بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمدُه سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أحبابي الكرام إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة العقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر الطحاوي رحمة الله تعالى عليه.
المحاضرة السابقة تكلمنا عن مجموعة من المسائل التي تتعلق بالسمعيات؛ تكلمنا عن قضية الحوض، تكلمنا عن قضية الشفاعة، تكلمنا أيضاً عن قضية الميثاق. اليوم سنمر على مجموعة من الفقرات التي سبق أن تحدثنا عن تفاصيلها مسبقاً، لذلك سيكون حديثنا جملياً، يعني لن ندخل في التفاصيل مرة أخرى لأننا نريد أن نسير أكثر وأكثر في رحاب العقيدة الطحاوية وننتقل إلى المواضيع الأساسية في العقيدة التي تهمنا.
ولذلك سنقرأ بعض الفقرات الآن بإذن الله ونعلق عليها تعليقاً عاماً سريعاً، وقد أقتصر على كلام ابن أبي العز الحنفي الذي ذكره عندكم في الشرح ولا أزيد عليه. يقول الإمام الطحاوي عليه رحمة الله تعالى: وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه. لأن هذه الفقرة أحبابي الكرام تتحدث عن ماذا؟ عن مسألة العلم الإلهي، تتحدث عن مسألة العلم الإلهي وسعة العلم الإلهي، وأنه علم لا يمكن أن يدخل فيه الجهل بشكل من الأشكال ولا أن يطرأ عليه البداء بشكل من الأشكال.
فالله سبحانه وتعالى لا يعلم شيئاً ثم يكتشف أنه كان مخطئاً أو على خلاف الصواب فيعود يعلمه مرة أخرى بالوجه الصحيح سبحانه وتعالى، فعلم الله سبحانه وتعالى أزلي لا يتغير ولا يطرأ عليه البداء. وعرفنا سابقاً أيضاً أن العلم الإلهي عند أهل السنة والجماعة ينقسم إلى العلم الأزلي وإلى العلم المتجدد الذي يتعلق بالأشياء بعد وجودها، فقلنا إن علم الله هناك العلم الأزلي الذي يتعلق بالأشياء وهي معدومات وهذا علم أزلي، وهناك العلم الذي يتجدد والمراد به أنه يتعلق بالأشياء بعد وجودها، وعرفنا أن العلم المتجدد لا يمكن ويستحيل أن يخالف العلم الأزلي في مضمونه، ولكنه سبحانه وتعالى هو الذي أخبرنا عن طبيعة هذا العلم المتجدد فلذلك أثبتناه.
كما قال سبحانه وتعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ. وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ. إلى آخر ما تم ذكره مسبقاً في قضية العلم الإلهي ونحن نتحدث عن مراتب القدر.
فإذاً، أقول: عاد المصنف رحمة الله عليه للحديث عن مسائل القدر وعن مراتبه وبيان الموقف الصحيح الذي يجب أن يقف منه المؤمن تجاه هذه القضايا، أعاد للحديث عن مرتبة العلم الإلهي السابق للأشياء، وأنه سبحانه وتعالى لم تخف عليه خافية من أهل السعادة أو من أهل الشقاء، ولم تخف عليه خافية من أفعالهم. فقال: علم الله فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار، وعلم الله عز وجل أيضاً الأفعال التي يفعلها أهل الجنة والأفعال التي يفعلها من كتب له أن يكون من أهل الشقاوة. فكل شيء بعلم الله سبحانه وتعالى، وحاشاه أن يخرج شيء عن معلومه.
والإمام الطحاوي كما قلنا يركز على قضية العلم لأنه يريد أن يرد على طائفة من المعتزلة، خاصة غلاة المعتزلة الذين أنكروا العلم الإلهي، وبعضهم أثبت علماً إلهياً كلياً ونفى علم الله سبحانه وتعالى بالجزئيات وهذا انتشر القول عند الفلاسفة. فالامام الطحاوي يريد أن يركز على هذه القضية لأنها كانت في زمنه محط نقاش وجدال عقدي، فيريد أن يثبت أن أهل السنة والجماعة قضية العلم عندهم قضية محسومة؛ أن الله يعلم الكليات ويعلم الجزئيات ولا تخفى عنه خافية في كل شيء، ويرد بذلك على من نفى العلم الإلهي أو جعل العلم الإلهي متعلقاً فقط بالكليات ولا يتعلق بالجزئيات.
ونقول قال ابن أبي العز عندكم في شرح العقيدة الطحاوية: يقول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. وقال تعالى: وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا. لاحظوا عموم العلم الإلهي: إن الله بكل شيء عليم، وكان الله بكل شيء عليماً. فالله تعالى موصوف بأنه بكل شيء عليم أزلاً وأبداً، لم يتقدم علمه بالأشياء جهالة، هل كان الله جاهلاً قبل أن يعلم؟ حاشاه، هذا حال المخلوق، واما الله عز وجل الخالق حاشاه أن يتقدم علمه شيء من الجهالة وما كان ربك نسياً.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة فنكس رأسه فجعل ينكت بمخصرته، يعني يحفر في الأرض، كيف أنت عندما تكون سرحان وهكذا تحفر في الأرض بشيء وأنت ذاهل تفكر في شيء من امور الحياة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان من هيبة الموقف وجلالته ولانه يريد أن يحدث اصحابه بشيء أخذ هذه الوضعية وهذه الهيئة، فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة.
فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ يعني بما أن الأمور قد فرغ منها، وعرف من هو من اهل الجنة ممن هو من اهل النار عند الله، فلماذا لا ننام ونجلس وننتظر ماذا سيحدث لكل واحد منا وندع العمل؟
فقال: من كان من اهل السعادة انظروا جواب النبي عليه الصلاة والسلام، قال: من كان من اهل السعادة فسيصير إلى عمل اهل السعادة، أي سيعمل بعملهم. فاذا أنت وجدت نفسك تعمل بعمل اهل السعادة في الحياة الدنيا فتطلب العلم، وتحافظ على الصلوات، وتحافظ على أورادك، وعلى مجالسة الصالحين، وعلى الامور الخيرة النافعة، وتبتعد عن المعاصي؛ فهذه إشارة خير لك أنك الآن مستعمل في عمل اهل السعادة.
وإذا وجدت نفسك تتابع على المعاصي والذنوب ومساخط الله سبحانه وتعالى، فهذه إشارة سوء وهي أن الله يستعملك في عمل اهل النار والعياذ بالله. فأنت خطواتك في الحياة وإنجازاتك والذي تمارسه هو الذي يعطيك مؤشرات إلى الوجهة التي ستتجه إليها والعياذ بالله، نسأل الله أن تكون وجهة خير وأن يعيذنا الله عز وجل من وجهة السوء. فدائما إذا وجدت الله سبحانه وتعالى يؤزك ويدفعك إلى مجالس الصالحين وإلى رفقة الصالحين وإلى مجالس العلم والتعلم وإلى قراءة القرآن والأعمال النافعة، فعليك أن تحمد الله سبحانه وتعالى أنه ييسرك لعمل اهل السعادة.
وفي المقابل عليك أن تستعيذ بالله وأن تطلب منه العصمة وأن يعيذك الله من عمل اهل النار. فيقول: ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة. ثم قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له. يعني أنت ما تشتغل وتقول: ما الذي كتب لي؟ وهذا ذكرته كثيراً، أنه موقف المؤمن من هذه المسائل أنه ليس لك أن تنظر ما هو العلم الالهي في، خلاص هذا شغل الله سبحانه وتعالى، أنت أنظر في العمل الذي تستطيع أن تقدمه وكن واثقاً بأنه عملك الذي تفعله هو مؤشر لطبيعة ما ستنتهي عليه، وما سيكون إليه مآلك. خطواتك التي تخطوها في الحياة هي التي تعكس المؤشرات على ما سيكون إليه حالك عند الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة. فالامر مخيف في الحقيقة، فالانسان دائماً يتلمس خطواته في هذه الحياة الدنيا، وإذا وقعت في معصية فسارع بالتوبة؛ لأنك إذا سارعت في التوبة فهذا مؤشر خير، لكن إذا بقيت المعصية تجر المعصية والمعصية تجر المعصية فهنا عليك أن تخشى أن يكون الله سبحانه وتعالى يسيرك إلى عمل اهل النار والعياذ بالله.
إذاً، واما اهل الشقاوة فيسرون لعمل اهل الشقاوة، ثم قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما اهل السعادة فييسرون لعمل اهل السعادة، واما اهل الشقاوة فييسرون لعمل اهل الشقاوة. ثم قرأ قول تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى. إذاً كما قلنا، هذه الفقرة واضحة وتم شرحها مسبقاً فلا حاجة للإطالة فيه.
ننتقل إلى النص الذي يليه، قال: وكل ميسر لما خلق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله. وهذه كلها من مسائل القدر؛ هذه جمل تتعلق بابواب القدر: كل ميسر لما خلق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله. فنحن نؤمن أهل السنة والجماعة أن هناك قضاء مسبق وقدر مسبق، علم الله سبحانه وتعالى فيه طبيعة أعمالنا وطبيعة نهايتنا، هل سنكون من أهل السعادة أم سنكون من أهل الشقاء؟ هل هذا معلوم عند الله مسبقا؟ نعم معلوم عند الله سبحانه وتعالى.
وأعمالنا في الحياة الدنيا وتفاصيلها هل هي معلومة؟ نعم هي معلومة عند الله سبحانه وتعالى المسبق. طيب، إذاً أنا ماذا أفعل في الحياة الدنيا؟ إذا كان كل شيء معلوم عند الله يا شيخ، أنا ماذا أفعل؟ نقول: هذا علم الله سبحانه وتعالى، هذا شيء لم يطلعك عليه، شيء لم يطلعك عليه فليس لك أن تدخل فيه وأن تخوض في علم الله. أنت تؤمن بعلم الله المسبق، وتؤمن أنه فعلاً السعيد من علم الله سبحانه وتعالى وقدر وقضى أنه يكون سعيداً والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي هو من علم وقدر الله أن يكون شقياً.
لكن أنا كعبد في الحياة الدنيا، أنا كعبد في الحياة الدنيا لا أدري، لا أعرف من أي النوعين أنا، والله سبحانه وتعالى منحني إرادة حرة وقال لي: اعمل، وضعني في ساحة الابتلاء في ساحة التكليف وقال لي: اعمل، أنت وظيفتك العمل يا ابن آدم، ليس وظيفتك أن تفتش عن العلم الإلهي، أين وضعني الله سبحانه وتعالى؟ هل وضعني هنا أم هنا؟ عليك أن تعمل وأن تشتغل بما هو نافع، وكما قلنا لك أعمالك تعطيك مؤشرات، تعطيك مؤشرات إلى أين أنت تسير.
لكن كما قلنا، قد الإنسان يعمل بعمل أهل السعادة فترة ثم يتحول إلى عمل أهل الشقاء، فعملك هو يقودك سواء كنت على عمل أهل السعادة ثم تحولت أو من عمل أهل الشقاء ثم تحولت، أعمالك تبين لك البوصلة التي تتجه إليها. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل إراداتنا وهممنا دائماً تتوجه إلى أعمال الخير.
لأنه في الحقيقة أحبابي الكرام أمر والله ثقيل لو الإنسان تفكر فيها وجلس جلسة صادقة مع نفسه، ترى الموضوع خطير جداً. يعني الحياة الدنيا أحبابي مهما بلغت مصائبها فستنتهي، ضاعت عليك أموال وصرت شركات اختلفت عليك وفقدت عزيزاً فقدت حبيباً، كلها كل مصائبها تنتهي وتزول والله سبحانه وتعالى ينسيك، لكن قضية السعادة والشقاء هذه لا يمكن أن تنسى لأنها قضية مصيرية.
قضية مصير: كتبك من أهل الشقاء بالله عليك كيف ستخلص منه؟ وهذه القضية لا تنتهي، أهل الشقاء ليست عذاب يوم وليلة وينتهي الأمر، تتكلم عن نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى، تتكلم عن عذاب مستمر، تتكلم عن جحيم، تتكلم عن ماء كالمهل يشوي الوجوه، تتكلم عن أنواع من المآسي والعذاب والشدة والضنك.
أنا أقول: لو سجن الإنسان في أصعب سجون الدنيا، ها يا شيخ عمر، لو سجن في أصعب سجون الدنيا، لو سجن في أحلك الغرف، لو سجن أينما سجن بالنهاية سينتهي الأمر سينتهي، صح؟ أقلها ستموت وتخرج من هذه الغرفة غصباً عن السجان ستخرج. فعذاب الدنيا ومآسيه وقيودها كلها تنتهي، لكن بنار جهنم لا تنتهي، مصيبة نار جهنم: أشد عذاب فيها أن العذاب لا ينتهي، يعني حتى لو كان عذابه كنار الدنيا، لكنه لا ينتهي، هاي بحد ذاتها مصيبة، عدم النهاية الخروج الأبدي هي بحد ذاتها مصيبة.
فالانسان لو تفكر قليلاً في هذا الموطن وتدبر حاله، أنني الآن ونحن وكل من يسمعنا هو بالتأكيد قد كتب له نصيبه، هل هو من أهل السعادة أم هو من أهل الشقاء؟ يعني هذا شيء في علم الله منتهي منه. أنا واياكم، كل واحد منا علم الله سبحانه وتعالى مصيره، لكن يبقى عليك أنت الآن ماذا؟ طب أنا ماذا أفعل إذا كانت القضية محسومة عند الله سبحانه وتعالى؟ أنت عليك أن تعمل وفق إرادتك الحرة، تعمل وفق ما أعطاك الله عز وجل من إرادات واختيار، وأن تتجه دائماً للأعمال الخيرة.
لأنه كل ما توجهت للأعمال الخيرة هذا بصيص نور لك أنك لعل الله عز وجل كتبك من أهل السعادة، وإذا وجدت نفسك تدفع للأعمال السيئة فهنا تخشى وتخاف وتبكي على نفسك لأن هناك مصيبة معناه أنا الآن مستعمل بعمل أهل النار. فهذه القضايا قضايا بالنسبة للسنة والجماعة أصيلة عالية عظيمة.
وعندما نقرأ في سير السلف كان عمر بن الخطاب يبكي حتى كان على وجنتيه خطان أسودان من البكاء، أنهم كانوا يدركون والله يا أحبابي الكرام أن القضية -نحن نعيش في غفلة في هذا الزمان- مصيرنا، نعيش في غفلة عن لقاء الله سبحانه وعن القضية الحاسمة. أحدنا يبكي على مال ذهب، يبكي على دنيا فانية، يبكي على مصيبة، ولكنه لا يبكي على أنه لا يدري أين مصيره، لا يبكي على أنه لا يدري أين مصيره، هل هو من أهل السعادة أم هو من أهل الشقاء؟ والله هذه القضية التي كانت تبكي السلف.
هذه من أجلها كانوا يبكون، ويقومون الليل، ويصومون النهار، ويحرصون، ويراقبون الخطرات، وكل ليلة يحاسب نفسه، ويحاول أن ينظر أين أقدمه وصلت في الحياة، وهل أنا على استقامة؟ ويراقب النفس، ويراقب الخطرة، ويراقب النية، ويراقب؛ لأنه يدرك أن الموضوع عملية انحراف يسيرة يمكن أن تؤدي بك إلى نار تلظى، عملية انحراف وبعد عن الله سبحانه وتعالى قد تجعلك من أصحاب المآسي، تكون نهايتك محزنة شقية.
الموضوع أحبابي فعلاً يحتاج إلى توفيق من الله سبحانه وتعالى، فدائماً سل الله التوفيق.
قرع باب السماء وقل: يا رب اكتبني من أهل السعادة، واجعلني من أهل السعادة، وآآ دلني على أعمال أهل السعادة، وتعلّق بالله؛ لأنك إذا كنت تدعو بهذا الدعاء، دعاؤك بهذا الأمر هو مؤشر خير، أن يوفقك الله لمثل هذا الدعاء، أنه يا رب اجعلني من أهل السعادة، واكتبني من أهلها، وسيرني إلى أعمالهم.
هذا الدعاء بحد ذاته -أن يوفقك الله إليه- هو مؤشر خير إن شاء الله أن الله يريدك بهذا الخير طريق، لكن أن لا تدعو بهذا الدعاء، وأن لا تلتفت إليه، وألا يكون من همومك أن تكون على أعمال أهل السعادة، هذا بحد ذاته نذير شر، أنه أنت مش مهتم بأصل القضية، وعدم اهتمامك معناته أن الله صرف قلبي عنها، وإذا صرف الله قلبي عنها، فهذا معناه أن الله يخذلني، والخذلان الإلهي مصيبة أحبابي الكرام.
القضية يعني تحتاج منا إلى نظر وتأمل، ونحن لا ندرس مسائل العقيدة من أجل فقط أن نعرف أخوان أهل السنة والجماعة ونمشي، بل هذه مسائل يجب أن تأخذ جل وقتنا وحياتنا، وأن نعيش من أجلها ونموت من أجلها، وأن يبقى الإنسان دائماً على حذر ووجل من أن يخطئ أو أن يضل.
عندما تخطئ في العقيدة قد تكون الجناية الخطأ كبيرة جداً، الخطأ في العقيدة أحبابي ليس كخطأ في فقه، أو في أخلاق، أو في مسألة نحوية، أو لغوية، أو أصولية، الخطأ في الاعتقاد قد يجعل كل تصوراتك ومسيرتك في الحياة مغلوطة.
فلذلك يحرص الإنسان ويعض، ولماذا كان السلف لا يسمعون لأهل البدع ويهجرونهم؟ ويقول لك؛ لأنه يدرك أنه شبهة واحدة في الاعتقاد قد تنهي حياة إنسان، قادرة أن تنهي حياة إنسان وتشوّه مسيرتك الحياتية، بل تبعدك عن الله سبحانه وتعالى، وكثير اليوم ممن أناس ذهبوا إلى الإلحاد واللا دينية والشكوكية، إنما كانت نتيجة الشبهات، شبهات عقدية فاسدة.
واحد الإخوة يعني قبل أيام يرسل لي طول حساب شاب كان نشيطاً على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه كان نشيطاً في الطعن في عقيدة السلف، اه، كان نشيطاً في الكلام عن عقيدة أهل السلف، يطعن فيها ويتكلم، وأنا كنت أرى كلامه السابق، ويحرص أي موقف ينبز فيه: وهؤلاء جهال، وهؤلاء كذا، وهؤلاء، والطريقة الصحيحة طريقة النفي والتعطيل لكذا وكذا، طبعا ولا أي نفي يسمى نفي وتعطيل؛ لأنه يسميها التنزيه إلى غير ذلك، ويخوض فيه الأئمة الكبار من علماء السلف.
لكن سبحان الله أنا كنت أتابعه قديماً، أحد الإخوة يرسل لي حسابه قبل فترة، يقول فيها يعني: لقد قررت أن أتجه نحو الإلحاد، يعني كان على مذهب من المذاهب البدعية المنحرفة، ويزعم أنه يدافع عن المذهب الحنبلي، وعن عقيدة الحنابلة الصحيحة، وأنها التفويض وليس من العقيدة، المهم ثم بعد ذلك يأتي فيقول في رسالة: إنني قررت أن أتجه نحو الإلحاد بسبب كثير من الشكوك والشبهات التي طالت في القلب وجلست فترة طويلة أفكر فيها.
وهو يقول عن نفسه إنه اقتنع أنه يجب أن يتجه نحو قرار الإلحاد وألا يبقى هذا في هذه الدوامة النفسية، ويخبر يعني: لا تظن أن حسابي تم يعني قرصنته، بل هذا أنا فلان الفلاني الذي كنتم تعرفونه بكذا وكذا الحنبلي، أنا الآن أقول لكم أنني ملحد، من أحب أن يبقى معي فليبقى ومن أحب أن يغادر فليغادر.
ترى يا إخواني، القضية قضية الشبهات والانحرافات العقدية مش سهلة، عندما نقول يعني نحن نتعبد الله بتدريس العقيدة، ونتعبد الله بالحرص على هذه المسائل، بعض الناس يظن أن مسألة يا شيخ سهلة، الدين ليس فيه شيء اخواني سهل، قد تكون سهلة من حيث التصور، لكن الثبات عليه عزيز مع كثرة الشبهات التي يردها.
لذلك بعض الناس يعني لما يقرأ كلام السلف كيف كانوا يضعون أيديهم في آذانهم حينما يسمعون لأهل البدع، ويقول الحسن البصري: أما أن تقوم أنت وإما أن أقوم أنا، ويرفضون المناقشة، ويرفضون الجدال، ويرفضون القراءة في كتبهم ومصنفاتهم.
يظن أنه يقول لك: ليش هذا الموقف الصعب منهم؟ لا مش أنتم واثقين من عقائدكم لماذا لا تناقشون؟ اللغة المعاصرة اليوم هيك دارجة صح أنه ليش ما يناقش الحسن البصري وفلان وفلان؟ لماذا كانوا يضعون أيديهم في آذانهم؟ لماذا كانوا يرفضون النظر في كتبهم؟ ليش ما يقرأ كتبهم ويرد عليهم؟ لأنهم والله كانوا يخشون.
وايمانهم يعني حتى ولو كانوا من أئمة السلف ومن أذكى الدنيا، لكن بقول لك يا عمي السلامة لا يعدلها شيء، الله السلامة لا يعدلها شيء، يقول لك: شبهة واحدة قد تدخل في عقلي وأنا أقرأ في كتاب لرجل على عقيدة منحرفة، شبهة واحدة تتمكن من القلب، قد تؤدي بك والعياذ بالله إلى الكفر والبلية، لكنها هي خطوات الشيطان، يعني هي ابتداء تنقلك إلى عقيدة بدعية، لكنها رويداً رويداً تغمسك في نار جهنم وأنت لا تشعر، تصرف كان عندهم فقه.
والله نحن أحبابي عندنا نوع من الاستعجال، ونوع من الهجوم على المسائل، ونوع من هكذا حب النقاش والجدال والمناظرة، اليوم تجد الشاب درس سنتين في جامعة، السنة الثالثة بدأ عبر وسائل التواصل، أخرجوا لنا أخرجوا لنا أكفاءنا، ويبدأ يناظر ويناطح، والمسكين لا يدري أنه لماذا أنت مستعجل اخي؟ السلف العلماء الكبار، أئمة الدنيا والدين، كانوا يخشون من الدخول في المناظرات والمجادلات والنظر في كلام أهل البدع، ويقول: أنا اريد أن أحيا على الكتاب والسنة، لا أريد شيئاً آخر، أريد أن أموت عليه؛ لأنه يدرك أنه يريد السلامة لنفسه الآن.
نعم بعضهم كان يجد يعني الله سخّره ليقرأ كتب المخالفين ويرد عليها، لكن هذا ليس هو حال كل مسلم وكل طالب علم، يعني هذه قضية اريد أن أنبه عليها، أنه بعض طلبة العلم يظن أني بما أني طالب علم يجب دائماً أن أقرأ الفرق المخالفة في مصنفاتهم، خطأ، قد تكون أنت شخص لست مؤهلاً بأن تقرأ في مصنفات المخالفين، فاقتصر على عقيدة أهل السنة والجماعة، ولا تجرب نفسك.
وهذه مقولة لابن حزم الظاهري كان يقول فيها: لا تجرب نفسك، ويخبر عن نفسه في كتاب مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق، يقول: لا تجرب نفسك في الآراء؛ لأنك قد تضعف عن فهم كلام المخالف، وقد تظن أن حجته أقوى من حُجتك، قد تأتي شبهة تنغرس في قلبك، تبقى شاكاً في مولاك، فتحدث في قلبك نكتاً سوداء والله تنتهي فيك خارج أسوار الشريعة.
فأنا أقول الأحبة في هذا الزمن: لا تتابعوا مع هذه الموجات التي تدعو إلى أن يقرأ طالب العلم في كل كتب الاعتقاد، أنا أقول هذا التوجيه ولو صدر من بعض المتصدرين على وسائل التواصل من الدعاة والمشايخ، لكنه ليس بصحيح.
بعض المشايخ يقول للطالب: أنا أنصحك اقرأ لكل العقائد واختر أنت الطريق، لا يا اخي دمرته للطالب، ايش بقول لك اقرأ لفلان وفلان؟ لا اخي الكريم، وجهه نحو عقيدة السلف الصالح، لا تجعل هذا الشاب طالب العلم يدخل في مجاري الأهواء وآراء الرجال؛ لأن آراء الرجال فيها من الشبهات الكثيرة.
الذي يتصدر لقراءة كل هذه الكتب فيقرأ المعتزلة والأشاعرة والماتريدية وفي علم الكلام، وإنسان وجد من نفسه ذكاءً حاداً، ووجد من نفسه تحصيناً عقدياً عالياً جداً، وكثير الالتجاء إلى الله، وعلاقته بربه قوية جداً، فيه مواصفات عالية، مثل هذا نعم لو تصدى لأهل الأهواء في الرد عليهم فهذا يكون خير.
لكن أنه كل طالب علم يتتابع على الكتب المختلفة ويجرب نفسه بآراء الرجال، فهذا والله مهلكة مهلكة؛ لأنك ستدخل في دوامات لا تعرف الخروج منها، وكما يقولون: الأذكى منك دخل وتاه، الغزالي دخل وتاه، الجويني دخل وتاه، الرازي دخل وتاه، وهؤلاء من أذكى الدنيا، يعني من أصحاب عقول عالية جداً، لكنهم هم بأنفسهم وبألسنتهم اعترفوا أنهم دخلوا في بطون وبحار وأمواج ولم يستطيعوا الخروج منها بالسلامة.
لكن الاعترافات جاءت متأخرة نوعاً ما، جاءت متأخرة بعد أن ذاقوا مرارة الطريق، فلذلك لا تجرب نفسك، وهو لو أنك لم تكن مجادلاً ومناضلاً لأهل الأهواء، لكنك عشت على عقيدة مطمئناً إليها مستقراً، وتعلم أن هذا هو كلام الصحابة والتابعين جزماً، فوالله إن هذه سلامة لا يعدل بها شيء، أحمد الله عليها ولا تطلب ما هو أكثر من ذلك، إذا وجدت من نفسك قوة إلى ما هو أعلى من ذلك هذا أمر آخر، لكن الأصل أن السلامة لا يعدلها شيء.
طيب، إذاً، وكل ميسر لما خلق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله.
يقول ابن أبي العز الحنفي، يعني ابن أبي العز الحنفي يورد الآن أحاديث على هذه القضايا، على قضية كل ميسر لما عمل له وقضية الأعمال بالخواتيم، نورد عليها أحاديث، فمن ذلك ما جاء ما تقدم من حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، حديث بقيع الغرقد، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: اعملوا فكل ميسر لما خلق له.
يعني الطحاوي من أين أتى بهذه العبارة: وكل ميسر لما خلق له؟ هنا الحديث: اعملوا فكل ميسر لما خلق له.
وعن زهير عن أبي الزبير عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بين لنا ديننا، كأننا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم؟ فقال صلى الله عليه -طبعا ما انتهى السؤال- فيما العمل اليوم؟ اه، فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل؟
يعني أعمالنا التي نعملها، هل هي أعمال معلومة عند الله مسبقاً، كتبت في مقاديرنا أنها ستكون؟ أم شيء لم يكتب لسا علينا ونحن نعملها ثم بعد ذلك ستكتب لنا؟
فهل أعمالنا التي نقوم بها من صلاة وزكاة وقراءة قرآن وسعي، هل هي أمور قد كتبت مسبقاً أننا نعملها؟ أم أمور لم يأتي لله علم فيها وينتظر حدوثها بعد؟ فهمتم السؤال؟ فماذا قال؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير.
يعني أنت أعمالك التي تعملها هذه شيء علمه الله مسبقاً وكتب عليك وانتهى منه، فليس شيئاً كان الله عز وجل ليس عالماً به ثم سيعلمه، الله عالم ماذا ستعمل وقدر عليك ماذا ستعمل، وجف القلم بما ستعمل في اللوح المحفوظ، طبعا يعني لا تشكل عليكم قضية المحو والإثبات، فإننا قد ناقشناها سابقاً مناقشة مستفيضة وعرفت مناحيها وأوجها، يعني لا أريد أن أعيد القضية مرة أخرى أخرى.
طيب، قال: ففيما العمل؟ لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير.
هنا سراقة بن مالك قال: إذاً ايش؟ إذاً ليش بعمل أنا؟ إذاً الأمور كلها منتهية.
نفس السؤال الذي يعني وهذا يدل على أن الصحابة -ستأتي معنا- كانوا يفكرون في مسائل القدر، صح؟ يعني ليس فقط نحن من نفكر في مسائل القدر، حتى الصحابة أتت على أذهانهم هذه الأفكار التي تأتي على أذهاننا في مسائل القدر، وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنها.
فقال: ففيما العمل يا رسول الله؟
قال زهير: ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهَمْه، فسألت ما قال؟ فقال: أي قال النبي صلى الله عليه وسلم: اعملوا، فكل ميسر، أي ميسر لما خلق له.
يعني النبي عليه الصلاة والسلام أعطاك إجابة نافعة مختصرة، مضمون هذه الإجابة: أن ابن آدم في هذه الحياة الدنيا وظيفته العمل، يعني أنت شغلك الشاغل ما هو ألا تنظر إلى القدر، أنت تؤمن به وتعلم به وتجزم به، لكن ليس وظيفتي -أقصد- أن تتابعه، ماذا كتب الله لي؟ أين ساكون؟ هذه مش شغلتك.
إن شغلتك النافعة والتي أثرها واقعي حقيقي هو العمل، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم دائماً هذه إجابته للصحابة في مسائل القدر: اعملوا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له.
انت عليك العمل والتخطيط، وأن تستعمل إراداتك في الأمور النافعة، خلص أنظر لعملك، لا تشتغل في القدر، وعملك هو الذي يعكس لك النهاية، فلذلك جاءت اللفظة الأخرى والأعمال بماذا؟ بالخواتيم.
قال: الأعمال بالخواتيم. يعني أنت في النهاية كما قلت، أعمالك المبدئية في هذه الحياة الدنيا، أعمالك المبدئية هي لا تدل جزماً على نهايتك، وإنما الذي يدل على نهايتك هي الأعمال الخاتمة.
لذلك كانوا يقولون بأن المقولات الرائقة يقول: لا تغرنك البدايات، لا تغرنك البدايات، ففلان بدايته طالب علم، إبليس ماذا كانت بدايته يا شيخ خالد؟ كان عابداً من العباد، إبليس رأس الكفر والشرك كان عابداً من العباد، وكان من خير الملائكة عبادة لله سبحانه وتعالى، لكن ماذا كانت النهاية؟ كانت نهاية إبليس والعياذ بالله.
فكانوا يقولون دائماً: لا تغرنك البدايات، يعني لا تقول والله أنا الحمد لله أنا طالب علم، أنا الحمد لله أنا أحضر مجالس الصالحين، لا والله تبقى وجلاً خائفاً إلى النهاية، وهذا ما كان يخيف السلف.
خاتمة، كانوا يعرفون أن هذا شارك في غزوة بدر، وهذا شارك في غزوة أحد، وهذا شارك في الأحزاب عندما بلغت القلوب الحناجر، وذاك شارك في تبوك، لكن كانوا يدركون أن هذه الغزوات وهذه المشاركات هي في النهاية أعمال، لكن لا نعرف الخواتيم كيف.
فستكون فالعبرة بماذا؟ بالخواتيم أحبابي الكرام. ولذلك، كما جاء في الحديث عن سهل بن سعد الساعدي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة.
أنا أقول أحبابي الكرام، يعني قد يسأل الإنسان يقول: هل مثلا إذا كنت أنا أسير على طاعة الله سبحانه وتعالى ومرضاته وأراقب خطراتي، هل الله عز وجل مع كل هذه المتابعة والحس يخذلني في آخر عمري؟ ممكن البعض يفكر بهذه الطريقة، يقول أحبابي الكرام: الله سبحانه وتعالى كريم ومتفضل على عباده، فإذا كنت أنت محافظا مراقبا متبعا للخطرات، فإن الله سبحانه وتعالى يسددك ويوفقك في آخر، يعني ما بدي الإنسان يسيء ظنه بربه، لانه بعض الناس تصل به القضية إلى إيش؟ سوء الظن بالله.
إنه بيقول لك: طب أنا يا شيخ والله بتابع خطراتي وأعمالي وكل إشي وبحاول أكون صالح وكذا، هل فعلا ممكن أظني طول عمري على طاعة الله ماشي وعلى الخير ظاهرا وباطنا، لكن في آخر العمر الله سبحانه وتعالى يغدرني من لا شيء؟ قدرة الله هو الله قادر على كل شيء سبحانه وتعالى ولا نتألى على الله. لكن حسن ظننا بالله سبحانه أن الإنسان الذي كان يراقب الخطرات طوال العمر ويراقب الأنفاس واللحظات يحاول أن يسير على مرضاة الله، أن الله يعينه في آخر العمر وأنه يجعل الطاعة تجر إلى طاعة.
وهذا شيء شاهدناه أن كثيرا من الناس التي علماء الإسلام والأئمة والعباد والزهاد الذين عاشوا ظاهرا وباطنا كما نحسبهم على الدين أن الله وفقهم إلى ماذا؟ إلى خاتمة الخير. وفي المقابل، إذا كان الإنسان يعيش في حياته الدنيا على أمر السوء، الآن هنا تأتي إرادة الله سبحانه وتعالى قد يأتي برحمة، لان الله عز وجل قال: رحمتي سبقت غضبي. قد يكون الإنسان طوال عمره على أعمال السوء والفجور وكذا، لكن في لحظة من اللحظات هذا الفاجر قد يكون مغنيا ولا ما شابه ذلك، قد يكون في لحظة من اللحظات بدرت منه عمل خير دي لحظة صفاء وما زال مصرا على فجوره، لكن في لحظة صفاء مثلا بادر منه عمل خير تجاه إنسان أو تجاه والده أو والدته أو تجاه جمعية أو تجاه المهم قضية من قضايا المسلمين، وأنه كان فاجرا، لكن الله سبحانه برحمته له بسبب هذا العمل الخير الذي فعله قد يوفقه في نهاية عمره إلى التوبة من العودة إلى الله سبحانه وتعالى، صحيح، فالله سبحانه وتعالى أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، ويجتبيه ويختار الإنسان.
فالمهم أن الإنسان أنا لا أريدك أن تسيء الظن بمولاك سبحانه وتعالى وتقول: يعني إذا أنا كنت دايما حريص على طاعة الله ومرضاته وأراقب خطراتي وجلواتي وباطني وظاهري، الله بعد ذلك لا، أحسن الظن بمولاك أنك إذا كنت صادقا فيما تقول ظاهرا وباطنا تسير على مرضات الله فالله سبحانه وتعالى يعينك. لكن الكلام كما جاء في الحديث: وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما ايش؟ بما يبدو للناس أنه آه في مشكلة أنه في الإنسان الظاهر لنا أنه كان يعمل بعمل أهل الجنة، لكن في الحقيقة هناك دخن في الباطن أنه لا نعرفه، فأنت وهنا تحرص المشكلة أنه أنا أنظر في طالب علم أو شيخ متصدر أو داعية أنه يا شيخ فلان كان يعمل بعمل أهل الجنة وماشي على طريق أهل الجنة، وفجأة وفي اللحظات الأخيرة والسنوات الأخيرة الله يسلبه الهداية ويصبح داعية من دعاة جهنم، فالانسان يقول: ها انظروا، إذا الله سبحانه وتعالى قد يخذل الإنسان الطائع في آخر عمره! هيك بتصير عندك أنت ايش نتيجة؟ بنقول لك: لأ.
الصحيح أن هذا الإنسان إنما خذله الله سبحانه وتعالى في آخر عمره لشيء كان مسبقا عنده، أنه حتى هو فيما يظهر لنا من حال استقامته كان هناك دخن نحن لم نطلع عليه، أما سريرة فاسدة في قلبه، اه، كانت أم سريرة فاسدة أمام رائي منافق، اه، معصية من المعاصي كان إذا خرج بمحارم الله انتهكها ولا يعبأ بها، ففي ظاهر الامر للناس وماذا يعمل يا شيخ عمر؟ بعمل أهل الجنة. لكن هناك آية هذه الخبايا الله عز وجل يخبئها له، يخبئها له، يعطيه يمد في عمره بعمل أهل الطاعة، لكن بسبب هذه الخبايا بسبب هذه النيات الفاسدة وبسبب هذه الخلوات الله سبحانه وتعالى يمكر به فيستدرجه لآخر عمره حتى يقتله في اللحظات الأخيرة والعياذ بالله.
وهذه قضية خطيرة، لذلك نحن نقول: إذا كنت محسنا مع الله ظاهرا وباطنا احسن الظن بمولاك أن الله يوفقك لخاتمة الخير، لكن إذا كان عندك دخن فهنا لا تلومن إلا نفسك. إذا كنت أنت في الظاهر ولا من طلبة العلم والدعاة لكن في قلبك في نفاق في رياء في هناك معاصي إذا خلوت انتهكتها ولا تراعي اتقي الله فيها، سعيت أنت الذي سيدفع ماذا؟ الثمن، أنت الذي ليدفع الثمن، نسأل الله السلامة والعافية.
طيب، إذا والأعمال بالخواتيم، طبعا هذا الحديث حديث سهل بن سعد الساعدي أن النبي أن الرجل يعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وأن الرجل ليعمل لعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة. هذا الحديث فيه البخاري رواية ايش؟ وإنما الأعمال بالخواتيم. فهذه إذا لفظة أيضا مأثورة، لاحظ أنه كلام الطحاوي هنا كله مأثور من السنة، لأنه الطحاوي إمام من أئمة الحديث إمام من أئمة الحديث متخصص بهذا الشأن ورجل من فرسان هذا الباب.
ثم ننتقل الآن إلى ما مقولة جديدة أيضا لا يقول الإمام الطحاوي رحمة الله عليه: وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسلم الحرمان ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله طوى علم القدر عن أنامه ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. فمن سأل لما فعل فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين.
الان هذه الفقرة أحبابي الكرام نعلق عليها فنقول: من المسائل التي تشغل الانسان في هذه الحياة الدنيا ويسعى للبحث عن إجابات كاملة وافية حولها مسائل القدر والحكمة، مسائل القدر والحكمة في خلق كثير من المخلوقات، وسر أفعال الله بعبيده، ولماذا خلق الله الشر في هذا الوجود؟ ولماذا كتب الله الهداية لفلان والضلال على فلان؟ ولماذا كتب الله فلان من أهل السعادة وفلان من أهل الشقاء؟ ونحو ذلك من الأسئلة التي يستثيرها النظر في تقلبات الحياة، وأهل السنة والجماعة يقفون المواقف التالية من هذه التساؤلات.
أول آشي بنقول إنه الإنسان في هذه الحياة الدنيا ستبقى مسائل القدر ومسائل البحث عن حكم الله سبحانه وتعالى في أفعاله تثور في داخله، اليس كذلك؟ يصعب على الإنسان أن يفتك من مسائل القدر وأنت سائر في هذه الحياة، حتى العوام، يعني ليس طلبة العلم، حتى العامي بسأل: يعني لماذا خلق الله الشر؟ لماذا خلق الله إبليس؟ لماذا خلق الله الناس على نوعين كفار ومؤمنين؟ لماذا الجنة والنار؟ كلها أسئلة ترد على ذهن الإنسان وهو يسير في هذه الحياة الدنيا ويحاول أن يجد إجابات تقنعه وتشفي غليله تجاه هذه القضايا حتى لا يبقى تائها حائرا.
فنقول: ما موقف أهل السنة والجماعة آه من مثل هذه التساؤلات؟ ما موقفنا مثل هذه التساؤلات؟ نقول: يمكن تلخيص موقفنا في النقاط التالية: أولا، على المسلم أن يعلم أن العقل البشري -وهذه الفكرة اللي بده الطحاوي يركز عليها هون- على المسلم أن يعلم أن العقل البشري محدود القدرة في فهم أسرار القدر والتعمق في ذلك، عليك أن تصل لهذه الدرجة أنني ايش؟ محدود القدرة للعلم بأسرار القدر الإلهي، الإنسان عاجز عن الإحاطة بعلم الله سبحانه وتعالى وكمال حكمته.
ومن هنا كان من معاقد الإيمان من معاقل الإيمان التسليم لله في أفعاله وخلقه والتسليم لحكمته الكاملة، والايقان بأنه سبحانه عدل في قضائه، وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا. ولن يثبت للعبد إيمان متى طلب الوقوف على حكم كل فعل من أفعال الله سبحانه وسيبقى يحوك في صدره شيء من الاعتراض إذا لم يربي قلبه على عبودية التسليم والتفويض المطلق لله سبحانه وتعالى في أفعاله. وأن يشهد بقلبه مشهد العلم الإلهي الشامل والعدل الإلهي الكامل والرحمة الإلهية المطلقة، يجب أن تبقى هذه الأمور يعني ركن أساسي في عقيدتك، لن استطيع بعقلي القاصر أن أدركه حكم الله في جميع أفعاله، يمكن أن يطلعني الله ويكشف لي سر شيء من الأفعال أو شيء من الحكم، لكن العقل البشري لا يستطيع أن يستوعب يا شيخ خالد كل الحكم الإلهية.
فيجب أن أصل إلى عبودية ايش يا شيخ أنس؟ التسليم والتفويض والإيمان أنني حتى لو لم أعلم حكم الله فأنا موقن بأن الله صاحب العدل المطلق صاحب الرحمة المطلقة صاحب العلم الشامل والحكمة المتقنة، أنا خلاص أنا مؤمن بها حتى ولو لم أقف على تفاصيل كل شيء. أحبابي الكرام، من المواقف المهيبة التي قصها الله عز وجل علينا في القرآن لتكون مرشدة لنا إلى هذه العقيدة، ما قصه الله عز وجل عن بداية الخلق بقصته مع الملائكة حينما وقع خصام في الملأ الأعلى أو نقاش في الملأ الأعلى، فقالوا سبحانه وتعالى الملائكة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. الملائكة على خلاف ذكره من جليل الطبري في تفسيره علمت بطريقة من الطرق أن هذا الجنس من بني آدم سيكون فيه شيء من سفك الدماء، فماذا قالت؟ قالت: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ؟ فالملائكة جهلت حكمة الله الكاملة في هذا التصرف، وهي الملائكة متخيل وهي الملائكة التي لا تعصي الله سبحانه وتعالى والقريبة من الله عز وجل الملائكة جهلت شامل حكمة الله سبحانه.
قال: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟ فايش قال لهم سبحانه؟ إنه حتى ولو كنتم ملائكة لكنكم لم تستطيعوا أن تدركوا كل حكمه، قال: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. وهي الملائكة بالتالي إذا كانت الملائكة هذا حالها وأنها قصرت عن معرفة سعة علم الله سبحانه وتعالى وسعة حكمته، فأنت كمخلوق كثير الذنوب والخطايا عليك أن أيضا متهما لنفسك إذا رأيت فعلا من أفعال الله لم تدر الحكمة فيه فتعود على نفسك بالعجز والتقصير وأنني أنا الذي لا أفهم، وليست هنا وليست القضية تتعلق بأن هذا الفعل لا حكمة فيه للإله قطعا، كل فعل له حكمة ولو لم تظهر لي، مع أن الله سبحانه وتعالى أنتم لو نظرتم كشف لنا عن ملايين الحكم في أفعاله في الحياة الدنيا بمخلوقاته، واليوم أنت فقط ادرس جسم الإنسان والخلايا وكل آه جزء من أجزاء الخلية تجد أشكال من الحكم لا تكاد يحيط بها العقل من عجبها، فبالتأكيد هناك قسم آخر من أفعال الله سبحانه أخفى الله عز وجل عنك حكمته، لماذا؟ قل لأن عقل البشر لا يمكن أن يحيط بهذه الحكم ولأنه إله وليس المفروض من الإله أن يقدم دائما حكما لأفعاله.
ربنا عز وجل مطلوب منه يقدم لك روشتة زي ما نقول في أفعالي لماذا فعلت كذا ولماذا فعلت كذا ولماذا فعلت كذا؟ هو الإله فليس لك أن تسأل لما فعل، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. طيب، يقول ابن تيمية رحمة الله عليه في بيان هذه العقيدة يقول: فإن القدر بحر محيط لا ساحل له ولا خروج عنه لأحد من العالمين، والشرع فيه سفينة النجاة، القدر ايش يا خالد؟ بحر لا ساحل له بدك تنجو في مسائله ولا تتخبط اركب سفينة ايش؟ الشرع. والشرع فيه سفينة النجاة، من ركبها نجا ومن تخلف عنها فهو من المغرقين.
يعني الذي يريد أن يخوض في القدر بعقله كما فعلت المعتزلة والفرق المباينة لأهل السنة والجماعة يغرق يغرق، لا يستطيع العقل البشري أن يستحمل عزة باب القدر ودقته ولذلك الطحاوي قال لك: وأصل القدر سر الله في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك أن تتعمق فيه وتزيد البلوغ لكل شيء ذريعة الخذلان وسلم الحرمان ودرجة الطغيان، فالحذر يقول لك الطحاوي: فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله طوى علم القدر أي تفاصيل علم القدر وليس المراد كل علم القدر، طوى علم القدر عن أنامه ونهاهم عن مرامه.
يقول ابن القيم أيضا معلقا على مسائل القدر في كتابه الشفاء، قال: وقد سلك جماهير العقلاء في هذا الباب في كل واد، يقول لك العقلاء جماهيرهم تركوا في باب القدر في كل واد، كل واحد مشى بعقله بده يفهم القدر وحده، طيب، وأخذوا في كل طريق وتولدوا كل مضيق، وركبوا كل صعب وذلول، وقصدوا الوصول إلى معرفته والوقوف على حقيقته، وتكلمت فيه الأمم قديما وحديثا في باب القدر وساروا للوصول إلى مغزاه سيرا حثيثا، وخاضت فيه الفرق على تباينها واختلافها، وصنف فيه المصنفون الكتب على تنوع أصنافها، فلا أحد إلا وهو يحدث نفسه بهذا الشأن، ما في إنسان إلا يحدث نفسه بمسائل القدر ويطلب الوصول فيه إلى حقيقة العرفان، فتراه إما مترددا فيه مع نفسه أو مناظرا لبني جنسه.
هكذا الناس، ونقل وروي عن أبي حنيفة أنه قال: الناظر في القدر كالناظر في شعاع الشمس، كلما ازداد نظرا ازداد حيرة. فعليك أن تعرف أنني في باب القدر مهما أدركت من المعارف
هناك درجة علي أن أقف عندها وأسلم، ثم قال ابن تيمية أيضا -لا أحد ابن تيمية ايش يعني- يعزز فكرة أبو حنيفة أو فكرة أبي حنيفة، فيقول: إن نفوس بني آدم لا يزال يحوك فيها من هذه المسألة أمر عظيم. فاهم شو بقول ابن تيمية؟ إن نفوس بني آدم لا يزال يحوك فيها من هذه المسألة أمر عظيم. ايش يعني؟
يعني طبيعة الإنسان تبقى مسائل القدر تفرك فيه، في شغلات مش قادر يفهمها، ستبقى لها لأنها من علم الله الذي طوى، لذلك يقول: ستصل لمرحلة لا مجال أمامك إلا التسليم. ومن رام أن يفهم كل شيء في باب القدر لتزل قدمه، هكذا هي طبيعة هذا الباب ومسائل هذا الباب. طيب، إذا هذا بالنسبة للموقف الأول.
ثانيا نقول: جاءت العديد من النصوص التي يدل ظاهرها على عدم جواز الخوض في مسائل القدر، من ذلك حديث ابن مسعود عند الطبراني قال عليه الصلاة والسلام: إذا ذكر القدر فامسكوا. إذا ذكر القدر فامسكوا. وحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند الترمذي: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتنازع في القدر فغضب حتى احمر وجهه ثم قال: أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه.
إذا في أحاديث تأمرنا يا شيخ خالد أنه ايش، أنه معنى الدخول ونغمق في باب القدر. إذا ذكر القدر فامسكوا. الإمام ابن بطة الحنبلي رحمة الله عليه اه وجه النهي عن الخوض في مسائل القدر الوارد في هذه الأحاديث إلى النهي، يعني هل يعني هو هنا سؤال، هل ممنوع أتكلم في أي مسألة من مسائل القدر؟ ولا أسأل أي سؤال من أسئلة القدر؟ هل معنى هذه الأحاديث هكذا؟ إذا ذكر القدر فامسكوا، أن لا نتعلم أي مسألة من مسائل القدر؟
صحيح لا، لأن هناك كثير من مسائل القدر سأل عنها الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم ما قال لهم: أوءك تسأل، لا لا تشتغل في هذا، أجاب اه، لكن أعطاهم الإجابة النافعة. وهناك كثير أيضا من مسائل القدر بينت لنا في الكتاب والسنة، من مسألة العلم الإلهي والكتابة الإلهية والمشيئة الإلهية والخلق الإلهي، مش هذه مراتب القدر؟ ولنا علم فيها.
فإذا ليس المراد بالتأكيد النهي عن أي شكل من أشكال التعلم لباب القدر. طب إذا ما هو المنهي عنه؟ ما المراد إذا ذكر قدره فامسكوه؟ ابن بطة الحنبلي رحمة الله تعالى عليه يقول، ويوجه النهي عن الخوض في القدر الوارد في هذه الأحاديث إلى النهي عن البحث عن أسرار القدر، يقول: المنهي عنه أنك تتعمق وتخوض في أسرار القدر والبحث عن غامض حكمة الله سبحانه وتعالى.
وهذا أسلم توجيه لهذه الأحاديث، أنه مسائل القدر الخفية الدقيقة هذه التي يطلب منك أن تقف عندها وتمسك ولا تبدأ تتعمق وتتكلم في البحث عن حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا أفضل توجيه. وأما معرفة أصول باب القدر وتعلمها والإيمان بها فذلك من الفرض الواجب الذي لا يسع المسلم جهله.
يقول ابن بطة، خلونا نسمع كلام ابن بطة، وابن بطة نقف معه كثيرا في هذه الفقرات، لأنه له كلام جيد وجميل جدا، وكلام لا يناقش أيضا في كتابه الإبانة. يقول ابن بطة في الإبانة: انظر شو الكلام العادي تقول، وأما القدر على وجهين، وأما القدر فعلى وجهين، أحدهما فرض علينا علمه ومعرفته.
هناك قسم فرض علينا ايش؟ علمه ومعرفته، والإيمان به والتصديق بجميعه. والآخر فحرام علينا التفكر فيه، والمسألة عنه والمناظرة عليه، والكلام لأهله والخصومة به. إذا هو يقسم علم القدر إلى نوعين، قسم لازم نتعلمه فرض يتعلم ونحاسب ونفهمه، وقسم آخر يحرم علينا الخوض فيه والسؤال عنه والمجادلة والمناظرة فيه.
قال: فأما الواجب علينا علمه والتصديق به والإقرار بجميعه، أن نعلم أن الخير والشر من الله، هاي أول شي أنه لابد أن نعلم هذه المسألة، أن الخير والشر من الله. هذا يجب تتعلمه، وأن الطاعة والمعصية بقضاء الله وقدره، وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا علمهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ووفقهم لأعمال صالحة رضيها أمرهم بها فوفقهم لها وأعانهم عليها وشكرهم بها وأثابهم الجنة عليها تفضلا منه ورحمة.
وخلق النار وخلق لها أهلا أحصاهم عددا، وعلم ما يكون منهم وقدر عليهم ما كرهه لهم، خذلهم بها وعذبهم لأجلها غير ظالم لهم ولا هم معذورون فيما حكم عليهم به. فكل هذا وأشبهه من علم القدر الذي لزم الخلق أو لزم الخلق علمه والإيمان به والتسليم لأمر الله وحكمه وقضائه وقدره، فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
وسيأتي من علم القدر وما يجب على المسلمين علمه والمعرفة به وما لا يسعهم جهله مشروحا مفصلا في أبوابه، يعني في الكتاب الذي ذكره على ما جاء به نص التنزيل ومضت به سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وبالله نستعين. إذا هناك قسم من القدر مثل هذه الأمور عليك أن تتعلمها.
قال: وأما الوجه الآخر من علم القدر الذي لا يحل النظر فيه ولا الفكر به وحرام على الخلق القول فيه كيف ولم؟ أن تقول فيه كيف هذا الشيء؟ ولم هذا الشيء فعله الله؟ وما السبب؟ مما هو سر الله المخزون وعلمه المكتوم الذي لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وحجب العقول عن تخيل كنهه علمه.
والناظر فيه كالناظر في عين الشمس، زي كلام أبو حنيفة قبل شوي، كلما ازداد فيها نظرا ازداد فيها تحيرا ومن العلم بكيفيتها بعدا، فهو التفكر في الرب سبحانه وتعالى كيف فعل كذا وكذا، اه يعني باختصار في هناك قسم من القدر وهو السؤال عن حكم الله في أفعاله كيف فعل كذا وكذا.
طبعا ابن بطة نلاحظ إن شاء الله لما نتكلم أكثر وأكثر، أنه ابن بطة يرى أن مسائل الشر، ولماذا خلق الله الشر؟ لماذا خلق إبليس؟ لماذا خلق المعاصي والذنوب؟ ولماذا خلق الجنة والنار؟ لماذا خلق الكفار؟ هو قاعدته يرى أنها كلها من المسائل التي لا ينبغي البحث في حكمها وحرام علينا الخوض فيها، لكن في الحقيقة يعني أصل كلامه صحيح أن هناك مسائل في القدر يحرم الخوض فيها والتوسع والنظر والتعمق لأنك لن تصل فيها إلى إجابة.
لكن الأمثلة التي مثل بها على هذه المسائل يناقش فيها، لأنه سيأتي أن نمثل بأمثلة على أمور يجب ألا نسأل عنها، لكننا نجد مثلا زي ابن تيمية وابن القيم ومجموعة من السلف لا تكلموا عن حكم الله فيها، هنا تبقى القضية تحقيق المناط، ما هي المسائل التي يحرم الخوض فيها والسؤال عن حكمها؟ ابن بطة وسع الدائرة، دخل فيها كثير من المسائل، لكن بعضها مسائل تكلم عنها السلف عن حكمها ولم يمنعوا من تفهمها وتعقلها.
فنحن نفهم كلام ابن بطة على عمومه أن هناك فعلا مسائل يحرم الخوض فيها، لكن تحقيق المناط ما هي هذه المسائل؟ وابن بطة تمثل بأمثلة قد لا نتفق معه فيها، قد لا نتفق معه فيها ونرى أنه يعني هذه المسائل لو إنسان فكر في حكمتها ما فيش مشكلة، ابن بطة يعني أنت شددت في مسائل كثيرة منعت البحث فيها وجعلت من الحرام الخوض فيها مع أنه يمكن البحث عن حكمها وعللها، فالكلام في تحقيق المناط كلام آخر.
لكن أصل كلام ابن بطة كلام صحيح، أن القدر على نوعين، مسائل يجب تعلمها ومسائل يجب الكف عنها. طيب، ثالثا: من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها الفرق التي تاهت في هذا الباب، اه خاصة الفرقة القدرية وهذي انتبهوا لها، من أكبر الأخطاء التي تقع في باب القدر خصوصا للذين يبحثون عن حكمة الله سبحانه وتعالى، أنهم قاسوا حكمة الله في أفعاله على الحكم التي يقصدها المخلوقون من أفعالهم.
بيجي بحسب أنه ربنا فعل هيك لأنه لازم تكون الحكمة هيك، طب لماذا؟ قال: لأني لو أنا كنت مخلوق وفعلت هذا الفعل الحكمة عندي منه ايش؟ كذا وكذا، فلازم إذا تكون حكمة الله عز وجل من أفعاله كذا وكذا، حكمة الخالق على حكمة المخلوق، يعني هو ينظر في نفسه لو هو فعل هذا الفعل ماذا ستكون حكمه وغاياته؟ فيجعل حكمة الله عز وجل مناظرة ومقايسة على ماذا؟ على الحكم التي هو يقصدها، وهذا من أكبر الأخطاء التي وقعت في باب القدر.
أنه إحنا في الحياة الدنيا لما نفعل فعل بكون لنا حكم وغايات، فلما نأتي ننظر في أفعال الله بنحاول نفسر أفعال الله من حيث حكمها وغاياتها بماذا؟ بما نحن يمكن أن نحكم به أنه حكمة، وهذا خطأ. فأنت كمخلوق لك شكل معين من أشكال الحكم وشكل معين من أشكال العلل، الله سبحانه وتعالى ليس له علاقة بها، فلا تحاكم أفعال الله على أفعالك ولا تحاكم حكم الله على حكمك.
نعم، بعض الحكم قد تكون فيها شيء من التشابه لكن ليس دائما وليس مضطردا، فالله سبحانه وتعالى لا يحاكم في حكمه على الحكم التي يقصدها المخلوقون في أفعالهم. ولذلك كان أكبر خطأ في الفكر الاعتزالي أنهم كانوا يعاملون مش في ذكر الاعتزال يرون أن الله عز وجل يجب عليه أن يفعل الأصلح، طب كيف يفعل الأصلح؟ يعني ما الذي يحدد الأصلح؟ عقولهم أنه هذه اه هذا الفعل الأصلح فيه كذا وهذا الفعل الأصلح فيه كذا.
طب الأصلح فيه بناء على رأي مين؟ بناء على مقياسك أنت كمخلوق، لكن مين قادر لك أن مقياس الخالق زي مقياسك؟ فقاعدة أن الله عز وجل يجب عليه، فإذا أصلح، وقاعدة التحسين والتقبيح العقلي التي يعني سار عليها أهل الاعتزال ونصروها نصرا بينا، هذه من أفسد القواعد التي بنيت على أن يقيسوا حكمة الله في أفعاله على حكمة المخلوقين في أفعالهم.
لذلك كان يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن المعتزلة تشبه في الأفعال، أنها تشبه أفعال الله وحكمه منها بأفعال المخلوقين وحكمهم منها، فهم عطلوا في باب الصفات وشبهوا في باب الأفعال، عطلوا في باب الصفات نفوا صفات الله زعموا أنهم ينزهون الله، وشبهوا في باب الأفعال فجعلوا أفعال الله تقاس بمعايير أفعال المخلوقين، وهذا من أكبر الخطأ في هذا الباب.
فأفعال الله سبحانه وتعالى لا تقاس حكمها وغاياتها بأفعال المخلوقين. طيب، إذا من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها الفرق التي انتهت في هذا الباب خاصة القدرية منهم، أنهم قاسوا حكمة الله في أفعاله على الحكم التي يقصدها المخلوقون من أفعالهم، فتحكم فيما يصدر منه سبحانه وتعالى من أفعال وأوجبوا عليه بعقولهم أمورا ومنعوا عليه أمورا تحت قاعدة وجوب مراعاة الأصلح للعبد، ومن قال لك أن الله سبحانه وتعالى يجب عليه مراعاة الأصلح للعبد؟
من الذي قال ذلك؟ قد يكون الله عز وجل له حكم أخرى يقصدها ليست داخلة تحت إطار تفكيرك ولا ذهنك، فهذه القاعدة من أصلها قاعدة فاسدة، ويفهمون هذا الأصلح وفق المنظور الأرضي المحدود الذي يسيرون إليه بعقولهم، وهذه من أكبر الأخطاء، إذ أن حكمة الخالق لا تقاس بحكمة المخلوق لضرورة اختلاف الخالق عن المخلوق في كل شيء.
مش نقول نحن ليس كمثله شيء، يعني أنهم صدعوا رؤوسنا وهم يقولون لا نثبت الصفات ليس كمثله شيء، طب ليس كمثله شيء برضو طبقوها على الأفعال، فحكمه ليست كحكمنا وأفعاله ليست كأفعالنا، ليس كمثله شيء، ولا هذه بس بالصفات وتجيش في الأفعال؟
قال: فمن رام فهم أفعال الله وتفسيرها جميعها وفق المنظور البشري المحدود في الزمان والمكان احتار وتاب وتعثرت خطواته ودخل الشك في قلبه ولم ينعم بالطمأنينة فؤاده وسلب عن ربه كثيرا من الكمال. يقول ابن بطة -نعود لابن بطة وهو يؤكد هذه الجزئية- سأعود أقرأ كلامه في الوجه الآخر الذي يحرم الخوض فيه من القدر، تعود إلى أول الفقرة لما قال عن الوجه الذي يحرم النظر فيه من القدر.
شوفوا شو يوخذه ابن بطة، قال: وأما الوجه الآخر من علم القدر الذي لا يحل النظر فيه ولا الفكر به، وحرام على الخلق القول فيه كيف ولم؟ وما السبب مما هو سر الله المخزون وعلمه المكتوم الذي لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وحجب العقول عن تخيل كنه علمه، والناظر فيه كالناظر في عين الشمس، كلما ازداد فيه نظرا ازداد فيه تحيرا، ومن العلم بكيفيتها بعدا.
فهو التفكر في الرب عز وجل كيف فعل كذا وكذا، شوف شو بقول ابن بطة بعد ذلك، هو التفكر هذا الحرام المحرم في باب القدر، التفكر في الرب عز وجل كيف فعل كذا وكذا؟ ثم يقيس، شوف شو بقول، ثم يقيس فعل الله بفعل عباده، فما رآه من فعل العباد جورا يظن أن ما كان من فعل مثله جور فينفي ذلك الفعل عن الله، هيك بيجي بحكي بحكي لهم: أنا عبد، فعلت بعبد آخر زي هيك بيكون ايش جور، إذا إذا الله عز وجل فعله سيكون جورا.
قال: فاذا ثم يقيس فعل الله بفعل عباده فما رآه من فعل العباد جورا يظن أن ما كان من فعل مثله جور فينفي ذلك الفعل عن الله، فيصير بين أمر إما أن يعترف لله عز وجل بقضائه وقدره ويحكم أن الله فعل هذا الأمر بقضائه وقدره لكنه جور من الله والعياذ بالله، وإما أن يرى أنه ممن ينزه الله عن الجور فيذهب فينفي عنه ايش.
القضاء والقدر يعني هو ماذا يحدث؟ القدر المعتزلي ينظر في فعل من أفعال الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا، فيقول: هذا الفعل لو أنا فعلت كمخلوق في مقياسي ومعياري سيكون إيش؟ بمقياس ومعيار هو جور. طيب، إذا فيذهب فيقيس هذا على الله، فيقول: إذا كان هذا فعلاً شيئاً من قضاء الله وقدره، والله هو الذي أراده، فأنا إما أن أؤمن بأنه قضاء وقدر وأثبت أنه جور لله. فيقول: الله قدر وقدر لكنه جائر. وأما أن يذهب فيقول ماذا؟ إنه هذا الأمر لا، لا هذا الشيء الذي وقع ربنا ما لوش دخل فيه، لم يعلم به الإله مسبقاً، وليس من عمل الإله، وإنما الذي فعله العبد.
لذلك ذهب المعتزلة إلى أن من الذي يخلق أفعال العبيد؟ العبد. ليش؟ لأنه في وجهة نظرهم الآن العبد بيزني وبيسرق ويفعل المحرمات كذا، فقالوا: لو كان هذا بقضاء الله وقدره وعلمه وخلقه، لكان الله عز وجل يفعل الجور والظلم. فإيش قالوا؟ قالوا: إذا منقول إن هذه الأمور مالهاش ربنا علاقة فيها، وأن العبد هو الذي يخلق فعله بنفسه، ولما يخلق فعله الله سبحانه وتعالى يطلع على ذلك. فقالوا: إذاً هم بين أمررين، يا أنهم يثبتوا القضاء والقدر لله مع إثبات الجور عليه، وأما إنه بنفي القضاء والقدر عن الله مع إيش؟ مع تنزيهه عن الجور. فقالوا: بدكم تنزوا ربكم عن الجور -هيك بحكي المعتزلة-: قولوا إن العبد يخلق فعله بنفسه. هيك تنزه الله عن الجور وتنسب الفعل للعبد.
فهم ساروا بين أمررين: إما إثبات الجور إلى الله عز وجل والعياذ بالله مع إثبات القضاء والقدر، وأما تنزيه الله عن الجور مع نفي القضاء والقدر، وكلاهما خطأ. والسبب الخطأ وين كامن يا شيخ خالد؟ بأصل تفكيرهم أنه يحاسبون أفعال الله على أفعال المخلوق، ويرون أن الله إذا أذن بالسرقة ووقوع الزنا ووقوع الشرك أن هذا جور وسفه وما شابه ذلك. ولا، ولا تعلمون أن لله حكم ومقاصد العقل البشري لا يمكن أن يحيط بكل هذه الحكم والمقاصد، وإن كنا قد نستشرف شيئاً منها من خلال النظر والفهم لأفعال الله سبحانه.
إذا فيقول: آه فاما أن يرى أنه ممن ينزه الله عن الجور فينفيه عن، إذا فيصير بين أمررين. إذا نعيد من هنا، فيصير بين أمررين: إما أن يعترف لله عز وجل بقضائه وقدره ويرى أنه جور في فعله، وأما أن يرى أنه ممن ينزه الله عن الجور فيذهب ينفي عنه القضاء والقدر، فيجعل مع الله آلهة كثيرة يحولون بين الله وبين مشيئته، ويقصد بالآلهة العبيد؛ إنه كل عبد يخلق فعله فأنت جعلت العبد إلهاً من هذه الزاوية. فبالفكر في هذا وشبهه والتفكر فيه والبحث والتنقير عنه هلكت القدرية.
شوف شو بيك ابن بطة يقول: مثل هذا النوع من التفكير وقياس أفعال الله على أفعال المخلوقين، فبالفكر في هذا وشبهه والتفكر فيه والبحث والتنقير عنه هلكت القدرية حتى صاروا زنادقة وملحدة ومجوساً؛ حيث قاسوا فعل الرب بأفعال العباد، وشبهوا الله بخلقه، ولم يعوا عنه ما خاطبهم به، حيث قال: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. إذا أنت شي شغلة من أفعال الله ما فهمتها سلم لله فيها، وكن موقناً أن لله حكمة، لكنني أنا لم اطلع عليها، وليس لك أن إيش؟ تنفي حكم الله سبحانه وتعالى فيها.
رابعاً، نقول: لا مانع من وقوف المؤمن عند بعض الحكم التي تتجلى وتظهر له من أقدار الله سبحانه وتعالى، وهذا من باب وهذا باب من العبودية عظيم. يعني التفكر في حكم الله التي يستطيع العقل البشري أن يدركها هو قسم من العبودية يزيد المؤمن إيماناً بالله، فنحن لا نغلقه على الإنسان. لا مانع من وقوف المؤمن عند بعض الحكم لتتجلى وتظهر من أقدار الله سبحانه، وهذا باب من العبودية عظيم، لكن ينبغي أن يخوض فيه الإنسان برفق، ويتبع خطى العلماء الكبار فيه، ويدرك أنه مهما وصل به النظر فإنما يقف على أطلال في هذا الباب، ولم يحط به خبيراً.
ولا يجعل إيمانه هذا -أهم شيء ركزوا فيها- إنه لا تجعل إيمانك بالله ورضاك بأقدار الله مرهوناً بالوقوف على ماذا؟ على الحكمة، فإن كثيراً من الأفعال الإلهية يقف العقل عاجزاً أمام إدراك وجوه الحكمة فيها. كتير من الناس بقول لك: أنا هيدي شغلة ما بعملها ولا ألتزم بأمر الله فيها حتى أفهم الحكمة فيها. بتيجي وحدة بقول لك: أنا ما بأمن بالحجاب، ما بعمل فيه إلا إذا عرفت إيش الحكمة منه؟ وأنا ما بصلي أربع ركعات الظهر إلا إذا عرفت الحكمة منها، وما بفعل كذا إلا إذا عرفت الحكمة منه. آه هذي خطيرة.
لا تجعل إيمانك بالله وانقيادك لأحكام الله مرهوناً بأن أفهم الحكمة، فهناك كثير من الأمور لا نفهم الحكمة فيه، بل هناك أمور الله عز وجل فعلها ليرى منك التسليم فيها. يعني الظهر أربعة، دريت ولا ما دريت؟ بدك تسلم، ونقول يريد الله سبحانه وتعالى أن يستخرج منك عبودية التسليم فيها. نعم، نحن نقول الأصل يا شيخ ناصر التسليم، التسليم تمام؟ يعني هو ليس الضابط هو العام أن الأصل في أفعال الله أنها لحكمة، والأصل منا التسليم لهذه الحكمة ولو لم اطلع عليها، فهذان أصلان يطردان.
الآن هناك أفعال لله سبحانه وتعالى يمكن أن يطلعني الله على الحكمة منها، أنعم به وأكرم، لكن هذا تفضل منه سبحانه إن اطلعني على الحكمة، وإلا هو ليس مفروضاً منه أن يطلعني على شيء من ذلك، هو الإله. فنقول: اطلاع الله عز وجل لك على شيء من الحكم هذا تفضل من الله عليك، هذا تفضل من الله عليك. فتفكر في هذه الحكم التي كشفت لك وتعبد الله بها وزد إيماناً بها، أكيد هو اطلعك لتزداد إيماناً ما عندنا مشكلة، لكن تبقى محافظاً على الأصل العام. مش لأنه الله كشف لك الحكم في بعض الأمور تطالب الله أن يكشف لك الحكمة في كل الأمور، لأ، عليك أن تعرف الأصل العام أنني أعبد الله عبد منقاد لخالق عظيم، وظيفتي أن أتسلم لهذا الخالق ولا أشترط عليه.
طيب، وفي الحقيقة عندما ينظر الباحث في كلام نظار أهل السنة في هذا الباب نجد تخوفاً عند طائفة منهم في البحث عن الحكم. أهل السنة وخاصة ابن بطة -أنا هذا وجدت فيه عنده تخوف- في قضية ايش؟ البحث عن الحكم وتطلبها، ويرون الموقف الأسلم هو التوقف وعدم السؤال لما فعل الله كذا. خلاص، لا تسأل أبداً في أي شيء من الأشياء، بينما نرى طرفاً آخر منهم ينص على العديد من الحكم المتعلقة في أفعال الله، ويرى أنه في هناك أفعال لأ، يعني ليش أنت مسكر عليها، نظر في حكم الله فيها؟ أنا ربنا فتح علي واستطعت أن أفهم كثير من الحكم الإلهية فأدخل فيه وأتعمق فيه، لكن بهدوء وتؤدة، بهدوء وتؤدة.
فبالتالي مواقف أهل السنة من ما هي المسائل التي يجوز السؤال عنها والبحث عن حكمها وما لا يجوز ليست موقفاً واحداً؛ فتجد هذا العالم يرى أن هذه المسألة الأصل أنك ما تبحث فيها، بينما ذاك العالم يقول لك: لا، أنا انكشف لي شيء من حكمها فأتكلم، فتجد المواقف متباينة، لكن الكل مسلم من أهل السنة والجماعة أننا لا نتعامل مع الله عز وجل بشرط بيان الحكم، لكن ما كشف لي لماذا لا أتكرم عنه؟ إذاً، ويرى طرف آخر أن هناك العديد من الحكم المتعلقة بأفعال الله، ويرى أن هذا الباب يزيد المؤمن إيماناً ويقيناً بشرط عدم الغلو فيه.
طيب، من الطائفة الأولى التي تمنع الخوض في مضمار الحكم؟ من الطائفة التي تمنع الخوض في البحث في هذا الباب وترى أن تسد على نفسك هذا الباب ولا تتطلب خشية على إيمانو؟ اليوم ابن بطة، حيث نص في كتابه الإبانة على وجوب التوقف عند كثير من الأسئلة التي تتعلق بسبب خلق الله الشر. الإمام ابن بطة قاس مسائل الشر: لماذا خلق الله إبليس؟ لماذا خلق الله النار؟ لماذا أوجد الله الكفار؟ لماذا جعل الله أعداء للرسل؟ هي أسئلة لماذا خلق الله الشر. يرى ابن بطة أن هذه الأسئلة الموقف السليم منها أن تقف ولا تبحث عن حكمها. طيب، حطينا إيش كلام يا بن بطة حتى نحن نحكم نقرأ كلام ابن بطة.
يقول ابن بطة رحمة الله عليه -اسمعوا كيف يفكر هذا الإمام-: يقول فمما -الآن سيذكر أمثلة- فمما لا يحل لأحد أن يتفكر فيه ولا يسأل عنه ولا يقول فيه "لم"؟ واحد قال: لا ينبغي لأحد أن يتفكر لما خلق الله إبليس. شف من الهداية مسكها، هكذا يرى ابن بطة. تقول: لا ينبغي لأحد أن يتفكر لما خلق الله إبليس، وهو قد علم قبل أن يخلقه أنه سيعصيه، وأن سيكون عدواً له ولأوليائه، ولو كان هذا من فعل المخلوقين إذا علم أحدهم أنه إذا، يعني لا شوفوا قياس فعل الله على فعل المخلوقين، ولو كان هذا من فعل المخلوقين إذا علم أحدنا أنه إذا اشترى عبداً يكون هذا العبد عدواً له ولأوليائه ومضاداً له في محابه وعاصياً له في أمره، ولو فعل ذلك لقال أولياؤه وأحباؤه: إن هذا خطأ وضعف رأي وفساد نظام الحكمة. يعني لو واحد فينا احنا كبشر اشترى عبد في زمن العبيد وهو يعلم أن هذا العبد الذي اشتراه سيؤذيه ويضره قبل أن يشتريه، هل من الحكمة أني أشتري هذا العبد وأنا أعلم أنه سيضرني؟ صح؟
فبقول لك: لماذا خلق الله إبليس وهو يعلم أنه سيضر ذريته وأولياؤه ويؤذيهم ويفعل المعاصي؟ لماذا خلق الله إبليس؟ الواحد فينا لو بيعرف أن عبد رح يضره ما بشتري، فلماذا الله خلق إبليس وهو يعلم أن إبليس سيضر الناس؟ طيب، قال: فمن تفكر في نفسه وظن أن الله لم يصب سبحانه في فعله حيث خلق إبليس فقد كفر. هيك بقول لك، يعني أنت بدك تفكر هاي الطريقة إن تفكر في نفسه وجاءه خاطر أن ربنا كان المفروض أنه ما خلق إبليس، لو أنت بتفكر هاي الطريقة كفرت، هذا التفكير كفري، أنك تعترض على خلق الله سبحانه وتعالى.
ومن قال إن الله لم يعلم قبل أن يخلق إبليس أنه يخلق إبليس عدواً له برضه فقد كفر. يعني إذا قلت: لا، لا، هو ربنا خلقه بس ما كانش عارف أنه راح يعصيه، هذا أيضاً كفر، هذا جهل، نسبة الجهل إلى الله والعياذ بالله. ومن قال إن الله لم يخلق إبليس أصلاً، والقول الثالث أنك تحكي أن ربنا أصلاً ما خلقش إبليس، إبليس طلع لحاله، إذاً في هناك إله آخر بخلق، إذاً من وين جاء إبليس؟ قد كفر. يعني كل الاحتمالات، الاحتمالات كلها كفر، وهذا قول الزنادقة والملحدة.
قال: فالذي يلزم المسلمين من هذا أن يعلموا أن الله خلق إبليس وقد علم منه جميع أفعاله، ولذلك خلقه لهذه الأفعال، ويعلم أن فعل الله عدل وصواب، وفي جميع أفعاله لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. فبدأ من هاي المسألة قال: لا تسأل عنها. طبعا هذي وجهة نظري منبطة، لكن مثلاً تعال ابن القيم في شفاء العليل تجد ابن القيم ذكر حكم من خلق إبليس، ما رأى أن هاي المسألة خلاص لا يجوز السؤال عنها وإنما نسلم فيها. قال: ماشي، هي تسلم فيها، لكن لو أنني وجدت بعض الحكم المنطقية وحاولت علمها للناس هل هناك مانع؟ تجد ابن القيم يرى أنه لا مانع من ذلك. فابن بطة يرى أنه لا ما تسأل عن هذا السؤال، سلم لحكمة الله وعدله وقف. ابن القيم يرى أنه لا يمكن أن يسأل أن نبحث عن حكماً وأن نذكر حكماً لهذه، وساذكر لكم شيئاً من الحكم التي ذكرها ابن القيم لخلق إبليس، فكل عالم بحسب ما بلغ مداه من العلم.
قال: ساكمل كلام ابن بطة حتى تشوفوا المسائل المتنوعة التي حرم أن يسأل عنها. قال: ومما يجب على العباد علمه وحرام عليهم أن يتفكروا فيه ويعارضوه بآرائهم ويقيسوه بعقولهم وأفعالهم، أنه لا ينبغي لأحد أن يتفكر لما جعل الله لإبليس سلطاناً على عباده وهو عدوه وعدوهم، مخالف له في دينه، ثم جعل له الخلد والبقاء في الدنيا إلى النفخة الأولى؟ ليش ربنا فعل كل هاي الأفعال وهو قادر على ألا يجعل له ذلك، ولو شاء أن يهلكه من ساعته لفعل؟ ولو كان هذا من فعل العباد -يعني لو واحد عبد فعل مثل هذا التصرف لكان خطأ- يعني لو أنا عندي عبد سيء وأنا سلطت هذا العبد على الناس مش بكون أنا سيء؟
طب إذا ربنا عز وجل ليش سلط إبليس على الناس؟ هل تقيس الله عز وجل بنفسك في حكمه؟ فهنا نفس الاشي سرد؛ أنه أنت إما ستتهم الله بأنه جائر وهذا كفر، وأما ستتهم الله أنه لم يستطع على إبليس وإبليس هو اللي خرج عن قدرة رب العالمين وهذا كفر؟ يعني مهما فكرت بقول لك من احتمالات ستصل إلى احتمالات كفرية. يقول: فالأصل ماذا؟ أن تقول في هذا الباب لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. طبعا هو ذكر كلام طويل أنا بديش يعني بفصل الصور والأحوال، لكن ختامها أنك لا تسأل في هذا اللعب.
قال: فممن تفكر في نفسه فظن أن الله لم يعدل حين جعل لإبليس الخلد والبقاء وسلطه على بني آدم فقد كفر، ومن زعم أن الله عز وجل لم يقدر أن يهلك إبليس فقد كفر، وهذا من الباب الذي يرد علمه إلى الله. ليش ربنا جعل إبليس يتسلط علينا؟
نعرفش خلص، هذا علمه عند الله، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. طيب. وقالوا: ومن ذلك، شوفوا أيضاً مسألة أخرى، إن الله عز وجل جعل لإبليس ذريته أن يأتوا بني آدم في جميع أطراف الأرض، يأتونهم من حيث لا يرونهم. كما قال تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ. وجعلهم يجرون من بني آدم مجرى الدم، ولم يجعل للرسل من بني آدم من السلطان مثل ما جعل لهم. يعني ليش ربنا ما تعز الرسل سلطان على البشرية كما جعل للشيطان وأوليائه سلطان على البشرية؟ صح ولا لا؟ يعني الشياطين لهم نفوذ في بني آدم، نفوذ في الوسوسة والخطرات وما شابه ذلك، أكثر من نفوذ الرسل الذين أرسلهم الله من البشر.
ولو سأل الإنسان عن هذه الحكم يعني لطاع وتاه، فيقول: ومن قال إن الله لم يعدل حين يعطى لإبليس وذرية هذا السلطان فقد كفر. وهذا أيضاً من الباب الذي يرد علمه إلى الله والتسليم فيه إليه، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. قالون: كل مسألة هي بختمها لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. ومن المسائل أيضاً التي لا ينبغي لأحد أن يتفكر فيها: لما سلط الله الكفار على الرسل في الدنيا؟ شو بقول لك هاي الرسل لا تتفكر فيها.
شوفوا وين بده يسكر كل الأبواب حماية لعقيدتك. لكن كما قلت قد نخالف ابن بطة رحمة الله عليه في بعض الجزئيات أنه يمكن البحث عن حكم لله سبحانه وتعالى، والقول بأنه لا يجوز التفكير أبداً قد يكون فيه شدة زائدة. ومن ذلك أيضاً إذاً لا ينبغي لأحد أن يتفكر لما سلط الله الكفار على الرسل في الدنيا، ولمن سلط الكافرين على المؤمنين حتى قتلوهم وعذبوهم، يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس. وإنما سلط الله أعداءه على أولياءه ليكرم أولياءه في الآخرة بهوان أعدائه، وهو قادر على أن يمنع الكافرين من المؤمنين، وأن يهلك الكفار من ساعته. طيب، ثم يختم فيقول: أه، فمن ظن هذا فقد كفر، والله سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
طيب، وخصلة أخرى نوخذ مثلاً مسألة أخرى، وخصلة أخرى لا ينبغي لأحد أن يتفكر: لما مكن الله لأعدائه في البلاد؟ بقول لك هاي مسألة تفكر فيها، لما مكن الله لأعدائه في البلاد وأعانهم بقوة الأبدان ورشاقة الأجسام زي ما احنا شايفين اليوم وأيدهم بالسلاح والدواب، كأنه عاش زمان يا بطة، ثم أمر أنبياؤه وأولياؤه أن يعدوا لهم السلاح والقوة وأن يحاربوهم وأن يقاتلوهم، ووعد أنبياؤه وأولياؤه وأن يمدهم بالملائكة، ليش فعل ربنا كل هذا؟ يقول لك لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
كذلك مما لا ينبغي لأحد أن يتفكر فيه، لا ينبغي لأحد أن يضمر في نفسه فيقول: لما خلق الله الحيات والعقارب والهوام والسباع التي تضر بني آدم ولا تنفعهم وسلطها على بني آدم، ولو شاء ألا يخلقها لما خلقها؟ فالجواب: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. كل هذه الأسئلة ممنوعة عند ابن بطة.
خلاصة وخصلة أخرى لا ينبغي لأحد أن يتفكر وأن يضمر في نفسه: لم ترك الله العباد حتى يجحدوه ويشركوا به ويعصوه ثم على ذلك وهو قادر على هدايتهم، وهو قادر أن يمنع قلوبهم أن تدخلها شهوة، شهوة شيء من معصيته أو محبة شيء من مخالفته، وهو القادر على أن يبغض إلى الخلق أجمعين معصيته ومخالفته؟ الجواب: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. إذاً نلاحظ أنه هذه الأسئلة منسميها إحنا: لماذا خلق الله الشر؟ يجمع كل هذه الأسئلة التي سألها ابن بطة هي لماذا خلق الله الشر بجميع أصنافه. فيرى ابن بطة أن هذا السؤال غير مشروع، وأنه الأصل تسكر على نفسك الباب وتقول لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. هذه وجهة نظر الإمام بطة رحمة الله عليه.
بالمقابل نجد العديد من العلماء يلتمس حكماً لهذه التصرفات الربانية مما كشف الله عز وجل لهم من علمه، ويذكرونها ليزداد الذين آمنوا إيماناً. فابن أبي العز الحنفي عندكم نقلاً طبعا عن ابن القيم، لأنه كل الكلام هنا في هذه الجزئية نقلاً عن ابن القيم، تكلم عن مسألة: لماذا خلق الله إبليس؟ ذكر عندكم في الشرح ثم قال يقول ابن أبي العز: من ذلك شف أنه سبحانه خلق إبليس، التي هي أول مسألة سأل عنها ابن بطة، إحنا فقط سنقتصر على هذه المسألة من الشر. قال: من ذلك أنه سبحانه وتعالى خلق إبليس الذي هو مادة لفساد الأديان والأعمال والاعتقادات والإيرادات، وهو سبب لشقاوة في كثير من العباد وعملهم بما يغضب الرب سبحانه وتعالى، وهو الساعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه. ومع هذا فهو وسيم.
شف، ومع هذا فابليس وسيلة لو فكرت فيها من جانب آخر، هو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب سبحانه وتعالى ترتب على خلقه، وبلشنا نفكر في الحكمة ووجودها أحب إليه سبحانه وتعالى من عدم هذه المحاب. من ذلك المحاب التي يريد الله أن تحصل وكان وجود إبليس وخلق إبليس وسيلة لها: من ذلك أنه تظهر للعباد قدرة الرب على خلق المتضادات المتقابلات. فخلق هذه الذات التي هي أخبث الذوات وشرها وهي سبب كل شر في مقابل ذات جبريل التي هي يعني خلق إبليس وهي شر الذوات في مقابل خلق جبريل الذي هو من أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها. مش هذا يدل على قدرة الله على خلق المتضادات والمتقابلات؟ والله سبحانه يحب أن يظهر أثر اسمائه الحسنى وصفاته العليا في الخلق، يحب أن يظهر سبحانه وتعالى أثر أسمائه. فكيف تظهر آثار الأسماء؟ من ذلك أن يخلق الأشياء المتضادة، فيخلق أسوء الناس ويخلق أفضل الناس. هذه تدل على قدرة شاملة الله سبحانه وتعالى، فتبارك خالق هذا وهذا.
كما ظهرت قدرته في خلق الليل والنهار، وظهرت قدرته في خلق الداء والدواء، وكلها أشياء متقابلة خير وشر والحياة والموت والحسن والقبيح والخير والشر، وذلك أدل دليل على كمال قدرته وعزته وملكه وسلطانه، فانه خلق هذه المتضادات وقابل بعضها ببعض، وجعلها محال تصرفه وتدبيره، فخلق الوجود عن بعضها عفوا فخلو الوجود عن بعضها بالكلية ألا يخلق الشر مثلا أبدا تعطيل لحكمته وكمال تصرفه وتدبير مملكته.
ومنها، أي من آثار خلق إبليس ومنها، أي من حكم خلق إبليس: ظهور آثار أسمائه القهريّة مثل: القهار، المنتقم، العدل، الضار، شديد العقاب، سريع الحساب، البطش الشديد، الخافض، المذل. مش هاي من أسمائه سبحانه؟ كيف ستظهر إذا لم يكن هناك إبليس؟ فوجود إبليس هو الذي يجعل لهذه الأسماء تظهر آثارها. فالله عز وجل ينتقم من الظالم، ويعدل مع الظالم، ويضر الناس الذين يستحقون أن يحل بهم الضرر، وهو شديد العقاب لمن يستحق العقاب. مش هذه أسماء وصفات لا يظهر أثرها إلا بوجود إبليس؟ فكان إبليس وسيلة لأن تظهر آثار وأسماء هذه الأسماء في الحياة الدنيا.
قالوا: ومنها ظهور آثار أسمائه المتضمنة علمه وعفوه ومغفرته وستره. كيف يظهر أثر اسم الله التواب إذا ما فيش واحد بده يعصي؟ كيف سيظهر اسم الله الغفور الرحيم الذي ما فيش واحد سيخطئ ويضل بسبب إبليس؟ تظهر آثار أسماء الله الحسنى لحلمه وعفوه ومغفرته وستره وتجاوزه عن حقه وعتقه لمن شاء من عبيده، فلولا خلق ما ذكره من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء لتعطلت هذه الحكم والفوائد.
ومنها ظهور آثار اسماء الحكمة والخبرة، فانه الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها اللائقة، فلا يضع الشيء في غير موضعه ولا ينزله غير منزلته التي يقتضيها كمال علمه وحكمته وخبرته، فهو أعلم حيث يجعل رسالاته وأعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره على انتهائها إليه وأعلم بمن لا يصلح لذلك. فلو قدر عدم الأسباب المكروهة لتعطلت كثير من الحكم ولفاتت مصالح عديدة. ولو عطلت تلك الأسباب لما فيها من الشر، يعني لو منع الله عز وجل الشر من أن يكون لتعطلت كثير من الأمور الخيرة التي هي أحب إلى الله سبحانه وتعالى من فوات الشر. الله عز وجل يحب هذه الأمور الخيرة، والوسيلة إلى وجود هذه الأمور الخيرة المحبوبة إلى الله أن يكون هناك شيء من الشر في العالم كإبليس ونحوه.
فاذا ابن القيم رحمة الله عليه يعني هنا يتكلم عن أن وجود إبليس له فائدة وله حكم، ولا مانع من أن نفكر في هذه الحكم. ابن بطة ايش كان منهجه؟ لا تسأل. ابن القيم بيقول لك: لا، لا مانع أن نفكر في أنه فعلاً وجود إبليس له فوائد عديدة وتظهر آثاره بالله شف الصوت فاصل وتظهر آثاره في كثير من الأمور والتجليات لأسماء الله الحسنى. لكن إبليس يعني عفواً لكن ابن القيم رحمة الله عليه فهم المسألة من زوايا أخرى يعني بقول لك: أنا استطعت أن أقف على حكم، فلماذا لا أذكرها ليزداد الذين آمنوا إيماناً؟ فلا مانع من ذكرها.
لكن كما قلت لكم هنا العلماء تتفاوت، منهم من لا يتجاسر بيقول لك: يا عمي أنا السلام لا يعدلها شيء، ومنها من يكون جريء وشجاع وبعلم وفهم وليس بالهوى، وتجد كلامه متزن وفيه شيء من المنطقية، فتستحسن ما ذكره من الحكم شفاء الغدير.
طيب، فأختم فأقول: والحق أنه لا مانع من بحث المؤمن عن الحكم التي تتجلى وتظهر في أفعال الله وأقضيته في هذا الكون، هذه هي الخلاصة. بشرط أن يكون بحثه فيها لزيادة الإيمان حتى تزداد إيماناً، لا للتعنت والجدال والمراء في دين الله، ولا يكون إيمانه بهذه الأمور كما أسلفنا مرهوناً بالوقوف على هذه الحكم.
يقول القرطبي ناقلاً عن ابن عبدالبر، شوفوا ايش يقول ابن عبدالبر: من سأل مستفهماً راغباً في العلم ونفي الجهل عن نفسه، باحثاً عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه، فلا بأس به، فشفاء العي السؤال. ومن سأل متعنتاً غير متفقه ولا متعلم، فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره. هذا ضابط عام، يعني من سأل عن حكم الله سبحانه طلبا لزيادة الإيمان والتبصر في دين الله، فهذا نقول: أنعم به وأكرم. وأما من كان سؤالاً متعنتاً مشترطاً على مولاه أن يبين له الحكم في كل أفعاله، فهذا سؤال مردود مردود، لا يقبل ولا يسمع من صاحبه.
ثم الطحاوي فقال: فهذه جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله، وهي درجة الراسخين في العلم. لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود. فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر. ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود وترك طلب العلم المفقود.
يقول الطحاوي رحمة الله عليه باختصار: العلم الذي أودعه الله في هذا العالم نوعان، علم موجود، يقصد بوجوده أي علم أطلعنا الله عليه، وعلم مفقود، يقصد بفقدانه أنه لم يطلعنا الله عز وجل عليه. فالعلم علمان: علم أطلعنا الله عز وجل عليه موجود بين أيدينا، وعلم استودعه الله عنده ولم يطلعنا عليه فهو مفقود عندنا لكنه مستودع عند الله سبحانه وتعالى. فالمؤمن وظيفته ماذا؟ المؤمن الراسخ في العلم مهمته أن يبحث عن العلم الموجود ويستكشف آفاقه، وأن يسلم في العلم المفقود ويقف عنده ولا يبحث عنه، هو بيعطيكم خلاصة الطحاوي.
الخلاصة أنه عندك أمران: علم موجود بين يديك فالعالم هو الذي يبحث عنه ويحاول الوصول إليه، وعلم استودعه عنده ولم يطلعك عليه فأوقفك منه أن تسلم. لذلك قال: فهذه جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله، وهي درجة الراسخين في العلم. لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، أي علم موجود في الخلق، وعلم في الخلق مفقود، علم مفقود في الخلق مش موجود عندنا. فإنكار العلم الموجود، إذا واحد قال: لا، لا، ما فيش علم أعطانا الله عز وجل إياه. قال: فإنكار العلم الموجود بما يشمله من علم الكتب وعلم الأمور الشرعية والمسائل الإلهية التي علمها الله عز وجل الأنبياء ورسله، فإنكار العلم الموجود كفر، لأنك ستنكر الأوامر والنواهي وما تضمنه القرآن من العلم وما تضمنته السنة من العلم. ففعلاً إنكار العلم الموجود كفر لأنك تلقي ما في القرآن والسنة وغير ذلك من الأمور التي اطلعنا الله عز وجل عليها وهي من الوحي الإلهي.
وادعاء العلم المفقود، وادعاء أنك تطلع على العلم الإلهي الذي أكنه الله عند كفر، هذا شغل الكهنة والسحار والعرافين ما هو شغل مؤمن. ادعاء أنك تصل إلى العلم الذي استودعه الله عنده فهذا أيضاً كفر. ولا يثبت الإيمان إلا بهاتين الجزئيتين: بقبول العلم الموجود وبحث عنه وتعلمه، وترك طلب العلم المفقود مع الإيمان بأنه عند الله سبحانه وتعالى.
وهذا نهاية حديثنا في هذا المجلس إن شاء الله، وفي المحاضرة القادمة ننتقل إلى فقرات جديدة من كلام الإمام الطحاوي، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل