تسجيل الدخول

شرح العقيدة الطحاوية (٢٩) / مسائل الإيمان

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، نحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وقرة عيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبابي الكرام إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة العقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر الطحاوي رحمة الله تعالى عليه. المحاضرة السابقة باب الكرام شرعنا في الحديث عن مسائل الإيمان، وعرفنا أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة مفهوم مركب، مفهوم مركب من عدة أمور وليس مفهوماً مفرداً. هذا هو المفهوم الشرعي، الإيمان لغة لو قيل هو التصديق ما عندنا مشكلة عموماً، على خلاف بين المحققين من أهل الحديث هل هو التصديق أم هو تصديق وزيادة، لا حرج يعني هذا خلاف لغوي، لكن ما نجزم به وما نثبتُه هو مفهوم الإيمان شرعاً، وهو أن الشريعة الإسلامية استعملت مفهوم الإيمان في حقيقة مركبة وهي قول وعمل.

طبعا نحن اختصرنا قول وعمل وقلنا القول يشمل قول القلب وهو التصديق، وقول اللسان وهي الأعمال اللسانية من الشهادتين فما دون، وعمل القلب وهي أعمال القلوب المتعددة من الانقياد والاستسلام والخشوع والخضوع إلى غير ذلك، وأعمال الجوارح. وعندك أربعة أمور تركز عليها: قول القلب، وعمل القلب، قول اللسان، وعمل الجوارح. إذا اجتمعت هذه الأمور معناها أنه تحقق مفهوم الإيمان، وهذا هو مفهوم أهل السنة والجماعة.

وتكلمنا عن قضية يعني باختصار عن قول القلب وعمل القلب، وتكلمنا عن قضية قول اللسان وركنية النطق بالشهادتين، فعرفنا أن هناك قول للسان أساسي لا يصح الإيمان إلا به وهو ماذا؟ النطق بالشهادتين. فلا بد من النطق بالشهادتين حتى يصح إسلام العبد وإيمانه. اليوم سنتكلم عن صلة العمل بالإيمان، وسنتكلم عن أعمال الجوارح وعن دخولها في مفهوم الإيمان، لأنه في الحقيقة أغلب الخلاف وأغلب المعركة الدائرة بين أهل الحديث وبين منازعيهم من المرجئة خصوصاً كان في إدخال بل في مسمى الإيمان؛ هل الأعمال الصالحة التي تفعل بالجوارح داخلة في مسمى الإيمان أم ليست بداخله؟

طب أعمال القلوب هل هي داخلة باتفاق؟ فالحقيقة أعمال القلوب أيضاً وقع فيها نزاع، هل هي داخلة في مفهوم الإيمان أم ليست بداخله؟ لكن كثير من المرجئة وافقوا على إدخال أعمال القلوب في مسمى الإيمان، لم يوافقوا على إدخال أعمال الجوارح في مسمى الإيمان. والكلام الذي سنقرره نحن الآن في الحقيقة هو كلام عام يشمل أعمال القلوب واعمال الجوارح، لكن التركيز أكبر على أعمال الجوارح، لأنه أكثر الفرق التي خالفت خالفت في أعمال الجوارح ورفضت أن أعمال الجوارح تكون داخلة تحت مسمى الإيمان.

فنقول مر معنا في كلام السلف الصالح أن أعمال الجوارح داخلة في مسمى الإيمان، وفي هذه الفقرة التي نحن فيها الآن سنشير إلى أدلة أهل السنة والجماعة على إدخال العمل في مسمى الإيمان. هذا الذي سنسرده الآن؛ ما هي أدلتنا نحن أهل السنة والجماعة على أن أعمال الجوارح واعمال القلوب أيضاً داخلة تحت مفهوم الإيمان؟ فنقول: هناك مجموعة من الأدلة نسردها.

أولاً قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. لاحظ أن الله عز وجل علق اسم الإيمان على مجموعة من الأعمال، منها أعمال قلوب كما قال: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. فجعل وجل القلب تحت مسمى الإيمان، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون. التوكل وكله أعمال قلبية. ثم قال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا.

فعلق مفهوم الإيمان على تحقيق مجموعة من أعمال القلوب وأعمال الجوارح؛ فأقام الصلاة وإيتاء الزكاة من أعمال الجوارح، والتوكل على الله سبحانه وتعالى ووجل القلب من أعمال ماذا؟ من أعمال القلب، ومثله جميع الآيات المشابهة لهذا النمط كقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ استأذنوه. ماذا قال؟ إنما المؤمنون، يعني كأنه يقول لا إيمان لمن استأذن النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يغادر، فجعل الاستئذان من النبي صلى الله عليه وسلم قبل المغادرة جزء من مفهوم الإيمان.

ففي هذه الآيات إشارة إذن إلى أن جميع الأعمال المذكورة فيها من واجبات الإيمان، لأنه لا يأتي أسلوب الحصر: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا كذا كذا، إنما أهل الإيمان كذا وكذا، أسلوب الحصر لا يستعمل إلا فيما هو واجب، ولا يستعمل فيما هو مستحب؛ تعمل للدلالة على شيء واجب من واجبات الإيمان وليس على مستحب من مستحباته. إذاً ففي هذه الآية إشارة إلى أن جميع الأعمال المذكورة من واجبات الإيمان، فلهذا نفي الإيمان عمن لم يأت بها، فإن حرف إنما يدل على إثبات ماذا؟ المذكور ونفي غيره. يعني إنما المؤمن الذي يفعل كذا، مفهوم المخالفة أو مفهوم الحصر نفسه أن الذي لا يفعل كذا لم يحقق مفهوم الإيمان الواجب، لم يحقق مفهوم الإيمان الواجب وإن كان يعني لا يخرج من الإيمان بمجرد تركه لعمل واحد، لكنه لم يحقق الإيمان الواجب المطلوب منه.

ثم قال: ومن الأدلة الصريحة أيضاً في إدخال الأعمال في مسمى الإيمان حديث وفد عبد القيس الذي أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: آمركم بالإيمان بالله وحده. ثم قال: هل تدرون، لاحظوا اللفظ، هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال عليه الصلاة والسلام، لاحظوا كيف فسر الإيمان؟ لاحظوا كيف فسر الإيمان حتى نعرف دخول الأعمال تحت مسمى الإيمان؟ فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا الخمس من المغنم. فسر الإيمان بماذا؟ باعمال جوارح.

إذاً في هذا الحديث فسر النبي صلى الله عليه وسلم مفهوم الإيمان بأعمال الجوارح، طبعا هنا أعمال الجوارح يدخل فيها حتى أعمال اللسان، هي داخلة تحت مفهوم أعمال الجوارح اعتباراً من اللسان جارحة من الجوارح. فقال إذاً شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تعطوا الخمس من المغنم أو أن تعطوا من الغنائم الخمس، فجعل كل هذه الأمور داخلة تحت أما الإيمان.

ولعلنا نختم بالحديث الأبرز في الدلالة على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وهو حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها أماطة الأذى عن الطريق. لاحظوا أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإيمان بمفهوم هذا الحديث وصريحه، جعله ماذا؟ شعباً، وجعل من هذه الشعب قولاً لسانيّاً وهو قول لا إله إلا الله وجعله أعلى الشعب، وجعل أدنى هذه الشعب ماذا؟ أماطة الأذى عن الطريق وهو عمل من أعمال الجوارح.

وقد اعتنى نقول الأئمة بهذا الحديث بحديث شعب الإيمان عناية كبيرة واعتبروه أصلاً من الأصول لإدخال الطاعات في مسمى الإيمان وعدوه والفوا في شعب الإيمان مصنفات عديدة، من أجلِّها كتاب المنهاج في شعب الإيمان للإمام ابن عبد الله الحليمي، واختصره الإمام البيهقي في كتابه النشور الجامع لشعب الإيمان مع عنايته بالأسانيد خلافاً للحليمي الذي لم يكن له عناية كثيرة بالأسانيد. واختصر كتاب البيهقي في شعب الإيمان الإمام القزويني، وممن اعتنى أيضاً بجمع وحصر شعب الإيمان التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم الإمام اللالكائي في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة حيث عد اثنتين وسبعين خصلة من خصال الإيمان.

فاذا الأئمة رضوان الله تعالى عليهم ماذا فهموا من هذا الحديث؟ فهموا إذاً أن الإيمان يندرج تحته شعب وأصناف، منها ما هو من أعمال القلوب، منها ما هو من أعمال الجوارح، منها ما هو من أعمال اللسان، وهكذا. يقول ابن القيم رحمة الله عليه: الإيمان أصل له شعب متعددة وكل شعبة تسمى إيماناً، الصلاة من الإيمان وكذلك الزكاة والحج والصوم والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل، وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة، الآن الشهادة إذا أنت لم تأتِ بها مع قدرتك على الاتيان بها يزول عنك الإيمان بالكلية لأنها كما قلنا ركن من أركان الإيمان، ومن هذه الشعب ما لا يزول الإيمان بزوالها كترك أماطة الأذى عن الطريق لو ما فعلت ذلك هل يزول الإيمان؟ لا يزول الإيمان، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتاً عظيماً، منها ما يلحق بشعبة الشهادة من حيث شدته ومكانته العظيمة في الإسلام ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق بشعبة أماطة الأذى ويكون إليها أقرب.

ثم قال: وكذلك الكفر ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان تسمى إيماناً فشعب الكفر تسمى كفراً، والحياء شعبة من الإيمان بالتالي مقابل ذلك قلة الحياء شعبة من شعب الكفر. يعني ابن القيم يقول تنظيراً على هذا الحديث إن الأعمال النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الإيمان شعب، فبالتالي مقابل الإيمان المفهوم المعاكس هو الكفر، وكذلك إذاً الكفر سيكون له شعب. فهو كأنه يريد أن يقول: كل شعبة من شعب الإيمان تتركها وتهملها وتعرض عنها سيكون هذا الترك وهذا الإعراض هو شعبة من شعب الكفر، فليس كل شعبة من شعب الكفر تخرجك من الملة، هناك شعب من شعب الكفر لا تخرج من الملة كما قال النبي مثلاً: قتال المسلم سب المسلم فسوق وقتاله كفر، سماه كفراً، فهذه شعبة من شعب الكفر لكنها ليس كفر مخرج من الملة، ولكن هناك شعب من الكفر لا تكون مخرجة من الملة، فكما أن شعب الإيمان أنواع منها أنواع إذا تركته تخرج من الإيمان، أنواع إذا تركته لا تخرج من الإيمان، فكذلك الكفر شعب، من هذه الشعب ما إذا ارتكبته تدخل في ساحة الكفر ومنها شعب من الكفر الأكبر يعني أقصد، ومنها شعب إذا فعلتها تكون فعلت خصلة من خصال الكفر لكنك لا تكون كافراً كفراً أكبر، وهذا يسمى الكفر الأصغر أو يسمى كفر النعمة وهو أدنى من الكفر الأكبر المخرج من الملة.

فإذاً ابن القيم يريد أن ينظر هذا بهذا فيقول مثلاً: والحياء شعبة من الإيمان وبالتالي قلة الحياء وترك الحياء شعبة من شعب الكفر، والصدق شعبة من الإيمان بالتالي الكذب من شعب الكفر، وهكذا والمعاصي كلها من شعب الكفر أصلاً كما أن الطاعات كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان، فانتهى كلام ابن القيم رحمة الله عليه. وبهذا أحبابي الكرام يظهر من خلال الأدلة التي ذكرناها أن أهل السنة والجماعة أتقنوا فهم مدلول الإيمان، وعرفوا أن الإيمان وإن كان في اللغة هو مجرد تصديق القلب، فهو في الشريعة الإسلامية استعمل استعمالاً شرعياً خاصاً ليدخل فيه أعمال القلب وقول القلب وقول اللسان وأعمال الجوارح، هذا ليس المدلول اللغوي هذا مدلول شرعي، هذا مدلول شرعي، الشريعة الإسلامية هي التي دلت على ذلك فنحن اتبعنا مقتضى هذه النصوص.

طيب الآن ننتقل إلى مسألة أخرى بعد أن عرفنا مفهوم الإيمان وحقيقته عند أهل السنة والجماعة، ننتقل لمسألة تبحث أيضاً في باب العقائد، وهي: هل الإيمان والإسلام إذا ذكرا معاً مدلولهما واحد أم كل واحد يدل على أمر يختلف عن الآخر؟ هذه مسألة هل مدلول الإيمان والإسلام واحد؟ الآن إذا ذكر كل واحد منهما على حدة في نص مستقل: إن الدين عند الإسلام، أو كما قال النبي: أتدرون ما الإيمان؟ إذا ذكر كل واحد منهما على حدة فالايمان والاسلام بمعنى واحد.

لكن الخلاف أين هو في الحقيقة؟ داخل دائرة أهل السنة؛ الخلاف هو إذا ذكر الإيمان والإسلام معاً واقترنا في نفس السياق، هل يكون مدلولهما واحد أم هناك فرق بينهما؟ أنحرر إذاً المسألة: إذا ذكر الإيمان وحده في سياق مستقل عن الإسلام فإن الإيمان والإسلام مدلولهما واحد اتفاقاً عند أهل السنة والجماعة عموماً. لكن الخلاف أين هو؟ إذا ذكرا معاً في سياق واحد فهل مدلولهما واحد أيضاً؟ أم يختلف مدلولهما؟ هذا خلاف ونزاع في دائرة أهل السنة والجماعة، وليس يعني خلافا بدعياً، لا، اختلاف في داخل دائرة أهل السنة والجماعة في فهم النصوص التي تدل على ذلك.

فنقول: اختلف أهل السنة في هذه المسألة على قولين؛ القول الأول أن مسماهما يختلف في حالة الاقتران، فالايمان يكون يدل على شيء وعلى مفهوم معين والاسلام يدل على مفهوم آخر. والقول الآخر الثاني أن مسماهما واحد حتى في حالة الاقتران، مسماهما واحد ولا فرق بينهما. نبدأ بالقول الأول، نقول: أكثر أهل السنة والجماعة على هذا القول وهو أن الإيمان والإسلام إذا اجتمعا معاً في سياق واحد اختلف مدلولهما، وممن نقل عنه ذلك: ابن عباس رضي الله عنه، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، والزهري، وقتادة، وداود بن أبي هند، وحماد بن زيد، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وأحمد بن حنبل، وأبو جعفر الباقر، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن معين، وخيثمة، والخطابي، واللالكائي، وابن صلاح، وابن تيمية، وابن رجب، كل هؤلاء وغيرهم أشاروا إلى أن الإيمان والإسلام إذا ذكرا في سياق واحد اختلف مدلولهما.

طيب ما هي أبرز أدلة هذه الطائفة؟ دعونا الآن نناقش الأدلة. من أبرز أدلتهم قوله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا هَا لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا. فنفى طلب منهم أن ينفوا عن أنفسهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام في سياق واحد، فدل هذا قالوا على أن مدلول الإيمان يختلف عن مدلول الإسلام: قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا وأنتم.

الله ورسوله لا يردكم من أعمالكم شيئا. ونقول: استدل أصحاب هذا القول بالآية على التفريق بين مسمى الإيمان والإسلام عند الاقتران، فقالوا إن هذه الآية أثبتت لهم الإسلام ونفت عنهم الإيمان، مما يدل على أن مرتبة الإيمان أعلى. واستدلوا بها على أن الإسلام المثبت يثابون عليه، وهذا أحد القولين في تفسير هذه الآية؛ لأنه اختلف المفسرون.

هل الله سبحانه وتعالى لما قال للأعراب قولوا أسلمنا يعني أن عندهم إسلاما صحيحا، أو المراد أنكم أسلمتم إسلاما ظاهرا وأنتم منافقون في الباطن؟ اختلف المفسرون لما الله عز وجل قال للأعراب ولكن قولوا أسلمنا، هل المراد أنهم أسلموا إسلاما صحيحا يثابون عليه مع أنهم لم يصلوا إلى مرتبة الإيمان بعد، أو المراد أنهم إسلام ظاهري فقط وأنهم في قلوبهم منافقون؟ في خلاف في تفسير الآية.

البعض قال: لأ؛ يعني الله عز وجل أمرهم أن يقولوا أنا أسلمنا لأنهم كانوا منافقين في الباطن. وبعض المفسرون قالوا: لا؛ الله عز وجل قال لهم قولوا أسلمنا لأن اسلامهم كان صحيحا، كان ايش صحيحا، لكنهم لم يصلوا إلى مرتبة ماذا؟ الإيمان.

طيب يا شيخ، هل يمكن الإنسان أن يكون مسلما إسلاما صحيحا مع أنه لم يصل إلى مرتبة الإيمان؟ أحسنت، نقول: لم يصلوا إلى الإيمان الواجب، ما بنسميه كمان الإيمان، بدي أسمي الإيمان الواجب؛ لأن الإسلام الصحيح لابد معه من شيء يسير من الإيمان حتى يصح الإسلام. فنحن نقول إنهم مسلمون ولا نقول إنهم مؤمنون. فإذا نفينا عنهم الإيمان، المراد بالإيمان الذي ننفيه عنهم الإيمان ايش؟ الواجب، أي لم يحققوا الإيمان الواجب الذي يريده الله حقا.

لكن بالتأكيد معهم شيء يسير من الإيمان يصح به اسلامهم ويثابون به على اسلامهم، يعني شيء من التصديق في القلب والانقياد يسير، عرفت يعني أقل منه يعني ما هو حتى وإن كلمة عوام المسلمين أخي فيهم، كل واحد من عوام المسلمين أحسن من عالم يعني في إيمانه. أنا أقصد في إيمانه وتصديقه، أنا أقصد أنه هي قضية قلبية، مدى انقيادك لله، مدى استسلامك لله. يكون عنده شيء من الانقياد، شيء من الاستسلام لكنه يسير.

فعنده في القلب إيمان يسير يصح به إسلامه، لكنه لم يرتقي إلى مرتبة الإيمان الواجب. فالإيمان الذي نفي عنهم لم تؤمنوا ليس المراد نفي أصل الإيمان أنه لا شيء في قلوبكم من الإيمان، لكن الذي نفي ما هو؟ الإيمان الواجب الذي ينبغي الوصول إليه، يعني أنتم لم تصلوا إلى الإيمان الواجب الذي يريده الله، وإن كان معكم شيء يسير من الإيمان يصح به إسلامكم فتثابون على إسلامكم.

فهمت هاي النقطة؟ مهمة جدا في تفسير الآية، لكن كما قلت هذا أحد الاقوال في تفسيرها. والبعض قال: هؤلاء كانوا منافقين، ألم يكن في قلبهم شيء من الإيمان أصلا وإنما سماهم إسلاما أو أنهم قالوا قولوا أسلمنا بناء فقط على ظاهرهم؟ وهذا قول آخر.

إذا، هذا هو الدليل الأول؛ دليل آية سورة الحجرات: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا.

الدليل الثاني: حديث عامر بن سعد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى رجالا من غنيمة من الغنائم ولم يعط رجالا، فسعد بن وقاص ذهب إلى النبي، عفوا، ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أعطيت فلانا وتركت فلانا لم تعطه، وهو مؤمن وتركت فلانا لم تعطه وهو ايش؟ وهو مؤمن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو هو مسلم؟ اه، بده يعطي معلومة لسعد ابن أبي وقاص، لا تجزمني شخص، لا تجزمني لشخص أنه وصل إلى درجة الإيمان الواجب. قال: أو هو مسلم؟ قال فأعدتها ثلاثة، كل شوية بيرجع للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، تركت فلان، ترى فلان مؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول له: أو هو مسلم. ثم قال عليه الصلاة والسلام: اني لأعطي رجالا وأمنع رجالا أحب أو أمنع رجالا أحب إلي منهم مخافة أن يكونوا أو أن يكبوا في النار على وجوههم، أو قال: على مناخيرهم.

فيقول ابن أبي العز الحنفي تعليقا على هذا الحديث، ابن أبي العز صاحب الشرع عندكم يقول تعليقا على هذا الحديث: فأثبت له، تلام، أي النبي عليه الصلاة والسلام أثبت لهذا الشخص ايش؟ الإسلام وتوقف في ماذا؟ باسم الإيمان، اه. لأنه سعد ايش قال له؟ يا رسول الله، هو مؤمن. فالنبي عليه الصلاة والسلام ايش قال؟ أو هو مسلم. إذا، في فرق بين المصطلحين، والا لو كان سواء لكان النبي عليه الصلاة والسلام لم يوجه سعد بن أبي وقاص هذا التوجيه.

وفي الحقيقة أن نجزم بانه هذا الشخص كان مسلما ولم يكن محققا الإيمان الواجب في الحقيقة عندي فيه نظر، أنه يمكن أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام يريد فقط أن يعلم سعد بن أبي وقاص أن لا يجزم لشخص بماذا؟ بالإيمان، ولا يريد أن يقول إن هذا الرجل ما وصل لدرجة الإيمان. ممكن هناك احتمال آخر في فهم الحديث: أنه يا سعد، لا تستعجل فتحكم على الأشخاص بالإيمان، وأن عندما نحكم لهم بالإسلام ونحسبهم على خير في باب الله نحسبهم، لكن أن تجزم أن تقول هو مؤمن، فلان مؤمن، هذا شيء لا استطيعه.

وهذه انتبهوا لها، أصح أن أقول فلان مؤمن إذا كنت تقصد أصل الإيمان، نعم، هذه فائدة يعني. إذا كنت تقصد أصل الإيمان، نعم، لكن إذا كنت تقصد الإيمان الواجب الذي يمدح عليه صاحبه ويعلق عليه دخول الجنة أو أو كذا، فنقول هذا لا نستطيعه. لماذا؟ لأنه تحقيق الإيمان الواجب هذا يتعلق بشيء في القلب، وأنا لا أعرف ما في قلوبكم، فلا أنتم تعرفون ما في قلبي، ولا أنا أعرف ما في قلوبكم، فلا أستطيع أن أجزم لشخص بأنه حقق الإيمان الواجب، وإنما لي ظاهره وأنه حقق أصل الإيمان، وإنما نجزم بالإسلام، هذا هو الصحيح.

أنا أستطيع أن أجزم بإسلامكم وأجزم بوجود أصل الإيمان عندكم، لكن الإيمان الواجب علم النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص وقال له: أو هو مسلم؛ يريد أن يعلمه ألا يستعجل في الحكم على الأشخاص باثبات الإيمان لهم، فإنك لا تدري ما في قلوبهم. وإن كان النبي عليه الصلاة والسلام لم يفصح هل هذا الرجل فعلا كان مسلما أو مؤمنا؟ بل بالعكس، يعني ختام الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يحب هذا الرجل؛ لأنه ايش قال؟ قال: إني أعطي رجالا وأمنع رجالا أحب إلي منهم. فأخبر أنه هذا الرجل أنا تركته لأنني أحبه أكثر من غيره، فلا أريده أن يتعلق بالدنيا وبالأموال. فكلام آآ ابن أبي العز الحنفي كلام عام، لا نستطيع أن نأخذ منه دلالة على أن هذا الرجل فعلا لم يكن مؤمنا الإيمان الواجب. مم.

لكن نحن نريد الخلاصة؛ الخلاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين اسم الإيمان واسم الإسلام.

طيب، من الأدلة أيضا الكلية على التفريق بين اسم الإيمان واسم الإسلام آآ أن الله سبحانه وتعالى جعل اسم المؤمن اسم ثناء وتزكية ومدحة أوجب عليه الجنة. لو لاحظتم في سياق الكتاب والسنة إذا أراد الله سبحانه وتعالى المدح وتعليق دخول الجنة، فانما يعلق التمدح والثناء ودخول الجنة على لفظ المؤمن وليس على لفظ المسلم، اه.

فمثلا قال سبحانه وتعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا. ما قال: وكان بالمسلمين. وقال: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ. وقال: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ. وقال: يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ. وقد وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار. لاحظ كيف، إذا تعليق مسمى اه، تعليق الثواب والمدحة والثناء على اسم الإيمان.

وحتى لو علق آآ اسمه المدح والثناء على الإسلام فيكون مقترنا بالإيمان، ففي قوله تعالى في سورة الأحزاب: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، ذكر الإسلام، انه المسلمين والمسلمات شو قال بعدها؟ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ إلى آخر الآية: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا. فلم يذكر الإسلام وحده.

طيب، ثم في سياقات أخرى نجد الله سبحانه وتعالى يوجب النار على أهل الكبائر. يعني الله عز وجل يخبر أن المؤمن يدخل الجنة، وفي سياقات أخرى يخبر أن أهل الكبائر متوعدون بالنار. فماذا نأخذ من ذلك؟ انظر الأئمة كيف فهموا، لما الله عز وجل أخبر أن أهل الإيمان يدخلون الجنة: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ، في سياقات أخرى يعد الله أهل الكبائر بماذا؟ بالنار.

قال: فدل ذلك على أن اسم الإيمان الواجب زائل عمن أتى بالكبيرة، إنما اسم الإيمان الواجب أنه مؤمن يزول عمن أتى بالكبيرة. ولم نجد الله سبحانه وتعالى في سياقات مثلا أوجب الجنة أو علق الجنة على اسم الإيمان، عفوا على اسم الإسلام، فثبت أن اسم الإسلام لا يزول عمن ارتكب الكبائر، وأن اسم الإيمان هو الزاء العدل. لغاية مرتكب الكبائر يزول عنه اسم ايش؟ الإيمان الواجب؛ لأنه يصبح ماذا؟ فيه فسق فيزول عنه اسم الإيمان الواجب الإيماني الذي يمتدح عليه وتربط به جنات النعيم.

ولكن هل يزول عنه اسم الإسلام؟ كلا، لا يزول عنه اسم الإسلام. طبعا بدكم الحجز، لا يزول عنه اسم الإسلام معناته بقي عنده شيء من الإيمان يسير. فلما نقول يزول عنه اسم المؤمن، انتبهوا يا من تتابعوننا، لا نقصد أنه لم يبق معه في قلبه تصديق، لا لا. المراد زال عنه اسم الإيمان، أي اسم الإيمان الممتدح عليه الموعود به بالجنة، هذا اسم المؤمن الذي زال عنه؛ أنه اسم المؤمن اسم ثناء وتزكية باستقرار نصوص الكتاب والسنة، ويدل على تحقيق الإيمان الواجب، فهذا يزول عن مرتكبي الكبائر؛ لأن الله توعدهم بالنار. لكن لا يزول عنه اسم الإسلام الذي معه شيء يسير من الإيمان.

طيب، لاحظوا لذلك ايش يقول آآ المروزي بتقديم قدر الصلاة: فإن قيل فالذين زعمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم أزال عنهم اسم الإيمان، ركزوا في جواب المروزي يرحمك الله، ماذا يقول في تعظيم قدر الصلاة؟ فالذين زعمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم أزال عنهم اسم الإيمان، هل فيهم من الإيمان شيء؟ يعني هل بقي يعني مش أنتم تقولون مرتكبي الكبيرة زال عنه اسم المؤمن، طب هل بقي معه من الإيمان شيء؟

فايش يقول المرزق؟ قال: نعم، أصله ثابت ولولا ذلك لكفر، لصرنا زي الخوارج والمعتزلة نقول بتكفير مرتكب الكبيرة. فنحن نقول بقي معه من الإيمان شيء، لكن هذا القدر اليسير الذي معه من الإيمان لا يستحق بموجبه أن يسمى مؤمن. فهمتوا وش الفكرة؟ معك قدر يسير لا تستحق معه أن يطلق عليك أنك مؤمن.

طيب يقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه مؤكدا هذه الفكرة، وهي فكرة أنه في سياق الكتاب والسنة الوعد بالجنة، التمدح والثناء إنما يعلق على اسم المؤمن وليس المسلم. فيقول: الوعد الذي في القرآن بالجنة وبالنجاة من العذاب إنما هو معلق باسم الإيمان، وأما اسم الإسلام مجردا مجردا فما علق به في القرآن دخول الجنة باستقراء نصوص الكتاب والسنة، لم يعلق على مجرده دخول الجنة.

إذا ومقصود الأئمة من الكلام السابق إذا أن الإيمان إذا هو أكمل من الإسلام، حيث إن المؤمن المطلق وعود بالجنة، أما المسلم إسلاما مطلقا فلم يرد أنه يدخل الجنة بلا عذاب؛ لأنه قد يكون مسلما، لكنه مرتكب الكبائر وفاعل كثير من الموبقات التي يستحق معها دخول النار فترة محددة إلى أن يطهره الله سبحانه وتعالى ويدخله الجنة.

فالإيمان المطلق نعم، صاحبه يدخل الجنة مباشرة من دون أن يدخل النار، وأما الإسلام المطلق فلا يوجد ما يؤكد أنه سيدخل الجنة مباشرة، بل قد يدخل النار فترة ثم يخرج منها، وهذا حكم أهل الكبائر، إذا لم يعني يغفر لهم الله سبحانه وتعالى ويشفع فيهم الشافعون.

وأخيرا لعلنا نذكر ما يمكن أن نعتبره أهم دليل، يعني احنا ذكرنا الآن كم دليل على التفريق بين الإيمان والإسلام؟ اه يا قصي، كم ده احنا ذكرنا؟ لأ ذكرنا الآن ثلاث أدلة. لا، ثلاثة. الدليل الأول: قالت العرب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا. الدليل الثاني: حديث سعد بن أبي وقاص: أو هو مسلم. الدليل الثالث هو أن الله سبحانه وتعالى اقرأي نصوص الكتاب والسنة علق دخول الجنة والتمدح والثناء على اسم الإيمان المؤمن وليس على اسم الإسلام.

الدليل الرابع على التفريق بينهما هو حديث جبريل ابن مشهور، لما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، تشريد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد ايش؟ عليه الصلاة والسلام. ما الإسلام؟ أو أخبرني عن الإسلام. فماذا فسر له النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام؟ وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت وتصوم رمضان.

طيب قال: صدق. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. ثم قال: ما الإيمان؟ اه ما دام سأل سؤالين إذا مفهوم الإسلام شيء ومفهوم الإيمان شيء. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم ماذا أجاب في الإيمان؟ فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر

خيره وشره. اختلفت الإجابة، فهذا يدل أن الإسلام شيء ومفهوم الإيمان شيء آخر. ثم سأل عن الإحسان، فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم.

الآن هذا الحديث يستنبط منه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه القاعدة التالية، فماذا يقول؟ يقول: من خلال هذا الحديث نفهم أن الإاحسان أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الإيمان، وأن الإيمان أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الإسلام. فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخص من المؤمنين، والمؤمنون أخص من المسلمين.

إيش يعني هذا الكلام؟ الآن أنت عندك أخي الحبيب ثلاث مرتبات، عندك المرتبة نبدأ من الأسفل. عندك الإسلام، ثم تصعد فيأتي الإيمان، ثم تصعد فيأتي الإحسان.

الآن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الإحسان أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه. شو يعني هذا الكلام؟ ايش يعني أعم من جهة نفسه؟ يقصد أنه أعم من جهة نفسه، أنه مفهومه يدخل فيه الإيمان والاسلام. مفهوم الإحسان يدخل تحته الإيمان وماذا؟ والإسلام. بين مفهوم الإيمان أخص من مفهوم الإحسان؛ لأنه الإيمان أدنى درجة فلا يدخل فيه الإحسان. لكن الإيمان ندخل فيه ماذا الإسلام؛ لأنه أعم من جهة نفسه. والإسلام هو أدنى الدرجات ولا يدخل فيه لا الإيمان ولا الإحسان يعني كمفهوم كامل.

قال: لكن الإحسان قال الإحسان أعم من جهة نفسه. قال: لكنه أخص من جهة أصحابه. ايش يعني؟ لا هو ماذا يقصد؟ أخص من جهة أصحابه: أن أهل الإحسان من الناس هم أقل الناس؛ صح؛ لانه الذي يصل إلى هذه المرتبة الثالثة هم الصفوة، صح؟ فالمحسنون أهل الإحسان هم أخص، ثم أكثر منهم أهل الإيمان، ثم أكثر وأكثر أهل الإسلام؛ لأنه أكثر الناس قد لا تصل إلى درجة الإيمان الواجب.

ويقول: الإحسان أعم من جهة نفسه، أي أعم من حيث المفهوم؛ لأنه يشمل الإيمان والإسلام. لكن أصحابه المتصفون به هم أخص، أقل الناس طبقة أهل الإحسان؛ لأن المشوار حتى توصل لمرتبة الإحسان، ونفس الإشي الإيمان أعم من الإسلام من حيث المفهوم؛ لأن الإيمان يدخل تحته ماذا الإسلام كمفهوم، أنك لن تصل إلى الإيمان حتى تحقق الإسلام، لن تصل إلى الإيمان حتى تحقق الإسلام. لكن الذين يصيرون لهم مرتبة الإيمان هم أقل ممن هم في مرتبة الإسلام، فمرتبة الإسلام هي أوسع دائرة من الأفراد، ثم اضيق منها دائرة الإيمان، ثم أضيق الأضيق هي دائرة الإحسان، هذا من حيث الأفراد في الخارج.

وأما من حيث المفهوم، فلا يمكن أن تحقق الإحسان إلا إذا حققت الإسلام والإيمان، ولا يمكن أن تحقق الإيمان إلا إذا حققت الإسلام، أما الإسلام فهو أدنى. فهمتم؟ ما معنى أنه أعم من جهة نفسه الإحسان؟ لكنه أخص من جهة مدلوله.

قال: إذاً فجعل الدين ثلاث طبقات، أولها الإسلام، وأوسطها الإيمان، وعلاها الإحسان. ومن وصل إلى العليا فقد وصل بالتأكيد إلى التي تليها، فالمحسن بالتأكيد هو مؤمن، والمؤمن بالتأكيد هو مسلم. لكن المسلم هل هو مؤمن؟ لا. تمام؟

طبعاً لما نقول لا ايش يعني؟ يعني لم يحقق الإيمان الواجب، مش لما نقول المسلم ليس مؤمناً يعني ما عندهوش أصل الإيمان، هذه انتبهوا لها؛ لأنه كثير من الشراح يتساهل في تفهمها للناس، ولا خلص قال العلماء إن المسلم ليس مؤمناً، فبيفهم من أمامك أن هذا ما عندهش إيمان. لا، المراد ما عندهوش الإيمان الواجب، لكن بالتأكيد عنده شيء يسير من الإيمان حتى يصح الإسلام؛ لأن الإسلام لا يصح إلا بشيء من ماذا من الإيمان، الإسلام لا يصح إلا بشيء، وإلا لو كان مسلما الإسلام كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل فسره بالأعمال الظاهرة: الشهادتان، إقام الصلاة، إيتاء الزكاة، صوم رمضان، حج البيت. فهذا ينبع منها المنافقين، هذه يعملها المنافق نفاق اعتقادي؛ اللي هو يظهر الإسلام ويبطن الكفر.

فأحبابي الكرام هذه الأعمال وحدها لا تجعلك في مرتبة الإسلام الحقيقي، لابد أن يكون معك شيء من الإيمان ولو يسير حتى تصح هذه الأعمال الظاهرة، وإلا فلو كان مسلما في الظاهر منافقا في الباطن فاسم الشرعي ليس مسلماً، اسمه منافق. الإنسان الذي يفعل الشهادتان يفعل الشهادتين ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت، الآن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: ما الإسلام؟ فذكر هذه الأعمال الخمسة. من أتي بهذه الأعمال الخمسة وهو في قلبه ليس مصدقاً، ليس مؤمناً، هل نسميه مسلماً؟ لا، يسمى منافقاً، هذا اسمه الشرعي. طبعاً كيف نعرف النفاق؟ ممكن أنت ما تعرف النفاق وتسميه مسلماً بناء على الظاهر، وإن كان في قلبه قد يكون منافقاً.

لذلك كثير من الناس كان الصحابة يسمونهم مسلمين ويعاملونهم معاملة المسلمين، فينكحون منهم وما شابه ذلك. لكنهم في الباطن كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنهم منافقون، فالمنافق يمكن أن يسمى مسلماً بناء على ما ظهر لنا، وإن كان في قلبه كافر. لكن نتكلم نحن عن الإسلام الذي يدخل الجنة؟ آه لا، الإسلام الذي يدخل الجنة لابد معه شيء من الإيمان يسير حتى يصح هذا الإسلام وتدخل عليه الجنة.

فهمتم هذه القاعدة؟ فإذاً هناك إنسان يطلق عليه مسلم وهو منافق في قلبه، وهذا من الكفار في الدار الآخرة يدخل جهنم خالداً مخلداً فيها، إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ. وهناك مسلم يدخل الجنة ولكنه لم يصل إلى مرتبة الإيمان، وهذا المسلم الذي يدخل الجنة ولم يصل إلى مرتبة الإيمان لابد معه شيء يسير من الإيمان حتى نفصل بينه وبين المنافق، حتى نفصل بينه وبين المنافق.

طيب، نعم عليه الصلاة والسلام. نعم، نعم لا الحقيقة أن تصل تماماً الحقيقة لا، لكن يمكن أن تقول فلان فيه خصال المنافقين، لكن أن تحكم على شخص أنه منافق نفاق اعتقادي هذا لا يمكن أن تحكم عليه إلا إذا ظهر منه الكفر البواح، فنعرف حينئذ أنه كان عنده شيء من النفاق في حياته.

لكن آه مجرد شخص تظهر عليه سمات المنافقين لا يحق لك أن تقول إنه منافق نفاق اعتقادي، لكن يمكن أن تقول فلان عنده ايش خصلة من خصال النفاق، لكن أن تحكم عليه أن عنده نفاق اعتقادي مخرج من الملة فهذا ليس لك. لا، أسماهم أن حذيفة صاحب السر هذا خاص به؛ يعني حذيفة النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه سرأ أن هؤلاء منافقون يعني كفار. نعم، يعني هو لا الآن ما الذي قال له لا أعرف يعني ما كنا في ذاك المشهد حتى نعرف سماهم منافقين، والمراد بالنفاق النفاق الاعتقادي؛ لأن كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينظر في زمنه، كل شخص لا يصلي عليه حذيفة كان لا يصلي عليه، يعرف أن هذا فيه مشكلة، حذيفة لم يترك الصلاة عليه إلا لأنه منافق، فالنفاق الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حديثه هو النفاق الاعتقادي، وهذا هؤلاء كفرة؛ لأنه الإنسان حتى لو كان ضعيف الإيمان جداً لا لا نترك الصلاة عليه، بل يصلى عليه والنبي صلى الله عليه وسلم حثنا على ذلك، وإنما يترك النفاق على من؟ عفوا، لما تترك الصلاة على من؟ هذا المنافق نفاق اعتقادي أنه ليس مسلماً.

لكن النبي عليه الصلاة والسلام، طيب، لماذا لم يوشع هذا الامر بين اصحابه جميعاً؟ ولماذا خص حذيفة بن اليمان؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يعلم أصحابه عدة أمور؛ أولاً: لا يققال إن محمداً يقتل أصحابه، هذه العلة حماية سمعة الدعوة الإسلامية من أن تشوه من المتربصين، اثنين: يريد أن يعلم الصحابة أن أهل الإسلام في الحياة الدنيا إنما وظيفتنا أن نحكم على الظواهر، هذي علة مهمة جداً؛ أننا كشعوب مسلمة وظيفتنا أن نحكم على ماذا على ظواهر الناس ولا نفتش عن بواطنهم. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف أهل النفاق، لكن يريد أن يعلم المجتمع المسلم أنه ليس من شأنك أن تبحث عن المنافق نفاق اعتقادي وتقول: هذا منافق وهذا ليس منافق. حتى لا يعتاد الناس هذا المنهج؛ لأن الناس من دون واسطة -زي ما بيقولوا- يتطايعون إلى تحفير بعضهم وإلى تفسيق بعضهم أحسن بسبب العجلة، فيريد أن يعلم الأمة والشعوب أنا لكم الظاهر فقط، وإياكم أن تستحلوا دماء المسلمين وتستحلوا الناس بزعمكم أنهم منافقو نفاق اعتقادي هذا ليس من شأنكم.

أنت ما دام الشخص يظهر الإسلام ويلتزم بأحكام الإسلام العامة تعامله معاملة أهل الإسلام، إذا كان منافق فهذا بينه وبين الله. فالنبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يرسخ هذه الفكرة في المجتمعات المسلمة، أننا نحكم على الظواهر، إذاً من أظهر لنا الكفر نقول إنه كفر، ومن أظهر الإسلام والإيمان نقول إنه مسلم مؤمن، وليس لنا الدخول في بواطن الناس والتفتيش عنها. تمام؟ هذه قاعدة مهمة جداً.

يقول ابن رجب أيضاً في تعليقه على هذا الحديث، قال المحققون من العلماء: كل مؤمن مسلم؛ فإن من حقق الإيمان ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام. لماذا كل مؤمن مسلم؟ إنه يقول لك: إذا الإنسان وصل لمرتبة الإيمان فبالتأكيد هو حقق مرتبة الإسلام، فلا يمكن أن تكون أنت مؤمن الإيمان الواجب وتحققت به إلا وأنك ستنفذ الأعمال الظاهرة، هادي هي الفكرة، فلذلك كل مؤمن بالتأكيد مسلم. من تحقق بمفهوم الإيمان، فهناك تلازم بين الظاهر والباطن عند أهل السنة والجماعة، فأهل السنة وهذي فكرة انتبهوا لها، أهل السنة يقولوا: لا يمكن أن يكون الإنسان حقق الإيمان الباطن من دون أن يظهر أثر ذلك على جوارحه، لتلازم الظاهر مع الباطن، فلابد أن من حقق المرتبة العليا لابد وانه حقق السفلى، فتحقيق المرتبة العليا وهي الإيمان لا يمكن أن يكون إلا لمن تحقق بالإسلام، وأما تحقيق الإسلام فيمكن أن يكون لمن لم يتحقق بالإيمان. طيب، كما قال صلى الله عليه وسلم: أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ. قال: فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام، وليس كل مسلم مؤمناً؛ فإنه قد يكون الإيمان ضعيفاً فلا يتحقق القلب، أي تحققا تاما. لاحظوا قد يكون الإيمان ايش؟ ضعيفاً، ما قال ما في إيمان، قد يكون الإيمان ضعيفاً فلا يتحقق القلب به تحققا تاما، مع وجود أعمال وارح فيكون مسلما وليس مؤمناً الإيمان التام أي الإيمان الواجب. طيب، هذا كله رأي الطائفة الأولى وهي الأكثر من أهل السنة والجماعة أن مفهوم الإيمان يختلف عن مفهوم ماذا الإسلام.

القول الثاني وهو قول لأهل السنة والجماعة أيضاً يرون أن الإيمان والإسلام حتى ولو ذكروا في سياق واحد فهما مترادفان، انهما مترادفا. وهذا القول ذهب إليه الإمام البخاري رحمة الله عليه والامام محمد بن نصر المروزي وهو أكثر من دافع عن هذا الرأي في كتابه تعظيم قدر الصلاة، أكثر من دافع عن هذا الرأي محمد بن نصر المروزي. ابن عبدالبر أيضاً ممن انتصر إلى هذا الرأي. ويقول ابن عبدالبر: أكثر أصحاب مالك على أن الإسلام واليمان شيء واحد، نسبه إلى أكثر المالكية. وقال أيضاً: على قول بأن الإيمان هو الإسلام جمهور أصحاب جمهور أصحابنا وغيرهم من الشافعيين والمالكيين، وهو قول داود وأصحابه وأكثر اهل السنة، نظر المتبعين للسنة والأثر. يعني جعله ابن عبدالبر قول للأكثرية، لكن هذا فيه نظر: هل هو فعلا قوي الأكثرية أم لا؟ يحتاج إلى نظر. وكذلك قال به أصحاب أبي حنيفة وابن مندة. لاحظوا أسماء كبيرة أيضاً قالت في قول آخر، ما كبيرة قالت بالقول الآخر، وترى أن الإيمان والاسلام شيء واحد حتى ولو ذكروا في سياق واحد.

طب ما أدلة هذا الاتجاه برأيكم؟ آآ الإمام ابن عبد البر رحمة الله تعالى عليه استدل بهذا الرأي باية سورة الذاريات لقوله تعالى: فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ. فقال الله عز وجل: قال فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين، فدل هذا على أن الإيمان والإسلام شيء واحد. ايش الفرق بين هذا وهذا؟ أقول لا فرق بين الآيتين، وإنما هو تنوعاً في الألفاظ، تنويعاً في الألفاظ. فدل هذا قال على أن الإيمان والإسلام شيء واحد؛ لأنه ربنا يقول أخرجنا من كان فيها من اهل الإيمان فلم نجد إلا بيتاً واحداً، كأنه هيك اللي بحكي بيتاً واحداً بس سماه من أهل الإسلام. إذن أهل الإسلام ونفسهم أهل الإيمان، ايش الفرق بين هذه وهذه؟ هذا الدليل الأول.

الإمام محمد بن نصر المروزي أيضاً دافع عن هذه الوجهة فقال: الإيمان الذي دعا الله العباد له وافترضهم عليه هو الإسلام الذي جعله ديناً، ما فيش فرق. يعني يريد أن يقول: هو الإسلام الذي جعله ديناً وارتضاه لعباده ودعاهم إليه، وهو ضد الكفر الذي سخطه. فقال سبحانه وتعالى: وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِ الْكُفْرَ، وقال سبحانه وتعالى: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا، وقال سبحانه وتعالى: أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ. فمدح الله الإسلام بمثل ما مدح به الإيمان وجعله اسم ثناء وتزكية.

شوف بيخالف محمد بن نصر المروزي رحمة الله عليه يقول أيضاً: الإسلام اسم ثناء وتزكية، ليش أنتم بتقولوا بس الإيمان اسم ثناء وتزكية؟ الله عز وجل مش قال ورضيت لكم الإسلام دينا هذا تزكية ومدح. طيب، فمدح الله الإسلام مثل ما مدح به الإيمان وجعله اسم ثناء وتزكية، فأخبر أن من أسلم فهو على نور من ربه، واخبر أنه دينه الذي ارتضاه فقد أحبه وامتدحه. ألا ترى أن

أنبياء الله ورسله رغبوا فيه وسألوه إياه، فقال إبراهيم خليل الرحمن: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّدْ دُعَاءِ، وما قال: واجعلنا مؤمنين. إذا، هذا يدل على أنه الإسلام زي الإيمان، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ.

وقال يوسف عليه السلام: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، ما قال: توفني مؤمناً، لو كان الإيمان هو مجرد الإيمان هو اسم التزكية وحده ولا قال توفني مؤمناً. وقال تعالى: لكن يعني هنا يمكن أن يقال قضية، ملاحظين أن الآيات التي يستدل بها، آيات ذكر فيها الإسلام وحده، ونحن قلنا نحن ليس نزاعنا في الإسلام إذا ذكر وحده، فهو إذا ذكر وحده يدخل فيه الإيمان. ثم قال: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا، الإسلام وحده يدخل فيه الإيمان هو والإيمان شيء واحد، لكن نحن كلامنا عن الإسلام والإيمان إذا ذكر في سياق واحد.

طيب، لكن هو يستدل بقضية أخرى ويريد أن يقول يعني آآ إن الله عز وجل مدح الإسلام وعلق عليه كثيراً من الثناء والتزكية كما مدح الإيمان، وليس كما تزعمون أن المدح إنما هو مرتبط فقط بمفهوم الإيمان، ولم يعلق المدح على مفهوم الإسلام. هيك بده يحكي محمد بن نصر المروزي.

وقال تعالى: وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا. وقال في موضع آخر: قُولُو آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ إلى قوله: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. الآن: قُولُو آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. قال: فابتدأت الآية: قولوا آمنا، وانتهت: ونحن له مسلمون. ها، لاحظوا: قولوا آمنا، هكذا بداية الآية، وختامها: ونحن له مسلمون. إذا، الاسمان منسجمان مع بعضهما البعض، لا فرق بينهما.

ومقصود الإمام هنا محمد بن نصر المروزي عليه رحمة الله أن مسمى الإيمان والاسلام واحد، لأن الله عز وجل مدح الإسلام بمثل ما مدح به الإيمان، وأخبر أنه دينه الذي ارتضاه، وأمر أهل الكتاب والأميين بالإسلام كما أمرهم بالإيمان. وأخبر أن الرسل والأنبياء دعوا الله إلى الإسلام وسألوا الله الإسلام، فلابد أن يكون كل مسلم مؤمناً، هذه خلاصة كلام محمد بن نصر المروزي، لابد أن المسلم مؤمن والمؤمن مسلم. وقولكم إنه ليس كل مسلم مؤمن وكل مؤمن هو المسلم ليست صحيحة، إذا الأكثر يقول: كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن.

محمد بن نصر المروزي ومن تبعه على هذا الرأي يقولون: لا، كل مسلم مؤمن وكل مؤمن مسلم، زي بعض. الخلاصة والترجيح حتى لا نطيل أكثر من ذلك، نقول أولاً: الخلاف بين القولين خلاف يسير. هذي بدنا نفهمها قبل ما ندخل في الترجيح، خلافه بين القولين خلاف يسير، فكلا الفريقين يدخل العمل في مسمى الإيمان، كلاهما يرون أن أعمال الجوارح داخلة في مسمى الإيمان يعني ما في إرجاء في القضية.

كلاهما يرى أن العمل داخل في مسمى الإيمان، وكلاهما لا يخرجون أهل المعاصي إلى الكفر، سواء هذا الفريق أو هذا الفريق، ما في حدا قال إن العاصي أو مرتكب الكبيرة هو كافر. حتى الذين قالوا إن أهل الكبائر يخرجون من الإيمان إلى الإسلام هم أصحاب القول الأول الأكثر، مش قلنا الذين قالوا إنه أهل الكبائر لا يقال إنهم مؤمنون لكن يقال إنهم مسلمون، أخرجوهم من الإيمان إلى الإسلام، لكن هل أخرجوهم إلى الكفر؟ لا، حاشاهم.

طيب، حتى والذين قالوا إن أهل الكبائر يخرجون من الإيمان إلى الإسلام لم يقولوا إنه لم يبق معهم من الإيمان شيء، بل هذا قول الخوارج والمعتزلة كما معنا. وأهل السنة الذين قالوا هذا يقولون: الفساق، يعني أهل السنة الذين قالوا إن أهل الكبائر فساق وليسوا من أهل الإيمان بالمفهوم الدقيق، قالوا: هؤلاء أهل الكبائر فساق، لكنهم يخرجون من النار بالشفاعة، ولو لم يخرجوا بالشفاعة فإنهم بعد أن يطهروا من كبائرهم سيدخلون الجنة ولابد، وأن معهم إيماناً يخرجون به من النار، لكن لا يطلق عليهم اسم الإيمان، لأن الإيمان المطلق هو الذي يستحق صاحبه الثواب ودخول الجنة بلا عذاب. ايش، ركزوا فيها.

إذا، كلمة المؤمن المراد بها صاحب الإيمان الواجب، فهذا شخص يدخل الجنة من دون أن يدخل نار جهنم من دون عذاب، فهذا لابد أن يكون تحقق من مرتبة الإيمان الواجب. وأهل الكبائر الذين لم يتوبوا منها، أهل الكبائر الذين لم يتوبوا منها لم يتحقق بهم الإيمان الواجب لأن الله توعدهم بالنار، هل يدخلون النار؟ هل يخرجون بالشفاعة؟ هذا أمر آخر.

طيب، إذاً فالمراد أن الخلاف بين القولين خلاف يسير، خلاف في تحقيق هذا المفهوم، تحقيق هذا المفهوم وتدقيق مناطاته، وليس الخلاف في اصل مفهوم الإيمان بينهم. طيب، أما من حيث الترجيح، فالذي يظهر والله تعالى أعلم أن أصحاب القول الأول أسعد بالدليل، الذين يرون التفريق بين الإيمان والإسلام، والذي يظهر لنا والله تعالى أعلم أنهم أسعد بماذا؟ بالدليل، من أصحاب القول الثاني الذين سووا بين المرتبتين.

طيب، كيف نرد على أدلة أصحاب القول الثاني؟ أنا طب أصحاب القول الثاني أتوا بأدلة: فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ. هل هذا يدل على أن الإيمان والإسلام مسماهما واحد في كل السياقات وفي كل الأحوال؟ نقول: هناك أكثر من توجيه لهذه الآية الكريمة.

أولاً، نقول: الاستدلال بهذه الآية على عدم الفرق بين الإيمان والاسلام استدلال ضعيف، لأن هؤلاء كانوا مؤمنين، وعندنا أن كل مؤمن مسلم، فلو أن الله عز وجل سماهم مسلمين أيضاً هذا لا يدل على أن اسم المؤمن والمسلم مشترك في جميع السياقات والآيات الأخرى. يعني في هذه الآية نعم، لا حرج أن يسميهم الله عز وجل مسلمين، ليش؟ لأنه هم أصلاً شهد لهم بالإيمان ابتداءً فقال: فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. طب أليس كل مؤمن مسلماً؟ إذاً لا حرج أن يقول في الآية التي تليها: فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ، فما دام شهد لهم أنهم مؤمنون إذاً هم بالتأكيد وبالتحقيق مسلمون، لكن هذا لا يعني أنه في سياقات أخرى كان مفهوم الإيمان نفس مفهوم الإسلام، هذه قضية.

طب، هل هناك توجيه آخر للآية؟ هناك توجيه آخر وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الإيمان الأوسط، قال: قوله: فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ، أن المراد المستسلمين في الظاهر، وذلك لأن امرأة لوط كانت في أهل البيت الموجودين، وكانت في الظاهر مع زوجها، وفي الباطن مع قومها على دينهم، قائمة لزوجها تدل قومها على أضيافه. ايش يريد أن يقول شيخ الإسلام؟ يريد أن يقول: الله عز وجل قال: فأخرجناها، من الذين أنجاه الله وأخرجه؟ أهل الإيمان، فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. طب هل امرأة لوط ممن خرجت ونجاها الله؟ لا، فهي ليست من أهل الإيمان.

لكن الآية الثانية تتحدث عن ماذا؟ عن أهل البيت، قال: فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ. الآن، امرأة لوط كانت تظهر أنها مسلمة، كانت تظهر لزوجها أنها ماذا؟ مسلمة، مع أنها كانت خائنة في الباطن، بل إنها كانت تظهر لزوجها أنها مسلمة، فالله سبحانه وتعالى قال: لم نجد في قرية لوط إلا بيتاً من الإسلام، ليشمل من كان إسلامه إسلاماً حقيقياً ظاهراً وباطناً، ومن كان إسلامه فيه نفاق وكفر، قال: فما وجدنا إلا بيتاً واحداً من أهل الإسلام.

وإن كان هذا البيت الذي هم من أهل الإسلام فيهم من هو مسلم ظاهراً وباطناً وفيه من هو مسلم في الظاهر وإن كان منافقاً في الباطن، فأخبر عن هذا البيت بالكلية أنه مسلم لاشتماله على نوعين: مسلم ظاهراً وباطناً، ومسلم في الظاهر فقط. لكن لما أخبر عن الأخراج والنجاة فلم يختر إلا عن ماذا؟ عن أهل الإيمان، لأن أهل الإيمان هم الذين نجوا. وأما من كان مسلما في الظاهر كافراً في الباطن فإنه لم ينج، كامرأة لوط.

طبعا هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه واستدلاله يمكن أن يعني يناقش، كان فيه ذكاء وفيه نوع من يعني التفاهم والتبصر، أنه لما قال: أخرجنا، علق الإخراج باهل الإيمان، هم الذين نجوا وحدهم، لكن لما قال عن البيت الذي كان في القرية أنه من أهل الإسلام فلم يزكه الله فيقول: أهل الإيمان، لأنه كان مختلط فيه المسلم ظاهراً وباطناً، وفيه إيش؟ لو قال: فما وجدنا فيها غير بيت من المؤمنين، لكانت تزكية لهذا البيت، مع أن هذا البيت كان فيه من هو منافق وهي امرأة لوط، فسماه مسلما حتى يشمل الإسلام الظاهر والباطن، والاسلام الظاهر فقط. فهمت الفكرة لعند شيخ الإسلام؟ وهذا يعني توجيه آخر يمكن أن توجه به الآية.

فهذا رد على الاستدلال بهذه الآية، أما الرد على استدلال محمد بن نصر المروزي على أن اسم الإسلام هو اسم مدح كما أن الإيمان اسم مدح، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد عليه: والآيات التي احتج بها محمد بن نصر المروزي عليه رحمة الله: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا، وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ، أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ، كل هذه الآيات التي ساقها محمد بن نصر المروزي إنما تدل على وجوب الإسلام وأنه دين الله وأن الله يحبه ويرضاه وأنه ليس له دين غيره، وهذا كله حق، لكن ليس في هذا ما يدل على أنه هو الإيمان بنفس المرتبة، فإن الله وعد المؤمنين بالجنة في غير آية ولم يذكر هذا الوعد باسم الإسلام المجرد.

وحينئذ فمدحه واججابه ومحبة الله له أي للإسلام تدل على أنه داخل في مفهوم الإيمان، يعني محبة الله للإسلام ومدحه للإسلام عموماً يدل على أنه جزء من مفهوم الإيمان فلذلك يحبه. لكن هل علق الله عز وجل دخول الجنة، هذه هي المفصل الذي يريد شيخ الإسلام الوصول إليه، هل هناك آية في القرآن يعد الله عز وجل فيها الجنة على مجرد الإسلام وحده؟ هذا غير موجود ولم يستطع محمد بن نصر المروزي أن يأتي باية فيها الوعد بالجنة على اسم الإسلام، لكن الوعد بالجنة على اسم الإيمان وَالَّذِينَ آمَنُوا كثير جداً.

فإذاً هي القضية قضية استقراء وتتبع لاستعمال الشارع للفظة الإيمان والإسلام، فكثير ممن تتبعوا وجدوا فرقاً وبعض من تتبع مثل محمد بن نصر وابن عبد البر قالوا: لا فرق حقيقي. فإذاً خلاف خلينا نقول داخل دائرة أهل السنة والجماعة لا تثريب فيه على أحد، وإن كان القول الأول هو القول الأظهر والله تعالى أجل وأعلم.

طيب، كم ذهب من الوقت؟ نعم، طيب نكمل إذاً وننتقل إلى جزئية جديدة، بعد أن عرفنا مفهوم الإيمان أنه قول وعمل بمفهومه المركب الذي بيناه، وبعد أن عرفنا أن الإيمان والإسلام إذا ذكر في سياق واحد اختلف مدلولهما، وإذا انفرد كل واحد منهما في سياق مدلولهما واحد. ننتقل الآن إلى مسألة جديدة وهي مسألة من فروع مسألة الإيمان، وهي: هل الإيمان يزيد وينقص؟

فنقول: أهل السنة والجماعة رضوان الله تعالى عليهم يذهبون إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وسنذكر أدلة الزيادة والنقصان، وسنذكر الخلاف المحدود الذي وقع في قضية النقصان وحدها وهل هو خلاف حقيقي، ثم نتعرف ما هي مجالات وصور الزيادة والنقصان، يعني كيف تكون الزيادة والنقصان في الإيمان. فنبدأ بالمسألة الأولى فنقول: ما هي أدلة أهل السنة والجماعة على أن الإيمان يزيد وينقص؟

نبدأ بالأدلة من القرآن الكريم: قول الله سبحانه وتعالى: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ، ليزدادوا إيماناً، فنصت الآية على أن الإيمان يزداد. وقال تعالى: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا. وقال تعالى: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا. وقال تعالى: وَيَزْدَادُ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا. وقال تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا.

وهذه كلها صريحة بزيادة الإيمان وبثبوتها، إذا ثبتت الزيادة يثبت المقابل وهو النقصان، فإن كل قابل للزيادة قابل للنقصان ضرورة. طيب، يقول ابن بطال تأكيداً لهذه القاعدة: فايمان من لم تحصل له الزيادة عقلياً ومنطقياً نقص، فإذاً أدلة الزيادة وحدها تكفي للدلالة على النقصان، وسنعرف لماذا يقولون هذا الكلام لأنه في الكتاب العزيز لم تأت آية تخبر عن نقصان الإيمان وإنما كل الآيات في القرآن ذكرت ماذا؟ قضية الزيادة، فهل هناك إذاً نقصان؟ لذلك وقع الخلاف المحدود الذي سنذكره.

وأما الأحاديث فهي كثيرة جداً التي تدل على الزيادة بل حتى على النقصان عندنا أدلة، فقوله صلى الله عليه وسلم: يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير.

هذا الحديث وضعه الإمام البخاري، انظروا فقه الإمام البخاري، وضعه تحت ترجمة باب زيادة الإيمان ونقصانه، لأنه النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال وزن الشعيرة من الخير، أي الخير أي الإيمان، فدل هذا على أن هناك الإيمان وزنه، هناك أناس الإيمان في قلوبهم وزنه وزن شعيرة، وهناك أناس الإيمان في قلوبهم وزنه وزن برّة، وهناك أناس الإيمان في قلوبهم وزنه وزن ذرّة.

وهذه الأوزان متفاوتة، إذاً هناك زيادة في الإيمان قطعا ونقصان فيه، فهذا في هذا الحديث إذاً يدل على تفاوت الناس بما في قلوبهم من الإيمان. أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: أكمل المؤمنين إيماناً.

تنم خلقاً أكمل المؤمنين إيماناً، إذاً الإيمان يكتمل، وكل ما يكتمل فهو فيه زيادة. طيب، وقال الحليمي رحمة الله عليه: فدل هذا القول على أن حسن الخلق إيمان. يقول الحليمي في تعليقه على هذا الحديث، قال: فدل هذا القول على أن حسن الخلق إيمان، وأن عدمه نقصان للإيمان، وأن المؤمنين في إيمانهم فبعضهم أكمل إيماناً من بعض؛ مما استدل به أهل السنة والجماعة من الأحاديث الدالة على نقص الإيمان.

الآن بدنا نأخذ حديثاً يدل على نقص الإيمان، أن الإيمان يقبل النقصان أيضاً. قوله صلى الله عليه وسلم في النساء: ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن. فقلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ فقال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: فذلك من نقصان عقلها. قال: أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قال: فذلك من نقصان دينها، فذلك من نقصان دينها. فدل هذا الحديث على ماذا؟ على أن الدين أيضاً يقبل النقصان.

قال البغوي رحمة الله عليه: إن الإيمان قول وعمل وعقيدة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء الحديث بالنقصان في وصف النساء؛ يعني البغوي يشهد بهذا الحديث على أن الإيمان ينقص، فقال: وجاء الحديث بالنقصان في وصف النساء. فاستدل البغوي بهذا الحديث على أن الإيمان ينقص. وقال الحليمي رحمة الله عليه: فإذا كانت المرأة لنقصان صلاتها عن صلاة الرجل تكون أنقص ديناً منه، مع أنها غير جانية بترك ما تترك من الصلاة لأنها حائض، أفلا يكون الجاني بترك الصلوات عمداً أنقص ديناً من المقيم بها المواظب؟ يعني إذا كانت المرأة وهي ليست آثمة في تركها للصلوات جعلها النبي صلى الله عليه وسلم ناقصة في الدين، فما بالك بمن يترك الصلاة عمداً ويهجرها وهي واجبة عليه؟ أليس هذا أحق من أن يكون دينه ناقصاً؟ بلى.

وأما أقوال الصحابة التي تدل على أن الإيمان يزيد وينقص، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان يقول: الإيمان يزيد وينقص. رواه الإمام أحمد في الإيمان، وعنه ابن عبد الله في كتاب السنة، وابن بطة في الإبانة، وابن ماجه في كتاب الإيمان، واللالكائي. أيضاً أبو هريرة رضي الله عنه قال: الإيمان يزيد وينقص. استخرجه الآجري في الشريعة، وابن بطة في الإيمان، واللالكائي. وعن عروة بن الزبير أنه قال: ما نقصت أمانة عبد قط إلا نقص إيمانه. فكل هذه النصوص إذن تدل على أن الإيمان يزيد وينقص. أيضاً عمير بن حبيب الخطمي يقول: الإيمان يزيد وينقص. قيل: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله فحمدناه وسبحناه فتلك زيادة، واذا غفلنا عن ذكره فذلك نقصانه، وهذا شيء طبيعي.

طيب، نأتي الآن إلى ذكر الخلاف المحدود في هل الإيمان ينقص. الآن أهل السنة والجماعة متفقون على أن الإيمان يزيد، لكن هل ينقص؟ نقول: يقول ابن عبدالبر رحمة الله تعالى عليه: روى ابن القاسم عن الإمام مالك بن أنس أن الإيمان يزيد، ووقف في نقصانه. مالك بن أنس نقل عنه ابن القاسم أنه ايش قال؟ الإيمان يزيد، لكن هل ينقص؟ توقف الإمام مالك. وروى عنه عبدالرزاق، ومعمر بن عيسى، وابن نافع، وابن وهب أنه يزيد وينقص. إذاً في روايات أخرى عن الإمام مالك أنه قال بالزيادة وبالنقصان؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وعلى هذا مذهب الجماعة من أهل الحديث والحمد لله.

يقول ابن تيمية: كان بعض الفقهاء من اتباع التابعين لم يوافقوا على إطلاق النقصان على الإيمان. لماذا؟ لأنهم وجدوا ذكر الزيادة في القرآن، ولم يجدوا ذكر النقص في القرآن الكريم؛ لم يتطرق القرآن إلى موضوع النقص، لكنه تطرق إلى موضوع ماذا؟ الزيادة. فبعض الفقهاء كالامام مالك نقل عنه أنه توقف في النقص من باب ماذا؟ ليس لأنه لا يعتقد وجود نقص في الإيمان، تورعاً عن إطلاق مفهوم النقص لعدم وروده في القرآن، تورعاً عن الاسم. وهذه من ورعهم وشدة اتباعهم أن المصطلح إذا لم يوجد في القرآن ولا في السنة يتورعون عنه؛ فالإمام مالك تورع عن إطلاق النقصان لعدم وروده في ماذا؟ في القرآن الكريم. طبعا هذه إحدى الروايات عنه، إلا أن هناك روايات أخرى تدل على أنه أطلق النقصان وهي كثيرة.

لكننا نفهم مفهوم يعني نفهم سياق كلام الإمام مالك أنه من باب التورع والاحتياط لم يطلق اسم النقصان لأنه لم يجده في كتاب الله، بخلاف الزيادة فإنها صريحة متكاثرة في نصوص القرآن والسنة. والخلاف في هذا كما قلنا محدود، أن الخلاف ليس خلاف عقد؛ الخلاف في هذه المسألة خلاف هل يطلق الاسم ولا لا؟ يعني هل نطلق النقصان ولا ما نطلقه؟ وإلا كحقيقة فحتى مالك بن أنس هو موافق على ذلك، لكن في الرواية قال: أتوقف عن اطلاقه، فقط أتوقف عن إطلاق الاسم. وإلا كحقيقة فالله أعلم أن الكل متفق على وجوده كحقيقة.

الان بقي علينا أن نتكلم عن مجالات الزيادة والنقصان، ونقول: عرفنا أن الإيمان قول وعمل، وأن القول يشمل قول القلب واللسان، وأن العمل يشمل عمل القلب والجوارح. فهل التفاضل يكون بعمل الجوارح فقط، أم بعمل القلب فقط؟ أم أن التصديق والمعرفة يشملها التفاضل أيضاً؟ وإذا كان كذلك، يعني ما مجالات التفاضل؟ هل التفاضل في الإيمان يكون فقط في أعمال الجوارح، أم حتى أعمال القلوب يحصل فيها التفاضل؟ أم حتى قول القلب، وهو التصديق، نفس التصديق يحصل فيه التفاضل؟ ترى هذه كلها مسائل وقع فيها خلاف.

فنقول، أما من يدخل العمل في مسمى الإيمان -أنتم الآن فاهمين معنى ايش بنبحث، مجالات الزيادة كيف يزيد الإيمان- نقول: أما من يدخل العمل في مسمى الإيمان، وهم أهل السنة والجماعة، فيتفقون على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويزيد بذكر الله وينقص بالغفلة والنسيان عن ذكر الله. لكن قد يفهم البعض من ذلك يعني لما لما يقول السلف: الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، هذه جملة مشهورة عن السلف، الإيمان يزيد بالطاعة ينقصونه، فالبعض ايش يفهم؟ يفهم أنه مجال الزيادة والنقصان فقط في الطاعات في أعمال الجوارح وفي تركها. هذا مجال الزيادة والنقصان، وهذا ليس بدقيق. يظن البعض أن السلف يحصرون مجال التفاضل على عمل الجوارح وقول اللسان فقط، والحقيقة خلاف ذلك.

فقول السلف أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية لا يقصدون بالطاعة عمل الجوارح وقول اللسان فقط، بل عمل القلب أيضاً من الطاعة. لما نقول: الإيمان يزيد بالطاعة، أليست أعمال القلوب من المحبة ياتي في الله والبغض في الله والموالاة والمناصرة والتوكل والخشية ليست أعمالاً كما قررنا وبها يزيد وبفقدانها ينقص؟ قال: بل عمل القلب من الطاعة، فالحب في الله والبغض في الله، وحب الأنصار، وأن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، والخوف والرجاء والتوكل إلى آخر هذه الأمور، كل ذلك من الطاعات، وهو من الإيمان كما سبق، ومن ثم يتفاوت الناس فيه، والأمر في هذا بين.

فهل يمكن أن يقال إن الناس متساوون مثلاً في حبهم، وفي بغضهم، وفي توكلهم على الله، وفي خشيتهم لله؟ الناس لا تتساوى في هذه الأمور. كذلك أيضاً يقولون أهل السنة والجماعة: إن الإيمان ينقص بالحسد والكبر والعجب إلى غير ذلك مما ينافي عمل القلب الواجب. أيضاً أحبابي الكرام، التصديق، تصديق القلب ومعرفته بالله، بعض كثير من الأقوال والفرق البدعية، خاصة المرجئة وغيرهم، يقولون إن تصديق القلب لا يتفاوت؛ خلاص، إذا صدقت بالله هو تصديق، يا مصدق يا مكذب، ما في تفاوت في هذا التصديق. وهذا في الحقيقة ليس بصحيح، بل حتى التصديق بالله سبحانه وتعالى وبالحقائق يكون عند أشخاص في درجة عالية جداً، ويكون عند أشخاص آخرين في درجة متدنية جداً، مع أن هذا عنده تصديق وهذا عنده تصديق؛ فالتصديق ليس شيئاً واحداً.

أيضاً التصديق، تصديق القلب بالله، وهو قول القلب، هل هو شيئاً واحداً لا يقبل التفاوت يا شيخ قصي؟ بعض الناس يظن يتوهم أن التصديق بالله لا يقبل التفاوت، لكن في الحقيقة يقبل التفاضل؛ فهناك شخص يعبد الله كأنه يراه من شدة تصديقه به، وهناك شخص يؤمن بوجود الله لكن هذه الحقيقة ليست قوية في قلبه كقوتها عند غيره. لذلك سيدنا إهراهيم عليه السلام لما سأل ربه، ماذا قال؟ رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن يعني الم تحقق؟ أو لم تؤمن يعني ألم تصدق؟ أولاً تؤمن ألم تصدق؟ قال بلى ولكن ايش؟ نريد الزيادة في التصديق، يريد أن يصل إلى درجة عين اليقين، لأنه كما تعلمون اليقين مراتب؛ هناك علم اليقين، وهناك حق اليقين، وهناك عين اليقين. وعين اليقين هي أعلى درجات التصديق.

فأنت إذا رأيت شيئاً، تصديقك به سيكون أشد من تصديقك به لو أنك أخبرت عنه إخباراً، صح ولا لا؟ أن أخبرك عن قضية، أنت بتقول والله الشيخ إبراهيم إن شاء الله أنه صادق وأنا مصدق كلامه، لكن لما أخذك وأريكها بعينك، تصديقك يصبح مستواه ومنسوبه عالي، فكذلك الإيمان. نقول: الإيمان أصله التصديق، أليس كذلك؟ وهو قول القلب. فنقول: قول القلب وهو التصديق يقبل أيضاً التفاوت بذاته؛ فكما أن أعمال الجوارح تقبل التصديق -عفواً، كما أن أعمال الجوارح تقبل التفاوت، وأعمال القلوب تقبل التفاوت- كذلك قول القلب وهو التصديق يقبل التفاوت، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة.

يقول ابن رجب: التصديق القائم بالقلوب يتفاضل. سمعنا ايش يقول ابن رجب؟ التصديق القائم بالقلوب يتفاضل، وهذا هو الصحيح. فإن إيمان الصديقين الذي يتجلى الغيب لقلوبهم حتى يصير كأنه شهادة بحيث لا يقبل التشكيك والارتياب، ليس كإيمان غيرهم ممن لا يبلغ هذه الدرجة بحيث لو شكك لدخل له الشك. وهناك أناس إيمان مستواه عالي جداً، لو شكك بوجود الله لا يدخله الشك؛ وهناك أناس ضعاف الإيمان بمجرد أن تطرح له شبهة عن وجود الله سبحانه وتعالى، يبدأ الشك يتساور إلى قلبه ويدخل. وهذا يدل إذاً على حقيقة أن الإيمان يقبل التفاوت.

ويقول الإمام النووي في الأذن: هنا ساسأل سؤال، هل آآ مثلاً الأشاعرة وعموم المرجئة يخالفون في قضية آآ أن التصديق يزيد وينقص؟ في الحقيقة لا؛ هناك بعض الأئمة وإن كانوا مرجئة في الإيمان، والذين قالوا إن الإيمان مجرد تصديق القلب، وهؤلاء سيأتون معنا، هؤلاء اختلفوا أيضاً، فمنهم من وافق أهل السنة والجماعة على أن تصديق القلب يقبل الزيادة والنقصان، وخاصة هؤلاء الذين غلب عليهم منهج المحدثين الأشاعرة الذين غلب عليهم الاشتغال بالأحاديث النبوية بالحديث النبوي. فهؤلاء وإن كانوا يخالفون في مفهوم الإيمان كما سيأتي معنا، لكنهم وافقوا على أن تصديق القلب يقبل الزيادة والنقصان.

فيقول النووي عليه رحمة الله: فالأظهر والله أعلم أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر، التأمل بقا في السماوات، في الأرض، في خلق الله سبحانه وتظاهر الأدلة؛ الذي عنده مائة دليل على وجود الله ليس كمن عنده دليل واحد أو لا يعرف الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبهة ولا يتزلزل إيمانهم بعارض بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال، واما غيرهم غير الصديقين يعني من المؤلفة قلوبهم ومن قاربهم فليسوا كذلك. فهذا مما لا يمكن انكاره ولا يشك آخر في أن نفس تصديق أبي بكر لا يساويه آحاد الناس؛ هل إيمان وتصديق أبو بكر أو تصديق أبي بكر كتصديق عوام الناس الذين جاءوا بعده؟ بالتأكيد ليس ذلك كذلك.

طيب، وهانا سنبدأ في موضوع آخر، انتهيت من موضوع مجالات التصديق، وبالتالي لخصنا فكرة زيادة الإيمان ونقصانه. هناك موضوع آخر، نعم نعم يخالفون، وسنأتي فنبدأ يعني الآن إن شاء الله سنشرع في كلام عن الفرق البخاري في أهل السنة والجماعة في باب الإيمان، وهم على نوعين: الوعيدية والوعدية. الوعيدية هم من ذهب إلى الغلو في هذا الباب، وهم الخوارج والمعتزلة، والوعدية هم الذين فسخوا هذا الباب وميعوه وهم المرجئة. وسنتكلم عن أقسام الوعيدية وعن أقسام الوعدية، لكن لأنه موضوع جديد، خلص، أشرع فيه اليوم إن شاء الله للمحاضرة القادمة بإذن الله، مستعينين بالله سبحانه وتعالى، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.