قام في ذات الله في تلك اللحظة التي شاءها الله.

كذلك قوله: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. يعني إذا أراد الله أن يحدث أمرا من الأمور ها، إذا أراد أن يحدث يقول له إذا أراد أن يقول له، فهذا القول متجدد، كلما أراد أن يحدث شيئا يقول له كن فيكون، إذا هناك قول مرتبط بالمشيئة.

أيضا مخاطبته سبحانه وتعالى لموسى ونداؤه له في البقعة المباركة من الشجرة. الآن لما ذهب، لما تكلم الله مع موسى عليه السلام، لما تكلم الله مع موسى عليه السلام: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى. فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى. وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى. قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى. قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى. فَالْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى. قَالَ خُذْهَا.

هذه المحاورة، هل هذه محاورة قديمة كانت قبل أن يخلق موسى، ولا محاورة قائمة الآن يتحدث بها الله بمشيئته في هذه اللحظة؟ أصلا يعني أنا لا أتصور قضية أن يكون الكلام كله قديما، بما أن طبيعة الكلام حروف وأصوات فهي متعاقبة أصلا متسقة، الكلام حروفه أصواته هي متعاقبة متسقة، فطبيعة الكلام تقتضي أن يكون كلاما متجددا حادثا.

الدليل الرابع مثلا: الأحاديث التي جاءت في مخاطبة الله لعبده يوم القيامة، ليس بينه وبين الله ترجمان ومحاسبته له. يعني لما نقف نحن، كنا سنقف بين يدي الله وسيحدثنا الله ليس بيننا وبينه ترجمان، صح؟ هل سيحدثنا الله بكلام قديم، ولا محادثة مباشرة بينك وبين الله؟ أنا بالحقيقة لا أفقهم كيف يتم إلغاء كل هذه النصوص وتجاهلها وكأن وتحويل كل الكلام على أنه كلام قديم.

إذا كنت ساقف بين يدي الله ويكون الله موجودا وأنا بين يديه، ويحدثني ويحاسبني، طب كيف سيحاسبني بالكلام القديم؟ كيف يكون الكلام قديم والكلام يحدث الآن الآن؟

كذلك محادثته مع أهل الجنة ومع أهل النار، يخاطب أهل الجنة ويخاطب أهل النار، يخاطب أهل النار: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ. طب هذه المحادثات كلها قديمة؟ يعني القول بقدم الكلام قول بعيد ضعيف، لا تدل عليه لا سياقات القرآن ولا سياقات الأحاديث ولا حتى طبيعة الكلام ولا العقل السليم.

الفرق المباينة لأهل السنة والجماعة في صفة الكلام الإلهي هنا يعني لن أطيل عليكم أكثر من ذلك، ساقف عند هذا المقدار اليوم بإذن الله، وفي المحاضرة القادمة نتحدث عن الفرق التي خالفت أهل السنة والجماعة، أهم الفرق التي خالفت أهل السنة والجماعة في باب الكلام الإلهي، وما هي المرتكزات التي قام عليها كلام المعتزلة؟ وما هي المرتكزات التي قام عليها كلام الأشاعرة؟

طبعا أنت إذا فهمت مرتكزات أهل الحديث تيسر عليك ضبط مرتكزات المعتزلة ومرتكزات الأشاعرة والكلابية. طيب، فأرجو أن تكون مراجعة جيدة منكم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.