بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين؛ نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبائي في مجلس جديد من شرحنا على العقيدة الطحاوية للإامام أبي جعفر الطحاوي رحمة الله تعالى عليه. في المحاضرة السابقة تكلمنا عن قاعدة في علم الاعتقاد، ومفاد هذه القاعدة: أن مسائل أصول الدين وأدلة أصول الدين بينها الله ورسوله في الكتاب والسنة بياناً شافياً تاماًّ لا يحتاج بعده إلى زيادة. هذه كانت خلاصة القاعدة؛ أن مسائل أصول الدين التي تستحق أن تكون مسائل أصول الدين، ودلائل هذه المسائل بينها الله ورسوله في الكتاب والسنة بياناً شافياً قاطعاً للعذر لا يحتاج بعده إلى كلام.
وعرفنا أنه لا يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد اهتم ببيان فروع الدين، واهتم ببيان مسائل البيع والنكاح والجنايات، وقصر في شيء من أصول الدين. فإن أهم ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغه لهذه الأمة: مسائل أصول الدين؛ الكلام عن وجود الله، وعن توحيد ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وعن صدقه عليه الصلاة والسلام في رسالته، وعن البعث والنشور. أليست هذه أهم المسائل؟
هل يقبل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قصر في بيانها، أو ترك شيئاً منها، أو أن هناك من يمكن أن يضيف على كلام النبي صلى الله عليه وسلم وعلى بيانه؟ هل يمكن في مسائل أصول الدين؟ لا يمكن ذلك. وهذه قاعدة ومنطلق مهم فكري عند أهل السنة والجماعة في تفكيرهم، نرد به على المتكلمين الذين أتوا بمسائل أقحموها في أصول الدين، وبدلائل أقحموها في أصول الدين، وأصبحت عندهم أصلاً من الأصول، مع أنه لم يتكلم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا الصحابة، ولا التابعون، ولا من صار على نهجهم؛ لم يتكلموا بها، فكيف تقحم هذه المسائل في أصول الدين مع عدم وجود الإشارة إليها في كلام النبي صلى الله عليه وسلم؟
فدليل الحدوث الذي ذكره بعض المتكلمين أنه لا يصح الإيمان إلا به، بعض المتكلمين قال: لا يصح الإيمان إلا به، وانه الطريق الوحيد إلى معرفة وجود الله سبحانه وتعالى؛ لا في إشارة في كلام النبي صلى الله عليه وسلم. طبعا هم يقولون: بل له إشارة في القرآن الكريم في محاجة إبراهيم لقومه في قضية الأفول بالنسبة للكوكب والشمس والقمر، ولكنهم في الحقيقة فسروا الآيات القرآنية على ما لا يحتمله التفسير أصالة، وتجاسروا على تفسيرها بصورة غير مقبولة ولا يدل عليها السياق؛ فهم يدركون أنهم يحتاجون إلى أن ينسبوا دليل الحدوث إلى القرآن والسنة حتى يكون لهم سند فيه، فأقحموها في حاجة إبراهيم مع قومه: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا، فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ. ففسروا الأفول على أنه التغير، ما ذكره الرازي وغيره في هذا الباب أنه يعني مشابه لدليل الحدوث، وأنه زبدة هذه الحدود. وفي الحقيقة كلام متكلف؛ فإن الأفول ليس بمعنى التغير في كلام العرب. وكلام طويل في نقد هذا الاستدلال ليس هذا موطنه.
لكن أهم شيء أن تعقدوا هذه القاعدة. وما أريد أن أختم به كلامي عن هذه القاعدة، وهو أن نفهم ما مقصود السلف بذم الكلام وأهله، ما هو مقصود السلف بذم الكلام وأهله؟ فإننا في المحاضرة السابقة ذكرنا كلام ابن عقيل في ذم علم الكلام، وذكرنا كلام الخطابي رحمة الله تعالى عليه في كتابه شعار الدين. وهنا أردت أن أسجل هذه الفائدة وسبب تسجيلي لها: ما وجدت من كلام بعض المعاصرين من الأشعرية في شرحهم على الطحاوية لما تكلموا عن قضية أن من المراد بذم الكلام وأهله عند السلف...
فأقول أحبابي الكرام: علينا أن نفهم مسألة من هم المرادون في ذم السلف لما ذموا علم الكلام والمنشغلين به، من هو المراد بذلك؟ فاقول: كلامنا عن ذم علم الكلام يقودنا إلى مسألة جزئية، وهي أن نفهم مراد السلف بذم الكلام وأهله، فقد نقل عن السلف من ذلك الشيء الكثير؛ من ذلك ما نقله ابن عساكر مثلاً عن الشافعي في كتابه مناقب الشافعي، ليس كتاب ابن عساكر، وعفواً ابن عساكر هو كتاب عبد الرحمن بن أبي حاتم، ما نقله ابن عساكر من كتاب مناقب الشافعي لعبد الرحمن بن أبي حاتم. عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب مناقب الشافعي ينقل بالسند عن يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعية يقول -لاحظوا ماذا يقول الشافعي؟-: لأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه سوى الشرك -لأن تبتلى بالخمر والزنا والفواحش وكل شيء سوى الشرك- خير له من الكلام، يعني خير له من أن يبتلى بعلم الكلام. ولقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت أن مسلما يقول بذلك.
هذا كلام مين؟ الشافعي ينقله ابن عساكر عن كتاب مناقب الشافعي لعبد الرحمن بن أبي حاتم. وينقل ابن أبي حاتم أيضاً قال: حدثنا أحمد بن أصرم المزني قال: قال أبو ثور: سمعت الشافعي يقول: ما تردى أحد بالكلام فافلح، يعني ما في أحد ارتدى الكلام واتخذه سبيلا ومنهجا فيفلح، لا يفلح أحد اتخذ الكلام سبيلا ومنهجا، ما تردى أحد بالكلام فافلح. وكقول أبي يوسف أيضاً -أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة- يقول: من طلب العلم بالكلام تزندق. أنظر وصله علم الكلام للزندقة والعياذ بالله.
وهو نقل عن الشافعي أيضاً قوله: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. طبعا وهذا شيء قليل، أنا ليس هدفي أن استقصي ما قاله السلف في ذم الكلام وأهله، فأقول: أمثال هذه الاقوال المعروفة عن الأئمة بالمئات؛ لو أردت أن تجمع سفراً كاملاً في ذم السلف والأئمة الكبار رحمة الله عليهم لعلم الكلام ولاهل الكلام. بل صنف بعضهم كتاباً في ذم الكلام وتحريم النظر فيه، ككتاب ذم الكلام وأهله للإمام البربهاني رحمة الله عليه، وكتاب تحريم النظر في علم الكلام لمن؟ هذا ذكرناه لما شرحنا لمعة الاعتقاد: ابن قدامة صنف كتاباً: تحريم النظر في علم الكلام.
بل إن بعض المتأثرين بالمدرسة الكلامية لما عاد قليلاً أدراجه إلى الوراء، عاد فصنف كتاباً في ماذا؟ في النهي عن النظر في علم الكلام؛ كالخطابي فانه كان متأثرا بعلم الكلام ثم لما عاد أدراجه قليلاً إلى الوراء -وأنا أقول قليلاً لأنه لم يعد بالكلية في الحقيقة- عاد فألف كتاب الغنية عن الكلام وأهله. وكذلك الشهرستاني المصنف المشهور صاحب الملل والنحل، بعد أن خاض رحلة طويلة في علم الكلام عاد فألف كتاب نهاية الأقدام في علم الكلام -أنا أقول لكم: ما حدا يقدم على علم الكلام-.
فإذا نلاحظ أن من الأئمة من ذم علم الكلام، من الأئمة من صنف كتباً في تحريم النظر فيه، من الأئمة من تراجع عنه. فالمهم ما قادني لهذه المسألة أننا نجد بعض المعاصرين اليوم ممن شرح العقيدة الطحاوية على مذهب الأشعرية أصبح يلبس هذه القضية على الناس ويوهمهم -وركزوا هنا- أن ذم السلف لأهل الكلام إنما كانوا يقصدون به المعتزلة فقط، إنما كانوا يقصدون به ايش؟ المعتزلة فقط. ويقول: هم الذين كانوا أيام الشافعي وأحمد بن حنبل، والأشعرية ظهروا في زمان متأخر هم والماستريدية. فباختصار: هذا الرجل يريد أن ينفي التهمة عنه عن منهج الأشاعرة والماتريدية، وأنهم ليسوا مقصودين بذم السلف في علم الكلام، وأن المقصود هم المعتزلة فقط.
طيب إيوا، فيقول إذا يوهم أن ذم السلف لأهل الكلام إنما كانوا يقصدون به المعتزلة فقط، وأن الفرق الكلامية الأخرى كالأشاعرة والماتريدية ليسوا داخلين في ذلك. وهذا في الحقيقة من التلبيس، هذا من تلبيس وتحريف الكلم عن مواضعه، فإن من تتبع طريقة أغلب الأشاعرة في الاعتقاد يجدهم لم ينفصلوا عن أصول المعتزلة! بل إن أبا حفص المالكي لما سئل عن أبي الحسن الأشعري وعن تراجعه فقال: إن أبا الحسن عاد عن فروع المعتزلة ولم يعد عن أصولها. تصوروا ايش يقول أبو حفص المالكي؟
يقول أبو حفص المالكي: يقول أبو الحسن الأشعري صحيح تراجع وكان معتزلياً أربعين عاماً، ثم قلنا إنه تراجع وعاد إلى طريقة ابن كلاب. تمام؟ الآن يقول أبو حفص المالكي لما سئل، يقول: أبو الحسن الأشعري في الحقيقة -في الحقيقة- هو إنما عاد فقط عن فروع الاعتقاد الاعتزالي، لكنه بقي يأخذ بأصول الفكر الاعتزالي. فالأصول العقلية التي ينطلق منها أبو الحسن الأشعري هي نفس أصول المعتزلة، لكن خالفهم في ماذا؟ في النتائج، لأنه اقترب أكثر من أهل الحديث فكانت هناك بعض النتائج المبينة لمنهج المعتزلة.
بل إن متأخري الأشعرية كالجويني والرازي هم في الحقيقة أقرب إلى المعتزلة منهم إلى الكلابية؛ إن متأخري الأشعرية كالجويني ومن سار على مدرسته هم في الحقيقة في أصولهم على أصول المعتزلة. فعندما تقول لي أن الأشاعرة ليسوا بالمقصودين وإنما المقصود هم المعتزلة، فأنا ايش أقول لك؟ الأشاعرة لم يخرجوا عن أصول المعتزلة أصالة وحقيقة، وإنما فقط الخلاف بينهم خلاف في النتائج والثمرات، لكن الطريقة التي ينطلقون منها طريق واحد. ودليل الحدوث أصلاً الذي تستدلون به على وجود الله ما هو؟ هو دليل جهمي اعتزالي أشعري، فأنتم في المنطلقات واحدة، وإنما الخلاف في ماذا؟ في الثمار والنتائج المنتجة لديكم، وإن كانت الأشاعرة والماتريدية للإنصاف هم أحسن حالاً من المعتزلة، وأن قيمة الأثر عندهم والأحاديث عندهم أكبر من المعتزلة.
إذا فنقول: من تتبع طريقة أغلب الأشاعرة في الاعتقاد تجده لم ينفصل عن أصول المعتزلة، وإنما خالفوا المعتزلة فقط في المنتجات والمخرجات، وإلا في الأصول العقلية والطرق البدعية التي ينطلقون منها واحدة: سواء أشاعرة، ماتريدية، معتزلة، بل الماتريدية أقرب للفكر الاعتزالي من الأشاعرة وهذه فائدة خذوها؛ طبعا في جلهم بعض ما لا، أقرب لعهد الحديث، لكن كثير من الماتريدية ومنطلقاتهم أقرب للاعتزال تماماً. ولذا قال أبو حفص المالكي عن أبي الحسن الأشعري أنه خالف المعتزلة في الفروع ووافقهم في الأصول.
فإذا قضية أن نقول أن المراد بذم الكلام وأهله المعتزلة فقط وأن الأشاعرة والماتريدية ليسوا داخلين، هذا كلام ليس بصحيح، بل كل من انتهج المنهج الكلامي وصار على العلم الموروث عن أرسطو طاليس وعن فلسفة اليونان والفرس والهند هو داخل تحت هذا الذنم.
طبعا الغزالي هو يدرك أن السلف كثيراً ما ذموا علم الكلام، وهو أحد أعمدة المتكلمين الغزالي. فماذا فعل؟ كيف حمل ذم السلف لعلم الكلام؟ ايش يقول الغزالي؟ شوف: وذكر الغزالي وهو أحد أعمدة المتكلمين أن ذم السلف لأهل الكلام إنما كان من جهة الألفاظ المحدثة التي ابتدعوها؛ كالجسم، والجوهر، والعرض، والحيز، ونحوها. ثم هو يبين أن هذه مجرد ألفاظ حادثة يا أيها السلف، احتيج لاستعمالها فلا يذم عليها، فهي مثل باقي الأمور التي يحدثها الناس في حياتهم مما تدعو الحاجة لاستعماله من الثياب والسلاح والأدوية سلا...
إذاً الغزالي حمل كلام السلف في ذم علم الكلام على ماذا؟ أن السلف إنما ذموا علم الكلام فقط لمجرد أنه في ألفاظ حادثة! بعد ذلك هو يعتذر لنفسه وللمتكلمين أن هذه الألفاظ الحادثة أصلاً لا تذمون عليها، فهي مما يصطلح عليه الناس في العلوم، مثل مثل الثياب الحادثة، الأسلحة الحادثة -شوفوا القياس-! قاسى على الثياب وعلى الأسلحة وعلى مخترعات الحياة الحادثة؛ قاسى العبارات التي يستعملونها في علم الاعتقاد أنها مثلها مثل أمور الحياة المستحدثة لما يلائم العصر، فالأصل ألا تذمونا في ذلك.
طيب، وهذا التخريج من الغزالي ليس بصحيح أيضاً، بل مراد السلف بذم أهل الكلام ذموا كل من استدل بالأدلة الفاسدة أو استدل على المقولات الباطلة. اكتبوا هذه القاعدة: مراد السلف بذم أهل الكلام ذم كل شخص استدل بأدلة فاسدة ليست من مشكاة الكتاب والسنة أو استدل على المقولات الباطلة. فكل من اتبع طرق الكلاميين سواء في مسائل أصول الدين أو في دلائل أصول الدين فهو داخل تحت ذم السلف الصالح لأهل الكلام، كائناً من كان ومهما كانت فرقته وطائفته.
بل ذم السلف لعلم الكلام بسبب فساد معناه أعظم من ذمهم لعلم الكلام بسبب الألفاظ الحادثة. واكتبوا هذه الفكرة؛ يعني الغزالي هو يقول لك: السلف لماذا ذموا علم الكلام؟ بالألفاظ الحادثة. فماذا نقول له؟ بل ذم السلف لعلم الكلام بسبب المعاني الفاسدة أكثر من ذمهم لعلم الكلام بسبب الألفاظ الحادثة؛ يعني صح إحنا بنذمكم على الألفاظ التي أحدثتموها في الاعتقاد، لكن ذمنا للمعاني الفاسدة التي أنتجتموها أكثر بكثير من ذمنا على مجرد الألفاظ الحادثة. فلو كانت القضية مجرد ألفاظ حادثة لفعلاً لضاق الأمر كثيراً ولضاق الخلاف، لكن مشكلتنا ليس في الألفاظ، وإنما مشكلتنا أين؟ في المعاني، سواء في مسائل أصول الدين وفي دلائل أصول الدين.
لذلك قال: بل ذمهم للكلام الفاسد بسبب معناه أعظم من ذمهم بسبب الألفاظ الحادثة؛ فذموا كلامهم لاشتماله على معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة ومخالفة للعقل الصريح والصحيح. فكل من ابتعد عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم -خلاصة- فكل من ابتعد عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام والسلف الصالح في تقرير الاعتقاد من حيث
الدلائل ومن حيث المسائل وسلك طرق المتكلمين، فهو داخل تحت هذا الذنب، مهما كان منهجه الكلامي؛ كان معتزليًّا، جهميًّا، كلابيًّا، أشعريًّا، ماتريديًّا، مهما كنت، ما دمت تسير على منهج مبين لمنهج أهل السنة والجماعة. منهج النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، وتتبع طرق الكلاميين، فأنت داخل تحت هذا الذمم، والذم يطالك.
وهذا الخطابي رحمة الله عليه يبين لنا ما مراد السلف بذم الكلام وأهله، فانظروا ماذا قال الخطابي في كتابه شعار الدين يقول: هذا رصد جيد. يقول: الكلام المكروه الذي زجر عنه العلماء وعابوه هو التجرد في مذهب الكلام. شو يعني التجرد؟ يعني أن تتعمق وتتجرد لطرق المتكلمين، التجرد في مذهب الكلام والتعمق فيه على الوجه الذي يذهب المتكلمون، وذلك أنهم ادعوا الوقوف على حقائق من جهة العقول.
إذا، هل الخطابي قال إن مراد السلف بذم الكلام وأهله ذم كلام الاعتزال فقط؟ لا، هو قال: الكلام المكروه الذي زجر عنه العلماء وعابوه هو التجرد في مذهب الكلام، أيا كان تجردك، والتعمق فيه على الوجه الذي يذهب المتكلمون إليه، وهذا ليس خاصًّا بالمعتزلة؛ ليشمل جميع الفرق الكلامية. لكن للإنصاف، فإن مناهج المتكلمين تتفاوت في شدة بدعيتها، فإن دائما الإنصاف حلة الأشراف أحبابي، فحتى لو أننا بينا ما هو الصواب في أن المتكلمين جميعا بطرقهم الكلامية داخلون تحت ذم السلف، فإننا نبين أنهم ليسوا شيئا واحدا، وليسوا على مرتبة واحدة في الضلال.
فإننا نبين أن الفرق الكلامية تتفاوت في شدة بدعيتها بقدر قربها أو بعدها عن المنهج النبوي، فمن كان أبعد عن منهج الأنبياء كان أشد في البدعية وأوغر في الضلال. لذا كان الفلاسفة الذين ينتسبون للإسلام، كابن سينا والفارابي وغيرهم من الفلاسفة الذين انتسبوا للإسلام، هم أضل هذه الفرق؛ لأنهم أوغر الناس في الابتعاد عن منهج الأنبياء، والدخول في فلسفة أرسطو طاليس ومن سار على نهجه؛ لأنه أبعد عن المنهج النبوي.
ثم بعد الفلاسفة الإسلاميين يأتي من؟ يأتي الجهمية، ثم يأتي بعد ذلك المعتزلة، ثم أقل الفرق حالا -أو من أقل الفرق حالا- الأشاعرة والماتريدية؛ لأن الأشاعرة والماتريدية كان عندهم شيء من تعظيم الأثر، كان عندهم شيء من تعظيم الأثر فكانوا أفضل حالا من غيرهم. فالإنصاف يقتضي أن نبين أنه ليس الكل على نفس الدرجة في السوء، بل عليك أن تعرف أنه كلما- الآن عندك منهج النبي صلى الله عليه وسلم مسطرة- كلما زاد الانحراف عن هذه المسطرة، كلما ازدادت- كلما ازددت- بعدا في الضلال وغورا فيه، وابتعادا عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم. واضح هذه الفكرة الأخيرة أيضا؟
لأن بعض الناس يظن أننا نضع الجميع في مرتبة واحدة، وهذا ليس بإنصاف أبدا، فلا تقارن أصلا بين آآ ابن سينا والفارابي وبين آآ أئمة الأشاعرة، فهم أفضل حالا بكثير، بكثير، بدرجات شاسعة. بل إن نفس الغزالي -وهو من أئمة المتكلمين- كفر ابن سينا ومن سار على نهجه في الفلسفة الإسلامية؛ لأن كلامه والعياذ بالله فيه نسبة الجهل والنقص إلى الله عز وجل على صورة لا يعذر فيها هذا الرجل. وابن سينا أصلا كان من الباطنية كما هو صرح عن نفسه، فليس يعني ذلك مجرد ادعاء عليه.
المهم، أنا ليس يهمني قضية من الذي كفره، لكن يهمني أن تعرف أن هم أنفسهم الأشاعرة يعرفون أن الفلاسفة الذين ينتسبون إلى الإسلام قد حادوا حيدة ما بعدها حيدة عن منهج الإسلام العظيم، فهم أشد الفرق آآ بدعية وضلالا، ثم كما قلنا الجهمية، المعتزلة، ثم أقل شيئا الأشاعرة والماتريدية. وهذا نهاية كلامي عن القاعدة الأولى.
وضحت القاعدة الأولى أحبابنا الكرام؟ عندكم استفسار حولها؟ طبعا. بسم الله. آه، نعم، نعم، بالدليل بالمقدمات التي وضعوها والأدلة على هذه المقدمات، نعم، أنه لا يدخل فيه. لكن بعض التفاصيل منه قد يستفاد منها في مجال آخر، وبعض التفاصيل منه أصلا القرآن نبه عليها بما هو أجلى وأوضح وأصوب.
فنحن كلامنا عن دليل الحدوث بالطريقة التي يقررها القوم، بأن قضية إثبات أعراض وأن الأعراض لا تبقى زمانين، وأن الجسم لا يخلو من الأعراض، وما- وانه لابد من حوادث لا أول لها، فان هذه المقدمات بعضها باطل أصالة وبعضها يطول الاستدلال عليه ومسلكه فيه وعور، وبعضها فيه اختلاف بينهم. فما دامت هذه التوليفة مجتمعة بهذه الصورة، نقول: نعم، هو دليل محرم.
ولم يكن منهج الأنبياء استخدام الأعراض والاجسام، وما شابه ذلك من المقدمات في الاستدلال، فهو محرم بهذه الصورة والتوليفة. ولما تضرب في الأدلة إن شاء الله تبين ما هي أدلة اثبات وجود الله عند أهل السنة والجماعة، ستعرف كيف تكون الأدلة أجلى وأوضح وأبينا من كل هذه الطرق التي سلكها القوم.
طيب، نذهب إلى القاعدة الثانية. القاعدة الثانية وتهمني حقيقة عند دراسة العقيدة الطحاوية هي قاعدة التعامل مع الألفاظ المجملة الواردة في علم العقائد، والتي يكثر المتكلمون من استعمالها، وترد في كلام بعض أهل الحديث، وترد في كلام بعض أهل الحديث كما وقع للإامام الطحاوي رحمة الله تعالى عليه. ما هي قاعدة الألفاظ المجملة؟ هذه القاعدة تقول أحبابي: أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء واستعمال الألفاظ المجملة، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا الله.
هذا نص القاعدة كما اختصرته لكم. أكثر الخلاف، يعني أكثر ما يسبب الخلاف بين المسلمين ما هو؟ استعمال ألفاظ مشتركة لها أكثر من معنى، واستعمال ألفاظ مجملة. فأنت تتناقش مع شخص هو يستعمل لفظ مشترك أو مجمل، هو يقصد به معنى وأنت تقصد به معنى، وتتناحرون وتختلفون، وكل شخص منكم هو أصلا يحمل الكلام يفهمه بطريقة معينة تختلف عن الطريقة التي يفهم بها الآخر هذا اللفظ.
فالأصل في الإنسان أن يستعمل دائما الألفاظ الايش؟ الصريحة الواضحة، خاصة في اصول الدين؛ لأن هذه مسائل خطيرة جدا فلا مجال فيها لاستعمال الألفاظ المشتركة ولا الألفاظ المجملة. إذا، أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء واستعمال الألفاظ المجملة، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا الله.
وأقول في شرح هذه القاعدة: ولهذا يوجد- ولهذا يوجد كثيرا في كلام السلف وأئمة الهدى من النهي عن إطلاق العبارات المجملة في المسائل العقدية التي هي موارد النزاع نفيا أو إثباتا. يعني أي مسألة عقدية فيها نزاع بين الفرق، إياك أن تستعمل فيها لفظة مجملة، سواء مثبتا لهذه اللفظة أو نافيا لها. فهمت هذه؟
إذا، نعيد: يوجد في كلام السلف النهي، ينهون عن إطلاق العبارات المجملة في مسائل العقيدة التي هي من موارد النزاع بين الفرق الإسلامية، فينهون عن إطلاق الألفاظ المجملة سواء في باب الإثبات أو في باب النفي. مثل، مثل ايش ألفاظ مجملة؟ كلفظ الجسم، ولفظ الجهة، ولفظ الحد، ولفظ الحيز، ولفظ الجوهر، ولفظ آآ ولفظ العرض، ونحو ذلك من الألفاظ. هذه الألفاظ، هل هي في قاموس الكتاب والسنة؟ هي موجودة، لكن موجودة على معانيها اللغوية وسياقات أخرى، لكن هل موجودة كألفاظ تستعمل في تقرير مسائل الاعتقاد؟ كلا، لا تستعمل كألفاظ في تقرير مسائل الاعتقاد.
وإذا استعملت في الكتاب والسنة، تجدها في سياق آخر على معناها اللغوي، وليس في أمر الله سبحانه وتعالى. فهذه الألفاظ الجسم والجهة والحد والحيز والجوهر والعرض والحادث وغير ذلك، كل هذه الأمور الأصل أنها من الألفاظ المجملة، المسلم لا يستعملها في المسائل العقدية، لا نفيًا ولا إثباتًا.
طيب، فقلت: وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق، ولا قصورًا أو تقصيرًا من السلف في بيان الحق. يعني السلف لما منعوا إطلاق هذه الألفاظ نفيا أو إثباتا، هل لأنها في كلا الحالين غلط؟ وهل لأنها أو لأن السلف عفوا قصروا أو فرطوا في بيان الحق؟ لا، ليس هذا كان يعني دأب السلف في النهي عن إطلاق الألفاظ المجملة، ولكن لاحظوا لماذا نهوا عن ذلك.
ولكن لأن تلك العبارة هي من الألفاظ المجملة المتشابهة المشتملة على حق وباطل. آه، الألفاظ المجملة ايش مشكلتها يا مشايخ؟ متشابهة، قد تحمل على معاني حق وقد تحمل على معاني ايش؟ باطل. طيب، ففي إثباتها -إذا أثبتها- اخترت أن تثبت هذه الألفاظ، أثبتها حقا وباطلا؛ يعني أثبتها على ما فيها من التشابه، فتكون كأنك أثبت المعنى الحق والمعنى الباطل. وإذا نفيتها، كأنك نفيت ما فيها من الحق والباطل، فبالتالي يمنع من كلا الإطلاقين. يقول لك: لا تستعملها إثباتا ولا تستعملها نفيا.
بخلاف النصوص الإلهية، فإنها فرقان فرق الله بها بين الحق والباطل. ولهذا كان سلف الأمة وائمتها يجعلون كلام الله وكلام رسوله هو آآ الإمام والفرقان الذي يجب اتباعه، فيثبتون ما أثبته الله ورسوله، وينفون ما نفاه الله ورسوله، ويجعلون العبارات المحدثة مجمل المتشابه ممنوعا من إطلاقها نفيا أو إثباتا، لا يطلقون اللفظ ولا ينفونه.
طيب، إذا شخص ناقشهم بهذا اللفظ يستفسرون منه؛ إذا كان لفظ مجمل وشخص سألهم عنه، فالأصوب الاستفسار. إذا، لا يطلقونه إثباتا ولا نفيا إلا بعد سبر والتفصيل. فإذا تبين المعنى لكلا الطرفين المجادل والطرف الآخر، أثبت الحق منه ونفي الباطل منه. فإذا شخص جاءك بعبارة مجملة، ايش بتعمل؟ هل بتقول له: والله هي حق؟ لا. هل بتقول له: هي باطل؟ لا. بتقول له: تعال فصل لي، ما هي المعاني التي من استعمالك لهذا اللفظ المجمل؟
وبعد أن يفسر المعاني ونضع المعاني أمامنا، نأتي إلى المعاني الحقة فنقول: هذه معاني حقة نقبلها، ونأتي إلى المعاني الباطلة فنقول: هذه معان باطلة فننفيها. فإذا، كل من استعمل لفظة مجملة، إياك يا طالب العلم أن توافقه إثباتا أو نفيا، وإنما وظيفتك أن تستفسر منه عن المعاني التي قصدها، فنفرز المعاني ونضعها أمامنا، فما كان منها مقبولا موافقا للحق قبلناه، وما كان ومنها باطلا موافقا للباطل رددناه. واضح الكلام؟
طيب، بخلاف كلام الله وكلام رسوله، فانه حق يجب قبوله مطلقا. هل أحد يتوقف في قبول كلام الله وكلام رسوله؟ كلام الله وكلام الرسول يقبل مباشرة ولو لم تفهم معناه؛ يعني فرضا حديث صحيح أنت ما فهمت معناه، هل تتردد في قبوله؟ لا تتردد في قبوله، فأنت تقبله ولو لم تفهم معناه جيد.
وأما كلام غير المعصوم ككلام البشر، فانه لا يقبل حتى يفهم معناه، وهذا فرق أساسي بين الوحي الإلهي وبين كلام البشر. كلام البشر لا يقبل شرعا حتى يفهم معناه، وكلام المعصوم كلام الشارع يقبل شرعا ولو لم تفهم معناه، لكن عليك أن تتطلب المعاني قدر الإمكان.
طيب، الآن سأضرب لكم مثالا حتى تفهموا منهج السلف في التعامل مع الألفاظ المجملة. بسم الله، الحمد لله. ترجم الإام أبو بكر الخلال في كتاب السنة بابا فقال: باب الرد على القدرية. طبعا القدرية في عرف السلف كانوا يطلقون هذا المصطلح على كلا الطائفتين: الطائفة التي تنفي قدر الله سبحانه وتعالى وتقول العبد يخلق فعله بنفسه من المعتزلة، ويطلقونه على الطائفة المناقضة لها تماما وهم الجبرية الذين يقولون إن العبد مجبور على فعله وليس له اختيار ولا إرادة عليه.
فكلمة القدرية في الحقيقة عند السلف تطلق على كلا الطائفتين، وإن كان الأشهر اطلاقها على الطائفة الأولى على المعتزلة، لكنها في الحقيقة تطلق على لأن كلا الطائفتين أخطأا في باب القدر فسموهما قدريا. إذا، لما نقول لك باب الرد على القدرية هو فيه رد على كلا الطائفتين: القدرية الذين قالوا إن العبد يخلق فعله بنفسه ونفوا إرادة الله في افعال العبيد -حاشا الله عن كلامهم- والفرقة المناقضة لها تماما الذين نفوا إرادة العبد بالكلية وقالوا إن العبد مجبورا على فعله، فكلاهما يسمى قدرية في عرف السلف وإن كان الأكثر كما قلت استعمال القدرية في الطائفة الأولى.
إذا، عنون أبو بكر الخلال فقال: باب ماذا؟ باب الرد على القدرية وقولهم، يعني باب رد على القدرية في قولهم إن الله أجبر العباد على المعاصي. وهذا يدل أنه استعمل القدرية على أي طائفة هنا؟ الثاني، أحسنت؛ أنه استعمل القدرية وأراد به الطائفة الثانية، يعني الرد على القدرية في قولهم إن الله أجبر العباد على المعاصي.
فهنا روى لنا الخلال قصة؛ روى عن عمر بن عثمان عن بقية بن الوليد، بقية بن الوليد ايش يقول؟ يقول: سألت الزبيدي -وهو محمد بن الوليد تلميذ الزهري- سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر. إذا، في عنا شخصية اسمها معروفة طبعا في علم الحديث، أحد رجالات الحديث بقية بن الوليد، ايش بيقول لنا؟ بقول: سألته، سأل اثنين من الأئمة من أئمة السلف عن الجبر. من هما؟ سأل الزبيدي تلميذ الزهري، وسأل قال: سألتهما عن الجبر. طب نشوف ايش إجابة الزبيدي.
يعني سألهم: هل هناك جبر؟ استعمل أي لفظة؟ لفظة الجبر، استعمل لفظة مجملة متشابهة وهي الجبر، فكيف كانت إجابة الزبيدي؟ قال الزبيدي: أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر، ولكن يقضي ويقدر ويخلق ويجبر عبده على ما أحب. أعيد إجابة الزبيدي، ايش قال الزبيدي؟ أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر. بالتالي نفى الجبر، قال: يعني الله هذا مفهوم كلامه أن الله لا يجبر، ولكن يقضي ويقدر ويخلق ويجبر عبده على ما أحب.
الأوزاعي كيف أجاب؟ إذا نلاحظ أن في إجابة الزبيدي، ايش الزبيدي؟ ما اعترض على لفظة الجبر وإنما ماذا قال؟ قال: الله أعظم من أنه يجبر. فمنع، قال: لا، الله لا يجبر، باختصار هذه إجابة الزبيدي: الله لا يجبر العبد على فعله.
الأوزاعي ماذا قال؟ لاحظ الأوزاعي وكيف كان أدق، قال: ما أعرف للجبر أصلا بالقرآن ولا السنة فأهاب أن أقول ذلك. شوف كيف توقف، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن الألفاظ الشرعية: القضاء والقدر والخلق والجبلة. اه قال: القضاء مستعمل في الكتاب والسنة والقدر مستعمل، والخلق والجبلة مستعملة.
في الحديث النبوي فقال هاي بفهمها الألفاظ، أما هذا المصطلح الذي سألت عنه يا بقية بن الوليد، وهو الجبر، لا أعلم له أصلاً في الكتاب ولا بالسنة، فأهاب أن أقول فيه شيئاً نفياً أو إثباتاً. ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل فهذا يعرف في القرآن والحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، شفتوا إجابة الأوزاعي كيف كانت أدق؟
طيب، فهذان الجوابان اللذان ذكرهما هذان الإمامان في عصر تابع التابعين هي من الأجوبة الحسنة، ترى كلاهما أحسن، لكن هناك من كان أدق في الحقيقة. الزبيدي محمد بن الوليد خلينا نحلل إجابته، أما الزبيدي محمد بن الوليد فإنه قال: أمر الله أعظم من أن يجبر. فنفى الجبر، اه الزبيدي لما نفى الجبر هو فهم الجبر بالمعنى اللغوي.
هيك الزبيدي حلل الموضوع، قال: هذا الشخص سألني عن الجبر، ما معنى الجبر في اللغة؟ إيش معنى الجبر في اللغة؟ أن تجعل الإنسان يفعل شيئاً وهو كاره له، أن تجعل الإنسان يفعل شيء وهو ما بده يفعله. طيب، فلما سأله بقية بن الوليد هل الله يجبر؟ قال: لا الله لا يجبرك. هل أنت لما تشرب كأس المي تفعله وانت كاره لها ولا بإرادتك؟ هل أنت عندما حضرتم الدرس كنتم مجبورين بالمعنى اللغوي؟ يعني أتيتموه وأنتم كارهون؟ بتكومش بس في إشي عم بوديكم جبران ولا بإرادتكم؟
فالزبيدي لما قال الجبر هو أن تفعل الشيء وأنت كاره ونظر في تعالى فوجد أنه يفعل الأفعال بإرادته قال الله لا يجبر، فنفاه بناءً على معناه اللغوي. إذا وذلك لأن الجبر في اللغة هو إزام الإنسان بخلاف ما يرضاه، كما يقول الفقهاء مثلاً في باب النكاح، هل يجوز أن تجبر البكر على النكاح ولا لا تجبر؟ إيش خصم تجبر؟ يعني أن تكره عليه من دون اختياره. هذا هو الجبر المعروف لغته، فيعنون بجبرها إنكاحها بدون رضاها واختيارها.
طيب فماذا قال الزبيدي؟ فقال الله أعظم من أن يجبر، لأن الله سبحانه وتعالى قادر بالتأكيد أن يجعل العبد مختاراً راضياً لما يفعله ويجعله مبغضاً كارهاً لما يتركه كما هو الواقع الموجود تماماً. فلا يكون العبد مجبورا على ما يحبه، بل يفعل الشيء الذي يحبه برضاه، ولا يكون مجبورا على ترك ما يتركه، بل يتركه الإنسان تنو لأنه لا يحبه ولا يرضاه، وهذا من عجيب صنع الله وخلقه، أن هناك قضاء وقدر مسبق، ولكنك لما تفعل الشيء تفعله باختيارك وإرادتك، هذا صنع الله، شوف هذا شيء مهول.
فهمتوا كيف الشيء المهول؟ أن يكون هناك قضاء مسبق وقدر مسبق ولكنك لا تشعر به أيها الإنسان وأنت تفعل أفعالك، بل تفعلها بتمام، وهل هناك من يستطيع أن يخلقك هذا الخلق سبحانه؟ إذاً هذه طريقة الزبيدي أنه قبل اللفظة لكنه حملها على معناها اللغوي. الأوزاعي لأ، الأوزاعي خاف لأنه بيعرف أن نشأة فرق كلامية، فالبعض أصبح يستعمل الجبر بمعنى باطل.
البعض وهذا معروف عن الجبرية يقصدون بالجبر أن الله سبحانه وتعالى إيش جبر العبد على فعله سواء كان العبد محب له ولا مش محب. فالجبرية لما استعوا لفظ الجبر حملوا الجبر على ماذا؟ أن ليس على الإكراه، قالوا إن الله سبحانه يلزمك بالفعل فانت تفعله، ممكن تكون بتحبه، ممكن تكون ما بتحبه بس أنت بالنهاية ملزم أنك تفعله. فالجبر بالمفهوم الحادث ليس الجبر بالمعنى اللغوي، الجبر أصبح له دلالة أخرى عند المتأخرين، أصبح يطلق الجبر على إلزام الله الإنسان بفعله حتى ولو كنت أنت بتحب الفعل وفعلته عند الجبرية، أنت ما فعلته باختيارك، أنت فعلته لأنك إيش ملزم به.
فعند الجبرية أصبح مفهوم الجبر يطلق على ماذا؟ على الإلزام سواء كنت كاره ولا مش كاره، أي كل أفعالك أنت بتفعلها وأنت ملزم أن تفعلها. فانت عندما تشرب الماء بسم الله تشربه وأنت ملزم على أن تشربه، تشربه وأنت ملزم سواء كنت بحب ولا ما بحب ما عندهمش. وهذا خلاف المعنى اللغوي، في اللغة آه في اللغة الجبر ما هو يا حسين؟ أن تفعل أن تجبر شخصاً على أن يفعل شيئاً وهو يكرهه، أما في الجبر بالمعنى الحادث عند الفرق الكلامية هو الإلزام، أن تلزم أنك ملزم بأن تفعل بغض النظر بتحب ولا ما بتحب، هذه قضية أخرى.
الأوزاعي كان دقيقاً حقيقة هنا، قال: يا عمي الجبر صحيح له معنى لغوي مفهوم، بس برضه صار له معنى اصطلاحي عند هدول المشوشين، فخاف أنه يحكي لا جبر وخاف أنه يحكي فيه جبر، لأنه هو ما بده يقول ما في جبر على طريقة الزبيدي. فهم يفهمون من نفيه للجبر إيش؟ إذا قال لا جبر الآن ممكن يكون المعنى اللغوي، لكن يمكن يكون أيضاً على المعنى الإيش الاصطلاحي. ما هو الآن إذا قال لا جبر وفهموا منه المعنى الاصطلاحي معناه العبد خشي أن يفهم من ذلك أن العبد يخلق فعله بنفسه على قول الطائفة الأخرى تماماً، أنه اللفظة صارت هذي فيها لعب، أن لفظة صار لها معنى لغوي ولها معنى اصطلاحي عند الفرق المتكلمة.
فلما شاف أن هاي اللفظة لو قلت إنه لا جبر ستفهمون أنني موافق للقدرية، أن العبد يختار اختياراً تاماً كاملاً. ولو قلت فيه جبر اه لفهموا الأه أن العبد مجبور يفعل وهو كاره، أو أن العبد أو أنك تسير على طرق المتكلمين أن العبد ملزم على فعله. يعني باختصار على كلا الحالتين متورط، لأن اللفظ ما عادت على معناها اللغوي أصبح لها معنى حادث، فالاوزاعي منع من الإطلاق بالتالي هذه اللفظة حتى يعني منع من إطلاقها حتى ولو على المعنى اللغوي بسبب هذه الإشكالية.
أنه هاي اللفظة القرآن الكريم والسنة هل استعملوها في باب القضاء والقدر؟ لا. يعني هل هناك لفظة في القرآن ربنا استعمل كلمة الجبر ليبين لنا أنه قدر وقدر علينا أفعالنا؟ ربنا استعمل لفظة الجبر ليبين ذلك؟ لا، استعمل لفظة القضاء والقدر ولم يستعمل لفظة الجبر. إذاً أما الأوزاعي فإنه منع من إطلاق هذا اللفظ وإن عني به هذا المعنى اللغوي كما فهم الزبيدي، حيث لم يكن له أصل لا في الكتاب ولا في السنة، فيفضي إطلاقه إلى إطلاق لفظ مبتدع ظاهر في إرادة الباطل، وذلك لا يسوغ، لأنه خلص صار الجبر عند الفرق المتحادثة في الإسلام المراد به إلزام الإنسان بفعله، إلزام الإنسان بفعله وأنه ليس له أي إرادة واختيار له. هذا معنى باطل.
ها ركزوا، الجبرية الذين حدثوا في الإسلام أطلقوا الجبر على ماذا؟ على أن الإنسان ملزم على الفعل وليس له أي إرادة واختيار. فالجبر معناه باطل بهاي طريقة صح ولا لا؟ فنحن لنا إرادة واختيار. فهو لما شاف هذه اللفظة لها معنى لغوي ولها معنى اصطلاحي، إذا نفيت المعنى اللغوي وقلت لا جبر فالطائفة الثانية بتقول: آه يعني لا جبر إذا أنت معي، طائفة تقف مع من؟ أنت تقف أي منهج تتخذها؟ هل تتخذ منهج القدرية أن الإنسان يغلق فعله بنفسه؟
فقال: أنا ليش أضع حالي في هذه الورطة؟ إذا أتوقف عن هذه اللفظة وأقول ما هو اللفظ في الكتاب والسنة المستعمل؟ قضاء وقدر، واستعمل لفظة القضاء والقدر. قال: هناك قضاء وقدر، نقطة وسطر جديد، لا تسألني عن الجبر. طيب آآ وقد بين الآن ساعلق أبو العباس بن تيمية علق على هذه الحادثة، بين أبو العباس ابن تيمية أن جواب الأوزاعي أفضل من جواب الزبيدي، أفضل لأنه منع من إطلاق اللفظة ابتداءً لأنها لفظة مجملة لم يستعملها الكتاب والسنة في هذا الباب.
وقد تحتمل معنى صحيحاً وقد تحتمل معنى فاسداً، فلما كان الإطلاق فيها نفياً أو إثباتاً يسبب لبساً، نهى الأوزاعي عن استعمال اللفظ ابتداءً في هذا المجال. أما الزبيدي فماذا كان اختياره؟ نفى اللفظة ومنعها، قال: لأ ما في جبر بناءً على ايش؟ عن المعنى اللغوي، ولم يلتفت إلى هذا المأخذ الذي التفت إليه الأوزاعي، فكان الأوزاعي أدق منه. شوفوا لو أن الزبيدي رحمة الله عليه استفصل من السائل فقال ماذا تقصد بالجبر؟ ما انتهى الموضوع.
لو الزبيدي استفصل فقال ماذا تقصد بالجبر؟ فبين له ماذا يقصد بالجبر، فأخذ المعنى الحق فأثبته وأخذ المعنى الباطل فرده، لكان جواب الزبيدي هنا صحيحاً أيضاً، ما في عليه كلام لأنه استفصال. لكن المشكلة في جواب الزبيدي أنه ايش؟ ما استفسرت. احنا فاهمين قصدك يا زبيدي رحمة الله عليك، لكن أنت ما استفسرت ونخشى أن يوظف المتكلمون جملتك لصالحهم، خاصة القدرية من المعتزلة، ها هي الزبيدي قال لا جبر، هاي المعتزلة بفرحوا فيها، معناها الزبيدي معنا يقول إن العبد يخلق فعله بنفسه. لا يا عمي الزبيدي لما قال لا جبر هو قصد المعنى اللغوي أن العبد لا يفعل الفعل وهو ايش مكره عليه، مش قصد أنه ما فيش قضاء وقدر، وأنه العبد يخلق فعله بنفسه، مش هيك قصد تماماً؟
أحسنت، فهو الزبيدي الكل فهم الحمد لله، لكن الكلام إنه لو الزبيدي استفسر لكان الأمر أدق، لكن كما قلنا رجح أبو العباس ابن تيمية إجابة الأوزاعي وخاصة أن إجابة الأوزاعي آآ توافق إجابة أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة. فقد نقل المروزي عن الإمام أحمد بن حنبل يقود المروزي سمع أو إنه سمع لا هو هو المروزي سمع أبا عبد الله لما أنكر على الذي قال: لم يجبر، وعلى من رد عليه وقال: جبر. فقال أبو عبد الله: كلما ابتدع رجل بدعة اتسع الناس في جوابها.
كان أبو عبد الله أحمد بن حنبل جالساً فحدثت خصومة رجلين، رجل قال الله يجبر العباد، ورجل قال الله لا يجبر العباد، فاحمد بن حنبل أنكر عليهما كلاهما على من قال جبر وعلى من قال لم يجبر، قال إيش هاي اللفظة الحادثة؟ وقال الكلمة المشهيرة عنه: كلما يعني رجل أتانا بلفظة جديدة صرنا بدنا نعمل لها أجوبة، التزموا الكتاب والسنة ودعوكم منها إلى الألفاظ الحادثة، كلما ابتدع الناس بدعة اتسع في جوابها. وهذا من دقيق فهم السلف رحمة الله عليهم أنهم هم كانوا يدركون أنه أي ابتعاد خطوة واحدة عن الكتاب والسنة والسماح لهاي الألفاظ أن ترد معناه فتح باب لا يغلق أبداً، فكان يقول لك: سكر هذا الباب وأغلق لي إياه.
إنه كل شخص وعقول الناس بالمئات، بالملايين في المشرق والمغرب والشمال والجنوب وخراسان والشام والحجاز، فكلما واحد أتانا بلفظة حادثة هيك اخترعها من ذهنه وصار يطالبنا بالإجابة عنها بدنا نتبعه ونبدأ نجاوب ونفصل؟ ما هو من هنا ينشأ الفرقة والاختلاف. فقال أحمد بن حنبل: لا، التزموا بنصوص الكتاب والسنة. وأما المختلفون في الكتاب المخالفون له المتفقون على مفارقته من الفرق الكلامية، فتجعل كل طائفة ما أحدثته من الألفاظ والاصطلاحات من أصول الدين الذي ابتدعته هو، فتجعل عفواً كل طائفة ما أحدثته من الألفاظ والاصطلاحات من أصول دينها الذي ابتدعته هو الإمام الذي يجب اتباعه.
الفرق تجعل كل طائفة منها عندها معجم من المصطلحات ومعجم من الألفاظ الحادثة، تجعل هذه الألفاظ الحادثة أصول دينها وهو الإمام الذي يجب على كل الناس أن يتبعوهم عليه. طيب وتجعل ما خالف ذلك من نصوص الكتاب والسنة من المجملات والمتشابهات، يعني عكسوا الموضوع تماماً، صار ألفاظهم الحادثة وعباراتهم المجملة مثل الجسم والجوهر والعرض والحيز هي اللي لازم نتبعها وهي الإمام وهي القدوة، وعبارات الكتاب والسنة بيجي بقول لك إيش ونصوص الصفات من المتشابهات اه، نصوص الصفات في الكتاب والسنة من المتشابهات، أما ألفاظ الحادث والجسم والجوهر والعرض والحيز هذي المحكمات. هذا الذي يريدون الوصول إليه.
ممتاز إذاً وتجعل ما خالف ذلك من نصوص الكتاب والسنة من المجملات المتشابهات التي لا يجوز اتباعها بل يتعين حملها على ما وافق اصولهم الكلامية التي ابتدعوها أو الإعراض عن تدبرها وتفويض هذه الألفاظ إلى باريها. فقلبوا القضية رأساً على عقب، فبدلاً من أن يكون الكتاب والسنة حاكماً أو حاكمين أصبحا محكومين. شفت الإشكال كيف انقلبت الحكاية؟ أن ألفاظهم الحادثة هذي كلياتها هي الأصول، اللي هي البينة الواضحة، طبعا كل واحدة منها الهلست سبع تعاليم مختلفين فيها بينهم وهي واضحة بقل لك.
ولما تيجي على نصوص الصفات وآيات الله سبحانه وتعالى بقول لك إيش؟ هذه متشابهة وظاهرها يفهم التجسيم والتشبيه، فيجب إما أن نأولها وإما أن نفوضها وهيك افتكينا كأنها قضية ورطة، يتعاملون مع نصوص الكتاب والسنة كأنها ورطة يجب الفكاك منها وأن نرد نصوص الكتاب والسنة إلى أصولهم التي تلقوها عن أرسطو باريس. وهل هذا دين من يرضى به الله سبحانه وتعالى؟ هل يعقل أحبابي أن نترك نهج النبي صلى الله عليه وسلم وألفاظ الكتاب والسنة ونعدل عنها إلى ألفاظ المتكلمين لأنها أبين وأوضح؟
أن تتذكروا القاعدة الأولى الآن، قاعدة أن الله ورسوله قد بين مسائل أصول الدين ودلائل أصول الدين بياناً شافياً لا يحتاج بعده إلى بيان. فصدق فيهم وصف الإمام أحمد بن حنبل وهو يصف الفرق الكلامية، لاحظوا الوصف الدقيق من أحمد بن حنبل فرق الكلامية قال: يتكلمون ما به من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم هذا الفرق الكلامية.
يتكلمون إيش قصي بالمتشابه من الكلام، يجي بقول لك جسم وجوهر، وأنت تقول الله في حيز؟ هل تعطي الله حد؟ يعني تعش على نفسك في محاكمة. يتكلمون من الكلام ويخدعون الناس بذلك. فالجهال لما يشوفوا شخص جالس على مكتب زيه وحاطين له كم كتاب أمامه من علم الكلام وبلش يتكلم بالحادث والجسم والجوهر والحيز وبدأ يتكلم بالأعراض وهل تقوم زمانين ولا لا تقوم زمانين والأكوان الأربع؟ بقول لك: أوف أوف أوف.
فهذا واضح أنه قد بقر العلوم، وبيتكلم بكلام كبير. هذا واضح أنه علامة الزمان، ولا يدري المسكين أنها ألفاظ متشابهة هو نفس ليس محققاً لها، وكما قال ابن عقيل ذكرنا في المحاضرة السابقة: يتزينون بشيء لم يعطوه.
تتكلم كلام تظن أن العقيدة عنده مستقرة، وهو في نفسه مائة تشكك وشك في الله. ولو لم يكن عنده مائة شك وشك لما استخدم كل هذه الألفاظ الحادثة وابتدعها. ولكن الله سبحانه وتعالى يعين الناس على الخلاص من مثل هذه الأفكار، فهذه الأفكار هي قاصمة الظهور.
الكتاب والسنة هو الأصل الذي يجب أن تتمسكوا به، وإياكم أن يغركم المتشابه من الكلام وتظنوا أن أصحابه عقلوا شيئاً منه، وإنما هي محارات الأفكار مهارات الأفكار. وأغلب من يتصدر اليوم هم أصلاً مقلدون، ترى لا تفكروا أن اليوم يعني الاقدمون لأنهم كانوا يغوصون يغوصون كانوا في النهاية يعرفون أن عليهم أن يعودوا إلى الخلف ويقولون آآ نسيت بيت الشعر الذي قاله أحدهم أيه؟ نهاية أقدام العقول عقاله، وغاية سعي العالمين ضلال، ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقال.
هذه هي القصة؛ قال فلان وقال فلان وقال الفيلسوف الفلاني، وهجرت معاني الكتاب والسنة، ونعوذ بالله من الخذلان. إذاً، وهذا الكلام المتشابك الذي يخضعون به جهال الناس هو الذي يتضمن الألفاظ المتشابهة المجملة التي يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة.
وتلك الألفاظ تكون موجودة، لاحظوا الآن كلمة جسم، وكلمة حيز، وكلمة حادث، وكلمة جوهر، وكلمة عرض، هل هي موجودة في اللغة العربية؟ موجودة صح، لكن ليست موجودة بالمعاني الحادثة، وإنما موجودة ماذا؟ بالمعاني التي تعرفها العرب منها.
وحتى هذه الألفاظ بعضها مستعمل في آآ الكتاب، فمثلاً: مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ. إذاً، كلمة محدث وحادث قد توجد أصلاً في نصوص الكتاب والسنة، لكنها توجد على أي المعاني؟ المعاني اللغوية وليس في سياق الاعتقاد ولا سياق الاستدلال على الأصول الكبرى.
إذاً، وتلك الألفاظ أي الألفاظ الحادثة المجملة التي ابتدعوها تكون موجودة مستعملة في الكتاب والسنة وفي كلام الناس عموماً، لكن بمعان أخر غير المعاني التي قصدوها هم بها، فيقصدونهم بها معان أخر جديدة. فههنا يحصل الاشتباه في الكلام، أنه أنت لكلمة جوهر لها معنى في اللغة، كلمة حادث لها معنى في اللغة، كلمة حيز لها معنى في اللغة، هم يأتون فيعطونها ايش معنى جديد، زي كلمة التأويل، كلمة التأويل لها معنى في اللغة، وهو ايش؟ التفسير أو معرفة الأمر على حقيقته.
هم المتأخرون وضعوا لها معنى آخر، قالوا: صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى المعنى المرجوح، تمام؟ بدليل فهم هذه مشكلتهم، أنهم يأتون إلى ألفاظ مستعملة في الكتاب والسنة وعلى ألسنة الناس في معان فيعطونها معان أخر جديدة، فلما تدخل المعاني في المعاني يحدث اللبس والاشتباه على عموم المسلمين.
أنه أنت شو قصدت بالجسم؟ ايش قصدت بالحيز؟ هل قصدت المعنى اللغوي ولا المعنى الحادث؟ خذ عاد وادخل في متاهات وفي محارات مع هؤلاء القوم، طيب، فيحصل الاشتباه والإجمال.
ناخذ الآن أمثلة نبدأ نأخذ أمثلة؛ نبدأ بلفظ العقل. لفظ العقل عند الفلاسفة ماذا يقصدون به؟ يقصدون به جوهراً قائماً بنفسه، لفظ العقل عند الفلاسفة يقصدون به هكذا الشيء قائم بنفسه مستقل في الخارج كأنه عين من الأعيان. فالعقل عند الفلاسفة هو جوهر مجرد قائم بنفسه.
وأما العقل المفهوم عند عامة الناس والمراد في القرآن ما هو إلا عرض من الأعراض، وهو غريزة يستعملها الإنسان في التفكير والوصول للنتائج. العرض في كلام الناس هو عرض من الأعراض، صفة من الصفات تمثل الغريزة التي خلقها الله في الكائن البشري من أجل أن يفكر. وأما عند فلاسفة ايش حملوا العرب؟ أو عفواً على ماذا حملوا العقل؟ على جوهر، على نوعين من الأعيان قائمة بنفسها في الخارج.
فأنت لما تروح تقرأ في كلام الفلاسفة الإسلاميين وتقرأ العقل أنت طول بالك بأنه العقل هو العقل، بتكتشف آخر إشي تشه أن العقل عندهم طلع شيء آخر، أنه جوهر قام بنفسه في الخارج والعقل الفعال، وبعد ذلك تبدأ بمتاهات الفلاسفة.
طيب نبدأ في نصوص أخرى، مثلاً اه الآن سأذكر مجموعة من الألفاظ المجملة التي يستعملها المتكلمون وتكثر بينهم، والناس تفهم منها شيئاً وهم يحملونها على معان. من هذه الألفاظ: إذا قال المتكلمون أن الله منزه عن الأعراض، أن الله هذه عبارة منتشرة عندهم أن الله منزه عن ايش؟ عن الأعراض.
الان يقول أبو العباس بن تيمية معلقاً على هذه العبارة: إذا سمعت ظاهرها لم يكن في ظاهر هذه العبارة ما ينكر، لا يوجد في ظاهر هذه العبارة ما يمكن ما ينكر، لأن الناس ببساطتهم يفهمون منها أن الله سبحانه وتعالى منزه عن الاستحالة والفساد، كالأعراض التي تعرض ببني آدم من الأمراض والأسقام. يعني كلمة الأعراض من الأمور العارضة الطارئة، هذا معناها في اللغة، الأمور الطارئة التي تطرأ على البدن السليم فيصبح سقيماً.
فإذا قلت: اللهم منزه عن الأعراض وفهمتها على المعنى اللغوي للأعراض، بتجد المعنى قبول. يعني الله منزه عن الأمور العارضة الطارئة عليه، فلا يمرض ولا يسقم ولا... هل الآن هذا المعنى فيه مشكلة؟ ما عنا مشكلة.
لكن ماذا يقصدون به؟ يقول ابن تيمية: ولا ريب أن الله منزه عن الأمراض والأسقام. ولكن المشكلة أن مقصودهم شيء آخر، ولكن مقصودهم بهذه العبارة المتكلمون: أنه ليس له علم ولا قدرة ولا حياة ولا كلام قائم به ولا غير ذلك من الصفات التي يسمونها أعراضاً.
فالمتكلمون أتوا فسموا كل الصفات أعراضاً، هذا أول ما أحدثه هذا الاصطلاح، مع أنه ليس هذا هو اصطلاح العرب. فالعرب لا تسمى الصفات عموماً الحياة والعلم والمشيئة، لا تسميها أعراضاً. هم المتكلمون اخترعوا هذا الاصطلاح ووضعوه، تمام؟
ثم قالوا: الله منزه عن الأعراض، فماذا قصدوا منزه عن الأعراض؟ عن الصفات. طبعا على اختلاف بينهم؛ فالجهمية والمعتزلة قالوا منزه عن الأعراض عن جميع الصفات ما يثبتون الصفات. وأما الأشاعرة فأثبتوا السبع صفات أو ثمانية على خلاف بينهم ونفوا باقي الصفات، وقالوا الله منزه عن الأعراض وقصدوا بها الصفات التي لم يثبتوها.
فإذاً طلعت عبارة أن الله منزه عن الأعراض لها معان فاسدة، مع أنه لو أنا فكرت فيها بناء المعنى اللغوي لن أجد فيها مشكلة. لكن الاشكال أين حدث يا شيخ بلال؟ أنهم أحدثوا لها معان جديدة ليست هي أصلاً متعارفة عند العرب، وأصبحوا لما يقولون هذه الألفاظ يستعملونها بمعانيها الجديدة، فيحدث اللبس على العوام.
فأنت كعامي لما تقول: الله منزه عن الأعراض، والله حق يا شيخ الله! بينبسط! لكن هو لو فهم ماذا أراد القوم بها؟ نقول: لا، أنا لا أريد هذا المعنى. فكما قال أحمد بن حنبل: يستعملون المتشابه من الكلام تروج هذه الألفاظ على جهال الناس، مع أنهم لو عرفوا لوازمها وما يقصدون بها حقيقة لتبرؤوا منها.
نأخذ مثال آخر؛ يقولون: أن الله ليس بجسم. هذه كثيرة تسمعونها صحيح، أن الله ليس بجسم. الآن أنت لما تسمع هذه العبارة لتحمل الجسم على ماذا؟ على ما على الجسم بالمعنى المتبادر عندنا، على أجسام المخلوقين.
فأنت ستقبل هذه العبارة لو حملتها على المعنى العام اللغوي المشهور بيننا أن الله ليس بجسم، أن الله سبحانه ليس كالمخلوقين. إذا فسرنا الجسم على المعنى اللغوي، الجسم بمعنى البدن الذي فيه خلايا ودماء وأعصاب وما شابه ذلك، فأوهم الناس الآن، أنت لما تسمع أن الله ليس بجسم، فهمسؤهم الناس أن الله أن مرادهم أن الله ليس من جنس المخلوقات، وأنه ليس مثل الأجسام المخلوقة، وهذا المعنى صحيح نحن نتفق عليه.
فأنت لما سمعت أن الله ليس بجسم أنت كعامي توهمت أن قصدك أن الله ليس كالاجسام المخلوقة، وهل هذا المعنى صحيح؟ صحيح، طبعا مئة بالمئة. لكن المشكلة أن مقصودهم بذلك ليس هذا فقط، لكن مقصودهم بأن الله ليس بجسم: أن الله لا يمكن أن ترى بالأعين، وأن الله لا يتكلم ولا تقوم به صفة، ولا هو مباين للخلق منفصل عنهم قائم بنفسه.
آه، هنا دخلنا على معاني فاسدة. إذاً للجسم؛ إذا قصدوا بأن الله ليس بالسماعة إذا قصد المعتزلة بذلك مثلاً أن الله لا يمكن أنرى، وفزدان الآخرة لا ترى الله، لأنه ايش؟ ليس بالاسم. وأن الله لا يتكلم، لأن الكلام من صفات الأجسام. وانتم قلتم قبلتم أن الله ليس بالاسم، وأن الله ليس قائماً بذات بنفسه منفصلة عن المخلوقات.
وإنما على طريقة وتأخير الأشعرية له: داخل العالم ولا خارج العالم. وعلى طريقة الجهمية: أنه والعياذ بالله حال في هذا العالم أو متحد معه، وليس ذات منفصلة قائمة بنفسها مباينة للعالم. وإذا قلتم: لماذا قلتم هذا؟ قال: ألم تقولوا أن الله ليس بجسم؟ هم إذاً قصدوا بأن الله ليس بجسم المعاني الفاسدة.
احنا قلنا لهم: أنتم أوهمتونا كعوام -اعتبروني عامة الآن- أوهمتوني كعامة لما قلتم أن الله ليس بجسم: أن الله ليس كالأجسام المخلوقة، وهذا أنا قبلت منكم، لكن اكتشفت لما دخلت في عباراتكم وحققت ماذا تريدون: أنكم وسعتم الكلام وقصدتم أنه ليس بجسم؛ أنه ليس ذاتاً قائمة بنفسها منفصلة عن المخلوقات، وأنه لا يمكن أن يرى يوم القيامة، وأنه لا يتكلم، وأنه ليس بائناً عن خلقه، وأنه ليس فوق سبع سماوات، وأنه ليس مستوياً على العرش.
فاكتشفت أنه ليس بجسم طلعت كارثة في الاعتقاد! شفتم كيف استعمال المتشابه من الكلام يوقع الإنسان في ورطات؟
طيب، مثلاً قالوا: الله سبحانه وتعالى لا تحله الحوادث. عوام المسلمين لما يسمعوا هذه العبارة منهم ماذا يتوهمون؟ أوهم الناس أن مرادهم بذلك أنه سبحانه لا يكون محلاً للمتغيرات ولا للاستحالات ونحو ذلك من الأحداث التي تحدث للمخلوقين، فتحيلهم من شيء إلى شيء ومن حال إلى حال، والله سبحانه لا يقل عليه هذه الاستحالات.
فكلمة لا تحله الحوادث يمكن للعامي يفهم منها معنى صحيح، وهو ابتداء يقبلها. لكن المشكلة لما نكتشف ما هو المعنى المراد بقولهم بقول المتكلمين أن الله لا تحله الحوادث! ولكن مقصودهم بذلك أنه سبحانه لا يقوم به أي فعل اختياري؛ فهو لا ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، وهو لا يأتي بذاته يوم القيامة ليفصل بين الناس، وهو لا يتكلم وقت ما شاء. وأي فعل اختياري يفعله باختياره نفوه عن الله سبحانه وتعالى.
وأساس نفيهم قولهم: أن الله لا تحله الحوادث. فنقول لهم: إذاً أنتم حملتم الحوادث على معان فاسدة، مع أننا ابتداء أحسنا الظن بجملتكم، فكنا نحملها على معنى صحيح أن الله لا يتغير ولا يأتيه صفة لم تكن قبل متصفاً بها. هل هناك صفة لم تكن لله ثم صارت لله؟ لا نقول هذا، كل صفات الله كان متصفاً بها، لكن منها صفات ذات ومنها صفات اختيارية يفعلها وقت ما يشاء.
فنحن ابتداء توهمنا معنى صحيحاً كعوام، لكننا لما دخلنا في مقصودكم وفي مرادكم: إذا هي معان باطلة ظلمات بعضها فوق بعض.
فإذاً هذه هي جناية الألفاظ المجملة، أنا كل هذا بس حتى أبين لكم ما هي جناية الألفاظ المجملة على مسائل الاعتقاد؟ الله ليس بجسم، الله لا تحله الحوادث، الله منزه عن الأعراض، وغير ذلك وعبارات الجبر كلها عبارات هم البسوها معان جديدة، فأصبح الناس يفهمون شيئاً ومراد المتكلمين شيئاً آخر.
لما يفصح المتكلم عن مراده أنت تأنف عن مراده فتقول: أنا لا أقبل هذا، إذا كنت صحيح الفطرة لم تتلوث بشبهات الفلاسفة والمتكلمين. تمام، واضح الفكرة التي يدندن حولها؟
إذاً، وأما الشرع ها، وأما شرع الله سبحانه وكلام الله وكلام رسوله فليس فيه ذكر هذه الأسماء في حق الله. هل سمعتم آية قرآنية تقول أن الله ليس بجسم كالأجسام؟ باية ولا في حديث. هل في آية أن الله منزه عن الأعراض وأن الله تحله الحوادث؟ ما في شيء، ولا حتى في معنى آية بهذا الأمر تمام.
وأما الشرع فليس فيه ذكر هذه الأسماء في حق الله، لا بنفي ولا باثبات. يعني ما في آية أن الله جسم، وما في آية أن الله ليس بجسم. ما في آية أن الله منزه عن الأعراض وما في آية أن الله تحله الأعراض، لا بنفي ولا إثبات.
ولم ينطق أحد من سلف الأمة ومن أئمتها في حق الله بذلك، لا نفياً ولا إثباتاً. بل قول القائل: أن الله جسم أو ليس بجسم، أو أن الله جوهر أو ليس بجوهر، أو أن الله متحيز أو ليس متحيز، أو أن الله في جهة أو ليس في جهة، أو أن الله تقوم به الأعراض والحوادث لا تقوم به، كل هذه الأقوال محدثة بين أهل الكلام، لم يتكلم السلف والائمة فيها لا بإطلاق ولا بنفي.
بل كانوا ينكرون على أهل الكلام الذين يتكلمون بمثل هذا النوع في حق الله إثباتاً. فأنت إذا استطعت أن تمنع الإطلاق ابتداءً امنعه، وإن هو وضعك في زاوية -وسأتي الآن يعني طريقة مجادلة المتكلمين- وقال لك: لا، لابد تثبت لي هل هو جسم أو ليس بجسم؟ فتقول له: فصل، يعني أنا ابتداءً لا أتعامل مع هاي الألفاظ.
فإن هو أصر ووصلت في المناظرة إلى مقام لابد وأن تبت فيه، فتقول له: فصل مرادك حتى نعرف المعنى الصحيح فنقبله ونعرف المعنى الباطل فنرده. وهذا سيقودني إلى قاعدة ثالثة، وهو موقف طالب العلم من الألفاظ المجملة التي أوردها عليه المتكلمون. هذه قاعدة ثالثة تعتبرها اعتبرها أنت تابعة للقاعدة السابقة، وهي موقف طالب العلم من ماذا؟ من الألفاظ المجملة التي يوردها عليه المتكلمون. فأقول لطالب العلم الذي يسير على خطى أهل الحديث في خطابه مع المتكلمين ثلاثة مواقف.
بحسب رتبته العلمية، ركزوا، هذا التصنيف بحسب ايش يا شيخ حسين؟ أين وصلت في بنائك العلمي؟ الرتبة الأولى: أن يكون الإنسان وطالب العلم في مقام دفع من يلزمه ويأمره ببدعة ويدعوه إليها، أمكنه الاعتصام بالكتاب والسنة وأن يقول: لا أجيبك إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله.
تولح، يعني إذا كنت الآن في موقف المدافع، جاءك شخص من أهل الكلام، قال لك يا شيخ بلال: أنا بدي أجلس معك، بدي أنصحك نصيحة، لأنني أراك يعني قد خالفت منهج أهل الحق كما يقولون. فبدأ هو يغريك بأن تكون ممن يقول: إن الله لا تحلُّه الحوادث، وأن الله منزه عن الأعراض، وإياك أن تظن أن الله مستوٍ على عرشه فوق السماء السابعة، وإياك أن تقول إن الله يُرى يوم القيامة، وإياك أن تقول إن الله يتكلم متى يشاء، فبدأ يستعمل معك الألفاظ.
مجمل، عموماً، بدأ يستعمل معك ألفاظاً مجملة. فأنت الآن في موقف اللي بدك تدافع عن نفسك وما زلت مبتدئاً في طلب العلم، فماذا تقول له؟ تقول له: أنا لا أجيبك إلا بألفاظ في الكتاب والسنة. لا تقولي الله جسم ولا ليس بجسم، دعك من هذه الألفاظ. ألا تقول لي حيز ولا مش حيز، حد ولا لسه مش حد؟ أعطني الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة، حاكمني إليها حتى أفهم مقصدك، دعني من ألفاظ الرازي والجبائي والألفاظ الحادثة التي أنشأتها الفرق الكلامية، وأخبرني عن ألفاظ الكتاب والسنة. فإذا تقول له: لا أجيبك إلا إلى الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا المنهج هو المنهج الذي يجب أن يسلكه الطالب المبتدئ في الدراسة الشرعية، فلا يقحم نفسه في مناظرات ولا يغوص في مصطلحات الكلاميين وهو لا يعرف جذورها ومنطلقاتها الفلسفية وما فيها من وجوه الفساد.
وهنا أنبه طالب العلم المبتدئ على أهمية ألا يتصدر لمجادلة المتكلمين وخاصة الرؤوس منهم قبل أن يتحصرم، لئلا يجني على أهل الحديث وعلى نفسه قبل ذلك، وعليه ألا يترك أذنه تصغي لشبههم خشية أن تعلق في قلبه شبهة يصعب إزالتها. كان هذا منهج السلف عموماً في التعامل مع أهل الأهواء؛ يرفضون الحديث معهم ومجالستهم، بل وبعضهم كان يوضع إصبعيه في أذنيه عند رؤيتهم خشية من وقوع الشبهة، فلا يتجرأ المبتلِ ولا يثق بنفسه زيادة عن اللزوم فيضل ويضل.
إخواني، وهذه رسالة أوجهها لأحبتي المبتدئين في طلب العلم وفي علم الاعتقاد خصوصاً، بعض الشباب تجده في الجامعات وفي الأماكن التي يتصدر فيها مدرسون أهل الكلام، يأتي الطالب الجامعي على طريقة أهل الحديث، يرى المتكلم يتكلم على طريقة الأشاعرة أو الماتريدية، فالطالب يعني يبدأ ها يحترق من داخله فيصدر نفسه للرد على هذا الأستاذ، ويكون الأستاذ جيدا في علم الكلام، والطالب يكون ضعيفا في عقيدة أهل الحديث وفي عقيدة المتكلمين، فيبدأ الأستاذ يحرج الطالب، والطالب لا يحسن الجواب، والطالب يجني على عقيدة أهل الحديث، ويبدأ الطالب يشرق ويغرب.
ففي هذه الحالة كيف سيصبح موقف هذا الطالب أمام زملائه؟ سيصبح الطالب هو الذي لا يفهم العقيدة، وسيجني على نفسه وعلى أهل الحديث عموماً، طبعا خاصة أنهم يعني أن الأستاذ في العادة سيجعل من الطالب أضحوكة؛ هل رأيتم هذا الحديث؟ ها هو، لا يعرفون شيئاً، لا يعرفون المنطق ولا يعرفون الفلسفة ولا يعرف ما معنى الجسم ولا، فيبدأ الأستاذ يتهكم بالطالب، والطالب مسكين ومحرج ما عنده الألفاظ ولا يعرف دلالاتها ولا يعرف كيف يستعملها القوم، فيجني على نفسه وعلى أهل الحديث.
فإياك إياك أن تتصدر لمناقشة أهل الباطل. طيب يا شيخ، هل تنصحني بأن أجلس مع أهل الباطل في مدارسهم؟ والله لا أنصحك بهذا، فإن منهج السلف في كل كتب الاعتقاد: ألا تجالسوا أهل البدع، ولا تصغوا لهم خاصة الطالب المبتدئ، لأنهم يوردون الشبهات، فلعل شبهة تقع في أذنك فتنتقل إلى قلبك فلا تحسن جواباً لها، وكم من طالب علم ضاع وتاه بسبب هذه المجالس! فأنا لما أقرأ في كلام ابن قدامة أنه يحرم النظر في كتب المبتدعة ومجالستهم ويلزم هجرهم، ماذا تفهم من هذا؟ لماذا هم يفعلون ذلك؟ خشية على قلوبهم.
لماذا فيما يذكر الحسن البصري أو أحدهم؟ دخل عليه رجل من أهل الكلام فقال له: أما أن تخرج أنت وأما أن أخرج أنا، يعني واحد منا بده يطلع، لا يمكن أجتمع معك لأن ديني أغلى شيء عليّ، لا يمكن أن أعرضه لك تلعب فيه وتعبث فيه كما شئت، وكلما جاء رجل أجدل من رجل تركت كلام فلان وانتقلت إلى كلام فلان، أنا ديني أهم شيء عندي، فإن تخرج من هذه الدنيا بدين وعقيدة صحيحة تلقى بها الله سبحانه والله خير من أن تطلب العلم عند أناس يعبثون بعقيدتك، فتجد نفسك ضبطت النحو والأصول واللغة وشيئاً من الفقه، ولكنك خسرت ماذا؟ خسرت عقيدتك.
لا، خلك بسيط جاهل في النحو وجاهل في الفقه تفاصيله طبعا، وجاهل بتفاصيل أصول الفقه، وتخرج بعقيدة سليمة أهون لك عند الله سبحانه وتعالى من أن تخرج بعقيدة محرفة ومنهج محرف. إذاً، هذا بالنسبة للطالب المبتدئ، لا لا يدخل ولا يقحم نفسه في ألفاظ المتكلمين، وإن جاءه من يجادله فبماذا يجيب الشيخ بلال؟ لا أجيبك إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله.
وأما إذا كان الإنسان في مقام الدعوة لغيره، آه العكس، إذا كان طالب علم متوسط يريد أن يدعو غيره من أحبابه ومن أصدقائه لمنهج أهل الحديث ويبينه لهم، أو كان في مقام النظر هو عم ينظر بنفسه وحده مع وحده في كتب أهل العلم، إذا كان الإنسان في مقام الدعوة لغيره والبيان له، أو في مقام النظر مع نفسه وفي مقام البحث عن الأدلة، عليه أيضاً أن يعتصم بالكتاب والسنة ويدعو إلى ذلك، وله أن يتكلم مع ذلك ويبين الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال الأقيسة العقلية والأمثال المضروبة على طريقة الكتاب والسنة.
يعني إذا كان عنده طالب علم جيد متوسط وأراد أن يدعو غيره لمنهج أهل الحق، فعليه أولاً أن يعتصم بالكتاب والسنة، لكن مع ذلك عليه أن يضيف ايش؟ أن يعمل عقله بأقيسة عقلية وبراهين وأمثال مضروبة على طريقة الكتاب والسنة، وليس على طريقة الأقيسة العقلية والبراهين المتكلفة على منهج فلاسفة اليونان، فانه من تشبع بهذا المنهج في الأدلة العقلية سيعرف من أين تؤخذ الكتف في هذا الباب، وما طبيعة الأدلة العقلية المقبولة وما الأدلة العقلية المتكلفة الممجوجة التي لا ينبغي الاتيان بها.
فهذه طريقة الكتاب والسنة وسلف الأمة؛ أنهم يستعملون ألفاظاً واضحة، ومع ذلك أيضاً يستعملون ايش؟ الأدلة العقلية، لأنه البعض يقول إن أهل الحديث لا يعرفون شيئاً في الأدلة العقلية، وهذه جناية. عدا الكتاب والسنة، في المحاضرة السابقة وقبلها بينت لكم أن القرآن ينضح بالأقيسة العقلية لمن تدبر وتأمل، وكذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك سيرة السلف، لكنها ليست على طريقتكم، أنتم بدكم أدلة عقلية على طريقتكم؟ لأ، عند هناك منهج قرآني واضح في الأدلة العقلية. نعم، القرآن يستعمل القياس الاستثنائي وغيرها من الأقيسة التي تتفق عليها العقلاء وتوجد حتى في المنطق اليوناني، لكن الطريقة التي يستعمل فيها القرآن هذه الأقيسة هي مثلاً طريقة قياس الأولى.
فالقرآن يستعمل القياس الاقتراني وقياس التمثيل لكن على طريقة قياس الأولى، وهو أن كل كمال مطلق مثلاً ثبت للمخلوق فالله أولى به، هذا قياس الأولى وعلى ذلك فقس، فهناك أسلوب معين. أنا طبعا لسا ما أدخلتكم في هذا الباب، لعلها في دورة أخرى متقدمة إن شاء الله في المستوى الرابع نبدأ ننظر ونفهم المنهج القرآني بالتفصيل في استخدام المناهج العقلية، لكن أنا سأركز الآن على الخطوط العريضة في هذا الباب.
فأقول: إذاً، على الطالب الذي هو في مقام الدعوة لغيره أو في مقام النظر مع نفسه في كتب أهل العلم أن يعتمد نصوص الكتاب والسنة، ويعتمد أيضاً ايش يا شيخ حسين؟ الأمثلة الأقيسة العقلية، الأمثال المضروبة، لكن على الطريقة الإيش؟ الطريقة القرآنية، ويفهم منهج أهل السنة المتقدمين من السلف في طريقة استخدام الحجاج العقلي، ويبتعد عن وراثة أسلوب فلسفة اليونان.
آآ طبعا فلسفة اليونان هل كلها خطأ أحبابي؟ في الحقيقة لا، ليس الكل خطأ، لكن نحن نتكلم عمن ورث علم الفلسفة اليونانية في الإلهيات وأصبح يستخدم أقيستهم العقلية التي أوردوها في علم الإلهيات، لكن هناك جوانب صحيحة يمكن الاستفاد منها؟ نعم يمكن، لكن الحمد لله في نصوص الكتاب والسنة ما يدل عليها وزيادة، هذا هو المقصد.
طيب، هذه طريقة الكتاب والسنة وسلف الأمة، فإن الله سبحانه وتعالى ضرب الأمثال في كتابه، فالأمثال المضروبة في القرآن: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا، ضرب الله مثلا، هذه عبارة عن أقيسة، هذه عبارة عن أقيسة، فإن الله ضرب الأمثال في كتابه وبين بالبراهين العقلية. يعني مثلاً: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا. الآن هذا عبارة عن دليل عقلي يبين حالة الإنسان الذي فيه شركاء متشاكسون، والرجل الذي هو سلم لرجل لا يشرك معه غيره، فبين هل يستوي هذا مع هذا؟ بالتأكيد لا.
عقلي بس شعرت كم هو بسيط واضح وخفيف، ما فش فيه ثقل ونصف ساعة وساعتين وثلاث ساعات وأنا بحاول أفهم ايش معنى الألفاظ لسا قبل ما أدخل في المعاني؟ هذا الذي نريده؛ العقيدة الإسلامية بسيطة، لكن لكثرة الأيدي التي عبثت بها توسع الخط، ولا العقيدة بسيطة سهلة كان يؤمن بها الأعرابي في البوادي، وجاء من أجلها الصحابة ففتحوا بها فارس والروم، وفتحوا بها الأندلس، وعشنا في الهند والسند الحمد لله بعقيدة لا فيها جوهر ولا جسم ولا عرض ولا شيء من هذه الأمور.
طيب ايش اللي أدخلها هذه؟ هذا الذي أفسد الأمر، وإلا الحمد لله كانت الأمور سليمة وفتحنا الهند والسند والأندلس من دون الحاجة إليها، ووصلنا آية كما قالوا إلى مآذن باريس، لكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. إذاً، فهذه طريقة الكتاب والسنة وسلف الأمة، فإن الله سبحانه ضرب الأمثال في كتابه، وبين البراهين العقلية لتوحيده وعلى صدق رسوله كما بين في المحاضرة السابقة بالميعاد وغير ذلك، بينها في أصول وغير ذلك من أصول الدين، بينها بياناً شافياً وأجاب عن معارضة المشركين، وكما قال سبحانه وتعالى: وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ أي المشركون إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا.
وكذلك السلف؛ فروي عن ابن عباس أنه لما أخبر بالرؤية عفواً، أنه لما أخبر بالرؤية أن الله يُرى يوم القيامة ويُرى في جنات النعيم، عارضه سائل فقال له: كيف يا ابن عباس الله يُرى وهو سبحانه وتعالى القائل: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ؟ فلاحظوا كيف ابن عباس استخدم حجاجاً عقلياً واضحاً سهلاً.
فقال ابن عباس لهذا السائل: ألا ترى السماء؟ ألا ترى السماء؟ فماذا قال السائل؟ بلى السماء أراها. فقال له ابن عباس: أتراها كلها؟ أنت شايف كل أطراف السماء؟ فقال له: لا. فبين له ابن عباس أن نفي الإدراك شيء وأن نفي الرؤيا شيء آخر، الله عز وجل ما قال لا أرى في الآخرة ولا أرى أبصاراً، وإنما قال ايش؟ لَا تُدْرِكُهُ، فنفى أن تحيط به الأبصار، لكنه لم ينف أن يُرى بالأبصار.
بالتالي لاحظوا المنطق في كلام ابن عباس، قال للرجل: شف القياس، هل ترى السماء؟ فأيش قال الرجل؟ آه نعم أراها. طيب، هل أحط بها وأدركتها كاملاً؟ قال: لا. فقال: إذاً هناك مخلوق أنت لا تدركه بالكلية، لكنك لا تدركه يعني لا تحيط به، لكنك استطعت أن تراه. وكذلك الله قال: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ، وجاء في الأحاديث المتواترة أنه يُرى في الآخرة، فنفى الإدراك يعني أن يحاط به، ولكنه لم يمنع أن يُرى. استعمل حجاجاً عقلياً بسيتاً واضحاً ألزم به الرجل، صحيح؟
طيب، آآ كذلك ننظر للإامام احمد كيف يستعمل الحجاج الآخر؟ أنا بدي أفهمكم كيف أن السلف استعملوا الحجاج العقلي، لكن حجاجاً عقلياً على منهج الكتاب والسنة. الإمام أحمد بن حنبل في رده على الجهمية لما بين دلالة القرآن على علوه سبحانه وتعالى فوق خلقه واستوائه على عرشه وانه مع ذلك عالم بكل التفاصيل التي تحدث في هذا العالم، كما دل على ذلك قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا. لاحظوا الآية ما أجملها! استوى على العرش ثم قال: ومع استوائه على العرش يعلم ما يرد في الأرض، يعني ما يدخل داخل الأرض مع أنه مستوٍ على العرش جل في علاه. فهمتم جمالية الآية هنا؟ أنا بتكلم فقط يعني استطراداً جمالية الآية.
هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على عرش، ثم استوى على العرش سبحانه، ومع استواء على العرش هل هذا أبعده عن أن يعلم ما يلج في داخل وباطن الأرض؟ حاشاه سبحانه، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، فبين أن المراد بقوله وهو معكم هنا موتري الشاهد، ما معنى وهو معكم أينما كنتم؟ الجهمية على ماذا حملوها؟ أن الله معنا في كل مكان، أن الله يحل في كل أماكن العالم وليس فوق سبع سماوات.
أحمد بن حنبل أراد أن يرد على الجهمية في هذا الفهم، فبين أحمد بن حنبل أن المراد بذكر المعية في قوله: وهو معكم، أي أنه ليس المراد أنه بذاته حال في كل العالم، بل هو معنا بعلمه، وهو معكم أي أنه عالم بكم، كما افتتح الآية بالعلم ختمها بالعلم، وبين سبحانه أنه مع علوه على العرش يعلم.
الخلق عاملون، كما جاء في حديث العباس بن عبد المطلب، الذي رواه أبو داود وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم: والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه. فبيّن الإمام أحمد الآن إمكان ذلك بالاعتبار العقلي. الآن أحمد بن حنبل بدو يبين لهذا الجهمي أنه إمكانية أن يكون الله فوق عرشه، فوق سبع سماوات، ومع ذلك يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها. بيّن له ذلك من خلال استخدام أدلة عقلية تقرب له المعنى.
فضرب له مثلا، ضرب أحمد للجهمي كم مثل؟ مثلين، ولله المثل الأعلى. قال له الإمام أحمد: لو أن رجلا في يده قارورة فيها ماء صاف، قارورة زجاج فيها ماء صاف، لكان بصره قد أحاط بما فيها، مع أنه مباين لها، فلله المثل الأعلى؛ قد أحاط بصره بخلقه، وهو بائن عنهم، مستوٍ على عرشه. فهمتم كلام أحمد بن حنبل؟ بقول لك: لو عندك قارورة زجاجية فيها ماء صافي، هل أنت سترى ما في الماء الصافي؟ ما في داخل هذه القارورة، وتكون عالم به تماما، مع أنك لست مخالطا لهذه القارورة، ولست مخالطا للماء، وأنت بائن عنه، أليس كذلك؟ قال: فلله المثل الأعلى، إذا كان هذا في المخلوقات متصور، ألا يتصور أن يكون الله فوق سبع سماوات، ومع ذلك مبصر لجميع مخلوقاته، عالم بتفاصيلهم؟ في كيس القياس العقلي بكل بساطة، كيف؟ هذا المثل الأول.
المثل الثاني: لو أن رجلا بنى دارا، لكان مع خروجه عنها يعلم ما فيها، فرضا قال له: أنا بنيت دار، وحطيت كل إشي في مكان، وطلعت عنها، هل أنا أكون عالم بكل ما في هذه الدار؟ أكون عالما بكل ما فيها الدار؟ طبعا هذا مثل تقريبي والله المثل الأعلى. فالله خلق هذا العالم ووضع كل شيء في مكانه الذي يعلمه، فهو عالم ما وضع في مملكته، وهو ليس مجرد عالم، بل هو للمثل الأعلى، بل هو يرى أيضا علاوة على ذلك كل ما في مملكته. فهو عالم، وهو راعٍ له أيضا، لكن الكلام ما كان عن الرؤية، كان عن العلم، فلذلك اقتصر على جزئية العلم أحمد بن حنبل رحمة الله تعالى عليه.
تمام، إذن هذا الذي سردته إنما مقصدي في أن أتبين أنه من يقول إن السلف لم يكونوا يستعملون الأدلة العقلية، هذا لم يقرأ شيئا، هذا لم يقرأ شيء. فأنا أتيت لكم عن صحابة، عن ابن عباس، استعمال الأدلة العقلية في مسائل التوحيد، وأتيتكم باحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة، وأعظم من رد من أئمة السلف على المبتدعة، واستعمل الأدلة العقلية. فبالتالي اقرؤوا كتاب رد أحمد بن حنبل على الجهمية والزنادقة، وستجدون أحمد بن حنبل مليء جدا كلامه بالأدلة العقلية التي تدل على عبقرية فذة جدا.
لكن هل احتاج أحمد بن حنبل أن يستعمل المقدمة الأولى والمقدمة الثانية والحد الأوسط والحد الأصغر؟ هل احتاج أحمد بن حنبل أن يستعمل لفظة الجسم والجوهر؟ يعني ما ببط الدليل العقلي معكم حتى نستعمل جسم وْجوهر وحيّز وغير ذلك من الألفاظ التي تأتون بها، ما بنفع؟ لا بنفع، استعمل دليل عقلي فش فيه تكقف. لاحظوا أنكم أنتم أنفسكم فهمتم الدليل العقلي ببساطة.
لكن لو أعطيتك بدليل عقلي يذكره الرازي في تأسيس التقديس ولا في غيرها من الكلام، ستجدون أكثر، ما بدي أقول كل، أكثر الأدلة العقلية فيها تكلف ظاهر، وعبارات مجملة، وكلام يحتاج إلى شروح. وهل يعقل أن تكون العقيدة الإسلامية التي أنزلها الله ليؤمن بها الناس، ليؤمن بها النساء والأطفال والرجال، هل يعقل أن تكون بهذا التعقيد وبهذه الصورة التي فيها تداخل في المصطلحات وفلسفات، ونحتاج أن نعرف المصطلح الفلسفي والمنطقي قبل أن أدخل في كلام السنوسية وفي هكذا تدرس العقيدة أحباب الله؟
والمهم، إذن هذا المأذن، هذا هو المسلك الثاني أو الموقف الثاني لطالب العلم، وهذا لطالب العلم المتوسط. إذا كان في مقام الدعوة لغيره أو النظر بنفسه في الكتب، فعليه أن يعتمد على الكتاب والسنة، ويستعمل الأدلة العقلية الواضحة البينة على منهج الكتاب والسنة.
طيب، الموقف الثالث، وهو إذا كان المتكلم في مقام الإجابة لمن عارضه بالعقل، وادعى أن العقل يعارض النصوص، فإنه حينئذ قد يحتاج إلى حل شبهة هذا المستفسر وهذا المخاصم، وأن يبين البطلان، وهو مقام المناظرة. طب مين اللي بتصدر لمقام المناظرة؟ هل طالب العلم المبتدأ يا قصي؟ المتوسط يا شيخ بلال؟ المنتهي مقام المناظرة. اكتبوا هذا: مقام الطالب المنتهي، وهذا للطالب المنتهي المتمكن في عقيدة أهل السنة، وعلى دراية عالية بطرائق المتكلمين.
إذا اخذ المتكلم يذكر ألفاظا مجملة، مثل أن يقول له المتكلم الآن، بيقول لهذا الطالب المناظر له من أهل السنة: لو كان الله فوق العرش لكان جسما، أو لكان مركبا، وهو منزه عن ذلك. ولو كان له علم وقدرة لكان جسما، ولكان مركبا، وهو منزه عن ذلك. ولو أنه خلق واستوى وأتى لكانت تحله الحوادث، لو أن الله يخلق وقت ما يشاء، ويأتي وقت ما يشاء، وينزل وقت ما يشاء، لكانت تحله الحوادث وتقوم به، وهو منزه عن قيام الحوادث به. ولو قامت به الصفات لحلته الأعراض، وهو منزه عن ذلك.
يعني المتكلم بلش يطرح شبهات، وأنت كمناظر له من أهل السنة بدك تجاوب عن هذه الشبهات. طبعا لاحظ المتكلم ايش الألفاظ اللي استعملها؟ ألفاظ حوادث، أن الله منزه عن الأعراض، أن الله لو كان كذا لكان جسما، أن الله لو كان فوق سبع سماوات لكان في حيز، وهكذا من العبارات المجملة.
فهنا المناظر ماذا يفعل؟ طالب العلم المنتهي الذي تصدى لمناظرة هذا المتكلم، هل يقبل الجواب المباشر عن هذه الجمل؟ كلا، فهنا يستفصل الطالب المنتهي، ويقول له: ماذا تريد بأنه لكان جسما؟ ماذا تريد بالجسمية؟ وماذا تريد بالحوادث؟ وماذا تريد بالأعراض؟ وماذا تريد بالجهة؟ وماذا تريد بالحيز؟ فإذا أراد بها حقا وباطلا، الآن المتكلم الأصل يجيب، بين لي يا عمي بدي استفسر.
طيب، فإذا أراد بها المتكلم حقا وباطلا، فالطالب يبين له الحق ويقبله، ويبين له الباطل ويرده. مثال أن يقول له: أنا أريد، ترى الطالب قال لهذا المتكلم: ماذا قصدت بأنه لو كان فوق العرش استوى لكان جسما؟ فقال: ماذا اردت بالجسم؟ الطالب قال للمتكلم: ماذا اردت بأيش بالجسم؟ فقال له المتكلم: أنا أريد بنفي الجسم في قوله إنه ليس بجسم أن أنفي وجود ذات قائمة بنفسها، وأن أنفي أن يكون سبحانه مركبا. ذكر معنيين لنفي الجسمية: أن يكون ايش؟ أن أنفي أن أكون قائما بنفسه، بائنا عن خلقه، وأنفي أن يكون مركبا. هذا مرادي بنفي الجسمية، قصد ايش؟ معنيين.
قصد أن ينفي أن الله قائم بذاته جل في علاه، منفصل عن الخلق بائن عنهم. وقصد أيضا معنى آخر، وهو أنه ليس مركب. فيقول له الطالب الذي يسير على طريقة أهل الحديث: أما قولك إنه سبحانه ليس قائما بنفسه منفصلا عن خلقه، فهذا معنى باطل لا أقبله. بل هو سبحانه قائم بذاته، كائن منفصل عن مخلوقاته، وهو فوقهم فوق سبع سماوات، فهذا المعنى لا أقبله منك.
وأما أنه ليس مركبا، وهذا المعنى الثاني الذي قصدته، فانا أوافقك عليه، وهو أنه سبحانه لا يدخله التركيب، لأن المركب يحتاج إلى مركب، وهذا معناه أنه سبحانه مفتقر إلى غيره، حاشاه جل في علاه. فلاحظ كيف المعنى الباطل ايش عملت فيه؟ نفيته. والمعنى الصحيح قبلته، وهذه ثمرة التفصيل الجيد.
وأما ما يفعله بعض الطلاب المتهورون من أهل الحديث، القبول مطلقا أو النفي مطلقا، فهذا في الحقيقة يوقعك في إشكالات وفي إحراجات وفي جناية على عقيدة أهل الحديث بسبب عدم فهمك ما الذي قصده المتكلم من اصطلاحه.
إذا فنقول: هو قائم بنفسه، وله صفات قائمة به، وهو منفصل عن مخلوقاته، وأنت سميت هذا تجسيما، يعني أنت جعلت أنه قائم بنفسه بائن عن مخلوقاته، سميت هذا ايش؟ تجسيم، ورميت لأنه مجسمة، بنقول له: هذا شأنك، أن نثبت أنه سبحانه قائم بنفسه، ذات مستقلة غنية قائمة بنفسها، منفصلة عن مخلوقاتها، هذا شيء نثبت، بل لا يتصور الإله إلا هذا، وهذا من الكمال، أنت سميته تجسيم، هذه مشكلتك، لا اتحاكم معك إلى هذا اللفظ.
آه، إذا أنت تقبل أنك مجسم؟ أقول: لا. طيب، تكره إذن أن تستعمل لفظ الجسم في الله؟ بقول لك: برضه لا، لأنه هو لم يستعمل هذا في حق نفسه. فانا أثبت المعنى الحق، لكنني مع ذلك لن أستعمل اللفظ الذي أنت أتيت به، لأن الله لم يستعمله، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يستعمله. شفت كيف تناقش؟ أنه لا تقبل اللفظ الباطل أصلا، لكن استفسر عن المعاني، وأثبت المعاني الحقة، وردها إلى ألفاظ الكتاب والسنة، وانفِ المعاني الباطلة ولا أقبلها مطلقا، وأنت سميتها تجسيما، فلم يجز أن أدع الحق الذي دل عليه الصحيح والمنقول وصريح المعقول لأجل تسميتك أنت له بهذا. ما هو هو فعليا لما سماك مجسم أنت تنفر، لا لا أنا مش مجسم.
طبعا، طب ايش قصدت بالتجسيم؟ تعالوا، يعني أنت إذا أثبت أن الله سبحانه فوق سبع سماوات مستو على عرشه صرت مجسم؟ هو بدو إياك تنفر من هذا المعنى، فتقول له: أنا لست مجسما، لكن ما الذي تريده بالتجسيم؟ أنا لست مجسما، لأن هذه اللفظة لم ترد في الكتاب والسنة، فانا لا أستعملها، ما الذي قصدت بالتجسيم؟ إذا قصدت أنه ليس مستو على عرشه وليس ذاتا قائمة، فانا أرفض كلامك، بل هو مستو على عرشه، ذات قائمة منفردة بائنة عن المخلوقات، أنت سميت هذه مشكلتك، ولكني أنا لا أقر على نفسي بأني مجسم، وإنما أقر على نفسي بأني ايش؟ مثبت لذات مستقلة مستوية فوق عرشها، كما أخبر عن نفسه، فوق سبع سماوات، هاي الألفاظ بستعملها لأنها ألفاظ الكتاب والسنة، أنت ألفاظك دبر حالك معها.
آه، أنا لست ملزما أن اتحاكم إلى ألفاظك، وأما أن يكون مركبا فانا اتفق معك في منع ذلك عن الإله. ويعني انتهت القضية إلى هنا، ثم ساختم بهذه الفائدة، كم ذهب من الوقت؟ ساعة ونص. خلص هذه فائدة أختم بها إن شاء الله. ثم على المتصدر، هذه فائدة ختامية، ثم على المتصدر للمناظرة مع المتكلمين أن يحرص على تحقيق أربع جهات في المناظرة، هذا كلام أختم به لمن تصدر للمناظرة مع المتكلمين، عليك أن تتأكد من أنك حققت أربع أمور يا شيخ قصي.
الأمر الأول: عليك أن تبين أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إما معلوم بالضرورة من دينه، أو معلوم بالأدلة النظرية اليقينية. وحينئذ فلا يمكن مع تصديق الرسول أن نخالف ذلك، وهذا ينتفع به كل من كان مؤمنا بالرسول إيمانا حقا من المخالف. دين، أعيد الأمر الأول في المناظرة: عليك أن تبين أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في مسائل الاعتقاد معلوم بالضرورة من الدين، نُقل نقلا أصبح معلوما بالدين والضرورة، أو لو لم يبلغ مرتبة الضرورة لكنه معلوم بالأدلة اليقينية، وحينئذ لا يمكن مع تصديق الرسول أن نخالف ذلك، فأرده إلى الرسول أولا، طبعا هذا ينتفع به من كان منهم عنده مقام عالي للنبي صلى الله عليه وسلم في قلبه.
ثانيا: عليك أن تبين لهم أن المعقول الصريح يوافق ما جاءت به الرسل ولا يناقضه، بدك تبين هاي الجزئية حتى تكون متمكن، أن تبين لهم أن المعقولات الصريحة هي مع النقولات الصحيحة ومع ما جاء به الرسول ولا يناقضه. طبعا يبين ذلك إما بأن ذلك معلوم بالضرورة من العقل، وإما بأنه معلوم بالنظر، وهذا أقطع لحجة المنازع مطلقا. سواء مطلقا يعني سواء، سواء كان هذا المنازع في ريب من الإيمان بالرسول وبأنه أخبر بذلك أو لم يكن في ريب، فإن يقول ابن تيمية: فإن هؤلاء المعارضين من المتكلمين منهم خلق كثير في قلوبهم ريب من نفس الإيمان بالرسالة النبوية.
بعضهم، طبعا هذا فيه أصلا هو قلبه لم يهدأ بعد للإيمان بكلام النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا كان إذا عندك شخص متكلم، سواء كان مطمئنا لكلام الرسول أو ليس مطمئنا، عليك دائما أن تبين هذا المأخذ، ما هو؟ أن تبين له بالعقل والمنطق أن المعقولات الصريحة وأن طريقة تفكير الناس السليمة تتوافق مع ما جاءت به النقول في الكتاب والسنة ولا تخالف ذلك.
تمام، إذن الأمر الأول: ما الذي تبينه يا شيخ حسين؟ أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معلوم من الدين بالضرورة أو بالأدلة اليقينية. ثم تبين له أن ما يفكر به الناس بشكل سليم في الأمور الإلهية هو موافق مائة بالمائة لما جاءت به الرسل، ولا يمكن أن يكون مخالفا، أن ما يفكر به الناس في الأمور الإلهية وما يتصورونه بالعقول السليمة الصحيحة، وليس بالعقول الملوثة بكلام فلسفة فلاسفة اليونان، أن العقول الصريحة السليمة طريقتها في التفكير توافق ما جاءت به الرسل ولا تناقضه، لو أنها استعملت استعمالا صحيحا.
بعد ذلك عليه أن نبين للمتكلمين أنه متمكن، أو أن هناك إمكانية للاستغناء عن طرائقهم في الوصول إلى ما أثبتوه مما هو حق، لو سلمنا أنها موصلة بعد طول العناء. ايش يعني هذا الكلام؟ عليك في مجادلتك لما المتكلم يورد عليك أدلة في إثبات مثلا وجود الله، أو في إثبات الربوبية أو الألوهية، عليك أن تحرص أن تبين للمتكلم ايش
أن هناك مئة طريق وطريق لإثبات وجود الله ولإثبات توحيده وربوبيته، وليس الأمر منحصرا بالطريق التي تزعم أنت أنها طريق، لأنه متكلم كثير منهم يريدون أن يحصروا الأمر في دائرة أدلتهم. أنه دليل، بعضهم قال، وهذا أظن الجبيني قاله، قال دليل الحدوث هو الدليل الوحيد لإثبات وجوده.
فتصور ما في دليل آخر، مع أنه دليل عليه مية علامة استفهام يقول لك دليل الحدوث هو الدليل الوحيد على إثبات وجود الله. فأنت إيش وظيفتك تعمل؟ أن تبين له أن هناك مئة دليل ودليل لإثبات وجود الله، وأنني أنا استطيع أن استغني عن أدلتك لو فرضا سلمت أن أدلتك صحيحة، لو فرضا سلمت أنه أدلتك صحيحة من باب القوة العلمية وإظهار متانة عقيدة أهل الحديث أن تبين له إمكان أن استغني عن أدلتك وأستدل بأدلة خاصة به.
رابعا وأخيرا، عليه أن يبين فساد ما دعوه معارضا للرسول صلى الله عليه وسلم من عقلياتهم، عليك أن تبين لهم في المقام الرابع أن ما ادعيتم أنه مخالف لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم من العقليات أن هذه العقليات لا شك وأنها فاسدة. فهم يدعون أن هناك عقليات وصلوا إليها بعد طول الاستدلال تعارض ظاهر الكتاب والسنة، فعلينا أن نأول ظاهر الكتاب والسنة أو نفوضه. فأنت إيش بتبين لهم؟ أن هاي العقليات اللي زعمتم أنها معارضة لظاهر الكتاب والسنة هي إيش؟ هي فاسدة أصالة.
فهذه أمور أربعة ينصح أن يتسم بها المناضل لأهل الكلام. أولا: أن يبين أن ما جاء به الرسول في مسائل أصول الدين ودلائل أصول الدين معلوم بالضرورة أو معلوم من الأدلة اليقينية.
ثانيا: عليه أن يبين لهم أن المعقول الصحيح الصريح الذي يفكر به الإنسان يوافق المنقول عن الأنبياء.
ثالثا: عليه أن يبين لهم أن هناك مئة طريق وطريق يمكن أن يستعمله، وليس الحق في الطرق التي استعملوها لو ثبت أنها حق طرقهم.
رابعا: عليه أن يبين فساد ما دعوه من العقليات معارضا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.
وهكذا نكون انتهينا من هذا، وإن شاء الله في المحاضرة القادمة نشرع في أول جمل أبي جعفر الطحاوي رحمه الله عليه في عقيدته. وهذا نهاية المجلس، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل