بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، محجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
حياكم الله أحبابي الكرام في مجلس جديد من تعليقنا على العقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر الطحاوي رحمة الله تعالى عليه. في المحاضرة السابقة أتممنا الحديث عن العنصر الأول أو من تعليقنا الأول على هذه العقيدة، حيث علقنا على قول الإمام أبي جعفر الطحاوي في مقدمته: هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، فبينا مصطلح أهل السنة والجماعة؛ ما المراد به مركباً ولقباً؟ وما هي الأسماء المرادفة له؟ وما هي الأسماء التي نبز بها أهل السنة والجماعة من المخالفين؟
اليوم موعدنا في تعليقنا الثاني على قوله: في ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة، أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري ومحمد بن الحسن الشيباني. تعليقي هو على جدلية أبي حنيفة النعمان رحمة الله تعالى عليه، والجذب والرد الذي تعرض له هذا الإمام قديماً وحديثاً، ما بين ناصر له مبالغ متعصب سموه كما شئتم، وما بين ذام له متحامل عليه. فنحن سنحاول أن ندرس أبا حنيفة النعمان رحمة الله عليه، ونعرف كيف نحكم على أبي حنيفة وعلى غيره من علماء الإسلام والأئمة الكبار الذين كان لهم قدم صدق في هذه الأمة.
ما هي النظرة المتزنة؟ وكيف يتعامل مع الشخصيات التي دار حولها جدل؟ يعني المنهج الذي أعلمه اليوم لكم هو منهج يجب تطبيقه مع كل شخصيات دار حولها جدل. دار حولها جدل لعدم وضوح تمام الوضوح أين تصطف هذه الشخصية في مجالاتها العقدية تماماً؟ هناك شخصيات عبر التاريخ نسميها شخصيات إيش؟ جدلية، دار حولها جذب ورد بين الفرق، ما بين متعصب ومحام، وما بين متحامل ومنفر. فمثل شخصية أبي حنيفة النعمان رحمة الله عليه كيف يتم دراستها؟ كيف نصل إلى حل أزن في التعامل معها؟ ما هو المنهج الصواب الذي سلكه المتأخرون من أهل السنة والجماعة في الحكم عليها؟ هذا هو موضوع مجلسنا اليوم بإذن الله.
وإن كان لأنها وقت زائد نشرع فيه المقدمة الثالثة في قوله مسائل أصول الدين، أنه قال: هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري ومحمد بن الحسن الشيباني، وما من أصول الدين. كلمة أصول الدين ما مصدرها؟ وهل نوافق على إطلاقها أو لا يوافق على إطلاقها؟ هل ستكون مقدمة ثالثة؟ لا أدري إذا كان الوقت يكفينا اليوم أو لا، لكننا دعونا نشرع في جدلية أبي حنيفة النعمان رحمة الله تعالى عليه.
نقول أحبابي، الآن ساتكلم عن خطوط منهجية عامة لا تتعلق بأبي حنيفة بحد ذاته بل بخطة عامة في كيفية الحكم على الأشخاص. أقول مستعيناً بالله: عندما يريد الباحث أو طالب العلم في وقتنا المعاصر تقديم رؤية معينة أو أن يصدر موقفا إزاء شخصية من الشخصيات التاريخية التي تركت بصمة واضحة في العلوم الإسلامية، فعليه أن يأخذ بعين الاعتبار مجموعة من العوامل. أولاً، ينبغي أن يكون الباحث والناظر متجرداً من أي تحيزات مسبقة تجاه هذه الشخصية شكلتها بيئات معينة نشأ فيها الباحث.
أعيد القاعدة: ينبغي أن يكون الباحث والناظر متجردا من أي تحيزات مسبقة تجاه هذه الشخصية، شكل هذه التحيزات بيئات معينة نشأ فيها هذا الباحث، وانتم تفهمون الكلام فيما أظن. فإن كثيراً من الناظرين المعاصرين إنما تكون مواقفهم تجاه شخصيات علمية تاريخية كالإمام أبي حنيفة مثلاً متأثرة بعوامل النشأة التي نشأ فيها هذا الباحث أو طبيعة الخطاب الذي تربى عليه. فعندما يريد هذا الشخص أن يقدم رؤية تجاه هذا العالم، فانه ينظر إليه بتلك العين التي عليها، ولم يستطع التخلص من قيود تلك البيئة التي نشأ فيها، فلا تزال تلك البيئة تتحكم في نظرته وتؤثر في الأحكام التي يصدرها على هذه الشخصية، واضحة؟
وهنا أنا أتكلم في الحقيقة عن طرفي النقيض، أتكلم عن المتعصبين في المدح والاطراء، وعن المتشددين في الذم والتنقيص. أتكلم عن الطائفتين لأني أتكلم عن قواعد منهجية الآن، فهمتم النقطة الأولى؟ إذا، كثير من الشباب عندما يحكم على شخصية معينة في التاريخ يصدر حكمه، هو في الحقيقة ما زال متأثرا بالبيئة التي نشأ فيها. فيكون نشأ مثلاً في بيئة متعصبة ضد أبي حنيفة، فهو عندما يظهر ويبرز هذا الشاب ويحاول أن يحكم على أبي حنيفة، هو في الحقيقة لم ينتبه أن البيئة التي نشأ فيها التي علمته التعصب ضد أبي حنيفة ما زالت تؤثر في عينه وفي نظرته وفي بحثه، فهو يستصحب ما تعلمه صغيراً، ليس متجرداً بمعنى التجرد التام، لأنه في الحقيقة التجرد التام هذا عمل الكبار كما قالوا.
وفي المقابل هناك شخص مثلاً نشأ متعصباً لهذا الإمام أو لغيره، فعندما تحاول أن تبين له بعض الأخطاء في بعض الجوانب عند هذا الإمام أو غيره يرفض تماماً الاستماع ويعتبرك تحاول أي عملية إسقاط أو تهميش أو ما شابه ذلك لهذا الإمام. وهذا هو الخطأ، إياك أن تستصحب البيئة التي نشأت فيها وأنت تحاول إصدار حكم على عالم من العلماء، الحكم ينبغي أن يكون مجرداً وفق المعطيات التاريخية المثبتة. أليس كذلك؟
ثانياً، العامل الثاني: يجب أن يتحلى الباحث في نظره بالإنصاف وهو يبحث حول هذه الشخصية، إيش يعني الإنصاف؟ قال: فيجمع كلما قيل حولها من ثناء أو ذم، ولا يقتصر مثلاً على النصوص التي تذمها ويغض الطرف عن من مدحها وأثنى عليها. فإن الاستقراء أو فإن استقراء كافة النصوص وتحليلها بدقة هو الذي يعين على الوصول إلى حكم عدل حول هذه الشخصية لا إفراط فيه ولا تفريط، صح؟
بصير أنت يا هشام لما بدك تحكم على شخصية معينة تجمع فقط النصوص اللي ذمتها وتقول ها اسمعوا إيش قال فلان فيه واسمعوا إيش قال فلان فيه. طيب تمام، بس في فلان برضو مدح، وفي فلان أثنى، واللي أثنى عليه مش أقل من اللي مدح بالمقام والقدر، تمام؟ فعملية الحكم العادل يجب أنك تجمع جميع الأطراف الذين تكلموا ما بين مثنى عليه أو ذام فيه، لا نجمع المدح فقط ولا نجمع إيش الذّم فقط.
العامل الثالث: عند تحليل النصوص المجموعة حول هذه الشخصية التي هي محل الدراسة، يجب تطبيق قواعد الجرح والتعديل بحرفية عالية. ومن أهم قواعد الجرح والتعديل ما هي أيها الأحبة؟ أن الأصل في المسلم العدالة، ولا يقبل الجرح إلا مثبتاً مفسراً واضحاً، خاصة إذا كنا نتكلم عن شخصية كبيرة بحجم أبي حنيفة النعمان رحمة الله تعالى عليه لها باع كبير وقبول عام عند جماهير الأمة. ما ينفعش تأتيني بجرح هيك مجمل مش واضحة تفاصيله وترميه وتقول ها انظر إيش قال فلان!
لا بدك تطبق قواعد الجرح والتعديل، الأصل في المسلم العدالة، والجرح ينبغي أن يكون مفسراً واضحاً، خاصة في واحد بحجم أبي حنيفة النعمان ما بنفع نقبل أي جرح يقال فيه. أنت بتتكلم عن حجم كبير وعن ثقل هائل في الفقه الإسلامي، فعملية التجريح يجب أن تكون مفسرة وواضحة وبينة. ففي هذه الحالة إذا كانت الشخصية خطيرة وذات حجم كبير في الفقه الإسلامي تزداد الخطورة والتحري يجب أن يصل إلى منتهاه، فلا يتعجل الباحث باصدار رأيه خاصة إذا كان سلبياً تجاه هذه الشخصية الإسلامية.
فلأن هذه ركزوا فيها الكلام، ركزوا ماذا سأقول الآن، فلأن يخطئ الباحث في التصويب والتعديل ويحافظ على حرمة العالم وعلى جهوده خير والله من أن يخطئ في التجريح ويكتشف في النهاية أنه انتقص من عالم كبير وصرف عنه طلبة العلم مع أنه صاحب علم جم وإنتاج كبير جداً. فهمتم؟ يعني أن أخطأ في تعديلي لهذا العالم خير من أن أخطأ في تجريحي، صح ولا لا يا شيخ حسين؟
أن أخطئ في التعديل من باب الأخذ بالاحوط، أليس والله يعني في واحد بحجم أبي حنيفة انك تخطئ في التعديل فرضا، أليس خير أن تخطئ في التجريح؟ لأنه إذا أنت أخطأت في التجريح أنت قضيت أو شبه انهيت عالم كبير من علماء الأمة ونفرت الأمة عنه. لكن أن تخطئ في تعديله قاصدًا أنه يعني أغلب كلام أبي حنيفة أين هو؟ في الفقهيات. أن تخطئ في تعديله هذا والله خير وأسلم لك عند الله سبحانه وتعالى وفي واقع الأمة العملية من أن تخطئ في ماذا؟ في التجريح، وتكتشف في النهاية أن حكمك على أبي حنيفة كان جائراً، وأن الرجل لم يكن حاله كما أنت تأملت ونظرت وتفكرت. فهمتم هاي القاعدة؟ هذا مهم جداً، أنه بعض الشباب ما عندوش مشكلة جرح أو عدل. لا، أن تخطئ في التعديل خير من أن تخطئ في التجريح في شخصية مثل أبي حنيفة.
العامل الرابع: ينبغي على الباحث أن يتسم بالذكاء والتفهم والتفطن وهو ينظر في النصوص التي جمعت حول هذه الشخصية المبحوثة، بحيث يكون الناظر على دراية تامة بطبائع النفوس البشرية وما يعتريها من عوامل النقص والنواحي النفسية التي تنشأ بين الأقران - يرحمك الله - من تنافس وتحاسب. بدك تكون خبير في الأمور النفسية. وقد تنبه علماء الجرح والتعديل لهذه الجزئية من القدم، فكانوا يتحفظون في قبول كلام الأقران بعضهم ببعض، صح؟ يقولون: كلام الأقران بعضهم ببعض لا يقبل في العادة، ليه؟ بسبب وجود عامل الحسد والتنافس بينهم.
وكذلك ينبغي أن يكون على دراية بالظروف التي نشأ فيها هذا العالم والأفكار التي كانت سائدة في عصره، لأن كل هذه العوامل النفسية والتاريخية هي مؤثرة في طبيعة النصوص المنقولة حول هذا العالم مادحة له أو ذامة، واضح؟ إذا ما بنفع يجي شخص بسيط ما عنده دراية بطبائع النفوس البشرية ولا بالعوامل التاريخية التي نشأ فيها هذا العالم ويبدأ يخوض فيه معدلاً أو مجرحاً. لا، بدك تكون تفهم طبيعة النفس البشرية، فإن العلماء في النهاية بشر، هناك طبائع تحكمهم، فإن العالم قد يحسد عالماً، قد يستعجل في إصدار حكمه، ولا تظن أن علماء الأمة -على تعظيمنا وإجلالنا لهم- كانوا معصومين تماماً من هذه الآفات، هم بشر وليسوا معصومين، فيمكن أن يدخل بينهم ما يدخل بين المعاصرين من التنافس والتحاسد. ودراسة الظروف التاريخية التي نشأ فيها العالم كثيراً ما تساعدك على تكوين رؤية معتدلة تجاه ما يصدر منه من مواقف وتصرفات، واضح الرابع؟
خامساً: على الباحث المعاصر أن ينظر ويقلب النظر جيداً في كلام النقاد الكبار من أهل السنة والجماعة من المتأخرين، كما ينظر في كلام المتقدمين الذين سبقوا بإدلاء آرائهم تجاه هذه الشخصية. بعض الناس اه بيقول لك: أنا لا أقبل بآراء النقاد المتأخرين كالذهبي وابن حجر وابن تيمية وابن القيم، نحن رجال وهم رجال في الحكم. يقول لك: أنا فقط آخذ بأقوال أئمة الجرح من المتقدمين. أقول له: خطأ!
بدك تعطي النقاد من أهل السنة من المتأخرين وزنهم وتتأمل في كلامهم جيداً، لأنهم في الغالب أكثر اطلاعاً منك على حال هذه الشخصية التي ستحكم عليها. فما بنفع يأتي شخص باحث معاصر يقول لي: أنا سامحني، أنا رأي الذهبي وابن القيم وابن تيمية ورأي ابن حجر وغيره من المتأخرين ما بهمني، أنا في النهاية أنظر بنفسي لا بهمك، بيهمك؛ لأنهم علماء كبار وهم نقاد أهل السنة وأصحاب ثقل ونزاهة، فبالتأكيد ما وصل إليك قد وصل إليهم واطلعوا عليه في العادة تماماً، ولا يتجاهلها بحجة أنه صاحب رأي مستقل ليس ملزماً برأي غيره.
خصوصاً أننا عندما نتكلم عن النقاد الكبار نحن نتكلم عن أئمة أصحاب باع طويل أصحاب اطلاع واسع، في العادة يكون أكثر من اطلاع صاحبنا هذا الباحث المعاصر، فينظر الباحث كيف تلقى النقاد المتأخرون أهل السنة والجماعة هذه الشخصية وكيف تلقوا النصوص التي قيلت حولها. يعني ما بنفعش تيجي تبحث اه أبو حنيفة النعمان وما تكونش معتبر رأي ابن تيمية فيه ورأي ابن القيم ورأي الذهبي في سير أعلام النبلاء ورأي ابن حجر العسقلاني ورأي المؤرخين المتأخرين من أهل السنة، ما بنفع.
لأن بعض -أنا سمعت هذا النشاز من بعضهم- أنه بقول لك: أنا ما ليش علاقة برأيهم هذا رأيه الخاص. اخي الكريم هذا رأي له وزنه له حجمه، وأنت لن تكون يعني أحوط لدين الله سبحانه وتعالى من جهابذة أهل السنة والجماعة من النقاد المتأخرين، تمام؟
سادساً: الحمد لله، بعد أن يصدر الباحث حكمه على هذه الشخصية بعد استيعاب كل العوامل السابقة التي تم بيانها، عليه أن يعرف حجم الحكم الذي توصل إليه تجاه هذه الشخصية، هل الحكم الذي توصلت اليه حول هذه الشخصية هل هو قطعي لا يقبل النقاش وكل شخص يخالفني فيه أرمي عليه بالسهام؟ أم هو اجتهاد في النهاية؟ ظني أن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين محتمل للخطأ.
فأول إشي بدك تعرف حجم الحكم اللي أصدرته، لأنه بعض الشباب يصدر حكماً على عالم معين يعتبره حكماً إيش؟ قطعياً نهائياً، وأي شخص يخالفه أنت مبتدع أو أنت ضال أو أنت تتساهل أو أنت مميع. لا يا أخي الكريم، بدك تعرف أن حكمك في النهاية هل هو قطعي ملزم للأمة أم حكم اجتهادي يقبل النظر ويقبل الأخذ والرد؟ ثم بعد ذلك ينظر في مصلحة إشاعة هذا الحكم والدفاع عنه من حيث المصالح والمفاسد والإيجابيات والسلبيات. فان القول
ولو كان صحيحا فهذا لا يحل إشاعته ونشره إذا كانت مفاسد النشر تربو على مصالحه. ولم يكن هذا الحكم من أصول الدين الذي يدعى إليه ويكون الولاء والبراء عليه. يعني حكمنا على أبي حنيفة وعلى غيره من الأئمة السؤال ده افرض أنه شخص وصل إلى حكم شديد في أبي حنيفة.
تمام، باجي بقول له تعال يا من وصلت إلى حكم مشدد تذم أبا حنيفة ليلا ونهارا، هل حكمك أولا قطعي أم تعتبره ظنيا يقبل الاجتهاد؟ بعد ذلك بدي أفرضه أنه اعتبره قطعي.
بدي أفرضه أنه اعتبره قطعي فنقول له: هل من المصلحة أن تشيعه بحيث إنك تتكلم يعني عن أصل من أصول الدين لا يقبل تأخير الكلام عنه؟ أم الأصل أن تنظر في ميزان المصالح؟
يعني هل الموقف من أبي حنيفة يا شيخ عمر هو من أصول الدين الذي والوا عبارة عليها؟ لا يعني لسه مثلا منصور الدين. بالتالي حتى لو كنت أعتبر رأيي قطعي علي أن أنظر في ميزان المصالح والمفاسد. فاذا كان البوح برأيي سيسبب فتنة بين المسلمين وفرقة في الصف الإسلامي فالأصل أن اسكت؛ لأن المفاسد التي ستنبني عليه أكثر بكثير من المصالح؛ لأننا اتفقنا أنه حكمي على هذا الشخص ليس من أصول الدين التي يدعى الناس إليها. يعني هل شخص إذا دخل في الإسلام بده يسأله: تعال، ما موقفك من أبي حنيفة؟ هل من شروط إسلامه أن يعرف بأبي حنيفة؟
فهاد من شروط الإسلام ذلك أو من قواعد الدين الكبرى؟ ولا ممكن الشخص يحيى على الإسلام ويموت وهو لا يعرف الإمام أبا حنيفة؟ يمكن! بالتالي رأيك ليس في أصول الدين. فعندما تنشر رأي معين عليك قبل أن تنشر أن تزن المصالح والمفاسد. هل رأيي إذا نشرته ستتحقق منه المصالح الكبرى في تاريخ الأمة؟ هل أبو حنيفة هو فعلا العامل للإشكال في تاريخ المسلمين؟ أم ستنبني عليه من المفاسد أعظم بكثير من المصالح التي أن تكون تتوقعها؟ هذا في حالة كان رأيك أصلا تجاه أبي حنيفة صحيح، فضلا أن يكون قطعيا أو ظنيا.
تمام، إذا تكلمنا عنكم عامل من العوامل، ستة عوامل، اليس كذلك؟ طيب الآن دعونا نبدأ تطبيق هذه العوامل على شخصية أبي حنيفة. ممتاز هاي بدأنا نعمق شوي.
عند تطبيق هذه القواعد على شخصية الإمام أبي حنيفة فإننا نقول أولا: لابد من التجرد قبل البحث بشخصية أبي حنيفة من أثر البيئة. مش هذا أول عامل؟ فمن نشأ في بيئة تذم وتنتقص من أبي حنيفة بده يتجرد، كما أنه من نشأ في بيئة تتعصب لأبي حنيفة بده يتجرد أيضا، حتى تسمع أنت النصوص من كلا الطرفين وتسمعها بعقلك وليس بقلبك وعاطفتك؛ فكلا الطرفين عليهما أن يتجردا من التعصبات المسبقة.
ثانيا، عند النظر في المصنفات التي تطرقت للحديث عن أبي حنيفة النعمان رحمه الله تعالى سنجدها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول هناك مصنفات لأهل العلم اقتصرت فقط على ذكر الثناء والتبجير والتعظيم، ولا تتطرق إلى ما ينقله الطرف الآخر عن أبي حنيفة، بل بعض هذه الكتب التي تنقض ثناء أبي حنيفة؟ بعضها يتهجم على كل من يتطرق لذكر بعض الاشكاليات التي أحاطت بأبي حنيفة النعمان ويرمي أصحابها بأقسى العبارات أنه أنت كيف تحكي عن أبي حنيفة النعمان؟
ويمثل هذا الاتجاه جل المصنفات التي صنفها الحنفية في ذكر محاسن إمام المذهب وذكر مناقبه وهي بالعشرات. الحنفية صنفوا في مناقب أبي حنيفة النعمان العشرات من المصنفات، وكذلك بعض المصنفين في فضائل الفقهاء عموما ككتاب منازل الأئمة الأربعة لابي زكريا السلماسي هذا الكتاب اتصل فيه فقط على ذكر الممادح والثناء. هذا توجه، الخط الثاني: مصنفات اقتصرت على ذكر ما ينتقد على أبي حنيفة النعمان، وبعضها كان يتسم ماذا بالقسوة في حال أبي حنيفة والشد عليه والإكثار من ذمه. الآن الذين اقتصروا على ذم أبي حنيفة هذا اتجاه آخر، يمكن أن نعتبر كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل مثال لهذا الاتجاه؛ أنه كان قاسي على أبي حنيفة ما خلاها له.
تمام، النوع الثالث من المصنفات: مصنفات سعت لسلوك سبيل التوسط والإنصاف حيث نقلت ما يذكره المادحون ومن أثنى على أبي حنيفة رحمة الله عليه، ونقلت ما أخذ عليه وانتقد. ويمثل هذا الاتجاه مجموعة من المصنفات، منها: كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي رحمة الله تعالى عليه، الذي جمع نصوص كلا الطرفين.
وعلى هذا الكتاب كتاب الخطيب البغدادي دار السجادة الكبير بين الكوثري الذي هاجم الخطيب البغدادي واتهمه بأنه ليس حرفيا في آآ الثقة والتقوى الله عز وجل، وغاص في آآ الخطيب البغدادي غوصا شديدا للأسف تعصبا منه لأبي حنيفة النوع، عم تعرف الكوثري من متأخري الأشعرية؟ كان في الدولة العثمانية تمام، في آخر الدولة العثمانية. هذا الرجل كان أشعريا جلدا ومتعصبا ضد أي شخص بيتكلم عن أبي حنيفة النعمان؛ فهاجمه الخطيب البغدادي هجوم شرس، أنه كيف أنت بدك تنقل نصوصا تنتقص فيها من أبي حنيفة؟ هو طبعا ناقل البغدادي كان ناقلا ونقل كلا الطرفين لكن خلاص هوجم من الكوثري: لماذا تنقل النصوص التي تحط من أبي حنيفة؟ من رد على الكوثري؟
الإمام المعلمي رحمة الله تعالى عليه في كتابه التنكيل للرد على ما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، حيث هاجم المعلمي الكوثري بسبب تنقصهم الخطيب البغدادي، مع أن المعلمي أظهر حرصه على تعظيم أبي حنيفة، قال: يعني نحن نذب عن أبي حنيفة، لكن هجوم الكوثري على الخطيب البغدادي غير مبرر، وهذا الكتاب مهم جدا أن يقرأه طالب العلم، كتاب التنكيل للإمام المعلمي الذي دافع فيه عن الخطيب البغدادي رحمة الله تعالى عليه بحرفية عالية تدل على مدى تمكن المعلمي من علم الرجال.
طيب، إذا ما هو الكتاب الأول الذي ذكر كلا القولين؟ الذم والمدح: كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي. عندنا أيضا كتاب الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة للإمام ابن عبدالبر رحمة الله تعالى عليه، وقد سعى ابن عبدالبر أيضا أن يسلك سبيل الإنصاف في نقل نصوص كلا الطرفين مبينا لدواعي الذم التي توجهت إلى أبي حنيفة، وحاول أن يقدم تعليلات وتبريرات لها. فابن عبدالبر في كتابه الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة ذكر أبا حنيفة النعمان، وذكر ما قيل فيه من المدح وما قيل فيه من الذم، وحاول أن يدافع شيئا عن أبي حنيفة ويعلل لماذا هذا الذم توجه إليه؟ واضح يا مشايخ؟ تمام.
أيضا الذهبي رحمة الله عليه في سير أعلام النبلاء حاول أن يكون متوسطا في ذكر أقوال كلا الطرفين. طيب ولسنا هنا طبعا في مقام جمع كل ما قيل عن أبي حنيفة النعمان ثناء عليه ومدحا له أو انتقادا وقدحا في بعض آرائه ومسلكه، لكن ساكتفي بذكر نقاط تساعد على تفهم شخصية أبي حنيفة وتفهم سبب الانتقادات التي وجهت إليه. من هم الذين انتقدوا أبا حنيفة؟ هي مدرسة أهل الحديث عموما من المتقدمين، مدرسة أهل الحديث من المتقدمين كثير منهم كان أو نقل عنه الانتقاد لأبي حنيفة النعمان رحمة الله عليه ورمي بأشياء يعني غريبة جدا، منها ما نحن نجزم بأنه ليس بصحيح، ومنها ما هو محل وقوف، ومنها ما هو صحيح تمام؟
طب ما سبب انتقاد مدرسة أهل الحديث من المتقدمين؟ سفيان الثوري آه يحيى بن سعيد آه وما نقل أيضا عن يعني ما نقل شيئا طبعا ساتي ستعرفون كثير ممن انتقد أبا حنيفة نقل عنه المدح له، لكن نقل عن أحمد بن حنبل آآ ما نقل، كذلك عن شريك. مجموعة من أهل الحديث وعبد الله بن الإمام أحمد يعني أكثر النقل عن أهل الحديث في ذم أبي حنيفة، حتى البخاري رحمة الله عليه ممن ذم أو دخل في هذا الباب. لماذا مدرسة أهل الحديث من المتقدمين شددت جدا على أبي حنيفة النعمان، وكان لها موقف خلينا نقول سلبي نوعا ما منه، وهل بقي هذا الموقف هو السائد عند المتأخرين من أهل الحديث أم انعدل الميزان قليلا؟
فالآن قلت لكم آآ ساذكر بعض النقاط تساعد على تفهم شخصية أبي حنيفة ونفهم سبب انتقاد كثير من الأئمة له؛ لأن الذين انتقدوه علماء أجلة، يعني أئمة ورواة، أئمة ونقلة الحديث، أئمة الحديث ونقلة الحديث هم من نقل عنهم الكلام في أبي حنيفة النعمان وعدم الارتضاء لمسلكه، لكن بدنا ندرس بعض الأمور بتعقد، زي ما حكينا بدنا نكون فهمانين ونكون متوازنين ونفهم ما سبب هذه الانتقادات تتعلق بالزمن الذي كانوا فيه بحيث يمكن تجاوزه بعد ذلك.
دعونا نقول أولا: نشأ أبو حنيفة أين؟ بالكوفة في العراق، وكانت هذه المدينة في زمن أبي حنيفة مليئة بأهل الأهواء، وظهر فيها النزاع والشقاق في وقت مبكر، فظهر فيها الرافضة والقدرية والجهمية وغيرهم، فأصبح علماء الحديث يتحسسون من أي قول يصدر من الكوفيين عموما إذا لم يكن منتشرا بينهم ومعروفا عن الأئمة في الأمصار الأخرى. فهمتوا بهذه الإشكالية؟ أنه أبو حنيفة أين كان قدره أن ينشأ؟ بالكوفة، والكوفة مرتع لكل أهل الأهواء، ما بتلاقي فرقة من أهل الأهواء إلا لها قدم في الكوفة؛ فأصبح أهل الحديث عندهم تحسس من أي قول يصدر من الكوفة ليس معروفا عندهم، وبالتالي بدنا إذا سنتفهم أنه أي شيء يأتي عن أبي حنيفة ليس معلوما عند أهل الحديث أو مشهورا بينهم سيكون موطن ايش؟ حساسية، صح ولا لا؟ منطقي هذا الأمر، شيء يكون منطقي لنا.
ثانيا: برع أبو حنيفة بمنهجه الفقهي الذي يستند إلى إعمال الأقيسة وقواعد الاستحسان والاستصلاح مع تشدده جدا في قبول الحديث النبوي من باب الحيطة فيه لظهور الوضاعين والكذابين في الكوفة وفي العراق عموما بشكل كثير. وأكثر أبو حنيفة من الفقه الافتراضي ومن الاجتهاد الجماعي، الآن هذا النمط من التفقه لم يكن سائدا عند علماء أهل الحديث الذين كانوا متضلعين بالآثار وبالنصوص، فكانوا يرون مخالفة أبي حنيفة النعمان وأصحابه لهم في العديد من الفتاوى الفقهية، ويرون أن هذا نتيجة إعمال الرأي عند أبي حنيفة، فكانوا ينهون عن مدرسته ويحذرون منها خشية أن يتفاقم الأمر ويتحدث في دين الله بدون قواعد.
فهمتم هذه الزاوية الأخرى؟ أنه أبو حنيفة كان مشهور بماذا؟ بالاستحسان، بالاستصلاح، بالأقيسة، بالتشاور الجماعي. أبو حنيفة كان يأتي، يحضر مجلسه أكثر من خمسين طالب، يطرح مسألة ويقول: يلا ماذا تقول أنت يا فلان فيها؟ ثم أنت؟ ثم أنت؟ ثم أنت؟ ثم بعد ذلك يبدأ يوازن بين أقوالهم ويستصلح ويستحسن. لأن هذا الأسلوب هل كان معروف عند أهل الحديث؟ قال: لا.
أهل الحديث كان شغلهم الشاغل وهو شغل عظيم: الانشغال برواية الحديث وضبطه ومعرفة ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه. فلما سمعوا عن طريقة أبي حنيفة استوحشوا منها، إيش صار؟ استوحشوا منها ووقفوا منها موقف اه لم يقبلوها باختصار. الموقف الذي كان منها هو موقف عدم القبول؛ لأنهم رأوا أن كثيرا من الفتاوى التي ينتجها أبو حنيفة قد تصطدم مع أحاديث موجودة عندهم، فأصبح ينبز أهل العراق وأهل الكوفة بأنكم تخالفون الحديث النبوي.
لكننا نجزم أن أبا حنيفة لم يكن ليخالف حديثا ثبت عنده، ولذلك لما ألف ابن تيمية رفع الملام عن الأئمة الأعلام كان قصده أن ينصر هذه الفكرة: لا تظنوا أن أحدا من الأئمة الأربعة يتعمد مخالفة حديث يعتقد صوابه لا يمكن هذا من باب إحسان الظن بعلمائنا الكبار. المهم طريقة أبي حنيفة النعمان لم تصغ عند أهل الحديث؛ لأنهم كانوا يمتلكون العديد من الآثار ويعرفون صحتها ولم تكن هذه الآثار بين يدي أبي حنيفة النعمان، فطبيعي أن تكون الفتاوى النهائية مصادمة بينهم، أن أبو حنيفة يتجه باتجاه اهل الحديث باتجاه بسبب ايش؟ أنه أبو حنيفة اعتمد فيها على الرأي والقياس وهم أهل الحديث عندهم فيها آثار.
فأحيانا طبعا مش كل المسائل يقول رأي أبو حنيفة مخالف لمدلول النص، هل لأن أبو حنيفة يخالف اللي في النص؟ كلا، بل لأن النص لم يصله أو وصل إليه ولم يعتقد صحته. جيد هذه النقطة؟
ثالثا: استمرت هذه النظرة السائدة عن مدرسة أهل الرأي في العراق لعقود من الزمان، لذا نجد عدة أجيال من مدرسة أهل الحديث يعني حتى جيل البخاري رحمة الله عليه مع أنه متأخر مقارنة بمن قبله من سفيان الثوري وغيرهم. لذا بقيت أو نجد عدة أجيال من مدرسة أهل الحديث بقيت تنتقد مدرسة أبي حنيفة النعمان، لكن أستطيع القول إنه عند بداية استقرار مذهب أبي حنيفة النعمان من الناحية الأصولية وبعد أن دونت قواعده العلمية اهدا الانتقاد يقل تدريجيا؛ حيث أثبتت المدرسة الحنفية أنها تمتلك قواعد رصينة في الفقه، وأن الرأي الذي كان ينسب إليها ليس رأيا نتيجة الهوى وليس مجرد نظرات عقلية لا ضابط لها، بل كان أبو حنيفة يسير وفق منهج علمي ورؤية واضحة استطاع بعد ذلك أن يؤطروها في قواعد ومسالك سطرت في كتب أصول الفقه.
تمام؟ يعني رأي أبي حنيفة النعماني ابتداء قبل أن تدون كتب أصول الفقه عند الحنفية كان أهل الحديث خايفين أن يتوسع هذا الرأي ويبقى ضائعا تايها لا شيء يجمعه، وحقيقة تخوفه مبرر، يعني أنا أتفهم تخوف هذا الحديث؛ أنه لقى الأصول التي ينطلق منها أبو حنيفة لم تكن مدونة، فبالتالي كانوا يخشون من ايش؟ من توسع النظر بالرأي. لكن مدرسة أبو حنيفة هل بقيت هكذا بدون أصول أم لا؟ بدأ الحمد لله في القرن الرابع والخامس الهجري بدأت تكتب أصولهم وتنضبط ويتضح مسلكهم الفقهي. لأ بدأت تؤطر وعرفنا بعد ذلك.
في النظر لكتب أصول الفقه، لا، هم أن القوم لا، والله عندهم أصول. النظر مش هوائي، ليس مجرد هكذا بادئ الرأي؛ في أصول رصين الجماعة بطلعوا منها. هذا ما كان معروف عند المتقدمين والمحدثين؛ ما شافوا كتب أصول فقه عند الحنفية. فكان هناك خوف ووجل من أن يتسع الرأي وأن يتسع القول في دين الله سبحانه وتعالى بعيداً هذه الآثار والنصوص، وأنه كل شخص يدلي برأيه في المسائل، فيكون هناك فرقة في هذه الأمة ودخول للأهواء.
لكن هذا الحتف من المتأخرين لما اطلعوا على أصول الفقه عند الحنفية قالوا: لا يا عم، الجماعة عندهم أصول، والقوم هيهم ضبطوا أصولهم، فيمكن أن يضبط الدين من خلال أصولهم، وليس هناك تفلت كما كان يتوهم أو يخشى منه المتقدمون من أهل الحديث. هذي ثنتين نقطة، هذا مهم جداً تفهموها؛ لأنه البعض يقول: يا شيخ، أصلاً هناك أربعة أجيال من أهل الحديث كانوا يذمون أبا حنيفة أو يذمون أبا حنيفة. أقول: صحيح، هذه الأجيال قبل أن تظهر كتب أصول الفقه الحنفية بشكل واقعي وتنتشر.
فسبب ذمها أنهم كانوا يخشون أن يكون منهج أبي حنيفة منهج لا له، لكن في الحقيقة لما بدأت تؤطر أقوال الحنفية في كتب أصولية، أصبح المنهج واضحاً، وبالتالي يعني خف بدرجة عالية أم أهل الحديث من المتأخرين لمدرسة أبي حنيفة النعمان رحمة الله عليه. واضحة الفكرة هاي.
رابعاً: قلة البضاعة الحديثية عند الإمام أبي حنيفة مقارنة مع غيره كمالك وأحمد بن حنبل. هل هذا يزري بأبي حنيفة النعمان، أنه علمه في الحديث ليس كعلم أحمد بن حنبل؟ يعني هل أبو حنيفة مطالب أن يكون في العلم الحديث كأحمد بن حنبل حتى إذا لم يكن مثله قلنا له هذا يزري بمقامك؟ كلا، إذاً وهذا لا يزري بمقام أبي حنيفة، يعني إخواننا الحنابلة وإخواننا المالكية، منهم أبو حنيفة يكون زي إمام المذهب في الحديث، لا، هذه قدرات ومواهب الله سبحانه وتعالى يوزع الأمور كيفما يشاء.
هذا لا يزري بمقام أبي حنيفة، فإنه لم يصدر نفسه كمحدث حتى أنت تبدأ تلومه. هل أبو حنيفة قال أنا محدث الدنيا، تعوا خذوا مني الأسانيد؟ لا، وصدر نفسه كأي يا عمر؟ كفقيه. إذاً هو لم يصدر نفسه كمحدث، وإنما صدر نفسه كفقيه، والعلماء كل منهم يبرز في جانب ويضعف في آخر، كما قال الإمام الذهبي رحمة الله عليه. فكون أبي حنيفة برع في جانب دون آخر، ليس هذا مما يستدعي ذماً أو انتقاصاً، وإنما ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
لكن هذا لا يعني عدم معرفة الرجل بالحديث، كما يزعم بعض المتعصبين ضده. أبو حنيفة له مسند، كتاب جامع المسانيد للخوارزمي في القرن الخامس أو السادس الهجري، ست مجلدات جمع فيه كل الأسانيد والأحاديث التي كان فيها أبو حنيفة. فالبعض أيضاً بتحامل وبقول لك أبو حنيفة ما بعرف في الأحاديث، وهذا جهل وتعصب ممقوت، وإذا الرجل كان عنده دراية واطلاع وصنف وله أسانيد في ذلك، لكن أكيد ليس بحجم اطلاع مين؟ أحمد بن حنبل ومالك بن أنس، وهذا لا يزري به.
خامساً: أظهر أبو حنيفة براعة عالية في الاستنباط وفي الاجتهاد وفي الفرض الفقهي جعلته محل حسد. لا ينكر عاقل أن أبا حنيفة من أذكياء الدنيا، لا ينكر عاقل يقرأ فتاوى أبي حنيفة أو يقرأ فتاوى أبي حنيفة، لا ينكر أن أبا حنيفة كان من أذكياء الدنيا. وحتى أكون منصفاً، ذكاء أبي حنيفة كان يفوق شيئاً من ذكاء بعض المحدثين؛ يعني كان قدرات كل القدرات ذكاؤه عالي. الرجل من يقرأ قياسه واستحسانه واستصلاحه يدرك أن الرجل كان عالياً جداً في هذا المقام.
فبالتالي أظهر أبو حنيفة براعة عالية في الاستنباط والقياس والفرض الفقهي جعلته محل حسد وغيرة من أقرانه. طب هذا يا شيخ استنتاج منك؟ لا، دير بالك قلت لا، لا، هذا مش استنتاج مني، هذا العامل ذكره ابن عبد البر في كتابه الانتقاء، هو الذي ذكر قضية التحاسد. إذاً وقد ذكر هذا المأخذ ابن عبد البر المالكي وهو ينقل العديد من النصوص في ذمه التي تقلل من شأنه. ايش ابن عبد البر علق؟ قال: و هذا يظهر أنه شيء من الحسد بينه وبين أقرانه، ولا يمكن يعني -سأنقل الآن قليلاً مما قيل في ذمه- لا يمكن أن يكون هذا من كلام أبي حنيفة الذي أطبقت الأمة على علمه، وهذا شيء يكثر في النفوس البشرية.
يعني النظرة المثالية أنه لا يمكن أن يكون بعض أهل الحديث مع -طبعاً هم أئمة النقل وأئمة التجريح والتعديل، هذا لا نقبل النقاش فيه- لكن هل هناك مانع من دخول العوامل النفسية بين بعض أهل الحديث وأبي حنيفة؟ ما في مانع، بشر؛ يعني لا تأخذ نظرة مثالية عنهم أنه لا يمكن أن يدخلهم شيء من التنافس، لا يمكن ذلك، صعب، والأئمة في النهاية بشر، قد يعتري نفوسهم ما يعتري نفوس الناس الأناسي في جميع الأزمنة والأعصار. فهذا عامل الحسد انتبهوا عليه.
سادساً: أن جل النصوص التي انتقدت أبا حنيفة وصحت عن علماء أهل الحديث وصحت، ركزوا أنه أصلاً الكثير منها لم يصح، الذي صح عن علماء هذا الحديث هذه النصوص لم تعتمد على السماع المباشر من فم أبي حنيفة، وإنما اعتمدت على ما ينقل عن أبي حنيفة من الكوفة وما يصلهم من أخباره، وهم هؤلاء الأجلاء من أهل الحديث، وإن كانوا أهل تثبت وتدقيق، لكن حجم الانتقادات الكبير الذي وصلهم من الكوفة عن أبي حنيفة جعلهم يتحفظون عليه، خصوصاً مع ثبوت قضايا كتوسعه مثلاً في الرأي، خلاص، هذه أصبحت معروفة عنه، فهم يظنون أن رأيه رأي الهوى، أو أنه يتوسع على حساب النص، لكن هذا لم يثبت في الحقيقة عن أبي حنيفة من فمه.
وكذلك إشكالية مفهوم الإيمان التي ظهرت عند أبي حنيفة، هذه زادت من التحفظ عليه عند أهل الحديث -يرحمك الله- لأن أبا حنيفة مخالفته العقدية التي ثبتت مخالفته في مسألة الإيمان، فلما ثبتت عنده مخالفة عقدية أصبح ايش؟ مرتعاً للخوض فيه، وإلا فهي ثبتت مخالفته في غير الإيمان، سنعرف ماذا يقول ابن تيمية في ذلك.
سابعاً: كان علماء أهل الحديث، هذه انتبهوا لها، شديدي التحفظ من أي بدعة تنشأ في زمنهم، أو من أو من أي قول يخشى من مآلاته به، لذا كانوا يسارعون في وأد أي قول غريب أو منهج مخوف، والتحذير منه صيانة للملة، وهذا شيء يذكر لأهل الحديث، هذا شيء نذكره لأهل الحديث رضوان الله تعالى عليهم، وأد الفتن من بدايتها.
طيب، فهذه طبيعة عند نقاد أهل، وقد فهم -عفواً- وقد فهم هذه الطبيعة عنهم نقاد أهل السنة والجماعة من المتأخرين؛ كابن تيمية وابن القيم والذهبي والمعلمي، فأدركوا أن كثير من المواقف الشديدة التي ظهرت من أهل الحديث من المتقدمين تجاه أبي حنيفة، إنما كانت ثمرة تخوف المتقدمين من طريقة أبي حنيفة في الرأي، مع خطئه في مسألة الإيمان وهو خطأ محدود. فعرفوا أي المتأخرون من أهل السنة كيف يفهمون تلك الانتقادات التي وجهت إلى أبي حنيفة في مساقيها، مع الحفاظ على حرمة أبي حنيفة وجلالة قدره في الفقه، خصوصاً بعد ظهور معالم مدرسة أبي حنيفة الأصولية كما قلنا، استقراراً وثبت أنها تخدم الشريعة ولا تعافسها كما كان يخشى.
إذاً النقاد من المتأخرين من أهل الحديث فهموا أن الأجيال الأولى من أهل الحديث كانت شدتهم على أبي حنيفة من باب ما هو معروف عن أهل الحديث، أنهم يئدون أي قول صغير يظهر، يسعون لوأده والتحذير من صاحبه. فالمتأخرون من أهل الأحاديث فهموا أن سبب الشدة من المتقدمين على أبي حنيفة هو تخوفهم من ماذا؟ من أن يجر فكره على الأمة وبالاً بتوسعه في الرأي، أو بسبب قوله في مسألة الإيمان.
لكن المتأخرون لما نظروا في كتب الأصولية الحنفية، ولما عرفوا أن خطأ أبي حنيفة لم يتجاوز مسألة الإيمان، عرفوا أن هذا الرجل يجب أن تعدل النظرة عنه وأن يعرف له حقه وحظه في خدمة هذا الدين. تمام، فهمتم هذا العامل؟ لماذا المتأخرون مثل ابن تيمية، ابن القيم، الذهبي، ابن حجر وغيرهم يعظمون أبا حنيفة النعمان مع أنهم يعظمون من أهل الحديث من المتقدمين أيضاً؟ هكذا يأتي طالب علم، يقول لك: يا شيخ، كيف ابن تيمية وابن القيم والذهبي يمدحون أبا حنيفة ويعظمونه، مع أن المتقدمين من أهل الأحاديث كانوا كثيراً ما يذمونه؟ فماذا تقول في إجابة هذا؟
أدركوا طبيعة سبب الانتقاد والمساق الذي قيل فيه، وهذا أمر مهم جداً؛ لأن بعض الناس قلت لك: المتأخرون من هذا الحديث كان عندهم نظرة ثاقبة، يفهمون من خلالها مقاصد الأئمة في أقوالهم.
ثامناً: هناك العديد من النصوص نقلت في القدح على أبي حنيفة لا يصح قبولها بأدنى نظر، كقول بعضهم إنه كان زنديقاً؛ يعني كما قال ابن عبد البر، يعني قال هذه ثقيلة، يعني زنديق أبو حنيفة يا جماعة الخير! اذكروا الله سبحانه وتعالى. قال: هذا واضح أنه من تحامل بعض أقرانه؛ يعني هو هكذا قال ابن عبد البر، إن هذا من كلام الحساد، أبو حنيفة زنديق! يعني قيل هادي، أو أنه استتيب من الكفر مرتين.
طبعاً هذي مشهورة جداً، مشهورة جداً، وصحت عن بعض أئمة الحديث، لكن كما قلت لكم، المشكلة أن بعض من نقلها من أئمة هذا الحديث أثبتوها، لكن لم يعرفوا سبب ورودها، فقالوا: استتيب من الكفر مرتين. وسنعرف أن قصة استتابته هي قصة مضحكة وقعت مع أحد الخوارج أنه هو الذي استتاب حنيفاً للكفر مرتين.
طيب، أو أن أبا حنيفة كان يعتقد اعتقاد الجهم بن صفوان وما شابه ذلك من الأقوال التي منشأها إما الحسد للرجل وإسقاط مكانته، أو عدم نقل سبب القصة بشكل صحيح؛ كما في قضية استتابته من من الكفر مرتين، حيث نقل أن الذي استتابه رجل من الخوارج، قال له: قال لأبي حنيفة: اشهد على نفسك أنك كافر. فقاده أبو حنيفة: أنا كافر بما تقول؟ أو شيء من ذلك؛ يعني بده يضحك عليه، بده يخلص. أبو حنيفة يا عمي هذا خارجي، يعني مش معه مزح، الكلمة معه غلط تجيب راسك، أظهر له الاستتابة.
أنا نسيت تفاصيل القصة الآن حالياً، لكن هذا ظاهرها، نعم، نقلها محققون من الحنفية. بغض النظر عن سبب ورودها، لكن في المقابل، الذين قالوا إنه استتيب للكفر مرتين، ذكروا شيئاً أيضاً لم يثبت؛ يعني أنت لما تقول يا أبو حنيفة للكفر مرتين، اعطيني وين استتيب؟ اعطيني تفاصيل قصة واضحة. البعض ذكر قصة لكنها لا تثبت بهذا السند التي ذكروها، وهؤلاء الذين قالوا إن الذي استتابه رجل من الخوارج أيضاً قصة مشهورة.
بغض النظر ثبتت هذه أو لم تثبت قصة الخارجي، لكن ما أقوله إن الذين نقلوا استتابة من الكفر مرتين ما أعطونا تفاصيل دقيقة جداً؛ كلام مبهم. لماذا استتيب؟ لماذا؟ ما الذي قالوا حتى يستتيب من الكفر مرتين؟ أين وصل به الحال؟ هذا أمر مهم جداً ينبغي الإحاطة به.
طيب، حيث هل يعقل -وهذا هو سؤالي- أن نجد عالماً يقبل عليه آلاف العلماء ينهلون من معرفته الفقهية، وكثير ممن استفادوا من أهل السنة، يعني ابن أبي العز الحنفي صاحبنا الذي سيشرح لنا العقيدة الطحاوية، يعني أنت مش عارف يا ابن أبي العز أن أبو حنيفة هيك وضعه أنه استتيب للكفر مرتين وهذه الأمور؟ فهل يعقل أن نجد عالماً يقبل عليه آلاف العلماء ينهلون من معرفته الفقهية، وكثير ممن أقبل عليه من أهل السنة، ولا يظهر عليه شيء من الزندقة أو الكفر أو شدة الضلال؟ هذا غير مقبول في العادة.
يعني لما بدك تحكي أبو حنيفة -والعياذ بالله- شيء من الزندقة أو عنده كفر، يعني اعطينا شيئاً يعني حتى أثعر أثق بهذا الكلام، أما مجرد قال فلان وقال فلان نحطم به يعني جبلاً ضخماً مثل أبو حنيفة النعمان! يعني هذا أمر صعب جداً.
وهل يعقل أن الخلفاء في زمن أبي حنيفة -وهم في عصره، يعني أبو حنيفة قال كثير من الناس إنه تابعي، وقيل إنه لم يشهد أنس بن مالك، بغض النظر كان تابعي أو كان من كبار تابعي التابعين- ونشأ في عصر أهل الحديث فيه حاضرون، والخلفاء فيه يعني يقول جهم بن صفوان وذبحوه، ومسكوا الجعد بن درهم وذبحوه، ومسكوا كثير من أهل الاتحاد وذبحوهم، يعني معقول أبو حنيفة يكون عندهم زنديق والكفر واستتابته ما حدا؟ يعني أحياناً بعض سياقات القصص نفسك تنكرها، وتعرف أن في الأمر كيداً ومين، كما قالوا: تحت الأكمة ما تحتها.
وهل يعقل أن الخلفاء في ذلك الزمن، وهو عصر التابعين وتابعي التابعين، وكانوا من أشد الناس على الجهمية وعلى غيرهم، لم يحاسبوا أبا حنيفة على أقواله؟ طبعاً بيجي بقول لك: لا، هم حاسبوه استتيب للكفر مرتين! بقول لك: يا عمي، أعطيني على مَن استتيب من الكفر مرتين؟ أما يأتيك شخص عنده موقف شديد من أبي حنيفة ما يعطيناش القصة وتفاصيلها وينقلها لنا هكذا مبتورة، ويقول: استتيب من الكفر مرتين! مثل هذا الأمر لا أظن أنه مقبول.
طبعاً أنا أدرك أن من سيخالفني ويرد على كلامه يقول: لا، هناك قصص ثبتت أن الخليفة الفلاني الفلاني استتابه من الكفر مرتين. طب على ماذا استتيب؟ قالوا: إنه قال بخلق القرآن. أبو حنيفة لم يقل بخلق القرآن، أبو حنيفة وإن زعم البعض ذلك، لكن له النصوص الصريحة الواضحة، والخطيب البغدادي نصرها أيضاً أنه لم يقل بخلق القرآن، وهذا مما كذب عليه بعد ذلك.
تاسعاً: أن كثيراً ممن نقل عنه ذم أبي حنيفة النعمان نقل عنه مدحه أيضاً.
كابن المبارك والثوري وابن عيينة ويحيى بن سعيد القطان والشافعي وأحمد بن حنبل. فبالتالي هناك اضطراب في النصوص شديد، فينقَل عن أبي حنيفة القول ونقيضه، مما ينبئ أن هناك إشكاليات واضحة في طبيعة النُّقُول التي نُسِبت للرجل تجعلنا نحتاط ونقول: إن الأصل في أمثال هؤلاء الأئمة الكبار العداوة لئلا تسقط هيبتهم بمثل هذه النصوص. يعني ابن المبارك رحمة الله عليه تجد له عشرين ثلاثين نص مدح أبي حنيفة وتبجيل، وتجد له نصوص في ماذا؟ في ذمِّه. نفس الشيء سفيان الثوري. نفس الشيء ابن عيينة. يا سيدي، بغض النظر عن تتبع أسانيدها، لكن بشكل عام كتب أهل الحديث من المتأخرين ناضحة بالنقد مدحاً له من هذا الطرف وهذا الطرف. والشخص الواحد يمكن يُنقَل عنه المدح ويمكن يُنقَل عنه الذم. بل حتى دخلوا في أبي حنيفة في الرؤى، البعض يعطيك رؤيا: إني رأيت أبا حنيفة بعد ما مات وهناك قسيسون حول قبره وما شابه ذلك، خلوه الجماعة مع النصارى! ويقول لك رجل آخر: أنا رأيت أبا حنيفة بعد موته هناك أرواح من الملائكة تسير معنا إلى قبره. فيعني حتى الرؤى صار فيها خلاف؛ ناس بتقول لك رؤيا إنه شفنا قسيسين، وناس تعطيك رؤية إنه شفنا ملائكة صالحين.
فمثل هذا الأمر لا يُبنى عليه علم، سامحوني في قضية كبيرة مثل قضية أبي حنيفة النعمان. آه، ثامناً ولا تاسعاً أنا وصلت؟ الآن عاشراً، صحيح، عاشراً: الحجم الكبير، هاي انتبهوا لها، هذا ما أُخِذ، انتبهوا له؛ الحجم الكبير لأهل الأهواء المنتسبين لمذهب أبي حنيفة. فإن أكثر المعتزلة كانوا من الحنفية، وكذلك الماتريدية والكرامية وغيرهم من أهل الأهواء كان ج جلُّهُم على مذهب أبي حنيفة النعمان، وهناك اختلطت الأمور الفقهية بالعقدية، وأصبح هناك نظرة سلبية من أهل الحديث تجاه مذهب الحنفية أنه مأوى لأهل الأهواء. لكن هذه النقطة بالذات لا يُلام أبو حنيفة عليها، يعني أنا بدي أُحاسب أبا حنيفة؟ ليش اجوا المعتزلة كانوا معك والجهمية والكرامية؟ هو إيش علاقة الرجل؟ هو بعلم فقه، كون المعتزلة والكرامية والماتريدية وغيرهم من أهل الأهواء أحبوا مذهبه، هذا شيء هل يُحاسب عليه الرجل؟ أنا إيش علاقتي في هذا الأمر؟
نعم، حتى نكون منصفين، أن هؤلاء الفِرَق كانوا لا يحبون الحنابلة، كانوا يشوفوا ايش أبعد ما ينبغي عن الحنابلة. أبو حنيفة النعمان واسع في الرأي، خليكم كلكم حنفية! فمذهب أبي حنيفة يعني كان يمثل لهم آآ المذهب المقابل لمذهب الحنابلة والمالكية، الأثريون كانوا يعتبرونهم. الشافعي اجا بالمنتصف، فيعني الأشعري ذهبوا إلى الشافعي، لكن مالك وأحمد بن حنبل كانت النظرة له من الفِرَق المبتدعة أنهم أثريون ومجسمة وحشوية إلى غير ذلك من أمور، فكانوا ينفرون من مذهبهم الفقهي. فوجدوا ضالتهم في مذهب مين؟ أبي حنيفة النعمان، ليس لأن أبا حنيفة النعمان كان مثلهم أو هو الذي قال لهم تعالوا إلى مذهبه حاشاه رحمة الله عليه، وإنما ايش يعني؟ طبيعة المذهب، لا، طبيعة النظرة الاعتزالية الكرامية الجهمية للحنابلة والمالكية جعلتهم يجدون متنفساً في مذهب أبي حنيفة النعمان، وإلا الرجل تحديداً لا يُلام على هذا، وإنما الوسط الذي نشأ فيه أبو حنيفة وانتشار الفقه بالرأي عنده هو تحسُّس المحدثين منه، جعل أهل الأهواء يُقبلون على مذهبه من جهة باعتباره مضاداً لمدرسة أهل الحديث.
وعندما ظهرت فتنة خلق القرآن وعُذِّب أحمد بن حنبل عليه، انتبهوا على هذه الفكرة، وكان رؤوس الفتنة فيها كمثل ابن أبي دؤاد ينسبون قولهم في خلق القرآن لأبي حنيفة، هذا زاد سخط أهل الحديث على مذهب النعمان بن ثابت. يعني الفتنة من خلق القرآن لما عُذِّب أحمد بن حنبل، ابن أبي دؤاد صاحب الفتنة كان يقول: إن قولنا بخلق القرآن هو قول مين؟ أبي حنيفة. فهون هذا الحديث بعضهم لم يتتبعه جيداً ويدرك أن أبا حنيفة ليس له علاقة بذلك، فكان خلاص تشكل موقف نفسي انفعالي من مذهب أبي حنيفة.ها، مين عذب سيدنا أحمد بن حنبل؟ ابن أبي دؤاد. شو مذهبه؟ حنفي مذهب الفقهي، آه. ونسب أقوالاً لأبي حنيفة، إذاً قول مذهب أبو حنيفة عليه علامة استفهام! هاي تشكلات نفسية طبيعية، لذلك سامحوني إذا قلت لكم أنا أتفهم نفسية عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة لما شدَّ على أبي حنيفة النعمان بكلام شديد جداً، لأنه من الذي عُذِّب في فتنة خلق القرآن؟ أبوه، وكانت النسبة لخلق القرآن لأبي حنيفة مع أن الرجل كما أقول والله أعلم لم يثبت عنه ذلك، فكان له موقف شديد ممن عذب والده، كونه يعني مأولات نفسية أيضاً لها أثر في ذلك.
طبعا البعض لما يقول عن الإمام عبد الله بن الإمام أحمد رجل محقق من أهل الحديث ولا نسمح لأي أحد بأن يتطاول على مقامه بحجة أنه ذمَّ أبا حنيفة، خلاص، عامل نفسي أثر مع بعض النُّقولات مع بعض التشكلات مع بعض الأخطاء عند أبي حنيفة، كلها تجمعت مع بعضها البعض فخلت هذا الموقف السلبي من عبد الله بن الإمام أحمد. لكن هل حبُّنا وتعظيمنا لعبد الله بن الإمام أحمد يجعلنا أيضاً نأخذ موقفاً سلبياً من أبي حنيفة؟ كلا، علينا أن نفهم طبيعة الانفعالات النفسية وما الذي شكلها. طيب وهذه التشكلات النفسية أمر طبيعي لمن يعرف طبائع النفوس وتشكل عوامل وتشكل عوامل الكره والبغض فيها، لكن الإنصاف يقتضي أن نتفحص وأن نحلل: هل لأبي حنيفة النعمان يد في فتنة خلق القرآن؟ هل له يد في انجذاب المذاهب العقدية الكريهة له؟ أمر ليس له علاقة بمن التحق به بعد وفاته، يعني احنا بدنا نحاسبه: ليش الكرامية دخلوا معك في مذهبك الفقهي؟ وايش علاقة الرجل في ذلك؟ تمام، بالتالي بتحاسب الشافعي ليش الأشعرية كثيراً معها يأتون لمذهبك؟ بيقول لك: أنا إيش علاقتي؟ أنا بدرس فقه، أُمِّي، أخذوا مذهبي مذهب غيري، هذا أمر لا أُحاسب عليه.
الحادي عشر: لقد امتدح أبا حنيفة العديدُ من نُقَّاد أهل السنة المتأخرين، بل جُلُّ نُقَّاد أهل السنة المتأخرين على الثناء عليه في الجملة، هذا مذهب المتأخرين عموماً في الجملة، أركز، كابن تيمية وابن القيم وابن رجب والذهبي وابن حجر والمعلمي. بل إن الطحاوي هو من المتقدمين وليس من المتأخرين، وأقول والله أعلم، وهو متقدم، إنما قصد بتصنيفه العقيدة الطحاوية وهو من أعرف الناس بالكوفية، أول كان مقيم في مصر، لا، بمصر، بس هو سلسلة قلت لكم بين الطحاوي وبين أبي حنيفة سلسلة قصيرة، فهو على ثقة جداً بما ينقله عن أبي حنيفة. الطحاوي والله أعلم، وهو متقدم، إنما قصد بتصنيفه الطحاوي، وهو من أعرف الناس بالكوفيين وأقوالهم، قصد الدفاع والذبَّ عن عقيدة أبي حنيفة النعمان وتصويب ما نقل عنه ناس أهل العلم والفضل. يعني أنا أشعر لما الطحاوي قال في بداية عقيدته: هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة، أبي... أنا أشعر بنفسه أن الطحاوي بده يدافع: يا جماعة الخير، أنا رجل من أهل الحديث والطحاوي من أهل الحديث، بس بدي أقول لكم إن ما يُنقل عن أبي حنيفة هذا هو الصحيح منه والباقي دعوكم منه.
فالرجل إذا نقل لنا عقيدة أبي حنيفة النعمان بشكل دقيق يجعلنا آآ يعني على قبول عام لها. قال العلامة، الآن ساعطيكم ماذا قال بعض المتأخرين، نجم الدين الطوفي رحمة الله عليه، تعرفون الطوفي ولا ما تعرفونه؟ تعرفونه، صاحب شارح مختصر الروضة. يقول: واعلم أن أصحاب الرأي بحسب الإضافة هم كل من تصرف في الأحكام بالرأي، فيتناول جميع علماء الإسلام؛ لأن كل واحد من المجتهدين لا يستغني في هذه عن نظر وعن رأي ولو بتحقيق المناط وتنقيحه. وأما بحسب العَلَمية فهو في عرف السلف علم على أهل العراق وهم أهل الكوفة؛ أبو حنيفة النعمان ومن تابعه منهم. وإنما سُمِّي هؤلاء بأهل الرأي لأنهم تركوا كثيراً من الأحاديث إلى الرأي والقياس، إما لعدم بلوغه بلوغهم إياه أنه ما وصلهم هذا الحديث، أو لكونه على خلاف القرآن، أو لكونه رواية غير فقيه أو رواية قد أنكره، أو لكونه خبر واحد فيما عُمَّ به البلوى، أو لكونه وارداً في الحدود والكفارات على أصول لهم في ذلك. وبمقتضى هذه القواعد التي وضعوها لزمهم ترك العمل بأحاديث كثيرة، حتى خرج أحمد بن Hنبل فيما ذكره الخلال في جامعه خمسمائة حديث صحيح خالفه أبو حنيفة.
لكن هل خالفه لأنه يخالف السنة؟ كلا، خالفه إما لأنه لم يبلغ أو لأصل أصله احتياطاً. وبالغ بعضهم في التشنيع على أبي حنيفة حتى صنفوا كتباً في الخلاف بين النبي صلى الله عليه وسلم وأبي حنيفة. تصور! من تعصب ضد أبي حنيفة ألفوا الخلاف بين النبي صلى الله عليه وسلم وأبي حنيفة! يعني واضح أن الأمور وصلت إلى منحى غير مقبول أبدا. وكثر عليه الطعن من السلف حتى بلغوا فيه مبلغاً ولا تطيب النفس بذكره، لا تشقى، وكثر عليه الطعن من ايش؟ من أئمة السلف، إذاً احنا مقرون أن كثيراً من السلف وأئمة الحديث طعنوا فيه حتى بلغوا فيه مبلغاً ولا تطيب النفس بذكره. يعني كأن الطوفي بيقول لك: خلاص، اقفز عن تلك المرحلة، لا تضلك واقف عندها! وأبى الله إلا عصمته مما قالوه وتنزيهه عما إليه نسبوا. وجملة القول فيه: إنه قطعا لم يخالف السنة عناداً، قطعاً! بقول لك الطوفي. والطوفي هل عفوا هو محسوب على الحنفية؟ لا. الطوفي مين طيب لا إذن؟ ولما يدافع عن أبي حنيفة، بيهمني رأيه لأنه مش متعصب لأبي حنيفة، لكنه يسرد لك الواقع أنه قطعا لم يخالف السنة عناداً، وإنما خالف فيما خالف منها اجتهاداً لحجج واضحة ودلائل صالحة لائحة، وحججه بين الناس موجودة، وقلَّ أن ينتصف منه مخالف، يعني الذين يخالفونه قلَّ أن يستطيعوا الجواب على أكيسته ونظراته الفقهية، وله بتقدير الخطأ أجر وبتقدير الصواب أجران. والطاعنون عليه إما حساد أو جاهلون بمواقع الاجتهاد.
طبعا هذا حصره، لكن أنا أقول: لا، بعضهم ليس حاسداً وليس جاهلاً، لكن هناك أمور وصلت إليهم فقالوا بناءً على ما وصل، تمام؟ وآخر رعد وأشقال. وآخر ما صح عن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه إحسان القول فيه والثناء عليه. يعني أحمد نقل عنه الذم، لكن آخر ما ثبت عنه ايش؟ إحسان الظن في أبي حنيفة والثناء عليه. ذكر ذلك أبو الورد من أصحابنا في كتاب أصول الدين، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. ابن تيمية رحمة الله عليه في كتابه منهاج السنة، وهو يعدد علماء السلف، قال: ومن علماء السلف قالوا مثل الحسن البصري ومحمد بن سيرين. فذكر الأئمة، يعني عدد كبير، ثم قال: وأمثالهم مثل علقمة الأسود وشريح القاضي وأمثالهم كإراهيم النخعي وعامر الشعبي والحكم بن عييبة ومنصور بن المعتمر إلى سفيان الثوري وأبي حنيفة وابن أبي ليلى. لاحظوا أنه ذكر أبا حنيفة ضمن علماء السلف! يعني ابن تيمية ذكره مع هذه الثلة الطيبة الرائعة، ولم يرَ أن أبا حنيفة كما يقال عنه جهمي أو زنديق، لا لا، كل هذه ابن تيمية قفز عنها وعرف كيف نتعامل معها. إذاً ابن تيمية يصرح أنه من علماء السلف، وصرح في موضع آخر في كتابه هذا أيضاً من منهاج السنة: أن أبا حنيفة وأصحابه ممن له في الأمة لسان صدق. قال: له في الأمة ايش؟ لسان صدق.
وقال أيضاً رحمة الله عليه في موطن آخر: وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين كمالك والثوري والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي حنيفة وأبي يوسف. جعلهم من أئمة الإسلام. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في جامع المسائل وهذا انتبهوا له النقل: بعد أن ذكر عقيدة الشافعي وأنها موافقة لعقيدة السلف الصالح وأنها موافقة لعقيدة مالك والثوري والأوزاعي، قال: وكذلك أبو حنيفة؛ فإن الاعتقاد الثابت عنه، الثابت عنه -لأن لاحظ ابن تيمية عبارته دقيقة أنه في ناس دخلت عنه أشياء مش ثابتة- لكن الاعتقاد الثابت عنه في التوحيد؛ أي مسائل توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، وفي القدر ونحو ذلك موافق لاعتقادها. إذاً هذا نص عزيز من ابن تيمية يبين فيه أن عقيدة النعمان الثابتة عنه هي موافقة لعقيدة مالك والثوري والأوزاعي، وما يُنقل عنه خلاف ذلك ليس ثابتة. هذا رأي ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه كما نقلته لكم. لا، مسألة الإيمان هو ذكر استثناءها لذلك هو دقيق، قال: الثابت عنه في ايش؟ بالتوحيد والقدر، يعني أسماء صفات ربوبية ألوهية وقضاء وقدر. مسألة الإيمان، هو نفسه نص ابن تيمية؛ لأنه لم يثبت عنه إلا المخالفة في مسائل الإيمان. الذهبي، ابن تيمية يرى أن مرجعة الفقهاء الخلاف معهم لفظي في مسألة الإيمان، في بعض مصنفاته بعض مصنفاته يرى أن الخلاف معهم لفظي وليس يعني بشيء كبير، أنا ابن تيمية، لكن ليس هذا في كل مصنفاته.
الذهبي في ميزان الاعتدال آآ لم يعد أبا حنيفة من الضعفاء بمداد الحديث، مع أنه لم يكن من أئمة هذا الشأن. يعني أبو حنيفة فعلاً حتى نكون منصفين في علم الحديث، كان لا يُحسب من الأقوياء، كان هو ولا الشافعي، حتى الإمام الشافعي لم يكن يُعتبر في علم الرواية ممن من الأقوياء، وهذا لا ينقص من قدره ويجعله محل طعن، هذه مواهب يعني، الشافعي من أذكى الدنيا، أبو حنيفة من أذكى الدنيا، لكن ما كان شغلهم الشاغل ضبط الأسانيد كأحمد بن حنبل ومالك بن أنس، فهذه مواهب وزعت عليهم. فالآن الذهبي في ميزان الاعتدال كان يريد أن ينقل الضعفاء من آآ من المحدثين أو الضعفاء في الحديث، هو كان يدرك أن أبا حنيفة والشافعي من الضعفاء في الحديث، لكنه ايش قال؟ قال: وكذا لا أذكر في كتابي من الأئمة المتبوعين في الفروع أحداً لجلالتهم في الإسلام ولعظمتهم في الدين.
مثل أبي حنيفة والشافعي، فهمتم ايش يقول؟ الآن هو يصنف في الضعفاء بس هو عارف إنه أبو حنيفة والشافعي من الضعفاء، لكن لم يذكرهم ليش؟ لجلالتهم في الإسلام. يعني هل يعقل الذهبي بعد كل هذا أن يقبل ما ينقل أن أبا حنيفة أخي, استتيب مرتين؟ يعني عرفتم؟ أنظروا هذا المدح والإطراء من ابن تيمية، من الطوفي، من ابن القيم، من غيرهم. رحمة الله تعالى على الجميع، أين وصلنا في جميع المسائل؟ نعم.
والخلاصة أن أبا حنيفة النعمان إمام، هذه الخلاصة التي أختم بها هذا الموضوع: أن أبا حنيفة النعمان إمام من أئمة المسلمين، وإن كانت منه هنات في مسائل معدودة، فإنا نرجو له من الله المغفرة والعفو، وهي غائرة بإذن الله في بحر فضائله ونفعه للإسلام والمسلمين. كم انتفعت الأمة من دقيق نظره وحسن تأمله عبر القرون، ومصنفات مدرسته التي أنشأها يطبق عليها الآن نصف العالم الإسلامي، ليس الآن فقط بل منذ القرون! فلا يذكر هذا الإمام إلا بخير، وتحفظ منزلته وحرمته وسبق قدمه في خدمة دين الله سبحانه وتعالى.
هذه نشأت عند العبد الفقير بعد أن سبرت كل هذه العوامل، وحاولت أطبقتها ونظرت في كلام النقاد المتأخرين؛ عرفت إنه هذا الرجل يجب أن تحفظ له حرمته وعلميته، وأن يعرف قدر فقهه وذكائه والإنتاج العالي الذي وصل إليه، وأن نصف العالم الإسلامي على مذهبه منذ قرون، فلا يقبل يعني أو لا يعقد عادة -أقول عادة- أن يكتب قبول الأمثلة لهؤلاء في الفقه وتحمدهم الأمة ويحمدهم النقاد من المحدثين من المتأخرين، ثم يكون في النهاية زنديقاً أو استتيب للكفر مرتين! هذا القبول الذي وضعه الله سبحانه وتعالى لهذا الإمام هو أمارة ماذا؟ أن الرجل بإذن الله على خير، وأن الهنات التي صدرت منه لا تستوجب كل هذه الهجمة الشرسة أو الإسقاط من حرمته، والله تعالى أعلم.
إذاً، هذه نقاط سريعة في جذرية أبي حنيفة النعمان رحمة الله تعالى عليه، أرجو أن تكون وضحت. والمنهج الذي سلكناه يجب أن يطبق في جميع أهل العلم الذين كانوا محل جدل، تمام؟ ولا تكون مستعجلا يا طالب العلم في إسقاط حرمة العلماء ما دام لهم قدم صدق ورسوخ علمي والأمة كلها يعني تحمدهم وتثني عليهم، يخرج صوتك شاذاً مع اتباع بعض المتأخرين في ذلك. عليك أن تعرف وأن تفهم كيف المتأخرون من المحدثين يعني وقفوا من المتقدمين في هذه الجزئية موقف العدل، والله تعالى أعلم.
ننتقل الآن -أحبابي الكرام- إلى المسألة الثالثة وسندخل فيها إن شاء الله اليوم، لكن لا أظن أننا نكملها. المسألة الثالثة في مجلس اليوم، صوت واصل تأكد منه يرحمك الله، آآ هي ما قاده الطحاوي رحمة الله عليه، وما يعتقدون في أصول الدين ويدينون به رب العالمين. ساتكلم عن مسألة ايش أصول الدين، هل هذا التعبير تعبير مقبول عندنا في علم الاعتقاد عند أهل الحديث؟
هذه الوقفة الثالثة التعبير بكلمة أو مصطلح ايش أصول الدين. نقول مسألة تقسيم الدين، هذه مسألة شهيرة في العقائد اسمها مسألة تقسيم الدين إلى أصول وفروع. مسألة تقسيم الدين إلى أصول وفروع وتحديد ما هي الأصول وما هي الفروع، تعتبر من المسائل المهمة التي طال فيها الخلاف بين الإسلاميين، وتظهر أهمية هذه المسألة -أين أيها الأحبة؟- في الثمار والآثار التي بنيت عليها، لأنه بناءً على هذا التقسيم ترتب عليه مجموعة من المسائل.
المسألة الأولى مثلاً: حكم تعلمها ومعرفتها لعموم المسلمين، فانت إذا قلت هاي المسألة من أصول الدين، فهل حكم تعلمها زي مسألة من فروع الدين؟ آه، أكيد فرق، مسألة أصول الدين تعلمها يكون أوجب من تعلم مسألة في فروع الدين. إذاً، أول ثمرة بنيت على هذا التقسيم يا شيخ حسين: مسألة حكم تعلمها ومعرفتها بالنسبة ولعموم المسلمين، فإن مسائل أصول الدين تعلمها بالتأكيد ليس كمسائل فروع الدين.
اثنين: حكم من أنكر شيئاً منها أو جهله، هل من ينكر شيئاً من أصول الدين أو يجهله كمن ينكر شيئاً من فروع الدين أو يجهله؟ أكيد تلك أشد. ثالثاً: حكم خطأ المجتهد فيها، إذا أخطأ العالم المجتهد في مسائل أصول الدين، هل خطؤه كخطئه في مسألة في فروع الدين؟ وهذه ثمرة ثالثة.
رابعاً: حكم التقليد فيها، الآن شبه اتفاق أنه يجوز التقليد في فروع الدين، لكن هل يجوز أن أقلد العلماء تقليداً في أصول الدين؟ هاي مسألة حكم التقليد في أصول الدين. المسألة الخامسة التي بنيت: مصادر التشريع المستعملة في كل منهما، فمثلاً في أصول الدين هل يقبل الاستدلال بأحاديث الآحاد والأقيسة ونحوها من المصادر التي تكون مقبولة في فروع الدين؟
هذه خمس مسائل يعني أتيت بها سريعا من ثمار مسألة ايش تقسيم الدين إلى أصول وفروع. إذاً، المسألة عليها ثمار خطيرة، صح ولا لا؟ إذاً، هذه الخمس مسائل هي ثمار ونتائج تقسيم الدين إلى أصول وفروع. بالتالي أصبح لزاما علينا أنه نعرف هل أصلاً الدين يقسم إلى أصول وفروع وقبل ما نبحث هاي المسائل؟
لأنه انت بدك تبحث هاي المسائل بدك تفهم: هل نحن نوافق على أصل القسمة أم لا نوافق على ذلك؟ تمام. ولذا ساسعى لتقديم رؤية لا أقول أنها مختصرة لكنها ستلخص آآ فيما أزعم شتات هذه المسألة، يعني أنا ساقدم لكم رؤية الآن عن طبيعة هذه المسألة، لن أصيب كثيراً لكن سؤال شتات ما قيل من أقوال المخالفين والموافقين في هذه المسألة.
أولاً، أقول المسألة الأولى: من أوائل من أشار إلى هذه المسألة وهذا التقسيم أبو الحسين البصري المعتزلي في كتاب المعتمد، حيث قسم مسائل الدين إلى قسمين فقال -ما سماها أصول دين وفروع دين؟ لا، سماها اسم آخر- قال: أبو الحسين البصري مسائل يجوز فيها الاجتهاد وهذه الخطأ فيها مغفور للمجتهد، ومسائل لا يجوز فيها الاجتهاد وهذه الخطأ فيها غير مغفورة. هكذا تكلم أبو الحسين البصري.
ولاحظوا كيف رتب الحكم، قال: مسائل يجوز فيها الاجتهاد والخطأ فيه ايش؟ مغفور، وهذه مسائل ايش؟ أصول الدين. إذاً، لاحظوا أنه ما سماها أصول دين، مباشرة أعطاك الأحكام المترتبة: جواز الاجتهاد فيها وايش؟ غفران الخطأ. نعم لا، أعفى نعم هذه الفروع.
أما أصول الدين فقال: لا يجوز فيها الاجتهاد، فأغلق فيها باب الاجتهاد تماماً، والخطأ فيها غير مغفور. طبعا كلامه ليس بدقيق بهذا الإطلاق. إذاً، هذا أول من فيما نعلم أنه أشار لهذا التقسيم إشارة واضحة، لكنه ما سماها أصول دين وفروع دين، سماها ايش؟ مسائل يجوز فيها الاجتهاد ومسائل لا يجوز فيها الاجتهاد.
ثانياً، الفائدة الثانية: اتجاهات العلماء في تقسيم مسائل الدين إلى أصول وفروع. الاتجاه الأول: وهذا ما عليه جماهير جماهير العلماء تماماً في الحقيقة، وهو تقرير انقسام مسائل الدين إلى أصول وفروع، لكل منهما أحكام تخصه. إذاً، الجماهير هل يوافقون على هذا التقسيم؟ نعم، ونحن نوافق عليه في الأخير، لكن سأبين بعد قليل يعني الإشكاليات.
مثلاً، يقول الشيرازي: فالفرق بينهما أي الأصول والفروع ظاهر. شوفوا مثلاً البغوي يقول: العلوم الشرعية قسمة، علم الأصول وعلم الفروع، يقصد أصول الدين عموماً. يقول الشاطبي: امتازت الأصول عن الفروع، ثم ذكر الفروق.
فاذاً، هناك نقول كثيرة طبعا عن غيرهم يقرون انقسام الدين إلى ماذا؟ إلى أصول وفروع. واستعمال هذا التقسيم ليس حصرياً على علماء المتكلمين، يعني ممكن شخص يقول لي يا شيخ أنت جاي تنقل لي نقل عن اه شيرازي أو نقل عن البغوي أو عن الشاطبي، هذول متأثرين بالمتكلمين؟ بقول له: لا، بل أهل الحديث أيضاً من المتقدمين استعملوا مصطلح أصول الدين.
ابن أبي حاتم وهو ينقل عقيدة الرازيين وهي عقيدة على منهج السلف، يقول: سألت أبي -يعني أبا حاتم- وأبا زرعة الرازي عن مذهب أهل السنة في أصول الدين، هيك سماها! إذاً، هل مصطلح أصول الدين الذي كان يستعمله فقط المتكلمون ليس بصحيح؟ من استعمله؟ أبو زرع آآ ابن أبي حاتم وهو ينقل عقيدة الرازيين، والطحاوي وهو من أهل الحديث استعمل هذا المصطلح وقال: وما يعتقدون في أصول الدين.
كذلك الإمام الشافعي ذكر كلاماً في رسالته يفهم منه -وإن لم يصرح- يفهم من تقسيمه لمسائل الدين إلى أصول وفروع، يقول الشافعي: العلم علمان: علم عامة لا يسع بالغاً غير مغلوب على عقله جهله، ومثل لذلك بأيش؟ بالصلاة والصيام والحج وتحريم الزنا. قال: وهذا الصنف من العلم كله موجود نصاً في كتاب الله، وموجود عاماً عند أهل السنة، ينقله عوامهم عمن مضى من عوامهم، يعني نقل العامة عن العامة يحكونه عن رسول الله، ولا يتنازعوننا في حكايته صلى الله عليه وسلم، ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبهم عليهم، وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر والتأويل ولا يجوز فيه التنازع.
إذاً، هذا ما يسميه الشافعي العلم العام، الذي نقلته العامة عن العامة، وهذا ما نسمونه نحن بالاسم الخاص ايش؟ أصول الدين، هذا هو طرف الشرق. ثم قال: والنوع الثاني ما ينوب العباد في فروع الفرائض وما يخص به بعض الأحكام وغيرها، مما ليس في نص كتاب ولا في أكثره نص سنة، وإن كان في شيء منه سنة فإنما هي من أخبار الخاصة التي لا آآ من أخبار الخاصة لا أخبار العامة، وما كان منه يحتمل التأويل ويستدرك بالقياس.
فجعل هذا نوع ثاني من العلم، وهذا هو ايش؟ فروع الدين. إذاً، يعني في علماء كثير من أهل الحديث أشاروا إلى هذا التقسيم، لكن من دون أن ينصوا عليه حرفياً، وإن كان البعض نص عليه حرفياً مثل ابن أبي حاتم.
طيب، بمفهوم كلام الشافعي أن المسائل الشرعية ليست على رتبة واحدة، كما هو واضح من تقسيمه، يعني هل يعقل أن نجعل مسألة توحيد الألوهية والربوبية مثل مسألة إماطة الأذى عن الطريق؟ يعني هل يمكن أن تكون هذه المسألة بحجم هذه المسألة؟ أظن الفرق واضح، ولذلك ستعرفون إن شاء الله أن القول بأن هناك من العلماء من لا يقبل هذا التقسيم أظن قول ليس بدقيق وليس محرراً عن هؤلاء العلماء الذين قالوا ليس في الدين أصول وفروع، وإنما يقصدون شيئاً آخر، وإلا لا أظن عالماً يقبل أن يجعل مسألة الإقرار بوجود الصانع وتوحيد الألوهية والربوبية نفس حجم مسألة إماطة الأذى عن الطريق وأحكام الاستنجاء وما شابه ذلك، لا أظن عالماً يعني يقول أن هذه في نفس هذه.
وإذا ثبت أنه لا يمكن أن يقول عالماً بهذا، فسمه ما شئت، سميها أصول دين فروع دين، سميها مسائل كبار ومسائل قلال، سميها مسائل العامة ومسائل الخاصة، يعني ما راح نختلف كثيراً إذا صح الفرق. إذا صح الفرق ما راح نختلف كثيراً. ثم قال: إذاً هكذا أظن انتهينا من كلام الشافعي.
طيب، مستند هؤلاء؟ مستندهم الذي اعتمدوا عليه ما ذكروه من إجماع الصحابة والتابعين على ذلك، أي إجماع الصحابة والتابعين على تفاوت مسائل الدين؟ طب من أين هذا الإجماع؟ هل أجمع الصحابة والتابعون على تفاوت مسائل الدين، على أنها متفاوتة؟ فالحقيقة أجمعوا، وإن لم يكن إجماعاً صريحاً.
وليس المقصود هنا الإجماع الصريح القولي بأن الدين ينقسم إلى أصول وفروع، كلا، بل المراد أن الناظر في تصرفات الصحابة وفي تعاملهم مع المسائل الشرعية يدرك أنهم كانوا يفرقون بين نوعين من المسائل، فيقبلون الاختلاف في بعضها ويعذر بعضهم بعضاً فيها، ويمنعون الخلاف في قسم آخر وينهون عنه، وهذا هو حقيقة تقسيم الدين إلى أصول وفروع.
يعني أنت الصحابة لو تقرأ تصرفاتهم.. أغلبك بس درجة البرودة، آآ أخف، يعني اجعل الغرفة أكثر برودة تماماً؟ الآن الصحابة نظرنا في تصرفاتهم: هل كانوا يعتبرون كل المسائل في رتبة واحدة؟ ولا في مسائل بشدوا فيها كثير ومسائل بيعتبروها من الاجتهاد؟ في مسائل كانوا يشدوا فيها، يعني أبو بكر الصديق رضي الله عنه شد في حرب المرتدين وحرب مانعي الزكاة، تمام؟ وإن كان مانعو الزكاة ليسوا مرتدين على قول أكثر أهل العلم، لكن في مسائل لا، كانوا يعتبرونها خفيفة، مثل مسائل الاستئذان وآداب الطعام وما شابه ذلك.
وهذا يدل بشكل طبيعي أنه في هناك شيء كبير وفي هناك ما هو أقل منه، وهذا هو طبيعة تقسيم الدين إلى أصول وفروع، فلا ينكر بالتالي هذا الأمر. وهذا كلام في الحقيقة مقبول ومنطقي.
ويقول عثمان الدارمي في كتاب الرد على الجهمية: وقد علمتم يقيناً أننا لم نخترع هذه الروايات ولم نفتعلها، بل رويناها عن الأئمة الهادين الذين قالوا أصول الدين -ها!- بل رويناها عن الأئمة الهادين الذين نقلوا أصول الدين. هذه ضعوها جنب كلام ابن أبي حاتم، يعني أن هذا الرجل عثمان الدارمي وهو من أئمة السلف، وهو يرد على الجهمية يثبت أن هناك مصطلح اسمه مصطلح ايش؟ أصول الدين.
كذلك الإمام الطحاوي وقد عرفنا أنه استعمل هذا المصطلح وهو الذي أصلاً أثارنا لبعث هذه المسألة. الاتجاه الثاني: ما ينسب، أقول ما ينسب نسبة إلى ابن تيمية شيخ الإسلام، وابن القيم، والنعمي اليماني والصنعاني اليماني، والشيخ السعدي رحمة الله عليه من المعاصرين، أنهم ينفون ويمنعون تقسيم الدين إلى أصول وفروع.
هذا نسب إليهم، لكنني سأبحث لكم بعد قليل عدم صحة هذا القول عن ابن تيمية ولا ابن القيم ولا أئمة هذا الشأن الذين نقلنا أسمائهم، وإنما هم يعني لهم نظرة معينة في هذا. طيب، ما النقول التي نقلت عن ابن تيمية؟ أفهم منها أنه يمنع تقسيم الدين إلى أصول وفروع، ترى نقول قوية، يعني هو يقول مثلاً في مجموع الفتاوى: لم يفرق أحد من السلف والائمة بين أصول وفروع، بل جعلوا الدين قسمين أصولاً
لم يكن معروفاً في الصحابة والتابعين، ولم يقله أحد من السلف والصحابة أو لم يقل أحد من السلف والصحابة والتابعين أن المجتهد المجتهد الذي استفرغ وسعه في طلب الحق يأثم. لا في الأصول ولا في الفروع.
ولكن هذا التفريق ظهر من جهة المعتزلة، وأدخله في أصول الفقه من نقل ذلك عنهم. إذا هذا النص لو أخذته وحده ظاهر ظاهر، يفهم منه أن ابن تيمية يمنع تقسيم الدين أصولاً وفروعاً.
لكن أنت عليك أن تأخذ الصفحة كاملة؛ ما قبل هذا النص وما بعد هذا النص، لتفهم وجهة نظر ابن تيمية. طيب، يقول ابن القيم: فأين سلف المفرقين بين البابين؟ بين باب أصول دين وفروع الدين. نعم سلفهم بعض متأخرين متكلمين، الذين لا عناية لهم بما جاء عن الله ورسوله وأصحابه، بل يصدون القلوب عن الاهتداء في هذا الباب بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ويحيلون على آراء المتكلمين وقواعد المتكلفين وقواعد المتكلفين.
فهم الذين يعرف عنهم التفريق بين الأمرّين، فإنهم قسموا الدين إلى مسائل علمية وعملية، وسموها أي المسائل العلمية أصولاً، والمسائل العملية فروعاً. وقالوا: الحق في مسائل الأصول واحد، ومن خالفه فهو كافر أو فاسق. وأما مسائل الفروع فليس لله تعالى فيها معين ولا يتصور فيها الخطأ. إلى آخر ما ذكره ابن القيم رحمة الله تعالى عليه.
كذلك النبتي اليمني التهامي يقول: والتفرقة بين المؤتلف من الشرع في تسمية بعضه أصولاً وبعضه فروعاً -مع أن في الثاني أي في الفروع أي مما جعلوه من فروع ما هو أظهر واوضح وأشد تأكيداً وتشديداً واعتباراً من كثير ما جعلتموه من الأول- ليس برأي سلفكم، ولا مذهب محققيكم، ولا عليه الآيات البينات ولا السنن الصحيحة. ذكر ذلك في معارج الألباب.
لكن حتى هذا النقل ليس صريحاً في نفي تقسيم الدين، وإنما هو إشكاليته في ماذا؟ أنه جعل بعض المسائل في الفروع مع أنها تستحق أن تكون في ماذا في الأصول، والعكس، جاء بمسائل في الأصول مع أنها ليست من الأصول في شيء.
فإذاً هو كلامه في الإسقاطات فيما يظهر لي وليس في أصل التقسيم. ونلاحظ أن يعني الآن هذه نقولات سريعة عن ابن تيمية، ابن القيم، آه النعم اليمني التهامي، ظاهرها، أقول ظاهرها، يفهم منه إيش؟ أنهم يرفضون تقسيم الدين إلى أصول وفروع.
ومستندهم إن صح ذلك عنهم: أن هذا التقسيم مثلاً لم يدل عليه كتاب ولا سنة، ليس منقولاً فيه، يعني أن نصوص الكتاب والسنة قد جمعت بين الأصول والفروع في نصوص واحدة وسقتها مساق مؤتلف.
أن القول بالتفريق هو دخيلة على المنهج الإسلامي النقي، أدخله أرباب البدع من المعتزلة، ثم تابعهم كثير من الفرق والفقهاء عليه وتأثر بعض أهل الحديث به فاستعملوه في كلامهم. رابعاً: عدم وجود فارق صحيح، هذه النقطة الأخطر طبعا، عدم وجود فارق صحيح يرجع إليه التفريق بينما هو أصول الدين وما هو من فروع الدين. يعني لو واحد سألك ما هو الضابط؟ خاضوا فيه خوضاً كثيراً ولا يكاد يعني كثير منهم يوفق إلى ذكر الضابط.
بخلاصة الأدلة: إذاً عدم ورود الدليل على هذا التقسيم، وعدم وجود الضابط الذي يضبط هذا التقسيم. النقطة الثالثة هي ستكون في تحرير رأي ابن تيمية في هذا التقسيم، هل حقاً ابن تيمية ممن يقول برفض هذا التقسيم؟
في الحقيقة هذه مسألة تحتاج لبحث، وأظن أنني تجاوزت عشر دقائق الآن من بحث في هذه المسألة، حتى لا أطيل الإخوة أكثر من ذلك، يعني تحرير رأي ابن تيمية سيحتاج أن ننقل عدة نصوص له ونحاول أن نتفهمها من زاوية ومن زاوية أخرى.
لا أطيل عليكم أكثر من ذلك، إذاً أجعل تفهم كلام ابن تيمية رحمة الله عليه في محاضرة أخرى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل