بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، سبحانه وتعالى، حمد الذاكرين الشاكرين. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبابي الكرام إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة العقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر الطحاوي رحمة الله تعالى عليه. المحاضرة السابقة أحبابي الكرام وصلنا إلى آآ صفة العلو، وتحدثنا عن مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات هذه الصفة، وخطورة الكلام فيها، وما الأمور التي تنبني عليها والفروع العقدية التي ترتبط بها.
وتحدثنا عن الدليل الفطري والدليل العقلي والدليل النقلي باختصار طبعا بما يليق بحجم هذه الدورة؛ لانه أحيانا هناك أمور كثيرة يمكن أن تتحدث فيها عن هذه المسائل. لكن نحن لا نريد أن نطور الحديث كثيرا لأن لا يمل السامعون كونوا لله من الطلبة في هذه الدورة وفي هذه المساقات أن المراد منها هو ماذا؟ الوقوف على رؤوس المسائل، وليس المراد منها الخوض في كل تفصيل مسألة وذكر أدلة المخالفين ومناقشتها والرد عليها، فإن هذا مما يطول به الحديث.
ووقفنا عند ذكر أقوال المخالفين لأهل السنة والجماعة في صفة العلو. وصلنا عند ذكر أقوال المخالفين لأهل السنة والجماعة في صفة العلو، فنقول مستهلين بالله أن أبرز المخالفين لأهل السنة والجماعة فرقتان. الفرقة الأولى فهي فرقة الجهمية، والجهمية ماذا قالت في علو الله سبحانه وتعالى؟ المشهور عن الجهمية أنهم يقولون إن الله سبحانه وتعالى في كل مكان، خاصة أوائل الجهمية يقولون إن الله عز وجل في كل مكان.
الآن هل لدينا كتاب ينسب إلى متقدمي الجهمية يمكن أن نأخذ منه أقوالهم ونعود إليه؟ في الحقيقة لا نمتلك بين أيدينا كتابا لمتقدمي الجهمية، آآ نعود لنتأكد من أقوالهم كيف كانت حول هذا المعتقد. لكن الذي نقل لنا معتقدهم علماء السلف، يعني علماء السلف الذين كانوا يردون عليهم، الماليبي وغيرهم لما كانوا ينقلون اعتقاد الجهمية كانوا ينقلونه بهذه الصورة: أن الجهمية وقالت الجهمية إن الله عز وجل في كل مكان. فنحن إنما ننقل هذا المعتقد عن الجهمية بناء على ما نقله لنا السلف عنهم.
والسلف بإذن الله هم عدول، يعني نحن نحسن الظن بأئمتنا أنهم لم يتقولوا على الجماعة شيئا لم يقولوه، لم يتقولوا عليهم ما لم يقولوه. فلذلك أنا أحببت أن ننبه على هذه القضية، لأن البعض قد يسأل يعني هل أنتم عندما تقولون إن الجهمية الأوائل تقول إن الله في كل مكان؟ هل أنتم عدتم إلى مصنفاتهم؟ فنقول: لا لم نعد إلى مصنفاتهم، لأنه لا توجد مصنفات بين أيدينا للجهمية الأوائل حتى نراجعها ونعرف أقوالهم، وإنما أخذنا هذا المعتقد عنهم من خلال ما حكاه السلف من معتقدين.
وهذا كلام رديء أن تقول إن الله عز وجل في كل مكان، فإن هذا حلول كلية، يعني هذا الكلام أسوأ من كلام النصارى. فإن النصارى لما قالت إن الله يحل في عيسى ابن مريم، تكلمت عن حلول خاص. وأما كلام الجهمية فهم يتكلمون عن ماذا؟ عن حلول عام، أن الإله جل في علاه حل في كل أجزاء هذا الكون، ومن مستلزماته أنه حل والعياذ بالله حتى في النجاسات والقاذورات والأكناف وما شابه ذلك.
وهذا لا يصح نسبته إلى الله سبحانه وتعالى. طبعا هذه الأقوال في الحقيقة أحبابي تشبه يعني شيئا من أقوال فلاسفة الهند، الذين كانوا أيضا كثير منهم يقولون بالحلول العام كما ذكر البيروني في مال الهند من مقالة مقبولة ومرذولة. ذكر أن مثل هذه الأقوال الأقوال بالحلول العام هي أقوال انتشرت عند فلاسفة الهند، وآآ قالوا بها في تصور إلههم. ففي الحقيقة هل كلام الجهم بن صفوان ومن وافقه في هذه المعتقد، هل هو فعلا من التأثرات بالفلسفة الهندية؟ خاصة أنه قيل إن الجهم بن صفوان ناقش طائفة من البراهمة أو السمانية، أنا نسيت. وهؤلاء فلاسفة هنود من فلاسفة الهند، وأنهم ناقشوه وألزموه أن لا يعرف إلهه وأنه احتار أربعين يوما وذهب واختفى القصة الطويلة.
فالمهم أن مثل هذه الكلام هو كلام أيضا موروث عن ديان فاسدة كانت منتشرة، ولعل كتبها وصلت إلى العالم الإسلامي فتأثر بها كثير من الإسلاميين. فالمهم هذا هو الرأي الأول أو الاتجاه الأول الفاسد الذي يقول إن الله عز وجل في كل مكان. الاتجاه الآخر الفاسد في تصور العلو الإلهي هم الأشاعرة والماتريدية وجمهور الفلاسفة والمعتزلة. الأشاعرة والماتريدية الفلاسفة والمعتزلة، هذه الفرق بكلها ذهبت إلى أن الله سبحانه وتعالى قالوا: لا داخل العالم ولا خارج العالم. لم يقولوا إن الله عز وجل في كل مكان كما قال أوائل الجهمية، لكنهم ذهبوا إلى ما هو أفسد من ذلك، فقالوا إن الله عز وجل لا داخل العالم ولا خارج العالم.
ووجوه فساده ما هو؟ أن هذه الصفة صفة إيش يا شيخ عمر؟ صفة الممتنعات، يعني صفة ليس المعدومات فقط بل ممتنعات، ما هو أسوأ يعني من المعدومات. أن تقول إن الله سبحانه وتعالى لا داخل العالم أي لم يحل في العالم وليس هو خارج العالم، إذا أين الله سبحانه وتعالى؟ قالوا: لا يسأل عنه بالعين، هكذا قالوا. فقلنا لهم: فهل الإله ذات قائمة بنفسها؟ إذا قالوا: نعم، إن الإله ذات قائمة بنفسها، فلابد أن يعرفوا أين الإله. كل ذات قائمة بنفسها، كما قال أئمة هذا الحديث، يسأل عنها بالعين. أما أن تقول داخل العالم، وأاما أن تقول خارج العالم، لابد لكل شيء موجود من نسبة وجودية، لابد لكل شيء موجود.
بما أن الذات الإلهية أنتم تقرون أنها ذات موجودة، إذا أي شيء موجود لابد له من نسبة وجودية. لفقدان النسبة الوجودية تماما هذا يدل على أن هذا الإله معدوم وليس شيئا موجودا بل ممتنع على طريقتكم أنه لا داخل العالم ولا خارج العالم. طبعا هم يقولون: ليس كمثله شيء، نعم هو ليس كمثله شيء. لكن هناك أمور عقلية تتعلق بمسائل الوجود، هذه الأمور كما تتكلم عنها في المخلوق يدركها العقل في الخالق، باعتبار الوجود باعتبار هذا الكلام. الكلام عن الأمور الوجودية، الأمور الوجودية مفهومها ليس بالمخلوق بل حتى في الخالق سبحانه وتعالى.
ولذلك الله عز وجل خاطبنا في كتابه العزيز بهذه الأمور الوجودية وأعلمنا: أَأَمِنتُم مَّن في السَّمَاءِ، وأخبرنا كما ذكرنا في المحاضرة السابقة في أكثر من ألف دليل، أكثر من ألف دليل نقلي على أنه سبحانه وتعالى عال على عرشه فوق سماواته، وخاطب الناس بما يعقلون في ذلك. لكن كما تعلمون طرائق المؤولة أن كل هذه النصوص يجب أن تؤول وأن الله سبحانه وتعالى لم يقصد بها ظاهرها إلى آخر الكلام الذي يأتون به.
طيب آآ الآن الأشاعرة والماتريدية ومن وافقهم في هذه العقيدة احتجوا بحجج كثيرة وكما قلت لست الآن في العقيدة الطحاوية فيما مساق ذكر حججه، لكن كل حججهم التي أتوا بها تدور على فكرة الحجج التي أتى بها الأشاعرة والماتريدية حول نفي صفة العلو لله سبحانه وتعالى. يعني هم يرون أن من يقول بالعلو الإلهي أنهم مجسمة، هكذا يقولون. الذين يقولون بالعلو إنه ايه؟ إنهم مجسمة وأثبتوا لله حدا وحيزا. فنقول: الحجج التي أتى بها الأشاعرة والماتريدية ومن وافقهم على نفي العلو الإلهي كلها تدور على ماذا؟ على أن من أثبت العلو لله فهو جعل الله جسما، أو جعل الله مركبا، أو جعل الله مفتقرا للجهة، أو جعل الله سبحانه وتعالى متناهي المقدار.
كل حججهم تدور حول هذه الأفكار، أننا إذا أثبتنا العلو فإننا جعلنا الله جسما. وبعضهم يقول: جعلته مركبا، وبعضهم يقول: جعلته مفتقرا للمكان، وبعضهم يقول: تجعلونه محتاجا للمكان. البعض يقول: جعلتموه متناهيا. فكل حججهم تدور على ماذا؟ حول هذه الألفاظ، إثبات العلو يؤدي إلى هذه المآلات. فيقولون مثلا: لو كان في العلو لكان في جهة، أو لو كان في العلو لكان متحيزا، وهذا يقتضي التناهي في المقدار، أو يقتضي أنه يفتقر لهذه الجهة، أو يقتضي أنه جسم، ونحو هذه العبارات. ولا يجوز اثبات خصائص المخلوق للخالق، لأنه هيك بيقولوا، الجسم والتركيب والتحيز وما شابه ذلك، هذه كلها من خصائص المخلوقات ولا يجوز إثباتها للخالق.
الرد المختصر على هذه الشبهة المختصر -يعني ليس هو الرد المفصل- هو أن هذه اللوازم التي ادعوها من التركيب والافتقار وآآ التحيز وما شابه ذلك، إنما هي لوازم لعلو المخلوقات، هذه مشكلتهم. أنهم أتوا لعلو المخلوقات، نظروا في لوازم في علو المخلوقات في هذا العالم، أثبتوا هذه اللوازم لعلو الله سبحانه وتعالى. فنقول لهم: وهذه مشكلة طبعا شائعة عند هذا الفكر الأشعري والماتريدي، أنهم ينظرون في لوازم الصفة في المخلوق، فينظرون أن هذه اللوازم لوازم هذه الصفة في المخلوق لا تليق بالخالق سبحانه وتعالى، فينفون أصل الصفة عن الخالق.
فنقول: هذا خطأ متكرر عندكم، وهو أنكم تنظرون في لوازم صفة المخلوق فتقولون إنها لا تليق بالخالق فتنفون أصل الصفة عن الخالق، وهذا خطأ. بل الأصل أن تثبت الصفة لله سبحانه وتعالى من دون إثبات لوازم هذه الصفة في المخلوقين. إذا الرد المختصر أن هذه اللوازم التي ذكرتموها من الافتقار والاحتياج والتركيب إلى غير ذلك هي لوازم لعلو المخلوقات، لا لعلو الخالق. وهم لما توهموا أن علو الخالق مشابه لعلو المخلوق ظهرت عندهم هذه اللوازم فنفوا العلو بسببها.
وهذا في النهاية هو ثمرة أنهم شبهوا علو المخلوق بعلو الخالق أولا، ثم عطلوا علو الخالق. فلذلك لما كان السلف يقولون إن الأشاعرة والماتريدية ومن وافقهم هم مشبهة ثم معطلة، هذا واقع؛ لأنهم يشبهون ثم يعطلون، يتخيلون أن هذه الصفة إذا كانت في الخالق ستكون كما أنها في المخلوق بنفس اللوازم فشبهوا. ثم لما قالوا: نحن لا نريد التشبيه والله ليس كمثله شيء، قالوا بالتعطيل فنفوا الصفة عن الله عز وجل، فهم يشبهون ثم يعطلون. وإلا لو أنهم سلكوا طريقة أهل السنة والجماعة في أننا نثبت الصفة لله بدون إثبات لوازمها في المخلوقات لافتككنا من كثير من الاشكاليات التي طرحت في هذا المساق.
طيب ثم هم أيضا يتوهمون أن إثبات العلو لله نعني به أنه سبحانه وتعالى حل في جزء مخلوق من هذا العالم، وهذا الجزء المخلوق هو العلو، ويقولون إنه في جهة مخلوقة وحيز مخلوق يحيط به، فنفوا العلو عن الله سبحانه وتعالى بسبب هذه التوهمات. هم يقولون: إذا قلت إن الله في جهة، الجهة والحيز هذه أمور مخلوقة، إذا أنت جعلت الله سبحانه وتعالى يحل في المخلوقات. وهذه شبهة رددنا عليها سابقا، ماذا قلنا ها يا شيخ عمر؟ ماذا نقول في قضية الجهة؟ هل الجهة لابد تكون شيء مخلوق؟ أحسنت، قلنا: الجهة إن قصدت بها شيئا مخلوقا فنحن ننزه الله سبحانه وتعالى أن يكون في جهة مخلوقة تحيط به.
وهذا معنى كلام الطحاوي لما قال: تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، أي تحويه الجهات المخلوقة. لكن الجهة بمعنى النسبة الاعتبارية بين الخالق والمخلوق، النسبة الاعتبارية بين الخالق والمخلوق، فالنسب الاعتبارية -حتى هم يعرفون المتكلمون في ذلك- أن النسب الاعتبارية أمور عدمية وليست أمورا وجودية، حتى نقول إن الله سبحانه وتعالى إذا قلنا إنه نسبته إلى هذا العالم هو العلو، ها نسبته إلى هذا العالم هو العلو، هذه النسبة هذا شيء عدمي ليس شيء وجوديا مخلوقا، أن الله سبحانه وتعالى حل في شيء، وإنما هي نسب اعتبارية. والنسب الاعتبارية تصنف عند علماء المعقول من الأمور العدمية ليست أمرا وجوديا محسوسا حتى نقول إن الله سبحانه وتعالى حل في شيء محسوس موجود أحاط به.
وقد سبق إذن أن بينا أن جهة العلو إنما المقصود بها نسبة اعتبارية بين الخالق والمخلوق، وهذه النسب الاعتبارية نسب عدمية ليست شيئا وجوديا يحيط بالخالق أو حل به الخالق كما يتوهم القوم. إذا ساكتفي بالحديث عن صفة العلو بهذا المقدار، أنا أهم شي عندي أن تعرف عقيدة أهل السنة والجماعة، وتعرف الدليل الفطري والعقلي والنقلي على صفة العلو وأنها من الصفات الأساسية الجوهرية في الله سبحانه وتعالى. وتعرف أشهر الاقوال التي قيلت من المخالفين، قول الجهمية، وقول الأشاعرة والماتريدية والفلاسفة والمعتزلة، وهذا هو حدنا الذي نحتاج إليه في هذا المساق.
ثم ننتقل إلى قول الإمام الطحاوي عليه رحمة الله تعالى ونقول: وأن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وكلم الله موسى تكليما، إيمانا وتصديقا وتسليما. طبعا هذه فكرتها محدودة، أراد به أن يرد على المعتقد الجهمي الذي كان منتشرا في بادئ الأمر. وهذا المعتقد هو معتقد أخذ الجهم بن صفوان عن الجعد بن درهم، كما سنبين الآن، وكما ذكر لكم ابن أبي العز في الشرح أن الجعد بن درهم كان يقول إن الله سبحانه وتعالى لم يتخذ إبراهيم عليه السلام خليلا. لماذا؟ لأنه قالوا الخلة تقتضي إثبات صفة المحبة لله عز وجل، والله عز وجل ليس من صفاته المحبة.
وكان الجعد بن درهم يقول إن الله لم يكلم موسى تكليما، تمام؟ وهذا منه نفي لصفة الكلام لله عز وجل. فأراد الطحاوي بهذه العبارة المختصرة أن يرد هذا المعتقد الجهمي وكما يعني هو في الحقيقة هو معتقد وإن كان جهميا ابتداء لكن تسرب حتى إلى يعني الفرق الأشعرية والمعتزلية وإن لم يصرحوا بهذه العبارات. يعني إذا الجعد بن درهم كان جريئا، فقال بجرأة إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم الله موسى تكليما. فإن الفرق المخالفة وإن كانت تقر أصل هذه الآية أن الله اتخذ إبراهيم خليلا، لكنهم يتأولون ماذا؟ يتأولون الخلة والمحبة بمعاني منحرفة. وكذلك الفرق مثل المعتزلة والأشاعرة ونحوهم الذين يقولون الله كلم موسى تكليما، هل هم يعترفون؟
كلام حقيقي باشر الله عز وجل به موسى عليه السلام، كلا، بل يقولون إن الله سبحانه وتعالى خلق كلامه في الشجرة، والشجرة هي التي خاطبت موسى، ففي الحقيقة هم أيضا لم يثبتوا كلاما حقيقيا لله سبحانه وتعالى. لكن لأنهم الفرق المخالفة كالأشاعرة والمعتزلة وما شابههم لم ينكروا الآية صراحة، وإنما تأولوها، لم يشنع عليهم في هذه المسألة كما شنع على الجعد بن درهم والجهم بن صفوان؛ لأن الجعد والجهم صرحوا بنفي هذه الآية وهذا كفر، لذلك لم يختلف علماء السلف في تكفير الجعد بن درهم عينا.
وسنعرف كما بعد قليل أنه ذبح ذبحا على أيدي الأئمة في ذاك الزمان باتفاق العلماء وإقرارهم؛ لأن هو جحد آيات صريحة في القرآن الكريم، فأجمع السلف على كفره. أما الفرق المعتزلية والأشعرية ومن وافقهم وهم لم يجحدوا الآيات، بل آمنوا بها، لكنهم ماذا فعلوا فيها؟ تأولوها على خلاف ظاهرها، فأولوها على خلاف ظاهرها، فتأولوا الخلة بمعاني باطلة، وتأولوا تكليم الله لموسى على معاني أخرى، فكانوا أقل شرا من كلام الجعد بن درهم وجهم بن صفوان، ولكن في النهاية أنا أستطيع أن أقول إنهم هم لم يصدقوا بهذه الآية أيضا تصديقا حقيقيا كاملا كما ينبغي.
يقول ابن أبي العز الحنفي نقرأ كلام ابن أبي العز معلقا على هذه الفقرة: قال الله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وقال تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا. يقول ابن أبي العز: الخلة هي كمال المحبة، يعني الخلة ليست أي محبة بل هي كمال المحبة. قالوا: وانكرت الجهمية حقيقة المحبة من الجانبين، زعما منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب، وأنه لا مناسبة أي بين القديم وهو الله عز وجل وبين المحدث حتى توجب المحبة.
ذلك أنكروا حقيقة التكليم كما تقدم، وكان أول من ابتدع هذا في الإسلام هو الجعد بن درهم في أوائل المئة الثانية، فضحى به الأمير خالد بن عبد الله القسري أمير العراق والمشرق بواسط. خطب الناس هذا الأمير، خطب الناس بيوم الأضحى، فقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم؛ إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما. ثم نزل من المنبر فذبحه عند المنبر، ولم ينكر عليه ذلك أحد من العلماء، بل كلهم اجمعوا على استحسان ما فعله هذا الأمير؛ لأن هذا الرجل ارتد عن دين الإسلام ردة واضحة بتكذيب لنصوص القرآن العزيز.
وكان ذلك -انظر ماذا قال، يعني هذا الرجل ليس وحده الذي اتخذ هذا القرار- قال: وكان ذلك بفتوى أهل زمانه من علماء التابعين وتابعي التابعين، فجزاه الله عن دينه وأهله خيرا. لكن من الذي اخذ عنه هذا المذهب؟ أخذ عن الجعد بن درهم جهم بن صفوان، فأظهره وناظر إليه وإليه أضيف، يعني أصبح يقال قول الجهمية، مع أنه في الحقيقة جهم بن صفوان ليس هو من ابتدع هذا القول ابتداء، وإنما تلقاه من الجعد بن درهم. ونفس الشيء كانت نهاية جهم بن صفوان أنه ذبح، فقتله الأمير سلم بن أحوز أمير خراسان.
ثم انتقل للاسف هذا القول إلى المعتزلة اتباع عمرو بن عبيد، وظهر قولهم في أثناء خلافة المأمون، ثم يعني ظهر قولهم، لكن كما قلت لم يكن بالشراسة التي ظهر فيها ابتداء، فالمعتزلة هي نفت أن الله عز وجل كلم موسى تكليما، لكنها تأولت الكلام الالهي بما قلناه أن الله سبحانه وتعالى خلق كلامه في شجرة فكلم موسى، فهذا معنى أن الله كلم موسى، وهذا كلام فاسد؛ لأن الكلام إذا كان لم يصدر من الله سبحانه وتعالى وإنما صدر من الشجرة أو مخلوق فلا ينسب إلى الله.
ربنا يقول: وَكَلَّمَ اللَّهُ، العربية لا تقول وَكَلَّمَ اللَّهُ إذا كانت الشجرة هي التي تكلمت أو كان شيء آخر هو الذي تكلم، فعلينا أن ننتبه لهذه القضية. يقول لابن أبي العز: واصل هذا القول مأخوذ عن المشركين والصابئة، وهم ينكرون أن إبراهيم خليل لله وموسى كليم الله؛ لأن الخلة هي آه كمال المحبة مستغرق إلى آخر, ثم قال: والفرق المباينة لأهل الحديث في باب الصفات كالمعتزلة والأشعرية وما تريدية -هذا كلامي طبعا وليس ابن أبي العز- والفرق المباينة لأهل الحديث في باب الصفات كالمعتزلة والأشعرية والماتريدية، فهم وإن لم يصرحوا برد هذه الخصال الشريفة للانبياء، نحن قلنا يعني لو أتينا أتى إلى أشعرية اليوم فقلت له هل الله عز وجل كلم موسى تكليما؟ ايش بقول لك؟ أكيد.
لكن كيف تفهم كلام الله لموسى؟ وكيف يفهم هذا الحديث؟ مختلف تماما، فكلام الله عندهم كما عرفنا سابقا هو الأمر النفسي أو المعنى القائم في النفس، هذا المعنى القائم في النفس يرون أن الله سبحانه وتعالى يخلقه في الشجرة أو يخلقه في الوادي بطريقة ما، ثم يسمعه موسى عليه السلام من الشجرة أو ومن الوادي. فهو يقولون موسى سمع كلام الله، لكن كيف سمعه؟ هل سمعه من الله مباشرة وكان الله كلمه مباشرة؟ كلا، المعنى النفسي الله سبحانه وتعالى في شيء من المخلوقات، وموسى سمعه من هذا المخلوق، فهذا معنى أن الله كلم موسى تكليما عندهم جيد.
فعلينا أن ننتبه لهذه القضية لكي لا يظن أن الفرق الإسلامية توافق على أن الله كلم موسى تكليما، هي في الحقيقة توافق على الشكليات، لكن المضمون والفحوى لا توافق عليه، أنا لا أزيد أن أقف عند هذه كثيرا لأننا أطلنا الكلام في مسألة الكلام الإلهي سابقا، وتحدثنا عنها يعني بعض جمل الامام الطحاوي رحمه الله عليه هيك بتكون جمل مختصرة، فلا يطال عندها الوقوف حتى نأتي إلى النقاط المهمة في كلامه.
ثم انتقل فقال: ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين. بهذه الفقرة تكلم يعني بعد أن تكلم عن الإيمان بالله سبحانه وتعالى وبكل متعلقاته عموما، آآ انتقل للكلام عن أركان الإيمان الأخرى، فنحن ما هي أركان الإيمان يا مشايخ الذي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل؟ أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
فنحن تكلمنا عن الإيمان بالله وتكلمنا عن الإيمان بالقدر، وآآ تكلمنا عن شيء من الأمور الأخروية لما تكلمنا عن الحوض والشفاعة، وبقي أن نتكلم وسياتي وننتكلم عن الأمور الأخروية أيضا، لكن هنا الاب هو الطحاوي أن يكمل العقد كما يقولون. فقال: ومن عقيدتنا أننا نؤمن بالملائكة وبالنبيين وبالكتب المنزلة على المرسلين. ذكر هذه الأشياء الثلاث، أن يذكر كما قلنا عندك الإيمان بالله مرة أنا.
بقي أن نقول: نؤمن بالملائكة والنبيين والكتب واليوم الآخر والقدر، فتكلمنا عن القدر واليوم الآخر وعن الإيمان إلا هذه الثلاثة، فيريد أن يبرك يعني يمر على كل الأمور، فمر على الثلاثة الأخرى سريعا ولم يطل الكلام عندها الطحاوي، فقال: ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين. نقول باختصار: هذه الأمور من أركان الإيمان كما قال ابن أبي العز عندكم: قال الله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلًّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وقال تعالى: لَّا الْبِرِّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ.
فهذه اصول واضحة في الكتاب والسنة، وهو فاصل في الاعتقاد مهمة جدا أن يمتاز بها أهل الإيمان من أهل الكفر، فجعل الله سبحانه وتعالى الإيمان هو الإيمان بهذه الجملة مسمى من امن بهذه الجملة مؤمنين، كما جعل الكافرين من كفروا بهذه الجملة أيضا، فقال سبحانه وتعالى: وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه حديث جبريل وسؤاله للنبي صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل ما الإيمان؟ لما جبريل سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما الإيمان؟ فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره.
طيب سريعا نمر على هذه الفقرة، نبدأ بالملائكة، قال أما الملائكة يقول ابن أبي العز الحنفي: وأما الملائكة فهم الموكلون بالسموات والأرض. طبعا أنا قفزت في كلام ابن أبي العز؛ لأنه ابن أبي العز طرح مسألة طويلة ثم توقف عندها وقال: هذه مسألة ينبغي الوقوف عنده، وهي مسألة أيهما أفضل؟ الملائكة أم صالحو البشر؟ وهذه مسألة معروفة والكلام فيها يطول تفضيل الملائكة على صالحي البشر. فبعضهم فضل الملائكة على صالحي البشر، وكثير من أهل الحديث يفضل صالحي البشر على الملائكة، وبعضهم يقول لا، يعني لا نفضل كليا على كل، وإنما الأمور نسبية.
فهذه ثلاثة أقوال وهي مسألة طويلة يمكن أن تقرأوها من كلام ابن أبي العز، ونفس ابن أبي العز قالوا: وبما أن المسألة لا يوجد فيها نص واضح فالأولى الوقوف فيها، فإذا كان الأولى الوقوف نخوض فيها وننتقل إلى الكلام المهم. نقول: وأما الملائكة هم الموكلون بالسموات والأرض، لو سألك شخص يعني من ما هي وظيفة الملائكة؟ تقول: الملائكة لها وظائف عديدة، فهي أولا الله سبحانه وتعالى أسدل وأعطاها العديد من الوظائف، فهم موكلون بالحركات السماوية والحركات الأرضية.
فكل حركة في العالم هي ناشئة عن الملائكة بأمر الله سبحانه وتعالى لها طبعا، كما قال عز وجل: فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا، وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا، وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا، وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا، فَالسَّابِقَاتِ سَبْحًا، فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا. فالملائكة من وظيفتها أنها تدبر أمور السماوات والأرض. وقال في سورة الذاريات أيضا: فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا. فهذا يدل على أنها مأمورة لتنفذ أوامر في السماء وأوامر في الأرض، وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وانه سبحانه وتعالى وكلها.
فهناك ملائكة بالجبال، ووكل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكل بالأرحام ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها، ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظ ما يعمله الكرام الكاتبین وإحصائه وكتابته. وكان بالموت ملائكة، ووكل بالسؤال في القبر ملائكة، ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها، ووكل بالشمس والقمر ملائكة، ووكل بالنار وإيقادها وتعذيبها بأهلها وإمارتها ملائكة، ووكل بالجنة وبعمارتها وغرسها وعمل آلتها ملائكة، فالملائكة إذا هي أعظم جنود الله سبحانه وتعالى، لذلك الله عز وجل أكثر من ذكرها في القرآن الكريم في مواطن متعددة.
وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا، فَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا، فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا، فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا، وقال: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا، وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا، وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا، فَالسَّابِقَاتِ سَبْحًا، فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا، وقال: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا. طيب، ومعنى جمع التأنيث في ذلك كله؟ يعني هل الملائكة إناث كما كان يقول المشركون؟ لا. طب لماذا الله عز وجل جمعهم جمع مؤنث سالم صح؟ الكلي والنازعات والصافات. لماذا جمعوا جمع مذكر مؤنث سالم؟ أحسنت، يعني قال المراد هي صفوف الملائكة، وليس المراد أن الملائكة هي إناث، وليس المراد أن الملائكة هي الإناث، فهي لا تخضع لهذا التصنيف.
قالوا: معنى جمع التأنيث في ذلك كله كما يقول ابن أبي العز: الفرق والطوائف والجماعات التي مفردها فرقة وطائفة وجماعة، يعني جماعات الملائكة صافات، كلمة جماعات مؤنث، فبالتالي يصح الوصف بجمع المؤنث السالم، تقول جماعات الملائكة، جماعات مفردها جماعة، جماعته تجمع على جماعات وفرقة وطائفة. قال: ومنهم ملائكة، فبالتالي لا تجد حرجا في جمعها جمع مؤنث سالم؛ لأن الجمع إنما هو لجمع الجماعات وليس لنفس الملائكة لأنها مؤنثة، هذا ننتبه له. قالوا: منهم ملائكة الرحمة وملائكة العذاب وملائكة وكلوا بحمل العرش وملائكة قد وكلوا بعمارتي السماوات والأرض، إلى غير ذلك من أصناف الملائكة.
قال: ولفظ الملك أصلا يشعر بأنه مرسل مرسل؛ لأن الملائكة ايش اصلها مأخوذة؟ والملك من ماء من مال مأخوذ أن الألوكة والألوك هي ماذا؟ هي الرسالة، فهذا يدل على أن الملك أصل جذره يعود إلى الرسالة، فكأنه مرسل لتنفيذ أمر ومهمة. الملك مرسلون لتنفيذ أمر ومهمة، إذا فلفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر، فليس لهم من الأمر شيء بل الأمر كله الواحد القهار، وهم ينفذون أمر الله عز وجل، كما قال سبحانه وتعالى في سورة الأنبياء: لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. وقال: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ. وقالوا سبحانه: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ. وقال سبحانه: يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.
فهم إذا عباد مكرمون منهم الصافون ومنهم المسبحون، ليس منهم إلا له مقام معلوم عند الله سبحانه لا يتخطاه، وهو على عمل قد أمر به لا يقصر عنه ولا يتعداه. ورؤساء الملائكة ثلاثة من رؤساء الملائكة يا شيخ محمد: جبريل وإسرافيل وميكائيل، جبريل وإسرافيل وميكائيل، وهم الموكلون بأمور الحياة، فجبريل موكل بماذا؟ بالوحي وهو حياة القلب. فجبريل موكل بالوحي الذي هو حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بماذا؟ القطر من السماء وهو حياة الإنسان والدواب والنباتات. طيب، وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان. واما إسرافيل فهو موكل بماذا؟ بالنفخ في الصور وهو حياة الناس إلى الدار الآخرة.
فهم إذا رؤساء الملائكة وسفراء الله بينه وبين عباده، ينزلون أو ينزلون الأمر من عنده في أقطار العالم، ويصعدون إليه بالامر. قد أطت السماء أي ثقلت، وحق لها أن تئط كما جاء في الحديث النبوي، فما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد لله، ويدخل البيت المعمور منهم يعني احنا نسرد حقائق عن الملائكة حتى تعرف كم هذه المخلوقات عظيمة جدا، مخلوقات عظيمة خلقها الله سبحانه وتعالى لوظائف عديدة. جحود الملائكة كفر، إنكار وجود الملائكة هذا كفر، لذلك كثير للأسف من الفلاسفة ينكرون وجود الملائكة ويخيرون أن الملائكة هي عبارة عن ماذا؟ هي رموز للأشياء.
الخيرة في هذا العالم وليست هي أشياء حقيقية موجودة، وهذا والعياذ بالله كفر بالله سبحانه وتعالى. فكل هذه النصوص في الكتاب والسنة المتواترة المتواطئة في توضيح وظيفة الملائكة يجب على المسلم أن يقر بها، فهذا من معاقد ومفاصل عقيدة أهل السنة والجماعة. فمما ورد أيضاً أنه يدخل البيت منهم كل يوم سبعون ألفاً لا يعودون إليه آخر ما عليهم. والقرآن مملوء بذكر الملائكة وأصنافهم ومراتبهم، فتارة يقرن الله باسمه وصلاته بصلاتهم ويضيفهم إليه في مواضع التشريف، وتارة يذكر حفهم بالعرش وحملهم له إلى آخر ما ذكره.
طيب، ننتقل لقضية مثلاً الآن الأنبياء والمرسلون. يعني الملائكة الكلام فيها يطول، لكن هذا أهم ما ينبغي عدمه من أن يعرفه في هذا الموطن وهذا أبرز ما تطرق إليه ابن أبي العز في شرحه. قالوا أما الأنبياء والمرسلون فما موقفنا منهم؟ أولاً علينا الإيمان، يعني عليك أن تعرف أن عليك أن تؤمن إيماناً إجمالياً بأن الله أرسل رسلاً إلى عباده وظيفتهم أن يقيموا الحجج.
هذا إيمان إجمالي، ثانياً عليك أن تؤمن بأن الله سبحانه وتعالى أرسل رسلاً معينين ذكر لنا أسمائهم في الكتاب العزيز، فهؤلاء الذين ذكر الله أسماءهم في الكتاب العزيز يجب علينا أن نؤمن بهم تفصيلاً. إذاً عليك أن تؤمن أن هناك رسلاً كثر أرسلهم الله سبحانه وتعالى إلى الأمم. هذا إيمان إجمالي وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ، فعلينا أن نؤمن الإيمان الإجمالي بأن الله أرسل رسلاً إلى العباد وظيفتهم أن يقيموا الحجج عليهم.
ثم بعد ذلك عليك أن تؤمن بالرسل الذين ذكرهم الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم تفصيلاً ابتداءً من آدم إلى نوح إلى من بعده من الرسل والأنبياء وصولاً إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. لذلك قال: وأما الأنبياء والمرسلون فعلينا الإيمان بمن سمى الله عز وجل منهم في كتابه، والإيمان بأنه سبحانه وتعالى أرسل رسلاً سواهم أي من غير ما ذكر في القرآن لأمم سواه لا يعلم أسمائهم وعددهم إلا الله سبحانه وتعالى، فعلينا الإيمان بهم جملة لأنه لم يأتي في عددهم نص.
وقد قال تعالى وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ، وعلينا الإيمان بأن هؤلاء الرسل بلغوا جميع ما أرسلوا به على ما أمرهم الله به ولم يقصروا، وأنهم بينوه بياناً لا يسع أحداً ممن أرسلوا إليهم جهله ولا يحل لهم خلافه. وأما الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فتصديقه واتباع ما جاء به. يعني الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم بنبينا وهو آخر الأنبياء وخاتم الرسل إيمان بالتفصيل إيمان به وتصديق بكل ما جاء به إيمان به وتصديق بكل ما جاء به واتباع لما أمر واتباع لكل ما أمر.
فهو لأنه رسولك وهو الذي أنت خوطبت به ابتداءً أن تؤمن به، فعليك أن تؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم بالتفصيل وتتبع الشريعة التي أتى بها. فنحن مأمورون أن نؤمن بالأنبياء ولكن الشريعة التي نحن أمرنا أن نتبعها في تفاصيلها الفقهية والحكمية هي شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، فله علينا من الحق والتعزير والتوقير ما يجب علينا أن نقف عنده وقفة طويلة.
وأما الإيمان بالكتب، ما بقي عليه أن يتكلم عن الإيمان بالكتب، قالوا وأما الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين فنؤمن بما سمى الله سبحانه وتعالى منها ونؤمن بما سمى الله عز وجل منها في كتابه هي التوراة والإنجيل والزبور هي نفس الشيء، فكرة الإيمان بالكتب قريبة من فكرة الإيمان بالأنبياء أن هناك نحن نؤمن أن الله عز وجل أرسل في العموم كتباً إلى أنبيائه، منها ما عرفنا عليه مثل الإنجيل والتوراة والزبور وصحف إبراهيم وموسى، ومنها ما لم نعرفه.
فنحن أمر جملة أنه أنزل كتباً على رسله وأنبيائه، هذا نؤمن به على الجملة. وأما التفصيل فإنما نؤمن تفصيلاً بما ورد ذكره على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم، وما ورد ذكره في القرآن الكريم من التوراة والإنجيل والزبور، فهذا المقدار هو الذي يجب علينا أن نؤمن به. واما ما يتعلق بكتابنا وهو القرآن الكريم فيجب علينا أن نؤمن به، وليس فقط الإيمان به، وأن نقرأه وأن نتدبره وأن نعمل به.
فنحن لسنا مخاطبين بأن نقرأ التوراة والإنجيل والزبور، ولا أن نتدبرها ولا أن نعمل بما فيها، وإنما بأن نعمل بما في كتابنا وهو القرآن الكريم، كما أننا أمرنا باتباع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فالايمان بالقرآن يكون بالاقرار به واتباع ما فيه ذلك أمر زائد على الإيمان بغيره من الكتب. شف شو قال؟ يعني القرآن الكريم تحتاج إلى أمور أكثر فيه من الإيمان بالكتب السابقة، الكتب السابقة بها جملة فقط، لكننا لسنا متعبدين بالرجوع إليها.
وأما كتابنا القرآن الكريم فأنت متعبد بالرجوع إليه وتلاوته والوقوف عند أحكامه، لذلك قالوا وذلك أمر زائد على الإيمان بغيره من الكتب. فعلينا الإيمان بأن الكتب المنزلة على رسل الله أتهم من عند الله وأنها حق وهدى ونور وبيان وشفاء، كما قال تعالى آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلُّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ، إلى آخر الآية. وما أوتي النبيون من ربهم، كما قال سبحانه وتعالى أيضاً.
فهذا إذاً تعليق مختصر سريع على هذه المعتقدات. يا رب الآن أحبابي الكرام سانتقل إلى فقرة جديدة أو موضوع جديد في الحقيقة بالكامل، ألا وهو موضوع الإيمان مسائل الإيمان وما يتعلق بها.
طيب، فالآن أريد أن أقرأ كلام الطحاوي: أعطني يا شيخ الكتاب الذي عندك. يعني قلنا إنه في مشكلة في النسخة التي بين يدي، آآ سأقرأ الفقرة الآن الإامم الطحاوي رحمة الله عليه ذكر مجموعة فقرات متتالية كلها تتحدث في الحقيقة عن موضوع واحد وهو مسائل ما تسمى مسائل الإيمان. أن نعرف الإيمان لغة الإيمان شرعاً، ما هو الإيمان عند أهل السنة والجماعة؟ ما هو الإيمان عند الفرق المخالفة؟ وما يتعلق بمسألة التكفير وضوابط التكفير؟ وما يتعلق بمسألة أهل الكبائر وحكمهم عند الله سبحانه وتعالى.
فهذه من فروع مسائل الإيمان، فهذه كلها ذكرها الإمام الطحاوي رحمة الله تعالى عليه في فقرات متتالية. سأقرأ أنا الفقرات التي من عندها سنبدأ إليها سننتهي، ثم بعد ذلك نبدأ نؤصل لهذه الأبواب. طبعا لا يخلو كلام الطحاوي خلال كلامه عن مسائل الإيمان أنه يدخل بعض الجمل العامة، فسأعلق سريعا يقول الإمام الطحاوي الآن سأقرأ الكلام الذي ذكره عن مسائل الإيمان فقط سنتلوه ثم نعود إلى التأصيل ماذا قال؟
ومن هنا يبدأ يعني ضعوا عندكم على الهامش من هنا بدأ الحديث عن مسائل الإيمان قالوا ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين وله بكل ما قال وأخبر مصدقين ذكرها قضية أننا نسمي أهل القبلة مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين وله بكل ما قال وأخبر مصدقين.
الان ذكر عبارة أيضاً كنت أتمنى أنه الطحاوي يرتب الأمور أكثر في عقيدته، يعني هاي المشكلة أنه عبارات إحنا خلص دخلنا باب الإيمان ما ترجعنا لمسائل أخرى. لأ هو بذكر بعض العبارات التي لو ذكرت في مكان آخر لكان أفضل، فقال مثلاً هنا ولا نخوض في الله ولا نماري في دين الله. خلص عبارة هيك شاردة يعلق عليها في مكانه، لكن ليست ضمن الموضوع الذي نحن فيه.
ثم قال أيضاً دخل موضوع القرآن الكريم مرة أخرى مع أنه سبق أن تحدثنا عنه بالتفصيل مسبقاً، فقال ولا نجادل في القرآن ونشهد أنه كلام رب العالمين نزل به الروح الأمين فعلمه سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، وهو كلام الله لا يساويه شيء من كلام المخلوقين ولا نقول بخلقه ولا نخالف جماعة المسلمين. طبعا هذا الكلام هي نفسها مرت معنا لما قلنا أن نؤمن أن القرآن كلام الله منه نزل بلا كيفية قولاً.
فالطحاوي هذه السلبية كما قلت ممكن يؤخذ على عقيدته أنه فيها تكرار تكرار في أماكن متعددة لنفس الفكرة هي تكررها في أماكن متعددة لنفس الفكرة أحياناً يقطع الموضوع الواحد. يعني بدخل لك شغلة في أثناء موضوع أنت ماشي فيه، بتلاقيه بيوخذك على مسألة قديمة ثم برجع الموضوع. فهذه الفقرة فقط ولا نجادل في القرآن مش أنه كلام رب العالمين تكلمنا عنها بالتفصيل مسبقاً في فقرة سابقة.
فالأصل أنك يعني هنا لا تنشغل بها شغل بالسياق الذي نحن فيه مسائل الإيمان. فإذاً آآ ننتقل إلى مسائل الإيمان ونعود إليها الآن. وشوف الآن كيف رجع لمسائل الإيمان فإيش قال؟ قال ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نقنطهم.
ثم أتى بيضاً بعبارة هكذا عامة والامن واليأس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة. ثم عاد لمسائل الإيمان فقال ولا يخلو ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه. ثم قال والإيمان ها بدأ يعرف الإيمان والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان. وسنعرف أن هذا القول مخالف لطريقة أهل السنة وأنه على طريقة مرجئة الفقهاء لما قال والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان.
وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله حق، والإيمان واحد وأهله في أصله سواء والتفاضل بينهم بالخشية والتقوى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى، والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن. والإيمان هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره شره وعلوه ومره من الله، ونحن مؤمنون بذلك كله لا نفرق بين أحد من رسله ونصدقهم آآ كلهم آآ على ما جاءوا به.
وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين وهم في بمشيئة الله وحكمه إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر عز وجل في كتابه وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ، وإن شاء عذبهم في النار بعدله ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله سبحانه وتعالى مولى أهل معرفته، ولم يجعلهم في الدارين كأهل كرتهم الذين خابوا من هدايته ولم ينالوا من ولايته، اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكنا على الإسلام حتى نلقاك به.
ثم نختم بهذه الفقرة في الإيمان قال ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم، ولا ننزل أحداً منهم جنة ولا ناراً ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذروا سرائرهم إلى الله تعالى، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى. كل هذا الكلام الذي ذكرته كلها مسائل تتعلق بماذا؟ بباب الإيمان، لكن كما تلاحظون يعني أن الطريق يعني الكلام منوع يذكر فكرة هنا يذكر فكرة هنا يذكر فكرة هنا، فنحن علينا أن نجمع شتات هذا الباب ونرتب الأفكار التي وردت فيه.
فسنبدا بمسائل الإيمان بترتيب آخر غير الترتيب الذي سلكه الطحاوي، سنبدأ من أول شيء ينبغي أن يعرف فيه وهو تعريف الإيمان لغة ثم الإيمان شرعاً ثم نرتب المسائل مسألة تلو الأخرى. ونبدأ أحبابي الكرام في مسائل الإيمان بتعريف الإيمان لغة فنقول الإيمان في اللغة كلمة الإيمان في اللغة لو عدنا إلى جذرها سنجد لها استعمالا نجد لها استعمالان. يستعمل الفعل آمن متعدياً بنفسه ويستعمل لازماً متعدياً بالباء أو اللام.
فإذا تعدى بنفسه تقول آمنه، إذا تعدى الفعل بنفسه تقول ماذا؟ آمنه هنا تعدى بنفسه وأخذ الضمير مباشرة، ففي هذه الحالة إذا قلت آمنه ما معنى آمنه؟ أعطاه الأمان. تقول آمن فلان فلاناً إيش يعني آمنه؟ أي أعطاه الأمان ومنه قوله عز وجل وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ في سورة قريش رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمد. لاحظ هنا الفعل آمن تعدى بنفسه وأخذ مفعولاً به آمن، فآمنهم معناه ماذا؟ أعطاه الأمان. آمنت فلاناً، آمنت زيداً، آمنت بكراً أي أعطيته الأمان.
المعنى الثاني أن يتعدى بنفسه فتقول آمنت بفلان أو آمنت لفلان، آمنت بفلان التعدي كان بالباء آمنت بالكتاب والسنة، آمنت بالله أو آمنت لفلان إذا تعدى باللام أو تعدى بالباء فهنا المشهور عند أكثرهم أن معناه الإيمان هنا ماذا؟ التصديق. فإذا قلت آمنت بمحمد صلى الله عليه وسلم يعني صدقت به، آمنت بالكتاب يعني صدقت بالكتاب. ونفس الشيء آمنت له آمنت لك أي صدقتك فيما تقول صدقتك فيما تقول.
لذلك الله عز وجل وصف نبيه في القرآن الكريم فماذا قال وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ، فهو يؤمن بالله أن يصدقوا بوجود الله سبحانه وتعالى إلى غير ذلك، ويؤمن للمؤمنين أن يصدقوا المؤمنين فيما يقولون. لاحظوا أنه استعملت في مكان واحد التعدية بالباء والتعدية باللام.
فإذاً تقول كلمة الإيمان في اللغة نعود إلى الفعل آمن، لأنه الإيمان من ماذا؟ آمن إيماناً فالفعل آمن الفعل آمن إما أن يتعدى بنفسه فتقول آمنه وهذا معناه أعطاه الأمان، وإما أن يتعدى بماذا؟ باللام أو الباء فتقول آمنت به أو آمنت له. فإذا تعدى باللام أو الباء فيكون معناها ماذا؟ على المشهور هو التصديق. الآن شيخنا.
إسلام ابن تيمية رحمة الله عليه لما ناقش الإيمان المتعدي بالباء أو اللام، في الحقيقة لم يسلم أن معنى آمنت به معناه مجرد التصديق، بل قال: الإيمان بالشيء درجة أعلى من التصديق.
شيخ الإسلام يرى أن الإيمان ليس مرادفاً للتصديق، بل الإيمان درجة ماذا في اللغة؟ يقول: الإيمان في اللغة درجة أعلى من التصديق. فما الدليل على ذلك؟ ذكر مجموعة من الأدلة في كتاب الإيمان له، منها قال: إن الإيمان ما الذي يقابله في اللغة؟ الكفر، بينما الصدق يقابله ماذا؟ الكذب. فهذا يدل أنه في فرق بين الإيمان وبين، لأني لا أقول الإيمان مقابله الكذب، والإيمان يقابله الكفر، فهذا يدل على أن في فرق، لأنه اختلاف المتضادات يدل على فرق في المعاني.
أيضاً قال: إن العرب إنما تستعمله في الإيمان بالأمور الغائبة عنك، أما التصديق فيستعمل التصديق بالأمور المشاهدة أو الأمور الغائبة. فأقول: صدقت أن السماء فوقنا، مع انك تشاهد ذلك، لكن لا تقول: آمنت أن السماء فوقي، لماذا؟ لأن هذا أمر مشاهد. فيقول شيخ الإسلام: من استعمالات العرب أن العرب لا تستعمل الإيمان إلا في الأمور، ماذا؟ الأمور الغائبة؛ شيء جاء شخص فأخبرك عن أمر غائب فتقول: والله خلاص آمنت بكلامك.
ولكن التصديق يستعمل في الأمور الغائبة وفي الأمور الحاضرة. فهذا فرق آخر بين الإيمان وبين التصديق. فبالتالي يقول: الإيمان هو تصديق وزيادة، يعني ما خلاصة رأي شيخ الإسلام بالتالي؟ يقول: الإيمان هو تصديق وزيادة، فهو أقرب إلى مفهوم الإقرار، وأقرب إلى مفهوم أن تصدق الشخص مع استئمانك له فيما أخبرك به، كأنك تشعر ليس بمجرد أنني صدقته بل وضعت أيضاً في خبره الأمان والطمأنينة. فيقول: إذاً الإيمان هو الإقرار للشخص بما قاله، والإقرار أعلى من التصديق. الإقرار أعلى من التصديق، ففيه نوع من ماذا؟ من الطمأنينة والأمن لما جاء به. فإذا قلت: والله آمنت بك أو آمنت لك، معناها مش مجرد أني صدقتك، لا، صدقتك مع شيء من الطمأنينة والإقرار والارتياح والطمأنينة لما قلته.
فباختصار إذاً هو يرى أن الإيمان هو تصديق وزيادة؛ تصديق مصحوب بالأمن والطمأنينة لما يقوله الشخص، وليس مجرد التصديق. فهذه مناقشة في المعنى اللغوي، أما الإيمان بالمعنى الشرعي فهنا دارت المعركة كما يقولون. فنقول: الإيمان بالمعنى الشرعي أنه يؤصل أولاً طريقة أهل السنة والجماعة، فنقول: ذهب عامة أهل السنة والجماعة إلى أن الإيمان الشرعي هو اعتقاد وقول وعمل، طبعا سنأتي للعبارات المختلفة التي ذكروها، لكن أنا أريك أن تفهم أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة حقيقة مركبة من ثلاثة أشياء: من اعتقاد وقول وعمل، وسنفصل هذه الأمور الثلاثة بعد قليل بإذن الله.
يقول الإمام البغوي رحمة الله عليه -سانقل الآن نصوصاً عن أهل السنة والجماعة في تعريف الإيمان، ولاحظوا الاختلاف بين هذه النصوص-: يقول الإمام البغوي: اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة، ينقل الاتفاق على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وقالوا: الإيمان قول وعمل وعقيدة. هكذا قال البغوي رحمة الله عليه في شرح السنة، قال: وقالوا إن الإيمان قول وعمل وعقيدة. فالبغوي إذاً اختار يعني اللفظ الثلاثي، ها نقول البغوي ماذا قال الإيمان؟ نبدأ بالاعتقاد أحسن يا رب، بسم الله، اعتقاد وقول وعمل.
طيب، قال الإمام الشافعي في كتاب الأم: وكان الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، أي أن الإيمان قول وعمل ونيّة، لا يجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر. فإيش ما قال اعتقاد؟ إيش قال الشافعي هكذا؟ قال قول ونيّة، خلينا نحط النية ابتداءً بنية وقول وعمل.
طيب، وروى الإمام عن الإمام البخاري رحمة الله عليه قوله: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل. بس هيك البخاري، ايش قال؟ الايمان قول وعمل، قول زائد عمل، ما ذكر شيء ثالث. وهذه كلها عبارات للسلف رضوان الله تعالى عليهم في تعريف الإيمان؛ منهم من قال هو اعتقاد وقول وعمل، ومنهم من قال هو نية وقول وعمل، ومنهم من قال هو قول وعمل. وفي الحقيقة هل هذه العبارات مختلفة فيما بينها ولا يمكن أن يجمع بينها العقل؟ نعم، الخلاف بينه وخلاف لفظي كما سيظهر لنا.
نقول النصوص عن الأئمة كثيرة جداً في أن الإيمان قول وعمل، نقل كثيراً من المصنفين في عقائدهم كاللالكائي وابن بطة وابن أبي عاصم وغيرهم من أئمة السنة، ولا فرق بين قولهم إن الإيمان قول وعمل، أو قولهم إن الإيمان قول وعمل ونيّة، أو قولهم إن الإيمان قول وعمل واعتقاد. فكل ذلك من باب اختلاف التنوع وليس اختلاف التضاد.
فمن قال من السلف إن الإيمان قول وعمل، إلى أن نبدأ نحلل فيها الآن: الذي قال إن الإيمان قول وعمل، قصد بالقول ماذا؟ قصد بالقول قول القلب وقول اللسان. وطبعاً قول القلب هو ماذا؟ تصديق، وقول اللسان هي العبادات اللسانية. والعمل نفس الشيء، قال قصدوا به عمل القلب، والمراد هي أعمال القلوب، أعمال القلوب من الخضوع والاستسلام لله والمحبة إلى غير ذلك. ويعني حتى نكتب: وععمل الجوارح. فالذين، طبعا هذه المقولة هي أشهر المقولات في الحقيقة، هذه لماذا بدأ بها؟ أو بدأنا بها؟ لأنها أشهر المقولات، هي بالاختصار المفيد أن الإيمان قول وعمل.
فلما ييجي يقول لك الإمام: قول وعمل، بيجي شخص بيقول له: طب وين القلب؟ قولوا: لا، تعال افهم شو يعني قول وعمل؛ قول يشمل قول القلب وقول اللسان، والعمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح. فهي في اللفظ اثنان لكنها في التفصيل أربعة؛ في اللفظ اثنان قول وعمل، لكنها في التفصيل أربعة: قول القلب والمراد به التصديق، قول اللسان والمراد به العبادات اللسانية، العمل عمل القلب وهي أعمال القلوب من الانقياد والاستسلام والخشوع والخشية وما شابه ذلك، وععمل الجوارح. فكل هذه الأربعة داخلة تحت مفهوم الإيمان.
لاحظوا إذاً الإيمان في اللغة ما هو؟ خلينا نجي نأخذ الإيمان الذي يتعدى بالباء، الإيمان بي أو الإيمان لا باللام، هو معناه التصديق، لكن الإيمان في الشريعة، الشريعة أتت له بمفهوم خاص؛ هؤلاء علماء السلف أقرأوا نصوص الكتاب والسنة، فوجدوا أن الشريعة لما تكلمت عن مفهوم الإيمان لم تتكلم عن مفهوم الإيمان أن الإيمان بمعناه اللغوي هو فقط مجرد التصديق، بل وسعت دائرته وحددت مجالات كثيرة للإيمان، فجعلت قول القلب وهو التصديق إيمان صحيح، وجعلت قول اللسان هو من الإيمان، وجعلت عمل القلب من الإيمان، وجعلت أعمال الجوارح من الإيمان.
فالشريعة الإسلامية لم تجعل الإيمان هو مجرد التصديق تصديق القلب، بل جعلت مجالات الإيمان عديدة، فيدخل فيها قول اللسان وأعمال القلوب وأعمال الجوارح. الآن، لأنه سنعرف الخلاف مع المرجئة، إنه المرجئة قالت: الإيمان في اللغة ماذا؟ هو التصديق، فيجب أن يكون الإيمان في الشرع ما هو؟ هو التصديق. فنقول لهم: لا، الشريعة الإسلامية أعطت لمفهوم الإيمان مساحة أوسع، أعطت لمفهوم الإيمان مساحة أوسع ولم تجعل الإيمان محصوراً فقط في التصديق، بل جعلت أعمال الجوارح وأعمال القلوب وأقوال اللسان أيضاً داخلة تحت مفهوم الإيمان، فلابد حتى يكتمل الإيمان من اكتمال هذه العناصر، لابد من اكتمال هذه العناصر.
نعم، طبعا طيب يقول ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه: وكذلك قول من قال اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح. الآن ابن تيمية بده يفسر لنا الذي مثلاً زي عبارة البغوي، ما معنى الذين قالوا إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل؟ يقول: وكذلك قول من قال هو اعتقاد بالقلب وقول باللسان عمل بالجوارح؛ جعل القول والعمل اسماً لما يظهر، فأحتاج أن يضم إلى ذلك اعتقاد القلب، ولا بد أن يدخل في قوله اعتقاد القلب أعمال القلوب المقارنة لتصديقه.
فماذا يقول ابن تيمية؟ يقول: الذين قالوا إن الإيمان هو اعتقاد وقول وعمل، قصدوا بالقول ماذا؟ قول اللسان، وقصدوا بالعمل ايش؟ عمل الجوارح، وقصدوا بالاعتقاد تصديق القلب وأعمال القلوب. فالأقسام الأربعة اللي ذكرناها في قولنا الإيمان قول وعمل، هاي الأقسام الأربعة نفسها مذكورة في التعريف الأول لكن بشكل آخر. فالقول هو قول اللسان، والعمل هو عمل الجوارح، والاعتقاد يشمل الأمرين، يشمل قول القلب وعمل القلب. كلمة الاعتقاد هنا تشمل قول القلب وهو التصديق، وأعمال القلوب من الخشية والإنابة والانقياد والاستسلام. فكلمة اعتقاد تشمل هذين الأمرين: هذا وهذا. والقول قول اللسان، وععمل الجوارح هو العمل. فهذه الأربعة إذاً ما زالت موجودة، هذه الأربعة التي ذكرناها هنا موجودة حتى على قول الإمام البغوي رحمة الله تعالى عليه.
طيب، ومن قال إن الإيمان قول وعمل ونيّة، فيقول: القول يتناول قول القلب وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية، والنية رمز لأعمال القلوب فزاد ذلك. شو يعني هذا الكلام؟ هذا برضه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، يعني الذين قالوا زي الشافعي، الذين قالوا الإيمان نية وقول وعمل، يقول ابن تيمية: قالوا القول يشمل قول اللسان وقول القلب، وجعلوا العمل كلمة العمل خاصة بالجوارح، وجعلوا النية لماذا هي آه رمز على أعمال القلوب؟ لأنه النية هي من عمل القلب.
لكن هل هي فقط أعمال القلوب هي النية؟ لا، عماد القلوب أوسع من النية، لكن أصل أعمال القلوب هي النية. فابن تيمية يقول: الذين قالوا إن الإيمان نية وقول وعمل، جعلوا القول يشمل قول اللسان وقول القلب، وجعلوا العمل خاص بعمل الجوارح، وجعلوا أعمال القلوب يعني رمز لها بالنية. فإذاً الأقسام الأربعة برضه موجودة.
فأنت باختصار بدك تركز أنه في عندي أقسام أربعة بدها تكون موجودة، بدها تكون موجودة. شو هي الأقسام الأربعة؟ قول القلب وهو التصديق، عمل القلب وهي أعمال القلوب تضع بين قوسين الآن: الانقياد، الاستسلام، الخشية، التوكل، كل أعمال القلوب التي يدندن حولها. ثالثاً، قول اللسان وهي العبادات اللسانية من الشهادتين إلى الذكر إلى كل ما يؤدى باللسان العبادات اللسانية. رابعاً، عمل الجوارح وهي أعمال بالجسد تؤدى من الصيام والزكاة والصلاة والحج إلى غير ذلك.
فالإيمان إذاً عند أهل السنة والجماعة على اختلاف التعاريف التي كره الأئمة هو حقيقة مركبة من هذه الأمور الأربعة: لابد من قول القلب وهو التصديق، ولابد من عمل القلب وهي أعمال القلوب بجميع أنواعها، ولابد من قول اللسان وهي العبادات اللسانية، ولابد من عمل الجوارح وهي أعمال البدن أعمال الججسد. إذا حققت، إذا اجتمعت هذه الأمور، تحقق الإيمان؛ إذا اجتمعت هذه الأمور، تحقق الإيمان الشرعي.
طيب، خلاصة ما سبق إذاً من حقيقة الإيمان الشرعي أنه مركب، أنا ساركز على التعريف المختصر للإيمان القول والعمل. خلاصة ما سبق من حقيقة الإيمان الشرعي، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، إنه مركب من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب وهو التصديق، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام وما يتبع ذلك. والعمل قسمان: عمل القلب وهو أعمال القلوب النية الإخلاص الانقياد، وعمل الجوارح. قال: فإذا زالت هذه الأربعة -واحد ما عندوش ولا واحدة من هذه الأربعة- إذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله، انتهى الأمر.
وإذا زال تصديق القلب -أها ركز- إذا زال تصديق القلب اللي هو الركن الأول، إذا زال هل تنفع الأجزاء الثلاث الأخرى؟ لا تنفع. قال: وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقاد أي في اعتقاد هذه الأمور وكونها نافعة؛ هذه الأمور ما بتنفع، لا عمل القلب ينفع ولا قول اللسان ينفع ولا عمل الجوارح ينفع، إذا ذهب قول القلب.
طيب، وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق، يعني إذا لم يفعل عمل القلب، شخص مصدق لكنه لم يفعل أعمال القلوب، ولا عمل يترك هذه الصورة، ولا عمل من أعمال القلوب، لا انقياد ولا استسلام ولا خضوع لله سبحانه وتعالى، فقط عنده ماذا؟ تصديق بالقلب، حتى لو عمل بالجوارح، شخص انعدمت عنده أعمال القلوب بالكلية، هل يكون مؤمناً أم لا؟ ايش رأيك يا شيخ محمد؟ ما عنده أعمال القلوب بالكلية.
نعم، يعني باختصار هل يصح إسلامه؟ أنا بديش أصل اسمه توصيفه، نقول: لا يصح إسلامه ولا إيمانه، لأن أعمال القلوب من أهمها الانقياد والاستسلام. فأبليس كان مصدقاً، عنده تصديق بالله، هل إبليس كان عنده قول القلب؟ نعم، كان مصدقاً بالله، وكان يحلف: فبعزتك. فإبليس كان عنده تصديق، وأغلب المشركين عندهم تصديق بوجود الله. فالتصديق الذي هو التصديق بوجود الله سبحانه وتعالى ليس هو الذي وحده من دائرة الكفر إلى دائرة الإسلام، مجرد وجود التصديق بالله سبحانه وتعالى؛ التصديق بمعنى المعرفة، والله أنا أعرف وجود الله، هل مجرد معرفتك بوجود الإله يجعلك من أهل الإسلام؟ كلا، لا بد من أعمال القلوب، ورأس أعمال القلوب الانقياد والاستسلام لما صدقت به.
فإذا شخص عارف بوجود الله لكنه مش منقاد، بقول لك: أنا مش منقاد ولا مستسلم لله، لكنني أعرف وجوده؛ هذا ليس مؤمناً عند أهل السنة والجماعة. لكن بعض الفرق المرجئة وغلاة المرجئة يقولون: أعمال القلوب ليست داخلة في مسمى الإيمان. بعض المرجئة بالتالي إذا كان الشخص مصدقاً بالله عارفا بالله فهذا من أهل الإيمان، وبالتالي نرى كثير من الجهمية الأوائل كانوا يقولون بماذا؟ بايمان اه
يعني أو مؤدى أقوالهم القول بأن الكفرة كانوا مؤمنين بالله، وأن إبليس مؤمناً بالله سبحانه وتعالى؛ لأنه كان مصدقاً بوجود الله. كلام المرجئة الأوائل هم غلاة المرجئة؛ الذين يقولون إن الإيمان هو مجرد التصديق. وسنأتي إلى قولهم من يقول إن الإيمان هو فقط مجرد التصديق.
ما معنى أنه بمجرد أن تصدق أنت بوجود الله سبحانه وتعالى أنت مؤمن؟ حتى ولو لم تعمل بأعمال القلوب. طب ما الذي يلزم على هذا؟ يلزم أن إبليس مؤمن؛ لأنه إبليس مصدق بوجود الله، لكنه ليس منقاداً له. ويلزم أنه أبو جهل مؤمن؛ لأنه أبو جهل مصدق بوجود إله لهذا الكون وإن لم ينقض ولم يستسلم له، وهذا كله كلام فاسد في غاية البهتان. فعلينا يعني كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق، قال: فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة. فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان إذا زال عمل القلب بالكلية، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء أعمال القلوب، وهو الانقياد والمحبة لله سبحانه وتعالى؛ كما لم ينفع لا إبليس ولا فرعون وقومه ولا اليهود ولا المشركين تصديقهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالله مع أنهم كانوا ليسوا خاضعين له ولا منقادين له. فبالتالي لابد من ماذا؟ من قول القلب وعمل القلب. طب قول اللسان؟ قول اللسان حيث يأتي معنا بعد قليل إن شاء الله نبحث مسألة: ما هو قول اللسان الذي إذا ذهب ذهب الإيمان معه؟ وهي الشهادتان؛ لأنه الآن قول اللسان هي العبادات اللسانية وهي علامات، ليس كل العبادات اللسانية على مرتبة واحدة؛ فهناك عبادة لسانية لا يصح الإيمان إلا بوجودها، وهي الشهادتان لمن كان قادراً طبعا على النطق، أما من كان أخرس فهذا يسقط عنه هذا التكليف.
تمام. وأما العبادات اللسانية الأخرى فمنها ما هي واجبة، لكن عدم الاتيان بها لا يذهب الإيمان بالكلية، ومنها ما هي مستحبة. فلما نقول قول اللسان بدك تفهم أنه قول اللسان على مراتب؛ منه ما لا يصح الإيمان إلا به، ومنه ما هو واجب لكن يصح الإيمان بدونه؛ يعني مثلاً قراءة الفاتحة في الصلاة مش واجبة. إذا هذا قول لساني واجب، ركن من أركان الصلاة. لكن هل هو متوقف إيمانك بالله عليه؟ لا، أو حتى نحكم عليك بالإيمان هل هو متوقف عليك؟ كلا. ومنه ما هو مستحب. فالأقوال اللسانية منها ما لا يصح الإيمان إلا به وهي الشهادتان كما سيأتي معنا، ومنه ما هو واجب لكن يصح الإيمان مع عدم وجوده، ومنه ما هو مستحب.
كذلك الآن نجور على عمل الجوارح. الآن عمل الجوارح هي يعني برضه من معارك بين أهل السنة والجماعة وبين المرجئة عمل الجوارح، بل هذه أيضاً من أكبر المعارك: هل أعمال الجوارح داخلة تحت مسمى الإيمان أم ليست داخلة تحت مسمى الإيمان؟ هنا خلاف شديد جداً، بل أكثر الخلاف مع فرق المرجئة بعمل الجوارح. وحقيقة وقبل اللسان؛ لأنه نفس الشيء؛ لأنه اللسان فيما عدا الشهادتان هو عبارة عن جارحة من الجوارح. اللسان فيما عدا الشهادتان هو جارحة من الجوارح. فهناك خلاف جديد: هل أعمال الجوارح داخلة في مسمى الإيمان أم ليست داخلة في مسمى الإيمان؟ وسنعرف أن قول أهل السنة والجماعة أن أعمال الجوارح إذا عدمت بالكلية، إذا عدمت بالكلية فهذا يذهب معه الإيمان، وهو ما يسمى مصطلح تارك جنس العمل. من يترك جنس عمل الجوارح يعني ما بعمل أبدا أعمال جوارح أبدا.
طبعاً ما بعمل أعمال جوارح أبداً؟ المراد بأعمال الجوارح أعمال الجوارح التي تختص أهل الإسلام؛ أن هناك أعمال جوارح ممكن يفعلها أهل الديانات الأخرى، مثل مثلاً يشيل أذى عن الطريق، ممكن مثلاً يساعد أقاربه، هذه ليست أعمال الجوارح التي هي من خصيصة الإسلام. المراد بأعمال الجوارح التي إذا لم يأت بجنسها يخرج من الإيمان، الأعمال التي هي من خصائص الإسلام مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج، التي من عمل بها بنعرف إنه ايش؟ منقاد للشريعة. يعني لو واحد شال قمامة عن الأرض ممكن يكون مسلماً، ممكن يكون نصرانياً، ممكن يكون مشركاً، يعني ما بتعرف من خلال هذا العمل أن هذا رجل من أهل الدين هذا الإسلامي. لكن إذا شفته بيصلي أو بيحج أو يصوم أو يؤدي الزكاة على ما هي عليه، بتعرف أنه هذا لا، واضح أن هذا التصرف من خصائص هذا الدين.
فهذا الرجل مسلم، فسيأتي معنا أن أعمال الجوارح الآن من هو مقصر فيها، لكنه يأتي بها في بعض الأحيان لا يخرج من دائرة الإسلام ولا من دائرة الإيمان، لا يخرج من دائرة هذا الدين. لكن من هو تارك لها بالكلية، تارك لجنس العمل بالكلية هذا يخرج من دائرة الإيمان، يخرج من دائرة الإيمان. كما أن الذي لا يأتي بالشهادتين مع القدرة على الإتيان بها يخرج من دائرة الإيمان، كذلك الذي لا يأتي بأعمال الجوارح البتة. طبعاً ركزوا ايش أعمال الجوارح بنحكي عنها؟ أعمال الجوارح الخاصة بأهل الدين الإسلامي. من لا يأتي بأعمال الجوارح الخاصة بأهل دين الإسلام فهذا لا يعتبر من أهل الإيمان، لم يحقق الإيمان. وأما المقصر فإنه يبقى من أهل الإيمان، لكن عنده ماذا؟ تقصير، عنده زيادة ونقصان بحسب ما عنده من الإتيان بأعمال الجوارح، اللهم إلا أعمال الجوارح التي جاء النص في أن تاركها كافر؛ فمثلاً السادة الحنابلة عندنا في المذهب أن الصلاة التي هي من أعمال الجوارح تاركها كافر بالشروط والضوابط التي هي معروفة عندنا، أنه يدعوه الإمام فإن لم يفعلها حتى خرج وقت الصلاة الثانية لها شروط التكفير.
لكن أنا أقصده أن بعض أعمال الجوارح جاء فيها نص بحد ذاته أن هذا العمل من الجوارح إذا أنت لم تفعله وتركته خرجت من دائرة الإيمان، فهذه تكون مسألة مستثناة يتعلق بهذا العمل المعين الذي جاءت الشريعة في أن من تركه خارج من دائرة الإيمان. لكن أصل أعمال الجوارح على القاعدة التي ذكرناها: من لم يأت بها بالكلية خرج من الإيمان، ومن قصر فيها لا يخرج من الإيمان ولكنه ينقص كان بقدر ما قصر فيها. هذه الفكرة باختصار. الآن سريعاً ساتكلم عن ماذا؟ تتكلم عن إيمان القلب بنوعيه: قول القلب وعمل القلب. ثم سنعود نتكلم عن قول اللسان، ثم سنتكلم عن عمل الجوارح.
يعني بكلام مختصر إن شاء الله. سأتكلم إذاً عن الآن عن إيمان القلب؛ لأنه إيمان القلب نوعان: قول القلب وعمل القلب. إيمان القلب بدك تحفظ على نوعين: قول قلب وعمل قلب. ثم نتكلم عن قول اللسان وعمل الجوارح. فنقول: الإيمان أصله في القلب، وهذا الكل يتفق عليه، حتى المرجئة الكل يتفق على أن الإيمان أصله في القلب؛ فهو ابتداء ابتداء شيء من القلب، لكننا نقول: إيمان القلب ليس هو مجرد المعرفة والتصديق بوجود الله سبحانه وتعالى ومجرد المعرفة والتصديق بخبر النبي صلى الله عليه وسلم، بل لابد مع ذلك مع التصديق من وجود أعمال القلوب؛ من الانقياد والاستسلام والخضوع والإخلاص وغير ذلك مما يدخل تحت عمل القلب.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه يقول: الإيمان أصله، الإيمان الذي في القلب. مفهوم الإيمان أصله ماذا؟ الإيمان الذي في القلب، ولابد فيه من شيئين حتى تحقق إيمان القلب لابد من شيئين: أولاً تصديق القلب وأقراره ومعرفته، وهذا الذي يقال له قول القلب. ثانياً ولابد فيه من عمل القلب، مثل حب الله ورسوله، وإخلاص العمل لله وحده، وتوكل القلب على الله وحده، وغير ذلك من أعمال القلوب التي أوجبها الله سبحانه وتعالى. إذا هذا النص واضح من شيخ الإسلام أن إيمان القلب قسمان: قول القلب، وهو تصديقه وإقراره بالله وبرسول الله صلى الله عليه وسلم. اثنين عمل القلب، وعمل القلب هي مجموعة أعمال القلوب التي لا يصح الإيمان إلا بها. ثم قال:
والدليل على أن التصديق والمعرفة فقط لا تنفع صاحبها، يعني ايش الدليل أن إيمان القلب لا يكتفى فيه فقط بالتصديق بل لابد من أعمال القلوب؟ ما وصف الله عز وجل به إبليس أنه كان مصدقاً مقراً بالله لما قال: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ. مش إبليس قال ربه: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ؟ إذا هو مقر أن الله هو الخالق وهو الرب والإاله. وقال: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. يقسم بعزة الله فأخبر أنه قد عرف الله سبحانه وتعالى أن الله خلقه، لكنه لم يخضع لله عز وجل فيسجد لآدم كما أمره الله. فبالتالي هل نفعته معرفته بالله سبحانه وتعالى؟ كلا، لم تنفعه معرفته بالله؛ لأنه فارق الخضوع وهو عمل القلب.
طيب والدليل على ذلك أيضاً شهادة الله سبحانه وتعالى على قلوب بعض اليهود أنهم كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل إليهم كما يعرفون أبناءهم، فلا أحد أصدق شهادة على ما في قلوبهم من الله. يعني ربنا عز وجل لا يعرف أن اليهود كانوا يصدقون بالنبي صلى الله عليه وسلم قلبياً، هم مصدقون أن هذا هو الرسول الذي بشرنا الله سبحانه وتعالى به، إذ يقول لنبيه بكتابه العزيز: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ. شف، لما جاءهم ما عرفوا، إذاً هم عرفوا، صدقوا من حيث القلب ومعارفه مصدقين. التصديق بمعنى المعرفة، طبعا ركزوا مع التصديق بمعنى المعرفة هم كانوا عارفين بالله وبرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال في موطن آخر: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ. يعني هم مصدقين عارفين أنهم النبي كما يعرفون أبناءهم. وقال في موطن ثالث: وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.
فالمعرفة والعلم والتصديق كان موجوداً عند اليهود، لكن هل نفعتهم معرفتهم وعلمهم وتصديقهم؟ لم ينفعهم؛ لأنه زائل وفارق الخضوع لله عز وجل والانقياد. أنت المطلوب منك المعرفة والانقياد والخضوع لهذه المعرفة. الإسلام مش والإيمان مش مجرد معرفة، هي معرفة وتصديق مع خضوع وانقياد ومحبة وتسليم لهذه المعرفة. عدم وجود أعمال القلوب، الانقياد والخضوع والتسليم، لا قال لك داخلاً تحت دائرة أهل الإيمان. فشهد على قلوبهم بأنها عارفة عالمة بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يوجب لهم ذلك اسم الإيمان بمجرد المعرفة؛ إذ لم يقارن هذا التصديق وهذه المعرفة لم يقارنها خضوع ولا انقياد ولا اتباع.
فإذاً بدنا نركز أن إيمان القلب لابد فيه من الركنين: من قول القلب وهو التصديق، ولابد فيه من عمل القلب وهو الخضوع والانقياد، ثم ما من أعمال القلوب. نأتي الآن على قول اللسان. نأتي على قول اللسان، فنقول: قول اللسان هو جزء من مسمى الإيمان. احنا عرفنا أن القول اللساني هو جزء من مسمى الإيمان. والمقصود بقول اللسان لو شخص سألك: ما معنى أن قول اللسان من الإيمان؟ ما المراد بقول اللسان؟ نقول: قول اللسان ليس فقط الشهادتان. البعض يحصر قول اللسان بالشهادتين وهذا حصر ليس بسديد. قول اللسان مفهوم عام، نعم أهمه الشهادتان، لكن ليس فقط هو الشهادتان. فنقول: قول اللسان هي الأعمال التي تؤدى باللسان كالشهادتان وذكر الله وتلاوة القرآن والنصيحة والدعاء وغير ذلك مما لا يؤدى إلا باللسان. وهذه الأعمال كما لاحظنا منها ما هو مستحب، ومنها ما هو واجب، ومنها ما هو شرط لصحة الإيمان. ولنبدأ بالنصوص الدالة على أن قول اللسان يدخل في مسمى الإيمان. دعونا أولاً نأتي على النصوص التي تدل.
يعني لو شخص قال لك: ما هو الدليل على أن الأقوال اللسانية جزء من مفهوم الإيمان أنها جزء من مفهوم الإيمان؟ نقول: نأتي بمجموعة من الأدلة من الأحاديث الشريفة، قوله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ماذا؟ لا إه إلا الله. فاذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. فاذا قالوها. فأخبر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن العصمة المزاينة للكفر تثبت بالقول، فبذلك يثبت أن القول إيمان؛ لأن الإيمان هو الذي يعصم الإنسان من السيف، أن النبي صلى الله عليه وسلم علق العصمة على ماذا؟ على القول، فجعل إذاً القول هو جزء من مفهوم الإيمان لأنه أثبت العصمة بناء على أصول هذا القول منك.
ومن الأحاديث أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، أفضلها قول ها أفضلها قول لا إله إلا الله. شف، الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، من هذه الشعب شعب قولية، منها قول لا إله إلا الله. فهذا الحديث أصل في دخول أيضاً قول اللسان في أعمال أو في مفهوم الإيمان.
طب نأتي لأهلي لمسألة مهمة وهي الشهادتان: أصل قول اللسان. لو شخص سألك: ما هو أهم الأعمال في القول اللساني؟ ما هو أهم قول اللسان يجب أن تؤديه؟ الشهادتان. والشهادتان لا يتحقق مفهوم الإيمان بدونهما على الصحيح من قول أهل السنة والجماعة. فنقول: اتفق أهل السنة والجماعة على أن النطق بالشهادتين شرط لصحة الإيمان، شرط لصحة الإيمان. وهنا أنقل لكم قول الإامام النووي -وإن كان أشعرياً- في تعليقه على حديث: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. ايش يقول؟ يقول: وفيه أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أيضاً: اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخرج في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً ونطق بالشهادتين.
فلاحظوا أن النووي وإن كان أشعرياً، لكنه وافق أهل السنة والجماعة في قضية ماذا؟ أنه لا بد من النطق بالشهادتين حتى نحكم عليك أنك من أهل الإيمان. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه: اتفق المسلمون
على أنه من لم يأتي بالشهادتين فهو كافر، اتفقا قال: حق المسلمون هكذا على إطلاقها، أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر. وقال أيضاً: فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع، وهذا ضابط مع القدرة مهم؛ أنه قد يكون إنسان أخرس، فإذا كان أخرس لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. قال: فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر باطناً وظاهراً عند سلف الأمة وأئمتها وجماهير علمائها. ليه؟ لأنه البعض سيأتي معنا أن قول الأشاعرة أن الذي لم يأت بالشهادتين من حيث أحكام الدنيا نعتبره كافر، لكن من حيث الحقيقة عند الله سبحانه وتعالى قالوا: قد يكون مؤمناً.
فعدفها الأشاعرة يقولون: إذا لم يأتي بالشهادتين ففي الدنيا نعامله أنه كافر، فهي شرط في الحقيقة عندهم لإجراء أحكام الدنيا فقط، وأما قالوا: عند الله حتى لو لم يأتي بالشهادتين مع القدرة قد يكون مؤمناً عند الله. لماذا ذهب الأشاعرة إلى ذلك؟ لأن الإيمان عندهم ليس مركباً هذا التركيب. الإيمان عندهم هو ماذا؟ التصديق، وبعضهم يدخل في التصديق أعمال القلوب، لكن قول اللسان من أدخله منهم في مسمى الإيمان إنما أدخله فقط لإجراء أحكام الدنيا.
وأما عند الله سبحانه وتعالى فقد يكون مؤمناً مع أنه لم يأت بالشهادتين بلسانه. أما نحن أهل السنة فبين شيخ الإسلام ابن تيمية أنه من لم يأتي بالشهادتين ايش قال؟ قال: فهو كافر باطناً وظاهراً. فهو كافر باطناً يعني باطناً عند الله، كافر عند الله إذا لم يأت بالشهادتين مع القدرة فهو عند الله كافر، ليس فقط عندنا في الدنيا. فهو كافر باطناً وظاهراً عند سلف الأمة وأئمة وجماهير علمائها. ولاحظ أنه لم ينقض الاتفاق بين المسلمين هون؛ أنه في خلاف هل يؤتورك باطناً كافراً ولا لا؟ فيه خلاف، الأشاعرة تخالف في هذا.
وقال أيضاً: إن الذي عليه الجماعة -أي جماعة أهل الإسلام- أن من لم يتكلم بالإيمان بلسانه من غير عذر لم ينفعه ما في قلبه من المعرفة، وأن القول من القادر عليه شرط في صحة الإيمان. وقال ابن أبي العز الحنفي رحمة الله تعالى عليه في حديث شعب الإيمان عندكم: وهذه الشعب هكذا قال: وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها إجماعاً كشعبة الشهادتين، مش الإمام بضع وسبعون شعبة؟ منها شعب يزول الإيمان بزوالها، منها وهو شعبة الشهادتين، ومنها ما لا يزول الإيمان بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق.
وقال ابن رجب الحنبلي رحمة الله عليه: ومن ترك الشهادتين خرج من الإسلام. هو في الحقيقة مش خرج، هو أصلاً ما دخلش في الإسلام حتى يخرج منه. طيب، والمقصود بالشهادتين؟ طبعا لما نقول لك لا تأتي بالشهادتين، المقصود بالشهادتين ليس مجرد النطق يعني، احنا مش بدنا ياك بس تحكي هاي الكلمة، انك تحكيها بأي شكل من الأشكال تحكي هذه الكلمة مع ماذا؟ مع إقرارك بمدلولها مع إقرارك ومدلولها وخضوعك له.
إذاً، والمقصود بالشهادتين كما لا يخفى ليس مجرد النطق بهما، بل المراد النطق بهما مع التصديق بمعانيهما، والإخلاص للعبادة لله سبحانه وتعالى فيهما، والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والإقرار ظاهراً وباطناً بما جاء به. فهذه هي الشهادة التي تنفع عند الله سبحانه وتعالى. ولذلك ثبت في الأحاديث الصحيحة قوله صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه. وفي رواية: صدقاً من قلبه. وفي رواية: من قال لا إله إلا الله غير شاك. وفي رواية: مستيقناً.
فلاحظوا أن الأمر ليس مجرد النطق بلا إله إلا الله، لابد من قولك لا إله إلا الله مع ماذا؟ مع التصديق وأعمال القلوب. يعني لابد من التصديق بمدلولها والخضوع والانقياد لها. فنحن لما نقول لك: عليك أن تأتي بالشهادتين وإلا لا يصح إيمانك، الاتيان بالشهادتين مرتبط أيضاً بمفهوم قول القلب وعمل القلب. فأنت مطلوب منك أن تتلفظ بالشهادتين مع استحضار التصديق واستحضار أعمال القلوب من الانقياد والخضوع والاستسلام.
فإذا أتيت بالشهادتين مع عدم التصديق أو مع عدم الانقياد والخضوع فلا تنفع أيضاً الشهادتان، فهي إذاً عملية ماذا؟ مركبة مترابطة مع بعضها البعض. طيب، أظن يعني قطعنا ساعة وثلث اليوم إن شاء الله من المحاضرة. في المحاضرة القادمة إن شاء الله سأتكلم عن دخول أعمال الجوارح تحت مفهوم الإيمان. ما الدليل على دخول أعمال الجوارح تحت مفهوم الإيمان؟ ثم بعد ذلك نبدأ نتكلم عن الفرق التي خالفت أهل السنة والجماعة في مفهوم الإيمان.
خلاص، نحن الآن عرفنا مفهوم الإيمان، بقي علي أن أتكلم عن دخول أعمال الجوارح في مسمى الإيمان، ثم بعد ذلك نتكلم عن الفرق التي بينت أهل السنة والجماعة في هذا الموطن. الفرق الوحيدة وهي المعتزلة والخوارج والفرق الوعيدية وهي المرجئة يعني وهي على طرفي نقيض، الوعيدية على جهة والوعدية على جهة أخرى، وإن اتفقوا في بعض الأصول يعني هم على طرفي نقيض من حيث التطبيق، لكن من حيث الأصول اتفقوا على بعض الأصول كما سيظهر معنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل