تسجيل الدخول

شرح العقيدة الطحاوية (7) / أدلة معرفة الله والتوحبد، دليل الفطرة (1)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

أهلاً أحبائي إلى مجلس جديد من تعليقنا على العقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر الطحاوي رحمة الله تعالى عليه، وقبل أن نشرع في محاضرة اليوم أريد أن أتكلم بخاطرة مختصرة تتعلق بالطالب الذي يكمل الطريق في طلب العلم.

أحبابي الكرام، باختصار، من طلب العلم ليباهي به السفهاء وليجاري به العلماء وليصرف به وجوه الناس إليه، فهذا قل أن يستمر في طلب العلم، وإن استمر في طلب العلم كان له العلم فتنة. كثير من الناس يقولون: يا شيخ، نحن شرعنا في طلب العلم ولا نجد جلداً على التعلم ولا صبراً على المجالس، ما هو السبب؟ أحبابي، أحياناً أقول أحياناً بل كثيراً ما يكون السبب يعود إلى نية الطالب في طلب العلم.

يكون هذا الطالب شرع في هذا العلم شعر أنه يمكن أن يحصل به مجداً أو أن يباهي به أمام أقرانه، أو أن يسمع في يوم من الأيام شيخاً له حضور وله مجالس تعقد وله أناس بين يديه، فإذا ما بدأ يشعر بحرارة الطريق بدأ الفتور يتسرب إليه وبدأ يشعر بأن هذا الطريق لا ينال فيه المجد إلا صعوبات فينصرف عن العلم. بالمقابل، من طلب هذا العلم ليررفع الجهل عن نفسه، من طلب هذا العلم لينور له في قبره، من طلب هذا العلم ليفرح إذا خاطبه الله سبحانه وتعالى يوم القيامة عن عمره فيما أفناه، من طلب هذا العلم ليجتاز به الصراط، من طلب هذا العلم ليدخل في جنات النعيم، فهذا قل أن ينقطع. من كانت نيته في طلب العلم إحدى هذه النيات فهذا قل أن ينقطع. لماذا ينقطع وهو يطلب العلم بنية أن يفسح له في قبره إذا نزل به؟ لماذا يترك طلب العلم إذا هو همه ودأبه أنه إذا لقي مولاه سبحانه وتعالى يفرح ويباهي أنه أفنى ساعات العمر بالدراسة والتحصين والحفظ لهذا الدين؟ لماذا يحزن أو لماذا يفتر؟ أو لماذا يترك طلب العلم إذا هو طلبه بنية أن يجتاز عن الصراط فوق جهنم؟

نعم، بالله عليكم، هل من كانت هذه نيته ومن كان الله سبحانه وتعالى نصب عينيه هل يمكن أن يترك طلب العلم على ما يجده من مرارة؟ فأكثر الأسباب التي تجعل الإنسان ينقطع عن العلم صدقوني هي النيات والبواعث وليس أن هذا العلم صعب. صدقوني أن العلم الشرعي إذا أتقن الطالب أخذه وعرف عمن يأخذه فإنه سهل ميسر بإذن الله. والله عز وجل يقول مخبراً عن كتابه: بحر العلوم. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ من مُّدَّكِرٍ.

لكن إذاً أين المشكلة التي تسبب الفتور والإنقطاع والملل وكثرة القفز من مرحلة إلى أخرى وعدم إكمال البرامج العلمية؟ ما سببها؟ هي ضعف الباعث أو خطأ الباعث. فكثير من الطلبة إنما يدخل في هذا العلم كما قلت لكم للذة يريد أن يصيبها من لذات الحياة الدنيا، أو لأنه وجد شيخاً وقوراً طلبه فأحب أن يصبح مثله في الهيئة يرتاده الناس ويقبلون رأسه وأن يشار إليه وأن يذكر وأن يصبح له مصنفات يباهي يجاري يربي به، فمثل هذا لما يبدأ كما قلت بالطلب حقاً ويبدأ يشعر بمرارة الطريق هو لا يملك من الوقود ما يسعفه لأن يكمل المشوار.

طويل والرحلة فيها صعوبات، أكيد أحبابي الكرام هذا العلم لا ينال براحة الجسد، هناك سهر الليالي وظمأ الهواجر، هناك تعب الأيام والليالي، هناك الجلوس ومكابدة طول، هناك التفحيص والتحليل للمسائل. ما الذي سيصبرك على هذا؟ إذا جعلت العلم بهذه النيات والبواعث الصادقة سبيلاً لمرضاة الله عز وجل، سبيلاً لينور لك في القبر، سبيلاً للمرور على صراط الله سبحانه، سبيلاً للسعادة في جنات النعيم. هنا لو انصرف الناس كلهم عن سوق العلم ستبقى ثابتاً. لو ترك الناس كلهم هذا ستبقى وحدك. لن تشعر بالوحشة ولن تشعر بالفقد لأنك عرفت الغاية والهدف التي من أجلها شرعت في هذا الطريق.

فنسأل الله سبحانه وتعالى لنا الثبات وأن يصحح نياتنا وبواعثنا، ونعوذ بالله سبحانه وتعالى أن يصرفنا عن العلم وأن يشغلنا بشواغل الحياة الدنيا فإن هذا هو الحرمان عافاني الله وإياكم منه.

نعود إلى ما نحن فيه من التعليق على العقيدة الطحاوية وما زلنا مع المقطع الأول الذي سنعيش معه مجموعة من الدروس الذي قال فيه الإمام الطحاوي: نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله أن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه ولا إله غيره قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء لا يفنى ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد. لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام ولا يشبه الأنام حي لا يموت قيوم لا ينام خالق بلا حاجة رازق بلا مؤنة مميت بلا مخافة باعث بلا مشقة.

وبينا في المحاضرة السابقة أن هذا المقطع في جله يتكلم عن المسألة الأصيلة والمطلب العالي وهو مسألة توحيد الله سبحانه وتعالى. وعرفنا أن أهل السنة والجماعة يقسمون التوحيد إلى ثلاثة أقسام، حتى تحقق التوحيد لابد من تحقيق هذه الأقسام الثلاثة. النوع الأول هو توحيد الربوبية، وعرفنا أن المقصود بتوحيد الربوبية إفراد الرب سبحانه وتعالى بالملك والتدبير والتصرف في هذا الكون. وجميع تصرفات في هذا الكون من الخلق والرزق والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع كلها داخلة تحت هذه المقاصد الكلية الملك والتدبير والتصرف.

وأما المقصد الثاني والنوع الثاني من أنواع التوحيد ألا وهو توحيد الألوهية. وعرفنا أن معنى توحيد الألوهية إفراد الله سبحانه وتعالى بجميع أنواع العبادة، بألا تصرف إلى أحد سواه. وذكرنا قاعدة كلية تربط بين توحيد الربوبية والألوهية وهذه القاعدة هي من يذكرها: توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية وتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية. وشرحنا هذه القاعدة وبيناها بالتفصيل من نصوص الكتاب والسنة.

ووقفنا عند قولنا إن كثيراً من المتكلمين يعترضون على أهل الحديث في تقسيمهم التوحيد إلى ربوبية وألوهية، تمام، وهذه النقطة التي وقفنا عندها وقلنا سنبدأ الإجابة عنها في هذا الدرس. فنقول مستعينين بالله: إن قول كثير من أهل الكلام إن هذا التقسيم للتوحيد إلى ربوبية وألوهية من مخترعات أهل الحديث ولم يدل عليه القرآن، يجاب عنه من عدة جهات.

الجهة الأولى في الجواب نقول: هذا التقسيم شهدت له مئات النصوص في الكتاب والسنة بالاعتبار، فكل آية من كتاب الله تدل على توحيد الألوهية من جهة توحيد الربوبية فهي تشهد بوجود هذين النوعين. وقد سردنا في المحاضرة السابقة مجموعة من الآيات التي دعت إلى توحيد الألوهية من خلال توحيد الربوبية، فقوله سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ، هذا دعوة لتوحيد الألوهية من خلال توحيد الربوبية فهذا يدل على كلا النوعين. اعبدوا ربكم توحيد ايش؟ ألوهية، الذي خلقكم توحيد ربوبية. انتهى الأمر، وكم من آية في كتاب الله دعا الله سبحانه وتعالى فيها إلى توحيد الألوهية من توحيد الربوبية، مئات الآيات.

فنقول إذاً هناك مئات الآيات والنصوص في الكتاب وهناك المئات والعشرات من الأحاديث التي من اعتبرها وقرأها فإنها تثبت وجود نوعين من التوحيد لابد منهما، ألا وهو توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية. كل آية تتكلم عن الخلق والرزق والتدبير والتصرف والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع هي تتكلم عن أي توحيد؟ الربوبية. وكل آية تتكلم عن العبادة وتدعو إلى عبادة الله وحده وألا يشرك به سواه فهي دعوة إلى توحيد الألوهية. فكم من آية في كتاب الله؟ وكم من حديث في رسول الله يحقق هذا المعنى؟ هذا عليكم أن تعتبروه.

وليس شرطاً في اعتبار التقسيمات واعتمادها أن يكون منصوصاً على حروفها في الكتاب والسنة. يعني هل حتى نعتمد هذا التقسيم لابد وأن نجد في القرآن أو في الحديث آية تقول: والتوحيد ينقسم إلى توحيد ربوبية؟ هل هذا شرط في اعتبار التقاسيم؟ كلا، ليس شرطاً في اعتبار التقاسيم واعتمادها أن تكون منصوصاً عليها بحروفها، بل متى كانت موجودة ضمناً في الكتاب والسنة بما لا شك فيه واعتبرتها مئات النصوص واستعملت العبارات المناسبة والأحرف الصحيحة في التعبير عنها عند المتأخرين فإن هذا التقسيم يجب قبوله ولا يجحده إلا معاند. هذي هي أهم شيء أني أكون هذا التقسيم الذي أتيت به مضمونه واضح جلي في الكتاب والسنة وأتي بعبارات مناسبة في التعبير عنه، وبعد ذلك لا ألام على هذا التقسيم.

إذاً هذه هي الجهة الأولى في الرد على هؤلاء أن هذا التقسيم شهدت له مئات النصوص في الكتاب والسنة، وليس شرطاً في اعتبار التقاسيم وصحتها أن يكون منصوصاً بألفاظها بل يكفي أن توجد ضمناً بشكل صريح باستقراء النصوص.

الإجابة الثانية عن هذا الاعتراض الذي يريده المتكلمون هي أو هو أن هذا التقسيم لم ينفرد به أهل الحديث، بل ذكره عدة رجالات من المتكلمين في مصنفاتهم. هناك رجال من المتكلمين استعملوا تقسيمها للحديث. فالعلامة منكوبراسر الناصري الماتريدي أحد شراح العقيدة الطحاوية، وقد أتيت لكم بشرحه في بداية الدورة، لما شرح العقيدة الطحاوية وأتى ليعلق على عبارة الطحاوي أن الله واحد لا شريك له ذكر هذه الأنواع الثلاثة من التوحيد مع أنه ما عقيدته؟ ما تريدي. يقول أرادوا، هذا كلام منكوبراس، يقول أرادوا بذلك، يعلق الآن على عبارة أن الله واحد لا شريك له أول عبارة بدأ بها الطحاوي. يقول أرادوا بذلك نفي أنواع الشرك التي هي كفر وهي: واحد، الشرك في الذات ويفسد به شرك الربوبية. اثنين، ثم الشرك في تسمية الألوهية واستحقاق العبادة وهذا هو توحيد الألوهية. قال: ثم الشرك في الوصف وهذا هو توحيد الأسماء والصفات.

إذاً منكوبراس الماتريدي من المتكلمين ومع ذلك ذكر هذا التقسيم. فإذاً هذا التقسيم هل هو خاص كما يقولون بأهل الحديث؟ كلا، بل هناك عدة رجالات من المتكلمين قبله، لأن قبوله واضح جلي لا يجحده إلا معاند. ومن تدبر نصوص الكتاب والسنة حاضراً لا يمكن أن يجحد هذا التقسيم.

الإجابة الثالثة والرد الثالث على المتكلمين هو أن الفرق الكلامية تقسم التوحيد تقسيماً ثلاثياً آخر تلغي فيه للأسف اعتبار توحيد الألوهية وتقتصر فيه على توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. يعني هم أنفسهم يقسمون التوحيد أيضاً فيقولون: التوحيد ينقسم إلى: واحد، أن الله واحد في ذاته لا قسيم له. اثنين، أن الله واحد في صفاته لا شبيه له. ثلاثة، أن الله واحد بأفعاله لا شريك له.

طب مش هذا تقسيم؟ طبعا هل عباراتهم صحيحة؟ الظاهر منها لو أخذتها بقلب نقي تقول هي صحيحة. لكن لو عرفت مقصودهم للاسف مقصودهم فيه حق وباطل، لما يقول أن الله واحد في ذاته لا قسيم له فهم يدخلون في هذا حقاً وباطلاً فينفون عنه كالصفات الخبرية بسبب هذه العبارة ويقولون أنت إذا جعلت الله عيناً ووجهاً جعلت له أقساماً. الآن لن أناقش العبارة، بس أنا بدي إياك تقتنع أنه هم أنفسهم يقسمون التوحيد أيضاً. يعني ليس أهل الحديث هم من يقسمون توحيد وحدهم، بل أنتم أيها المتكلمون تقسمون التوحيد إلى هذه الأقسام الثلاثة وتفسرون هذه الأقسام الثلاثة بمعانٍ فيها الحق والباطل. لكن ما يهمنا هنا أنهم هم أيضاً قسموا التوحيد بألفاظ لم ترد في الكتاب والسنة. هل هي ألفاظ وردت في الكتاب والسنة هذه الجمل الثلاث؟ هل وردت الكتاب والسنة؟ إذا لم ترد وإنما زعموا أنهم فهموها منه، بالتالي ليس لهم أن ينكروا على أهل الحديث تقسيمهم للتوحيد إلى توحيد ربوبية وألوهية ويقولون هذا لم يرد به كتاب ولسنة. طب تقسيمكم هل رأينا ورد في الكتاب والسنة؟ ستقولون معانيه وردت. فهذه الحديث يقولون معاني توحيد الربوبية والألوهية وردت. والا الاستنباط هل هو أجور عليكم أيها المتكلمون وممنوع على الطير من كل دوحي؟ يعني هذا لا يصلح أن تكون تكيف بمكيالين في مثل هذه الأمور.

فهذه الطرق الثلاث التي نجيب بها عن هذه الشبهة التي أتو بها أن تقسيم التوحيد إلى ربوبية وألوهية من مخترعات أهل الحديث.

الان ساذهب إلى النبع الثالث من أنواع التوحيد، نحن قلنا توحيد ينقسم إلى توحيد ربوبية وألوهية وأسماء وصفات. ساذهب إلى النوع ثالث الآن توحيد الأسماء والصفات. ما المراد بتوحيد الأسماء والصفات؟ المراد بهذا النوع أحبابي الكرام اكتبوا عندكم هو إفراد الله بالكمال المطلق فيما ثبت له من الأسماء الحسنى والصفات العلى، فنثبت له ما أثبته لنفسه وننفي عنه ما نفي عن نفسه ونؤمن أنه ليس كمثله شيء من مخلوقاته.

أعيد: توحيد الأسماء والصفات هو إفراد، دائماً لما كلمة توحيد ثالث معناتها فيها إفراد. إفراد الله بماذا؟ بالكمال المطلق فيما ثبت له من الأسماء الحسنى والصفات العلى فهو صاحب الكمال المطلق فيها، فنثبت له ما أثبت لنفسه وننفي عنه ما نفي عن نفسه ونؤمن أنه ليس كمثله شيء من مخلوقاته.

طبعا بعض أهل الحديث يعني لا يقول توحيد الأسماء والصفات، يقول الكلام في الأسماء والصفات. يعني بعض أهل الحديث كيف يقول؟ يقول التوحيد ثلاثة أقسام: توحيد ربوبية، توحيد ألوهية، والثالث لا يسمي توحيد الأسماء والصفات نسميه ماذا؟ يقول الكلام في الأسماء والصفات. لأن يعني البعض يقول أهم شيء أن نثبت ما أثبت الله وننفي ما نفي الله فهذا جله واعتماده. فكلمة التوحيد هنا البعض يقول لا المناسب أن نقول الكلام في الأسماء والصفات. لذلك الطحاوي عندكم في شرح الطحاوية لما قسم بعيد قال توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية ما قال توحيد الأسماء والصفات، شو قال عندكم؟ الكلام في الأسماء والصفات وهو يشرح. فهذا لا حرج فيه لأن هي قضية اصطلاحية، هل نسميها؟

في توحيد الأسماء والصفات، أم نسميه الكلام في الأسماء والصفات؟ إذا حققت المعنى فلا ضير بعد ذلك. ولكن حتى يكون الباب جاريًا على قاعدة واحدة، أسميه توحيد الأسماء والصفات، وأعرفه بأنه إفراد الله بالكمال المطلق في كل ما ثبت له من الأسماء الحسنى والصفات العلى، فنثبت له ما أثبت لنفسه، وننفي عنه ما نفى عن نفسه، وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ من مخلوقاته. والطحاوي دلل على هذا النوع من أنواع التوحيد لما قال: وَلَا شَيْءَ مِثْلَهُ. ضمن الذي نقلته لكم، لما قال: وَلَا شَيْءَ مِثْلَهُ، دلل على هذه الفكرة أو على توحيد الأسماء والصفات. ولي وقفة طويلة ستكون مع وَلَا شَيْءَ مِثْلَهُ لكن في دروس قادمة بإذن الله. فأنا الآن أتكلم كلامًا جَمْلِيًّا عن تقسيم التوحيد.

الآن، ما موقف المتكلمين من توحيد الأسماء والصفات؟ نقول: الفرق الكلامية تقول بتوحيد الأسماء والصفات، لكنهم فسروا هذا التوحيد بشكل ينافي طريقة أهل الحديث، فجعلوا توحيد الأسماء والصفات هو نفي الأسماء والصفات عن الله سبحانه وتعالى، ما بين مقل ومكثر. فسأبدأ بأسوأهم حالًا، وهم الجهمية. في الجهمية، فسروا توحيد الأسماء والصفات بأنه نفي الأسماء الحسنى والصفات العلى عن الله جل في علاه. هكذا فسروا توحيد الأسماء والصفات، أسوأ الفرق وهي الجهمية، فسرت هذا التوحيد بأنه ماذا؟ نفي الأسماء الحسنى والصفات العلى.

وهذا طبعا ماذا؟ استهزءوا لما نفوا؟ قالوا: توحيد الأسماء والصفات أن نقول إن الله ليس له اسم من الأسماء ولا صفة من الصفات. هكذا هي النتيجة التي وصلوا إليها. طبعا هذا قادهم إلى ماذا؟ قادهم إلى القول بحلول الله سبحانه وتعالى في كل أجزاء العالم. لأنهم قالوا: بما أنهم نفوا الأسماء والصفات، حتى الله عز وجل ليس عار على مخلوقاته، والله ليس فوق سبع سماوات ولا مستوٍ على عرشه، تمام؟ فأين الله عندهم؟ قادهم نفي الأسماء والصفات إلى القول بحلول الله في كل أجزاء العالم، أو اتحاده مع أجزاء العالم، فليس لهم ما يميز الإله عن غيره. الإله عندهم فكرة هلامية، الإله على الفكر الجهمي هي شيخ هلامي؛ لأنك تثبت ذاتًا ليس لها أي اسم من الأسماء وليس لها أي صفة من الصفات. هل هذه ذات موجودة؟ يعني حتى لما تقول ذات ليس لها صفة من الصفات، لا صفة الحياء، ولا صفة القدرة، ولا صفة العلم، ولا هل هذه صفة؟ هل هذه ذات موجودة؟

وهم في الحقيقة لم يثبتوا ذاتًا حقيقية في الخارج للأسف. وبهذا كان أكثر السلف ينصون على تكفير الجهمية تعيينًا، وبعضهم يكفرهم تكفيرًا مطلقًا. لماذا؟ لأنهم في الحقيقة مآل قولهم نفي فكرة الإله. ولذلك لو أنت أتيت لمستلزمات قول الجهمية، هم يتفقون مع الملحدة في إنكار الصانع، ويتفقون مع الفرق الدهرية. لو أتيت بما يستلزم قولهم، لأنك لما تثبت إلهًا ليس له اسم من الأسماء ولا صفة من الصفات، أنت تثبت عدمًا. فقادهم المهم هذا القول في نفي الأسماء والصفات إلى ماذا؟ إلى القول بأن الله عبارة عن شيء يحل في جميع العالم، فكرة الحلول في جميع إيش العالم؟ وهذا والعياذ بالله يقود إلى أنه سبحانه يحل في الأماكن القذرة وفي أماكن النجاسات، تعالى الله عز وجل عما يقول الأفاكون علوًّا كبيرًا.

فهذا هو القول الأول. وقول الجهمية أسوأ من قول النصارى؛ النصارى قالت إن الله يحل أين؟ في عيسى وحده صح؟ لكن الجهمية قالت: الله يحل في كل أجزاء العالم. فقول الجهمية في حق الله أسوأ من قول النصارى؛ لأن النصارى قالوا بأن الله يحل في جسد عيسى فقالوا بحلول واحد للإله، أما الجهمية فقالوا بحلول الإله في كل أجزاء العالم، حتى يعني طرد قولهم إنه يحل في الأماكن القذرة والأنجاس، تعالى الله عما يقولون.

فإذاً، أسوأ الفرق الكلامية هي الجهمية، نفت الأسماء والصفات. ثم بعدهم يأتي المعتزلة، المعتزلة أثبتوا أسماء لله سبحانه وتعالى ونفوا الصفات عنه، وزعموا أن إاثبات الصفات يقود إلى إثبات آلهة متعددة. وهذا من عجيب القول والله! ماذا قال المعتزلة؟ إذا أثبتنا صفات لله فنحن نثبت إيش؟ آلهة متعددة. فإذا قلنا الإله موصوف بالحياة فالحياة هذه إله آخر، وإذا قلنا موصوف بالعلم فالعلم إله آخر، وإذا قلنا موصوف بالقدرة فالقدرة إله آخر. فظنوا، وهذا من عجيب تفكير بني آدم، أن كيف تتصور أن ذكر الصفات لله وإثباته يقتضي إثبات آلهة متعددة؟ هذا شيء كان غريبًا عجيبًا جدًّا، تستغرب من قوم يعني بعضهم كان من محققي التفسير وبعضهم من محققي الأصول، يتكلم بكلام لا يقبله العقلاء، لا أقول لا يقوله طلبة العلم، لا يقوله العقلاء، أن تقول تعدد الصفات يعني تعدد في الذوات، فهم نفوا نعم كلهم على هذا، فجعلوا تعدد الصفات يقود إلى تعدد الذوات، فقالوا: هذا سيؤدي إلى تعدد الآلهة، فنفينا الصفات ونثبت إيش فقط؟ الأسماء. وأثبتوا الأسماء لله خالية عن مضمونها.

يعني البعض يقول: طب ممتاز يا شيخ، إذا أثبتوا الأسماء فإنهم يثبتون أن الله عليم قدير، خلص ممتاز أثبتوا الأسماء. نقول: هم أثبتوا عليم بلا علم، وقالوا قدير بلا قدرة، وسميع بلا سمع، فأثبتوا أسماء فارغة من مضمونها، فأثبتوا أسماء إيش؟ فارغة من مضمونها، فلا تظن أنهم إذا أثبتوا الأسماء يعني أثبتوا معانيها. فلو وجدتهم يقولون إن الله عليم سميع مريد، فقالوا: هذه مجرد أسماء، لكن عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، مريد بلا إرادة، فيثبت الاسم فارغًا من محتواه خشية من أن يثبت الصفة. لماذا يخشى من إثبات الصفة؟ لأنهم قالوا: إذا أثبتنا صفات متعددة فنحن نثبت آلهة متعددة، وهذا من غريب قول بني آدم.

ثم يأتي بعضهم الأشاعرة والماتريدية، وهؤلاء أثبتوا الأسماء الحسنى، أثبتوا الأسماء الحسنى لكنهم جعلوا توحيد الأسماء والصفات نفي جل الصفات العلى عن الله واقتصروا على إثبات سبع صفات أو ثمان صفات، وبعضهم مقل وبعضهم مكثر باختصار. لن ندخل في مدارس الأشاعرة؛ لأن الأشعرية أصلاً مدارس، والماتريدية ليسوا شيئًا واحدًا في تقريراتهم، وإنما هم أيضاً أشخاص ومدارس، ولكن نقول ما عليه السواد الأعظم منهم هو أنهم يثبتون الأسماء، وأما الصفات فيقتصرون على سبع صفات أو ثمان صفات، وجعلوا توحيد الله في الأسماء والصفات أن ينفوا عن الله الصفات الخبرية، وأن ينفوا عن الله الصفات الاختيارية، وقالوا: هذا هو توحيدنا؛ لأن ذات الصفات الخبرية كما زعموا قالوا يقتضي التبعيض والتجسيم، واثبات الصفات الاختيارية يقتضي التبعيض والتجسيم، فنفوها عن الله، وهذا كله من آثار دليل الحدوث الذي قالوا به.

وأنار سأتركب على هذه الفكرة كثيرًا، أن دليل الحدوث الذي أثبتوا به وجود الصانع كان كارثة على الفكر الإسلامي، سواء هم أو المعتزلة أو كل من استعمل هذا الدليل وسار مع لوازمه، استعمال هذا الدليل كان كارثة في الفكر الإسلامي من حيث اللوازم السيئة التي نتجت عنه في ذات الله سبحانه وتعالى.

فإذا لاحظنا ما هو توحيد الأسماء والصفات عند الفرق الكلامية؟ أسوأهم الجهمية، وأفضلهم حالًا الأشاعرة والماتريدية. وأما أهل السنة، أعني أهل الحديث، فسلكوا جادة السلف في هذا التوحيد، فأثبتوا لله ما دل العقل والسمع على إثباته، ونفوا عنه ما دل العقل الصحيح والسمع الصحيح على نفيه، من دون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل؛ من دون تحريف للكلم عن مواضعه، ولا تعطيل، أي لا نعطل الله سبحانه وتعالى عنه صفاته، ولا تكييف، يعني لا نشبه اتصاف الله بالصفة كاتصاف المخلوق بها فلا نكيف ولا ندخل في هذا، ولا نمثل. فنقول: إن اتصاف الله به ليس كاتصاف المخلوق، فهو سبحانه وتعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. لاحظوا الآية: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لكن في إثبات بعدين وهو السميع البصير، فجمعت بين النفي والإثبات لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

هكذا نكون انتهينا من سرد أنواع التوحيد الثلاث، وعرفنا عنها ومضة إجمالية؛ توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. الآن سانتقل معكم إلى موضوع مهم لطالب العلم، وهي ما هي أدلة أهل الحديث في إثبات وجود الله وتوحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات؟ لأنه لا يحسن بطالب علم الحديث أن يشرع في معرفة الخلاف بين الفرق، وما هو الخلاف بين الإسلاميين، أهل الحديث والاشاعرة والمعتزلة، ويكون خلو الوِطَاب من معرفة الأدلة التي بها أُثبتت المطالب العالية. هذه المسائل تسمى يا شيخ قصي إيش؟ المطالب العالية؛ إثبات وجود الله، إثبات توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، والأسماء والصفات. هذه المطالب الأربعة ركزنا فيها، إيش هي؟ إيش أول واحد؟ ذات الوجود الإلهي، توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، والأسماء والصفات. هذه المطالب العالية، لابد لطالب علم الحديث أن يعرف ما هو المستند الذي استند عليه في إثبات هذه المطالب صحيح؟

الآن ليس خوضنا مع المتكلمين، لا، خوضنا في عقيدتنا، عقيدة أهل الحديث، كيف نستدل على إثبات هذه المطالب العالية؟ فنقول معتمدين على الله سبحانه وتعالى، أهل الحديث يعتمدون في إثبات هذه المسائل الكبرى على ثلاث دلائل، على ثلاث دلائل؛ الدليل الأول: دليل الفطرة، الدليل الثاني: دليل العقل، الدليل الثالث: دليل السمع والنقل. واكتبوا هذه الملحوظة: والفطرة والعقل تدل على هذه المطالب العالية دلالة إجمالية، والسمع يدل عليها دلالة تفصيلية.

إذاً ما هي الأدلة التي يعتمد عليها أهل الحديث في إثبات المطالب الأربعة العليا؟ دليل الفطرة، دليل العقل، دليل النقل. والفطرة والعقل تثبت المطالب الإلهية إثباتًا جَمْلِيًّا، والنقل يثبتها إثباتًا تفصيليًّا.

سأبدأ الآن بالدليل الأول، وسيكون لي رحلة معه، وهو دليل الفطرة. رحلتنا اليوم ستكون مع دليل الفطرة. نقول، واسمعوا الكلام لأنه مهم وفيه بيان لطريقة أهل الحديث: الاستدلال بالفطرة، يقرر أهل الحديث أن معرفة الله سبحانه وتوحيده في الربوبية والألوهية وفي جملة الأسماء والصفات بالإقرار الجملي أمر فطري ضروري، ولما نقول أمر فطري يعني إيش؟ ضروري، لا يتوقف حصولها على شيء من أدلة المتكلمين، فلا نحتاج إلى دليل الحدوث ولا دليل التخصيص ولا دليل التركيب ولا غيرها من الأدلة التي تقترحونها علينا على فرض صحتها وسلامتها من الأخطاء.

هذا منطلق مهم جداً على طالب أهل الحديث أن يتقنه، أن معرفة الله وتوحيد الربوبية والألوهية أمر فطري ضروري. وعرفنا الفرق بين الضروري والنظري في علم المنطق، أمر فطري ضروري، ضروري يعني لا يحتاج ابتداءً إلى إيه يا شيخ؟ إلى استدلال ولا إلى نظر، لا يتوقف حصول هذه المطالب العليا عندنا ابتداء، لا يحتاج إلى دليل الحدوث ولا دليل التخصيص ولا دليل التركيب ولا غيرها من الأدلة التي تقترحونها على فرض أنها أدلة إيش؟ صحيحة، يعني لو نفرض أنها أدلة صحيحة، لا نحتاج إليها.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه: إن أصل المعرفة والاقرار بالصانع لا يقف على النظر ولا الاستدلال، بل يحصل بديهة وضرورة. ولهذا يقر بالصانع جميع الأمم مع عظيم شركهم وكفرهم، يعني الأمم على كفرها وشركها، الأمم التي جاءت الأنبياء تدعوها إلى توحيد الله، كما قلنا الأمم من آدم إلى اليوم كانت تقر بماذا؟ بوجود الإله، لكن أين مشكلتها؟ في إفراده في توحيد الألوهية. وإنما الإلحاد كما قال الشهرستاني في الملل والنحل، يعني لم يعدوا مقالة، وقال هذا يعني قول شرذمة ليس لها شأن في تاريخ البشرية والإنسانية.

فاذاً، لماذا أطبقت البشرية على الاقرار بوجود الصانع لولا أن المسألة مسألة إيش؟ فطرية ضرورية، ولا كيف كان هذا الإطباق؟ فإطباق البشرية على وجود الصانع وشذوذ الإلحاد هذا يدل على أن وجود الصانع مسألة إيش؟ فطرية ضرورية. وهذه المسألة، مسألة هل وجود الصانع أمر فطري أم أمر نظري يحتاج إلى استدلال؟ هذه المسألة من المسائل التي وقع فيها خلاف بين منهج أهل الحديث والمناهج الكلامية.

فإن الإسلاميين على مختلف فرقهم، أهل الحديث، أشاعرة، ماتريدية، معتزلة، كل الإسلاميين لا يختلفون في أن كل مسائل مبناها الإقرار بوجود الإله. هسا كلنا متفقين أنه أصل المسائل الاعتقادية والمطلب الأعلى ما هو؟ الإقرار بوجود إله. يعني هل يمكن نبدأ أن نتكلم في التوحيد أو دين بدون إقرار وجود إله؟ فكل الإسلاميين متفقون على أن مسائل الاعتقاد مبناها الإقرار بوجود الله سبحانه وتعالى. لكن الخلاف بين الإسلاميين أين وقع؟ في الطريق الموصل إلى هذه النتيجة، هل هي نتيجة فطرية ضرورية؟ أم نتيجة نظرية استدلالية؟ فهمتم؟ هذا التقعيد مهم، الكل متفق على أنه أصل مسائل الاعتقاد ينطلق من إثبات إيش؟ وجود الإله.

لكن الخلاف وقع، ما هي الوسيلة لنثبت وجود الإله؟ هل الفطرة تدل على ذلك، أم نحتاج إلى نظر واستدلال؟ هل هذه النتيجة أمر فطري ضروري، أم هي تحتاج إلى نظر واستدلال؟ فأهل السنة والجماعة، أهل الحديث، ماذا يقولون؟ أن معرفة الله سبحانه وتعالى فطرية ضرورية، لا تحتاج إلى نظر واستدلال عقلي ابتداءً، احنا ابتداءً عندنا المسألة إيش؟ فطرية ضرورية، هذه طريقتنا. إلا أن العقل والنظر مساند، مساند لهذه الغريزة الفطرية لينال المؤمن بذلك زيادة اليقين وثلج الصدر.

يعني لما نقول إن معرفة الله فطرية ضرورية، لا يعني هذا أنه لا يجوز أن نستعمل أدلة لزيادة الإيمان؛ بل القرآن هو الذي أمرنا أن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار، أمرنا بالنظر العقلي. لكن النظر العقلي ما وظيفته؟ هل معرفة الله موقوفة عليه ابتداءً؟ كلا، النظر العقلي هو يزيد هذه الفطرة ييقينًا بما أقرّت به ابتداءً من وجود الصانع، فهمت؟ إذاً فالعقل والنظر مساند للغريزة الفطرية فيزيد الفطرة إيمانًا بوجود الله، وإلا فأصل معرفة الله ووجوده أمر فطري. فنقول: فمعرفة الله، وليس فقط المعرفة كجزء، معرفة الله وتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، هذه المطالب الثلاث كلها فطرية ضرورية، إلا أنه لا أشكال، نقول يمكن تحصيله بطريق أخرى غير الفطرة، كالنظر الصحيح الذي جاء به الشرع ونحو ذلك من الطرق. فنحن لما نقول إن...

الفطرة تعرف وجود الله، نعم، فإن الطرق الأخرى قد تدل على وجود الله. ركزوا، العقل يدل على وجود الله مئة بالمئة بل نحن مطلوبون بذلك. لكن لا نقول كما يقول المتكلمون إن الفطرة لا تدل على وجود الله وأن العقل هو المستند أولاً وأخيراً في إثبات وجود الله. فهمتم إيش الفرق بيننا وبينهم؟ أنهم هم لا يقرون أن الفطرة تعرف وجود الله، فلذلك يقولون كما سيأتي معنا بأن أول واجب على المكلف هو النظر وليس شهادة التوحيد.

أما نحن أهل الحديث فنقر أن الفطرة تدل على وجود الله ضرورة وبداهة. طبعا كيف ذلك يا شيخ؟ هذا اللي رحلة معه إن شاء الله. كيف الفطرة تدل على وجود الله؟ فنفسره كما يقرره علماء أهل الحديث المحققون. لكن الآن مع التقرير الجملي: الفطرة تدل على وجود الله ضرورة وبداهة، ولا مانع من الاعتماد على الدليل العقلي ليصبح مساندا. طيب أو الأصل ركزوا الآن في كلامي.

والأصل أن الدليل العقلي إنما يخاطب به من فسدت فطرته وغطت الشبهات بصيرته، فجاهر بإنكار وجود الله، فإنه حينئذ يخاطب بالطرق العقلية الصحيحة، والتي جاء القرآن بيان وصوله أحسن بيان وأوضحه، لا بالطرق الكلامية المبتدعة دليل الحدود وغيرها، وذلك ليمحو الفساد الذي غطى تلك الفطرة وحجبها. إذا في الحق نحن متى نحتاج الدليل العقلي؟ متى نحتاج احتياجاً أصيلاً؟ إذا كان عندنا شخص ألحد هنا، فسدت فطرته، فهنا سأحتاج الدليل العقلي الذي بين أصله القرآن وله طرق ومناهج عند أهل السنة لمحاورة هذا الشخص ورده عن فساد الفطرة إلى الطريق القويم لإثبات وجود الله.

جاءنا الفطرة تدل على وجود الله، ونستخدم الأدلة العقلية كمساند للفطرة. لكن متى أضطر للدليل العقلي؟ هيك بقول: متى أضطره للدليل العقلي؟ أضطر لاستخدام الدليل العقلي ويصبح منقذي إذا كنت أواجه شخصاً فسدت فطرته فأصبح ينكر وجود الإه. هذا الآن ما في مجال أعتمد معه على دليل الفطرة، فأضطر أن أعتمد على إيش؟ دليل العقل، وأبدأ آتي بأدلة عقلية صحيحة. القرآن بين أصولها ولا أعتمد على الأدلة العقلية الفاسدة أو المتكلفة التي خاض فيها الملحد ولا تقوده إلى الإيمان. ومن هنا إذا فهمتم هذه القاعدة نقول ومن هنا اعتبر أهل السنة والجماعة أن أول واجب على المكلف في هذه الحياة الدنيا ما هو؟ ما هو أول واجب على الإنسان في الحياة الدنيا؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

إذا ومن هنا اعتبر أهل السنة والجماعة أن أول واجب على المكلف في هذه الحياة الدنيا هو شهادة التوحيد وبها يحصل دخوله في الإسلام. فإن قلت سؤال: أليس يجب أولاً أن ينظر المكلف في هذا الكون ليعرف وجود الإله ثم بعد ذلك نطالبه بالتوحيد؟ مش هذا السؤال ممكن يرد علينا أنه أول إيش؟ أول واجب على الإنسان مش شهادة التوحيد، ولا إيش؟ أول واجب أن نجعلها ينظر في الأدلة العقلية التي تقوده إلى إثبات الصانع ثم نطالبه بعد ذلك بإيش؟ بشهادة التوحيد. لو شخص سألك هذا السؤال كيف تجيبه؟ كيف تجيب يا قصي؟ أحسنت، فنقول إن معرفة الله لا تحتاج إلى نظر واستدلال، فهي مغروزة في الفطر.

وإنما يحتاج إلى النظر من فسدت فطرته وغشي عليها وانتكست. هذا هو الذي نقول له: انظر في أدلة وجود الله سبحانه وتعالى لتزول عنك هذه العماية. فاذا زالت عنه العماية نأمره بالشهادة فيدخل في هذا الدين. أما عموم بني آدم ممن لم تتلوث فطرهم، فالمعرفة مستقرة في هذه الفطر، فلا يحتاج لأكثر من شهادة التوحيد ثم نحثه بعد ذلك على التفكر والتدبر ليزداد إيماناً على إيمانه. يعني الناس قسمين، جل بني آدم الفطرة عندهم قائمة على وجود الله، حتى المشركين، حتى الكفرة، حتى اليهود والنصارى.

أليست الفطرة عندهم تقر بوجود إله؟ فمثل هؤلاء لا أقول لهم أول واجب عليكم حتى تسلموا أن تنظرو. كلا، أول واجب عليهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله. وهذا المنهج أليس هو الذي اتبعه النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل النبي عليه الصلاة والسلام كان يتبع مع كفار قريش ومع غيره منهج النظر؟ يلا أول إيش؟ عليكم أن تنظروا، إذا نظرتم أخبروني حتى أخبركم بشهادة التوحيد. هيك كان يدعو النبي صلى الله عليه وسلم؟ أول واجب يأمرهم بها شهادة التوحيد. مش لما اجتمعوا عند أبي طالب في لحظة السكرات وأبو طالب قال له يا يا ابن عمي إن القوم جاؤوا يطلبون منك يعني أن تخفف عن آلهتهم ولا تذكرها بسوء، فالنبي صلى الله عليه وسلم إيش قال لهم؟ كلمة فقط أريد منكم أحاجكم بها عند الله سبحانه وتعالى وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله، فأبى كفار قريش.

هل طلب منهم النظر؟ قال: أريد منكم أن تنظروا في الأدلة العقلية؟ لا لا لا، لأنهم في فطرهم مركوز الصانع لهذا الكون، وهو يريد أن يدخلهم في دائرة الإسلام. هذا الذي كان يريده، وأن يخرجهم من دائرة الشرك. فنقول عموم بني آدم مطالبون بشهادة أن لا إله إلا الله لأن فطرهم مقرة بوجود الصانع، فلا نقول أول واجب عليهم هو النظر. وأما ذاك الصنف الشاذ الذي فسدت فطرته فإنكر وجود الصانع، هذا نعم، هذا مجالك معه أول إيش؟ أن تقنعه بوجود الصانع وترد له الفطرة السوية من خلال النظر في الأدلة العقلية، بعدين بدك تدعوه إلى شهادة التوحيد، لأنه مش منطقي أنا أدعو لشهادة التوحيد وهو إيش؟ منكر بوجود الصانع، صح؟

فإذا نقول: لاحظوا هنا يجب أن تكون دقيقاً لتقسيمك، حتى عندما تناقش متكلماً تكون واضح البيان، لأنه سيقول لك: طب إذا جاءك واحد ملحد ما بيعرفش وجود الله، بدك تقول له شهادة أن لا إله إلا الله؟ رح تقول له: لا طبعا. إذا جاءني شخص ملحد فطرته منتكسة لا يقر بوجود الصانع، صحيح أنا أتفق معه أنني سأناقشه بأدلة عقلية كما نفعل اليوم مع الملحدين، ونثبت لهم من خلال الأدلة والمناقشات أنه يستحيل، لابد أن هناك صانع لهذا الكون. فإذا اقتنع أمر بشهادة التوحيد. لكن جل بني آدم هل هم ملحدون؟ كلا. فمن كان ليس ملحداً، فإياك ثم إياك أن تقول أول واجب عليك النظر، وإنما أول واجب عليك شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذ إلى اليمن قال: يا معاذ إنك تأتي قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه إيش؟ شهادة أن لا إله إلا الله. وحديث واضح نص في المسألة كما يقولون، لأن اليهود الذين أتى إليهم أهل كتاب كانوا مقرين بماذا؟ بوجود الصانع، وإنما مشكلتهم أنهم يكذبون بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم. فهنا كان أول شيء يدعوهم إلى شهادة التوحيد. يعني ما الفائدة أن أقول لهم؟ أول شيء عليكم النظر. بقولوا: ليش النظر؟ قال: حتى تقروا بوجود الصانع. فبقول لك: احنا مقرين بوجود الصانع، لكن مشكلتنا أننا مثلاً لا نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولا نؤمن بهذا الكتاب، ولا نؤمن أنه رسول مبعوث.

فباختصار أول واجب على الإنسان هو شهادة أن لا إله إلا الله، فإن كان هذا الانسان ملحداً تلوث بلوثات الإلحاد، فهنا نعم ندعوه بالأدلة العقلية ليثبت وجود الصانع ثم ندعوه إلى شهادة التوحيد. ممتاز. فهمتم إذن ما طريقة أهل الحديث تماماً في هذا الأمر؟

وأما عامة المتكلمين فقد أنكروا دلالة الفطرة. ولاحظ أنا أرو أن أكون دقيقاً في عباراتي، إيش قلت؟ وأما عامة، لأنه في بعضهم أثبت دلالة الفطرة، وأما عامة المتكلمين فقد أنكروا دلالة الفطرة على معرفة الله سبحانه وضيقوا على أنفسهم، وجعلوا السبيل الوحيد للإقرار بوجود الخالق هو الدليل العقلي، كما قال. طبعا يا شيخ أنت لما بدك تحكي بدنا أدلة. شف شو بحكي القاضي عبد الجبار المعتزلي؟ يقول إن سأل سائل، هذا كلام القاضي عبد الجبار: إن سأل سائل فقال: ما أول ما أوجب الله عليك؟ فقل الجواب: النظر المؤدي إلى معرفة الله. لماذا قال؟ لأنه تعالى لا يعرف ضرورة. صريح العبارة منه صح، لأنه دعا لك القاضي عبد الجبار المعتزلة أحد كبار المعتزلة يقول: لأنه تعالى لا يعرف ضرورة ولا بالمشاهدة، فيجب أن نعرفه بالتفكر والنظر.

طب نأخذ الأشاعرة، الباقلاني، هذا يقول: ويقول، وأن يعلم أن يجب أن يعلم أن أول ما فرض الله على جميع العباد النظر. طبعا لما تسمع النظر كأن الدليل العقلي، خلص ترجمها هيك، النظر في آياته. لماذا يا قاضي الباقلاني؟ قال: لأنه سبحانه غير معلوم بالاضطرار. قريب عبارته من عبارة قاضي عبد الجبار، هو يصرح: لأنه سبحانه غير معلوم بالاضطرار. يعني الفطرة لا تدل على وجوده. وهذا كلام فاسد لا يقر به أهل الحديث. قال: لأنه سبحانه غير معلوم بالاضطرار، وإنما يعلم وجوده آآ وكونه على ما تقتضيه أفعاله بالأدلة القاهرة والبراهين الباهرة.

فهم إذن؟ لاحظوا أشاعرة، معتزلة، ماء تريدية، طبعا آه، ماء تريدية أصناف في الحقيقة حتى أكون منصفاً معه، هناك من يميل إلى طرف هذا الحديث فيقول بفطرية معرفة الله، وهناك من يميل إلى طرف المعتزلة بأنها أيضاً معرفة عقلية بحتة.

طيب ما الذي انبنى على طريقة المتكلمين برأيكم؟ إذا كان المتكلمون يقولون: أول واجب على الإنسان ماذا؟ أولاً، عفوا، إذا كان المتكلمون يقولون إن معرفة الله ليست فطرية ضرورية، وإنما تحتاج إلى نظر، هنا ماذا سيؤول أمرهم؟ سيؤول أمرهم إلى أنه أول واجب على الإنسان في هذه الحياة الدنيا ليس شهادة أن لا إله إلا الله، بل أول واجب هو النظر. هكذا قالوا. لذلك افتحوا كتب العقائد الأشاعرة وغيرهم، يقولون: وأول واجب هو النظر. وبعضهم قال: أول واجب هو القصد إلى النظر، يعني فلسفة شوي، أول واجب إيش؟ بعضهم قال: أن تنوي أن تنظر. وبعضهم فلسفة كثيراً وقال: أول واجب أن تشك. أول واجب إيش؟ أن تشك. يعني صرنا زي فلسفة ديكارت، يعني يجب أن تشك أولاً، وهل يعقل أن نقول للناس أول واجب عليكم أن تشكوا بوجود الله؟ قالوا: لأن البحث العلمي يقتضي أن تشك أولاً ثم تأتي بالدليل لتثبت ما شككت فيه. وهل هذا يقوله عاقل في إثبات المطالب الإلهية؟

فإذا اختلفوا بينهم، فقال بعضهم: أول واجب هو النظر. وقال بعضهم: أول واجب هو القصد إلى النظر، يعني أن تنوي أن تنظر. وقال بعضهم في فلسفة كبيرة قال: أول واجب هو إيش؟ أن تشك، يعني أول واجب عليه في الحياة الدنيا أنك تصل لمرحلة الشك، تشك بوجود الله، ثم تطلب وجود الله بالأدلة، ثم تشهد أن لا إله إلا الله. وهل هذا منهج محمد صلى الله عليه وسلم؟ يعني بعض الكلام تنفر بمجرد سماعه ولو لم يقم عندك دليل على بطلانه واضح. إذا ولهذا جعلوا أول واجباً على العبد النظر في الأدلة الكونية، وبعضهم قال: أول واجب هو القصد إلى النظر، وبعضهم شطح فقال: أول واجب هو الشك ثم بعد ذلك النظر.

وكل هذه الأقوال مباينة لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يعرف عنه أنه أمر إنساناً بشيء قبل شهادة، اعيد: أمر بواجب قبل ذلك، أو لم يقبل منه شهادة التوحيد بحجة أنه لم ينظر قبلها. هل النبي صلى الله عليه وسلم جاءه واحد تشهد؟ فقال له: لا، شهادتك مش مقبولة، ارجع انظر بعدين تعال تشهد. لم يثبت هذا. أو لم يقبل منه شهادة التوحيد بحجة أنه لم ينظر قبلها. وهل يعقل ها، هل يعقل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين لأمته مسألة؟ قالت: ما هو أول واجب على الإنسان؟ يعني هل يعقل أن النبي عليه الصلاة والسلام بين لنا أن مسح الرأس يكون من هنا إلى هنا ونرجع من هنا، وما بين لنا مسألة ما هو أول واجب على الإنسان في الحياة الدنيا؟

أنتم متخيلين أحياناً بعض الأمور تكون غريبة في التفكير، يكون النبي صلى الله عليه وسلم بين مدة النفاس وتفاصيل الوضوء وتفاصيل البيوع والأنكحة، ويكون غفل عن أن لنا ما هو أول واجب على الإنسان في الحياة الدنيا؟ لا يعقل هذا. فبالتأكيد استقراء منهج النبي صلى الله عليه وسلم يبين لنا كيف وما هو أول واجب افترضه الله سبحانه وتعالى على الإنسان في هذه الحياة الدنيا، ومن خلاله نعرف أن معرفة الله فطرية ضرورية، وأن الواجب عليك في الحياة الدنيا أيها المسلم أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وليس عليك شيء قبل ذلك. إذا كنت ملحداً وعندك اللوثات ساعات بنتحاور معك بالأدلة العقلية، هذه يعني يبقى هذا الاستثناء حاضراً.

طيب، ولا نجد بين أيدينا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه أشار إلى المنهج الذي يقر به المتكلمون، بل كل مواقفه تدل على اكتفائه بشهادة التوحيد، اعتماداً منه صلى الله عليه وسلم على الدليل الفطري المستقر في النفوس أن الله موجود ورب وخالق، وإنما كان مجادلته ومحاورته مع قومه لدحض الشبه التي يلقونها والأباطيل التي يزعمونها. هذا كان دأبه. ولم لا حوارات النبي صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش كانت على إثبات وجود الصانع؟ لا، إنما حواراته أنه يا محمد صلى الله عليه وسلم كيف أثبت لنا أنك رسول؟ أثبت أن هذا من عند الله، أنت ساحر، أنت مجنون، أنت كذاب، هذا القرآن سحر، كل مناقشته حول هذه الأمور، لم تكن مناقشته حول إثبات وجود الصانع، صح؟

طيب يقول الغزالي في كتابه التفرقة بين الإسلام والزندقة في لحظات من لحظات الصفاء التي مر بها هذا الرجل، يقول: فليت شعري، الكلام الغزالي هذا.

فليت شعري، متى نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إحضار أعرابي أسلم وقوله له الدليل على أن العالم حادث، أنه لا يخلو عن الأعراض، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث؟ يعني هيك الغزالة في لحظة صفاء بفكر.

أعطوني يعني وين النبي صلى الله عليه وسلم جاب أعرابي أسلم وقال له: تعال تعال بدي أعرفك وجود الصانع، انظر في دليلي، الدليل على وجود الصانع أنه لا يخلو أن هذا العالم لا يخلو عن أعراض، وما لا يخلو عن الحوادث والأعراض فهو حادث. هل هذا في سيرته عليه الصلاة والسلام؟ فالغزالي هو نفسه يشعر أنه مش مقتنع بالمنهج الذي يقرره المتكلمون، والغزالي كما قلت لكم يعني له مواقف في حياته وفي آخر حياته عاد إلى طريق الصوفية، لكن سبحان الله يعني دخل في بطون الفلاسفة كما قال عن نفسه وكما قال عنه التلميذ ابن العربي ولم يستطع أن يخرج منها. يعني هذه المشكلة.

مثل الكلام لما يغوص فيه الإنسان، لكن له لحظات صفاء ينطق فيها بالحق رحمة الله تعالى عليه. إذا من المسائل ها إذا بدنا نركز، من المسائل التي تنبني على مسألة هل معرفة الله فطرية أم نظرية؟ مسألة ما هو أول واجب على المكلف؟ بدكم تفهموا هاي القضية، من المسائل التي تنبني على قضية هل معرفة الله فطرية أم ضرورية؟ مسألة ايش؟ ما هو أول واجب على المكلف؟ لأنه إذا قلنا معرفة الله فطرية كما يقول هذا الحديث، أول واجب ما هو؟ شهادة التوحيد. وإذا قلنا إن معرفة الله ليست فطرية، بل هي نظرية بالعقل ابتداء، فسيكون أول واجب هو النظر. فإذا فهمتم ما الذي ينبني على مسألة هل معرفة الله فطرية أم ضرورية؟ ايش ينبني عليها؟

أول واجب: النظر، أو القصد إلى النظر، أو الشك. هذه أول مسألة ينبني على مسألة هل معرفة الله فطرية أم ضرورية؟ المسألة الثانية التي تنبني على هذه المسألة، وهي ما حكم إيمان المقلد؟ مش هذه مسألة بتسمعونها؟ ألا وكم مرت عليكم في حياتكم؟ ما حكم إيمان المقلد؟ بحيث لو آمن الإنسان بوجود الله تقليداً، قالوا: بدون أن ينظر في الأدلة العقلية، هل يصح إيمانه؟ فذهب المعتزلة إلى أنه بعد ما دخلت المعتزلة لا يصح إيمانه حتى يعرف الله بالدليل العقلي، وليس فقط ذلك، بل إلى وجه تمكنه مجالدة الخصوم عليه. طيب، وليش قالوا؟ يعني لا يصح إيمان الإنسان حتى يثبت وجود الله بالدليل العقلي، ويكون عنده قدرة على الدفاع والمجادلة عن الدليل العقلي. يعني ما شاء الله بدك تكون بمرتبة الجبائي وأبي هاشم حتى يصح إيمانك.

طيب، وذهبت طائفة من الأشعرية إلى عدم صحة الإيمان إلا بعد النظر. وكلامي الدقيق: ذهبت طائفة من الأشعرية إلى عدم صحة الإيمان، يعني لا يصح إيمان المقلد إلا بعد النظر من دون أن يشترطوا إمكان المجادلة. يعني هذول الطائفة منهم أشاعرة، كانوا يعني أحسن شوية من المعتزلة. ايش قالوا؟ قالوا: لا يصح إيمانك حتى تثبت الله بالدليل العقلي، مش ضروري توصل لمرحلة أنك تجادل، لأ، بكفي أنك تثبت الله بالدليل العقلي. وهذا كلام خطير. طيب، وبعض الأشعرية يصحح إيمان المقلد، قالوا: يصح إيمان المقلد مع أنه آثم فاعل للحرام لأنه لم ينظر. طبعا وهذه الاقوال كلها أقوال باطلة، ولا تشكل هذه الاقوال على مذهب أهل السنة، لأنهم أصلاً يعني لو أنت رجل من أهل الحديث كيف ترد على هذه الشبهة؟ هل يصح إيمان المقلد؟ ايش تقول؟

أحسنت، إن معرفة الله سبحانه وتعالى لا تثبت تقليداً؛ لأنها معرفة فطرية ضرورية. هكذا تجيب عنهم: أنه أنتم فرضتم مسألة إيمان المقلد، هل يصح ولا لا يصح؟ هذا إنما هو ثمرة عن اعتقادكم أن معرفة الله لا تكون إلا بالنظر. لكن أهل الحديث لا تشكل عليهم أقوالكم؛ لأن معرفة الله عندنا فطرية ضرورية، فلا يمكن أصلاً أن يكون الإيمان بمعرفة الله ووجود الله تقليداً؛ لأن هي أصلاً معرفة فطرية ضرورية. فكل إنسان على هذا الكون في فطرته يعرف وجود الخالق لهذا الكون، إلا من طمست عنه شبهات ودخل في مناهج الإلحاد، فهذا الذي كما قلنا نحتاج معه إلى الأدلة العقلية، وإلا فابتداءً وأساساً معرفة الله لا تكون تقليداً. يعني أنت ما بتقلد شخص، آه، أنت عرفت الله، خلص أنا بدي ألقدك بمعرفة الله مع أني أنا ما بعرفش أنه موجود. يعني هذا كلام ليس بصحيح وليس بسديد؛ لأن المعرفة الإلهية عرفت وجود الله أمر فطري، النفوس مدفوعة إليه. ولن نطيل الحديث في هذه الفروع.

إذا لاحظنا أن مسألة هل معرفة الله فطرية ولا ضرورية تنبني عليها مسألتان: المسألة الأولى: ما هو أول واجب على المكلف؟ المسألة الثانية: هل يصح إيمان المقلد؟ وهذه مسائل شهيرة جداً، ويطول فيها الكلام في كل المتكلمين. إذا عرفت ما هو أصلها، انحلت عليك كثير من الإشكاليات فيها. ممتاز، طيب، لذلك لن أطيل الحديث في هذه الفروع التي انبنت على مسألة هل معرفة الله فطرية أم ضرورية، بل سأبين بطلان أصل المسألة، بطلان أصل أن معرفة الله فقط نظرية، فبيبيان بطلان أصل المسألة الكلامية تبطل الفروع. فدعونا نتكلم عن الأدلة التي أقامها أهل السنة والجماعة أو أقام أهل السنة والجماعة على فطرية معرفة الله وتوحيده.

الان بيجي أهل الكلام على أهل الحديث فيقولون: ما أدلتكم على أن معرفة الله فطرية ضرورية؟ أثبتوا لنا هذا الأمر، مش أنتم رديتوا علينا؟ أثبتوا لنا أن معرفة الله فطرية ضرورية. فنقول: قد تظاهرت الأدلة على أن الإنسان خلقه الله على فطرة مقتضية لمعرفته وتوحيده في الربوبية والألوهية ومعرفة جملة الأسماء والصفات، أي معرفة أصل الأسماء والصفات في الجملة. وقد ورد في الكتاب والسنة العديد من النصوص التي تدل على أن المعرفة الإلهية فطرية.

الليل الأول: أمر الله سبحانه وتعالى صراحة بلزوم هذه الفطرة التي فطرنا عليها من معرفته وتوحيده بصيغة الحث والترغيب. أعميد، الدليل الأول هو أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بلزوم هذه الفطرة التي فطرنا عليها، وهي فطرة معرفة وجوده وتوحيده في الربوبية والألوهية. ما هي الآية التي تدل على ذلك؟ قال سبحانه وتعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا. ما إعراب فطرة الله؟ شف شف هيئة اللغة هنا، ما إعراب فطرة الله؟ أحسنت، مفعول به لفعل محذوف تقديره الزموا أو اتبعوا فطرة الله. فهل يعقل أن يأمرنا الله أن نتبع الفطرة وأن نلزمها وهي لا تدل على معرفته وتوحيده؟ شوفوا كيف الدليل واضح! لما يقول ربنا: الزموا فطرة الله، طب ليش نلزمها يا رب؟ مش هيك أنت بدك تسأل: لماذا نلتزم الفطرة؟ فأنت هنا مباشرة سيأتيك الجواب: لأن الفطرة تقودك وتقتضي معرفة الله سبحانه وتوحيده في الألوهية والربوبية. فهذا دليل على أن الفطرة تعرف وجود الإله سبحانه وتعالى.

أي يقول سبحانه وتعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ. فسدد وجهك واستمر على الذي شرعه الله والتزم واتبع فطرة الله التي فطر الناس عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره. ركزوا، فطر الخلق على ايش؟ معرفته واثنين، يعني حتى توحيد الربوبية احنا مفطورين عليه، حتى توحيد الألوهية نحن مفطورون عليه يا جماعة. ما تغتروا فقط أنه بس المعرفة الإلهية، بل حتى التوحيد. لذلك قال: فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره. ولو كانت الفطرة ليست مقتضية للإسلام وللتوحيد طالبة له لما أمر بلزومها، صح ولا لا؟ لو كانت الفطرة لا تدل على المعرفة الإلهية ولا على التوحيد، هل قال لك الله: الزمها؟ ما هي لا تدل على كما تقولون أيها المتكلمون، فلماذا يأمرنا سبحانه وتعالى بأن نلزمها؟ فلو كانت الفطرة ليست مقتضية لوجود الله وتوحيده طالبة له، كما أمر سبحانه بلزومها بل أمر بتعليمها وتوجيهها إلى المعرفة الإلهية، لكانت الآية هكذا: علموا فطركم وجود الله واستدلوا بالأدلة العقلية على وجود الله. مش هيك كانت الآية لو كان كما يقول المتكلمون؟ إذا بل أمر بتعليم لو لو كانت الفطرة ليست طالبة للمعرفة التوحيد لما أمر بلزومها بل لأمر بتعليمها وتوجيهها إلى الإسلام. فطلبه لزوم الفطرة هو دليل واضح على أن هذه الفطرة إذا تركت وحدها تتجه نحو المعرفة الإلهية الحقة، نحو توحيد الربوبية نحن وتوحيد الألوهية.

ممتاز. طيب، الدليل الثاني على أن فطرة تعرف الله وتوحده: إخبار الله سبحانه وتعالى صراحة بأنه جعل في خلقنا وفي فطرننا معاني معرفته وتوحيده، وهناك العديد من النصوص التي تدل على هذا المعنى. إذاً، ثانياً: من الأدلة التي تدل على أن المعرفة الإلهية والتوحيد فطري هو إخباره سبحانه وتعالى لصراحة بأنه جعل في خلقنا وفي فطرتنا معاني هذه المعرفة ومعاني هذا التوحيد. وهناك العديد من النصوص، سأتكلم عن نصين، النص الأول وسنعيش معه رحلة، والنص الثاني سأتكلم عليه باختصار لأن فيه خلاف بين اهل الحديث في دلالته. أبتدي بالنص الأول وهو قوله صلى الله عليه وسلم، طب أنا بقول قوله صلى الله عليه وسلم، إذا هو وحي من الله، هذي يعني أظن نتفق عليها جميع الإسلاميين، صح ولا لا؟ قوله صلى الله عليه وسلم: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ جَمْعَاءَ. هل يعني معها سمعها وبصرها وتكون سليمة؟ هل تحسون فيها من جدعاء؟ هل ترون فيها لما تنتج من جدع في أعينها أو في آذانها؟ ولا الجدع والانخراط يأتي بعد ذلك في الحياة الدنيا؟ بتيجي أشياء أخرى بتشدعلها، ولا بيجي حيوان بخلع لها دانها. فالبهيمة تنتج في وضعها الطبيعي سليمة، ثم بعد ذلك يأتي عليها النقص والعيب لما تمشي في هذه الحياة الدنيا.

إذاً، قال صلى الله عليه وسلم: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ. لاحظوا الحديث ما قال: فأبواه يؤسلمانه، شو حكى؟ فأبواه ايش يا شيخ قصي؟ أو ينصرانه أو يمجسانه. طب ليش ما قال أو يؤسلمانه؟ لأنه هي الإسلام هو الفطرة. لكن الآن في سالفة ترى طلعت كبيرة بين أهل الحديث أنفسهم في معنى هذا الحديث، نقول: هذا الحديث ما من ورود إلا يولد بعد الفطرة. اختلف العلماء في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ. وننتبه معي حتى تفهموا ما معنى قول أهل الحديث إن معرفة الله فطرية ضرورية، من خلال معرفة الخلاف بين أهل الحديث في شرح هذا المعنى ستعرفون ما المراد؛ لأنه معنى حقيقة دقيق شوي، وليس كما يعني تظنونه سهل.

نقول: اختلف أهل العلم من أهل الحديث في معنى أن كل مولود يولد على الفطرة على أقوال، هي أربعة أقوال، سأبتدئ بأيش بالقول الأول ونضاعفها في الجملة يعني، وسنقتصر على القول الرابع. القول الأول ذهبوا إلى أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، أي أن الله، ركزوا شو قالوا؟ أي أن الله فطرهم على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان. آه، هذول الجماعة طبعا هذا منقول عن حماد بن سلمة، منقول عن ابن المبارك عن ناس ثقيلة من أهل الحديث، لكن هذا الفهم للحديث مرجوح، وسنعرف لماذا يبيّن شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض لماذا حماد بن سلمة وابن المبارك ومن تبعهم فسروا الحديث بهذا المعنى. لكن المهم بدنا نفهم كلامهم أول اشي، هم قالوا: معنى كل مولود يولد على الفطرة، يعني اللي ربنا رح يكتب له إنه يكون كافر سيولد على فطرة الكفر، واللي ربنا كاتب له في هالدنيا إنه يكون مؤمن سيولد على فطرة ايش؟ الإيمان. فهذا معنى قولهم، يعني كل مولود يولد على الفطرة يعني يولد على ما سيكون عليه حاله وعلى ما سيختم عليه، فإذا كان الله عز وجل سيحييه ويميته على الكفر، ففطرته تكون ايش؟

الكفر. هذا معنى يولد على الفطرة، أي على ما سيعيش ويموت عليه. وإذا كان سيعيش ويموت على الإيمان، فتكون فطرته الإيمان. هذا قول حماد بن سلمة وابن المبارك. يقول ابن تيمية: مقصود حماد وإسحاق إليه أيضاً إسحاق وابن المبارك ومن اتبعهم قتيبة وابن بطة والقاضي أبي يعلى، يعني ناس منيحة ذهبت إلى هذا المعنى. هو لماذا فسروا بهذا المعنى؟ قالوا: هم أرادوا منع احتجاج القدرية بهذا الحديث على نفي القدر. فالقدرية يا جماعة الخير كيف استفادوا من هذا الحديث، أو كيف وظفوا هذا الحديث؟ عشان تعرفوا كيف مآخذ الأقوال، الأمر عميق. القدرية ايش يقولون؟ المراد بالقدرية هنا الذين يقولون إن الله سبحانه وتعالى لم يقدر أنك تكون من أهل السعادة ولا من أهل الشقاء، أنت بنفسك تخلق فعلك بفعلك، وأنت بنفسك تقود نفسك إلى الجنة ولا إلى النار، ما فيش علم إلهي، وبعضهم يقول ما فيش آآ خلق إلهي لأفعالك، أنت نفسك بنفسك بتختار فريق الجنة وطريق النار، والله سبحانه وتعالى فقط بيلاقيك يوم القيامة على أعمالك.

كيف استدلوا؟ كيف وظفوا هذا الحديث برأيكم القدرية؟ شوفوا شو قالوا: هذا الحديث بقول هيك هذا كلام القدرية، كل مولود يولد على الفطرة، يعني كل مولود بولد صفحة بيضا، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، فالعوامل الخارجية هي التي تكتب لك طريق الشقاء أو طريق السعادة. لاحظوا كيف يوم الحديث إن المولود يولد ايش؟ على الفطرة، والذي يعني ما في قدر هيك بده يحكوا، ما في قدر سابق، إنه انت بربنا بخلق غير صفحة بيضا، وأنت نفسك بنفسك من خلال العوامل الخارجية المحيطة بك أنت تكتب مصيرك في.

هذه الحياة الدنيا فهمتم كيف فهموا الحديث هم، فجاء أهل الحديث كحماد بن سلمة بن المبارك فردوا عليهم، لكن لما ردوا الرد يقول ابن تيمية يعني قد يكون فيه شيء من الضعف في فهم الحديث بهي الطريقة. ليه؟

لانه انتم لما رديتوا عليهم كيف رديتوا عليهم، حملتوا الحديث على المؤنقين تماما من فهمهم. فقلتم اه لأ، كل مولود يرد على الفطرة، يعني كل مولود يولد على ما قدره الله له. فهمتم كيف ردوا عليهم؟ بس ابن تيمية بقول لأ، يعني هناك سبل اخرى رد قول القدرية دون الحاجة إلى فهم الحديث بهذه الطريقة. فهم هؤلاء فهموا الحديث ابن المبارك حماد بن سلمة فهموا الحديث بهذه الطريقة، يقول ابن تيمية ليردوا على القدرية الذين فهموا الحديث بطريقة مناقضة تماما ما انفرفوا بها القدر السابق. فهؤلاء أرادوا أن يثبتوا القدر السابق فقالوا كل مولود يرد على الفطرة أي على ما قدره الله له من الكفر والإيمان. فهمت؟ لازم يضيف وهو يسلم.

لا لا ما هو مش هيك. فابواه يهودان، انه تهويد الاب وتنصيره وتمجيسه هو تماشي مع القدر الذي كتب له من الكفر، من الكفر أحسنت. طب أين قدر الإسلام؟ هذا من اسم ضعف القول.

يعني على كلام ابن المبارك وعماد بن سلمة طبعا هذا نقل عن ابن المبارك حماد بن سلمة، لكن هل هم ثبتوا على هذا؟ هل تراجعوا؟ نحن ننقل ما يلقى في المصنفات، لكن هل ثبت هذا بالسند الصحيح عن ابن المبارك؟ أقول الله أعلم، لكنه كما قلت لكم ينسب هذا الفهم لحماد بن سلمة وابن المبارك رحمة الله تعالى عليهما. أنهم يقولون معنى كل مولود يولد على الفطرة أي على ما قدره الله له من الكفر والإيمان والمعرفة والإنكار، فبالتالي لما أبوي هوده لأنه هذا قدره، ولما أبوه ينصره لأنه هذا، لما أبوي مجوسه هذا قدره. طب لما أبوي أسلمه طب وين ما الإسلام صار؟ لم لم تذكر يعني على فهم قوم الإسلام ما فش اله ذكر في الحديث. فهذا من أسباب ضعف هذا القول والله تعالى أعلم. بس فهمتم أنتم ايش ما أخذهم أنه أرادوا أن يردوا على القدرية فحملوا الحديث على القدر، لكن كما قلنا فعلا في فجوات في هذا الفهم.

فباختصار فهمه حماد بن سلمة وابن المبارك أن من خلقه الله شقيا فطره على الشقاء كافرا منكرا، ومن فطره الله سعيدا يعني فطره سعيدا مؤمنا على السعادة. وهذا كما قلنا الحديث فيه اشكاليات في هذه بيناها لكم قبل قليل. طب نذهب إلى الفهم الثاني لهذا الحديث، ذهب بعضهم إلى أن معنى الفطرة في هذا الحديث وما أخذ الله من ذرية آدم من الميثاق قبل أن يخرجوا إلى الدنيا يوم استخرج ذرية آدم من ظهره على من يذهب إلى هذا القول، أن المراد كل مولود يولد على الفطرة ما ذكره الله لنا في آية الميثاق: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ برَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ. فهؤلاء هذه الطائفة الثانية قالت أنا كل مولود يولد على الفطرة أن يولد على الميثاق، كل ورود في هذا الفطرة أي على ايش؟ على الميثاق الذي أخذه الله من ذرية آدم لما أخرجهم من ظهر آدم في القديم وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْتُ برَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا.

طبعا هؤلاء هؤلاء الجماعة قالوا هذا الميثاق وبحد ذاته ليس إيمانا، يعني لما ربنا أخرج ذرية آدم من ظهر آدم تمام؟ وأشهدهم على أنفسهم ولست بربكم فقالوا بلى شهدنا. هل هذه الشهادة بحد ذاتها إيمان ينجي؟ لأ، قالوا هذه الشهادة هي عرفان بوجود الله فقط، يعني شهدنا أنك رب صانع لهذا الكون. لكن هل هي هذه إيمان؟ قالوا هذه لا تعتبر إيمان، هي هي معرفة بوجود الصانع، لكنها ليست إيمان ينجو به العبد. فهذه الطائفة فسرت الفطرة بأنها الميثاق الذي أخذه الله من ذرية آدم لما أشهدهم على أنفسهم ولست بربكم فقالوا بلى شهدنا، وقالوا هذا الميثاق إنما هو وميثاق على ماذا؟ على معرفة الله فقط، لكنه ليس إيمانا ينجو به العبد.

فقالوا إذا وليست تلك المعرفة بإيمان ينجو به العبد، ولا ذلك الإقرار بإيمان، ولكنه إقرار خلص من الطبيعة للرب، أن الله أخرج هذا الإنسان وجعل طبيعتها أقرت له أنه الرب الصانع لهذا الكون، وأصبح هذا الميثاق مغروز في الفطر فطرة الزمها لقلوبهم. ثم لما خرجوا إلى الحياة الدنيا حقيقة أرسل إليهم الرسل يدعوهم إلى الاعتراف به والإيمان خضوع. فالايمان لما خرجوا إلى الحياة الدنيا جاءتهم الرسل والرسالات ليحققوا الإيمان بماذا؟ بتلك المعرفة التي أخذت منهم في الأزل ووضعت في فطرهم. فهمتم ايش وجهة نظرهم؟

الان هذا القول ما رأيكم به أحسنت، هذا القول قريب نوعا ما هذا القول يعني قد يكون له من السعة قبول اه، لكنه يعتمد على إثبات أنه هل فعلا كان هناك إخراج لذرية آدم من ظهره في القدم ولا لا؟ لأنه هذه مسألة فيها خلاف بين المفسرين وابن تيمية وابن القيم ومجموعة من العلماء طبعا من القدم الحسن البصري وغيرهم من التابعين فسروا الآية بطريقة أخرى تماما. فهذا الفهم ينبني على إثبات أن هناك إخراج حقيقي لذرية آدم من ظهر آدم في القديم واشهاد حقيقي لهم بالميثاق، وأن هذا الميثاق وضع في فطرهم. هل هذه القصة بهذه التفاصيل ثابتة؟ وابن تيمية وابن كثير وغيرهم يقولون لا يوجد دليل مرفوع يصحح هذه التفاصيل، والآية تحتمل وجها آخر بفهمها سنأتي إليه إن شاء الله.

فإذا هذا الفهم مقبول لكن إذا ايش صحت القصة وكثير من نظار أهل الحديث لا يثبتون قصة اخذ الذرية من ظهر آدم صحيح فيها أحاديث، لكن الأحاديث المرفوعة ليست في الصحيحين ولا لم تثبت بطريق قوي كما يقول ابن كثير وابن تيمية وغيرهم. فقبول هذا الفهم حديث أن الفطرة هي الميثاق ينبني على إثبات أصل أخذ الميثاق. تمام؟

القول الثالث ده أنا خلصت كم قول بنقول أول شو بحكي أن الفطرة ما هي القدر حتى نختصر القدر المكتوب من الشقاء والسعادة. القول الثاني يقول أن الفطرة ما هي الميثاق. القول الثالث قالوا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يورد على الفطرة، لم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر الفطرة ها هنا لا كفرا ولا إيمانا ولا معرفة ولا إنكارا، وإنما أرادوا أن كل مولود يولد على السلامة خلقة وطبعا وبنية. ايش يعني؟ يعني كل مولود يولد صفحة بيضاء هذا باختصار ما فش فيه أي شيء، لا نقطة إيجابية ولا نقطة سلبية، لا كفر ولا إيمان، لا معرفة ولا إنكار. فباختصار القول الثالث يقول كل مولود يدعى الفطرة أي يولد صفحة بيضاء بس.

طبعا هدول مش قدرية اللي قالوا هيك وإن كانوا شابهوا في اصل الفكرة، لكنهم من أهل الحديث ويؤمنون بالقدر السابق، لكنهم يقولون حتى مع اثباتنا القدر لكن ما في إشكال أن نقول أن الفطرة تكون صفحة بيضاء. هذا وجهة نظرهم ما فيها معرفة ولا إنكار ولا كفر ولا إيمان. تمام، ثم بعد ذلك ينشأ الكفر والإيمان مع مرور الوقت بمروره في النظر في هذا الكون والنظر في آيات الله وما شابه ذلك هي التي حدود المعرفة والإنكار.

هذا الفاهم هو الذي يسير عليه من أيضا؟ من هذا فهم يخدم مين؟ أحسنت هذا الذي يخدم المتكلمين لانهم يريدون هاي الفكرة اه، لأنه بده يلغي دلالة الفطرة على معرفة وجود الله. فقالوا معنى الحديث أنه يولد صفحة بيضاء، فيحتاج أن ينظر في الأدلة العقلية ليثبت وجود الله وأن ينظر في الأدلة اه المتنوعة. يعني خلينا نقول عموما دليل الحدوث والتخصيص والتركيب حتى يعرف معاني التوحيد وإلا لن يعرفها، فهذا المعنى هو الذي يخدم المتكلمين.

لكن ليس شرط كل من قال بانه متكلم لأنه هذا المعنى نصره ابن عبدالبر مع أنه ليس من المتكلمين، لكنه يخدم المتكلمين هذا الذي أقوله فهمتم؟ اه أحذروا، ليس من قال بهذا المعنى شرط أن يكون متكلم، أو يقول برأي المتكلمين، لكنه وهذا الفهم يخدم المتكلمين أن الفطرة يعني صفحة بيضاء.

واحتجوا بقول النبي، طب شو دليلهم على هذا الفهم؟ قالوا احتجوا بقول الحديث كما تنتج البهيمة جمعاء، يعني سالمة من العيوب، هل تحسون فيها من جدعاء؟ أي مقطوعة الأذن. ما رأيكم بهذا الفهم؟ طب خلينا نكمل فهمهم بعدين نرجع. استدلوا بهاي النقطة قالوا لأن الحديث قال في نهايته كما قرأت الحديث قبل شوي أنا، كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ما معنى جمعاء؟ أي سليمة من العيوب ما فيها جدع في الأذنين ولا العينين ولا ما شابه ذلك. هل تحسون فيها من جدعاء؟ فتقول لا، لا بتكون جدعاء أول ما تولد. تمثل قلوب بني آدم بالبهائم التي تولد كاملة الخلق، لا يتبين فيها نقصان، ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها. فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم ليس لها كفر حينئذ ولا إيمان ولا معرفة ولا إنكار كالبهائم السالمة، فلما بلغوا استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم وعصم الله وعصم الله أقلهم. قالوا ولو كان الأطفال قد فطروا على شيء من الكفر أو الإيمان في أولية ما انتقلوا عنه أبدا، وقد تجدهم يؤمنون ثم يكفرون ثم يؤمنون.

أولا أحبابي الكرام، لو بدنا نناقش طريقة فهمهم للحديث الحقيقة في إشكال، لأنه الحديث لما يقول كما تنتج البهيمة جمعاء، يعني سالمة من العيوب كاملة في خلقها، هل هذا يدل على أنها خلقت ما فيها لا أبيض ولا أسود، واللي يدل على أنها خلقت وفيها أبيض؟ هسا هم يقولون خلقت القلوب صفحة، مش مسجل فيها لا نقطة إيجابية ولا نقطة سلبية، لا معرفة ولا إنكار لا إيمان كفر، يعني ما فش فيها لا أبيض ولا أسود صح.

الان لما يقول في الاحاديث كما تنتج البهيمة جمعاء أي سليمة كما يعني يخرج الجنين والبهيمة سليمة من العيوب، أليس سلامته من العيوب كمال؟ أليس إيجابيا؟ أليس نقطة بيضاء أنه يكون كاملا؟ فهذا لا لا يتناسق مع قولكم أن الفطرة تكون ورقة خالية، لا يوجد فيها لا أبيض ولا أسود، لأنه أن تنتج البهيمة جمعاء هذا اشي إيجابي، كمال، وأنتم بتقولوا أن القلب والفطرة خلقت لا فيها لا أبيض ولا أسود لا كفر ولا إيمان، ففش فيها اشي إيجابي ولا سلبي، ففش توازن بين الحجتين. البهيمة الجمعاء هي البهيمة السالمة الكاملة، والقلب الذي ليس فيه لا كفر ولا إيمان لا فيه شيء يمدح عليه ولا فيه شيء يذم فيه، فليس فيه سلامة حتى يعني ما في شيء يدل على الكمال فيه حتى نقول أنه كالبهيمة الجمعاء، ما فيش توازن في الحجتين، فهذه موطن النقص. وهنا اعترض ابن تيمية على هذا القول، ولا بتوافقوه ولا تخالفوه؟ أنت فاهم شو عدم التوازن بين الحجتين اين هو؟

طيب بسم الله أحسنت، الحديث فيه ثناء ومدح، فإذا كانت الفطرة تخرج لا إيجاب ولا سلب، إذا أين المدح في كلامكم للفطرة؟ ما في لا تمدح الفطرة بناء على هذا الكلام لانها لا فيها لا أبيض ولا أسود لا خير ولا شر كما نقول في لغتنا.

طيب اه وهم يقولون طبعا من أدلتهم طبعا هم لماذا ذهبوا إلى هذا الاتجاه هؤلاء ابن عبدالبر ومن ذهب إلى هذا القول الثالث؟ قالوا يستحيل في العقول أن يكون الطفل أول ما يخرج من بطن أمه يعقل كفرا وإيمانا. جيب طفلك الزغير، يجيب إبراهيم وقل له أنت فاهم يعني كفر وإيمان؟ بقول لك أنا ما بعقل كفر وإيمان، شو كفر وإيمان يا بابا؟ صح ولا لأ؟ هم يعني في عندهم حجة شوي في هذا المنطق، أنه هل يعقل أن الطفل يخرج من بطن أمه تسأله عن المعرفة والإنكار والكفر والإيمان فيكون عارفا؟ قالوا ممكن تمام؟ لأن الله يقول في كتابه: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا. لاحظوا شيئا هنا في سياق النفي، فهي صيغة عموم، والسياق أيضا سياق امتنان، والامتنان يؤكد العموم. لا تعلمون شيئا أي لا يوجد أي شكل من أشكال المعرفة الموجودة في القلب.

وهذا دليل قوي صراحة الهم أنه انتم يعني بتقولوا أنه أليس الله عز وجل يقول في كتابه: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا، وهذه الآية على عمومها وهي في سياق امتنان يؤكد للعموم، فإذا الإنسان يخرج ورقة لا فيها لا إيجاب ولا سلب، لا خير ولا شر. هيك معنى الآية. ثم من خلال السمع والأبصار والأفئدة يبدأ يتعلم ويکتسب المهارات والمعارف في الحياة، فيعرف الإيمان من الكفر والإنكار من فيعرف الإيمان من الكفر والإنكار من العرفان، وحينئذ يختار طريقه من هل سيكون مسلما أم سيكون كافرا.

طب كيف ستجيب عن هذا الكلام؟ مش دليل قوي لهم من فطرة هي التي تقوده اه يعني إذا مش الفطرة فيها المعرفة والايمان قصدك؟ اه يعني الفطرة تقود للإيمان مش فيها المعرفة والإيمان أنه إذا قلت أنت الفطرة المعرفة والإيمان موجودة فيها أول ما يخلق الطفل معناتها أن الطفل سيخرج إلى الحياة الدنيا يعرف الله ويعرف الإيمان. طب وهذا من المثال الواقع مش موجود أطفالنا لما يخرجوا بكون مش عارف يحكي. فخلينا نشوف كيف سيجيب أصحاب القول الرابع عن هذا الدليل الذي أتى به أصحاب القول الثالث.

فالمهم أصحاب القول الثالث قالوا سعيد في العقول أن يكون الطفل في حال ولادته يعقل كفرا أو إيمانا لأن الله أخرجهم في حالة لا يفقهون فيها شيئا. قال تعالى والله

وَأَخْرَجَ لَكُم بُطُونَ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا. فَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا اسْتَحَالَ مِنْهُ كُفْرٌ أَوْ إِيمَانٌ أَوْ مَعْرِفَةٌ أَوْ إِنْكَارٌ. شوف والله كَمْ مَضَافَ التَّسْجِيلَ مِنْ تَسْجِيلِ الْجَوَالِ حَتَّى لَا نَلْقَى الْإِخْوَةَ.

تَمَامٌ، ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يَقُولُ، لَاحِظُوا الْآنَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يَقُولُ: هَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ. لَاحِظُوا ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ مَعَ الْقَوْلِ الثَّالِثِ، وَيَرَى الْقَوْلَ الثَّالِثَ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ الَّتِي يُولَدُ الْوِلْدَانُ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْفِطْرَةَ هِيَ السَّلَامَةُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ، قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ، يَعْنِي عَلَى اسْتِقَامَةٍ وَسَلَامَةٍ. فَكَأَنَّهُمُ اللَّهُ أَعْلَمُ أَرَادَ الَّذِينَ مِنَ الْآفَاتِ كُلِّهَا وَالزِّيَادَاتِ، وَمِنَ الْمَعَاصِي وَالطَّاعَاتِ فَلَا طَاعَةَ مِنْهُمْ وَلَا مَعْصِيَةَ إِذْ لَمْ يَعْمَلُوا بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. الْمُهِمُّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يَنْصُرُ الْقَوْلَ الثَّالِثَ أَنَّ الْفِطْرَةَ مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عِنْدَ الْفِطْرَةِ أَيْ عَلَى السَّلَامَةِ. فَأَنْتَ بِتُخْرَجُ بِفِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ، تَمَامٌ؟ مَا فِيهَا لَا خَيْرَ وَلَا شَرَّ وَلَا كُفْرَ وَلَا إِيمَانَ، طَيِّبٌ.

يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ هَذَا الْقَائِلُ بِهَذَا الْقَوْلِ -إِنْ أَرَادَ بِهَذَا- بِدَدْ يَرُدُّ عَلَى أَصْحَابِ الْقَوْلِ الثَّالِثِ؛ إِنْ أَرَادَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُمْ خُلِقُوا خَالِينَ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِنْكَارِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ الْفِطْرَةُ تَقْتَضِي أَيْ تَطْلُبُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، بَلْ يَكُونُ الْقَلْبُ كَالْلَّوْحِ، يَعْنِي اللَّوْحَ الَّذِي يَقْبَلُ كِتَابَةَ الْإِيمَانِ وَكِتَابَةَ الْكُفْرِ فِيهِ وَلَيْسَ هُوَ لِأَحَدِهِمَا أَقْرَبَ مِنْهُ إِلَى الْآخَرِ، وَلَا أَمْيَلَ مِنْهُ إِلَى الْآخَرِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَشْعُرُ بِهِ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، فَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ.

يَعْنِي إِذَا أَنْتُمْ تَقْصِدُونَ أَنَّ الْقَلْبَ يَكُونُ كَالْلَّوْحِ، أَنَّ الْفِطْرَةَ تَخْرُجُ لِهَذِهِ الْحَيَاةِ لَوْحًا مَبْسُوطًا مِشْ مَكْتُوبًا فِيهِ لَا إِيمَانَ وَلَا كُفْرَ وَلَيْسَتْ هِيَ مَائِلَةً لَا لِإِيمَانٍ وَلَا لِكُفْرٍ، فَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَخْرُجُ إِلَى الدُّنْيَا لَا هُوَ مَائِلٌ إِلَى الْإِسْلَامِ وَلَا هُوَ مَائِلٌ إِلَى الْكُفْرِ، لَا هُوَ مَائِلٌ إِلَى عِرْفَانٍ وَلَا هُوَ مَائِلٌ إِلَى إِنْكَارٍ، عِبَارَةٌ عَنْ لَوْحٍ فَقَطْ. وَيَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: هَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ بِسَبَبِ فَسَادِهِ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ، مَا هُوَ؟ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِعْلًا الْقَلْبُ يَخْرُجُ لَوْحًا لَا يُوجَدُ فِيهِ لَا إِسْلَامٌ وَلَا كُفْرٌ، لَا إِيمَانٌ وَلَا جَحْدٌ وَلَا جُحُودٌ، لَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُسْلِمَانِهِ أَوْ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ. لَيْشَ مَا ذَكَرَ الْإِسْلَامَ ضِمْنَ الثَّلَاثَةِ؟ لَيْشَ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْكُفْرِ فَقَطْ صَحْ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْكُفْرَ نِسْبَةٌ إِلَى هَذَا الْقَلْبِ نَفْسُ النِّسْبَةِ، لِأَنَّهُ خَلَاصٌ هُوَ صَفْحَةٌ لَا يُوجَدُ فِيهَا أَيُّ شَيْءٍ. فَنِسْبَتُهَا كُلُّهَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِكُمْ إِلَى هَذَا الْقَلْبِ لِهَذِهِ الْفِطْرَةِ نَفْسُ النِّسْبَةِ، فَبِالتَّالِي كَانَ الْأَصْلُ أَنْ يَقُولَ فَأَبَوَاهُ يُؤْسِلْمَانِهِ أَوْ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ.

آه، فَإِذَا كُنْتُمْ تَقْصِدُونَ هَيْكِ فَفِعْلًا الْكَلَامُ لَا يَكُونُ دَقِيقًا، كُنْتَ تَحْكِي شَيْئًا أَحْسَنْتَ وَهَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ. نَعَمْ أَحْسَنْتَ مَائِلًا إِلَى أَحَدِهِمَا أَحْسَنْتَ، وَهَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، طَيِّبٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ -نُلَاحِظُ إِيشَ يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ- وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفِطْرَةِ بَيْنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِنْكَارِ وَبَيْنَ التَّهْوِيدِ وَالتَّنْصِيرِ وَالْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ كُلُّهُ بِحَسَبِ الْأَسْبَابِ الْخَارِجِيَّةِ عَلَى كَلَامِكُمْ. فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبَوَاهُ يُؤْسِلْمَانِهِ أَوْ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ. فَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ أَبَوَاهُ فَقَطْ يُكَفِّرَانِهِ فِي الْكُفْرِ، وَذَكَرَ الْمِلَلَ الْفَاسِدَةَ دُونَ الْإِسْلَامِ، عُلِمَ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَهُ مَزِيَّةٌ خَاصَّةٌ تُجَاهَ هَذِهِ الْفِطْرَةِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ مَنْطِقُ الْكَلَامِ.

وَأَيْضًا فَإِنَّه عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ -وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكُمْ قَبْلَ قَلِيلٍ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْمُوَازَنَةِ الصَّحِيحَةِ بَيْنَ الْبَهِيمَةِ الْجَمْعَاءِ وَبَيْنَ الْقَلْبِ الْخَالِي- وَأَيْضًا فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَكُونُ فِي الْقَلْبِ سَلَامَةٌ وَلَا عَطَبٌ وَلَا اسْتِقَامَةٌ وَلَا زَيْغٌ، إِذْ نِسْبَةُ كُلِّ هَذِهِ الْأُمُورِ إِلَى الْقَلْبِ هَذِهِ نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَيْسَ هُوَ بِأَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنَ الْآخَرِ. كَمَا أَنَّ الرَّقَّ -يَعْنِي الرَّقَّ الْوَرَقَ وَالطَّوَرَ- وَكِتَابَ الْمَسْطُورِ، وَرَقٌ مَنْشُورٌ، الرَّقُّ هُوَ الْوَرَقُ كَمَا أَنَّ الرَّقَّ الرَّقَّ وَلَيْسَ الرَّقْ عَفْواً قَبْلَ الْكِتَابَةِ فِيهِ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ مَدْحٍ كَالْمُصْحَفِ، وَلَا حُكْمُ ذَمٍّ -آه آه- قُرْآنِ مُسَيْلِمَةَ. يَعْنِي لَوْ عِنْدِي وَرَقَةٌ مَوْجُودَةٌ، هَلْ هَايَ الْوَرَقَةُ وَهِيَ خَالِيَةٌ تَمْدَحُهَا وَلَا تَذُمُّهَا؟ لَا. وَإِنَّمَا تُمْدَحُ وَتُدَانُ بِحَسَبِ مَا يُكْتَبُ فِيهَا، إِذَا كَتَبْنَا فِيهَا قُرْآنًا تُمْدَحُ الْوَرَقَةُ وَتُصْبِحُ لَا يَجُوزُ لُبْسُهَا إِلَّا بِطَهَارَةٍ عَلَى بَعْضِ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِذَا كَتَبْنَا فِيهَا قُرْآنَ مُسَيْلِمَةَ تَكُونُ مَذْمُومَةً وَتُمَزَّقُ وَتُحْرَقُ، تَمَامٌ؟ فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْقُلُوبُ، يَعْنِي لَا يُمْكِنُ أَنْ تَمْدَحَ الْقَلْبَ وَلَا تَذُمَّهُ إِلَّا بِمَا يَقَعُ فِيهِ.

طَيِّبٌ، فَفِي الْجُمْلَةِ كُلُّ مَا كَانَ -عَفْوًا خَلِّنِي أَرْجِعُ عَنِ الْأَصْلِ النَّصِّ- وَلَيْسَ هُوَ بِأَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، كَمَا أَنَّ الرَّقَّ قَبْلَ الْكِتَابَةِ فِيهِ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْمَدْحِ كَالْمُصْحَفِ وَلَا حُكْمُ الذَّمِّ كَقُرْآنِ مُسَيْلِمَةَ. وَالتُّرَابُ قَبْلَ أَنْ يُبْنَى مَسْجِدًا أَوْ كَنِيسَةً لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، التُّرَابُ لَمَّا تَحُطُّهُ فِي مَسْجِدٍ تَمْدَحُهُ، لَمَّا تَحُطُّهُ فِي كَنِيسَةٍ إِذَا بِتَذُمُّهُ، بَسْ لَمَّا يَكُونُ لِحَالِهِ يَضَلُّ عَلَى حَالَةِ الْوَضْعِ الطَّبِيعِيِّ النِّيُوتْرَا وَبَيُسَمُّوهَا بِالْإِنْكِلِيزِيِّ يَعْنِي، يَعْنِي وَضْعَ اهْ عَدَمَ الْحِيَادِ، حُلْوٌ. أَيْوَا، وَضْعَ عَدَمِ الْحِيَادِ.

طَيِّبٌ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِدِينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ. فَاللَّهُ فِي الْقُرْآنِ لَا يَمْدَحُ الْفِطْرَةَ إِلَّا يُثْنِي عَلَيْهَا؟ فَإِذَا مَدَحَ الْفِطْرَةَ وَأَثْنَى عَلَيْهَا إِذَا هَايَ الْفِطْرَةُ فِيهَا إِيشْ؟ فِيهَا شَيْءٌ إِيجَابِيٌّ. مِشْ مُمْكِنٌ تَكُونَ عَلَى وَضْعِ الْحِيَادِ، فَأَمَرَهُ بِلُزُومِ فِطْرَتِهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ فِي هَذِهِ الْفِطْرَةِ مَدْحٌ وَلَا ذَمٌّ؟

وَأَيْضًا فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّهَهَا بِالْبَهِيمَةِ اجْتَمَعَتِ الْخِلْقَةُ كَمَا تُنْتِجُ الْبَهِيمَةُ جَمْعَاءَ، وَشَبَّهَ مَا يَطْرَأُ عَلَيْهَا مِنَ الْكُفْرِ بِجَدْعِ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّكَ لَمَّا تَقُولُ الْبَهِيمَةُ جَمْعَاءُ هَذَا شَيْءٌ مَحْمُودٌ، مَمْدُوحٌ، وَالنَّقْصُ هُوَ الْمَذْمُومُ. فَكَيْفَ تَكُونُ قَبْلَ النَّقْصِ لَا مَحْمُودَةً وَلَا مَذْمُومَةً؟ فَإِذَا ابْنُ تَيْمِيَةَ يَعْنِي يَحُطُّ هَذَا الْقَوْلَ بِأَكْثَرَ مِنْ دَلِيلٍ، وَكَلَامُهُ فِي الْحَقِيقَةِ صَحِيحٌ فِي هَذَا الْمَيْدَانِ.

طَبْ مَا هُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ؟ الْقَوْلُ الَّذِي نَذْهَبُ إِلَيْهِ هُوَ الْقَوْلُ الرَّابِعُ، وَهُوَ أَنَّهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَنَّهُمْ وُلِدُوا عَلَى الْفِطْرَةِ، وَهَذَا رَكِّزُوا فِيهِ، أَنَّهُمْ وُلِدُوا عَلَى الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي لَوْ تُرِكَتْ مَعَ صِحَّتِهَا لَاخْتَارَتِ الْمَعْرِفَةَ عَلَى الْإِنْكَارِ، وَالْإِيمَانَ عَلَى الْكُفْرِ، وَلَكِنْ بِمَا عَرَضَ مِنَ الْفَسَادِ خَرَجَتْ عَنْ هَذِهِ الْفِطْرَةِ، فَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ.

إِيشْ يَعْنِي؟ يَعْنِي الْفِطْرَةُ نَعَمْ لَمَّا خُلِقَتْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودٌ فِيهَا مَعْرِفَةُ اللَّهِ، لَكِنَّهَا خُلِقَتْ تَمِيلُ وَتَقْتَضِي مَعْرِفَةَ اللَّهِ، فَلَوْ تُرِكَتْ بِدُونِ عَوَامِلَ خَارِجِيَّةٍ مُفْسِدَةٍ لَاتَّجَهَتْ نَحْوَ إِيشْ إِلَى الْمَعْرِفَةِ لِخَلْقٍ، فَهَذَا مَعْنَى أَنَّهَا خُلِقَتْ حَنِيفًا أَيْ مَائِلَةً إِلَى جِهَةِ الْحَقِّ تَطْلُبُهُ وَتَقْتَضِيهِ. فَنَحْنُ نُقِرُّ -وَهَذَا يَقُولُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ- أَنَّ الطِّفْلَ لَا يُولَدُ لَوْ سَأَلْتَهُ هَلْ تَعْرِفُ اللَّهَ؟ بِقُولُ لَكَ نَعَمْ أَنَا أَعْرِفُ اللَّهَ وَأَعْرِفُ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ، مِشْ بِهَذَا التَّصَوُّرِ. وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِطْرِيَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ أَنَّ هَذِهِ الْفِطْرَةَ لَوْ لَمْ تَتَلَوَّثْ بِعَوَامِلَ خَارِجِيَّةٍ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ فِيهَا الْمَيَلَانَ وَالِاتِّجَاهَ نَحْوَ إِثْبَاتِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ.

هَذَا مَعْنَى أَنَّهَا تُولَدُ عَلَى فِطْرَةٍ، فَهِمْتُمْ مَعْنًى دَقِيقًا تَرَى، وَعَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا التَّعْبِيرَ بِهِ أَمَامَ النَّاسِ، أَنَّ مَعْنَى أَنَّ الْفِطْرَةَ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، أَيْ أَنَّ فِطْرَتَهُ تَطْلُبُ وَتَقْتَضِي إِثْبَاتَ وُجُودِ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ لَوْ تُرِكَ دُونَ مُؤَثِّرَاتٍ خَارِجِيَّةٍ.

أَقْفِلِ الْهَاتِفَ إِذَنْ، فَمَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ الرَّابِعِ أَنَّهُمْ وُلِدُوا عَلَى الْفِطْرَةِ، أَيْ عَلَى الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي لَوْ تُرِكَتْ مَعَ صِحَّتِهَا بِدُونِ مَا حَدَا يَلْعَبُ فِيهَا لَاخْتَارَتِ الْمَعْرِفَةَ عَنِ وَلَا اخْتَارَتِ الْإِيمَانَ عَنِ الْكُفْرِ، وَلَكِنْ بِمَا عَرَضَ مِنَ الْفَسَادِ خَرَجَتْ عَنْ هَذِهِ الْفِطْرَةِ، فَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ، إِذْ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِرَاضَاتِ مَا يَرِدُ عَلَى الْأَقْوَالِ السَّابِقَةِ؛ فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَقُولُ -يَعْنِي هَذَا الْقَوْلَ نُعِيدُهُ مَرَّةً أُخْرَى بِأُسْلُوبٍ آخَرَ- فِي الْفِطْرَةِ قُوَّةٌ تَمِيلُ بِهَا إِلَى الْمَعْرِفَةِ وَالْإِيمَانِ، كَمَا فِي الْبَدَنِ السَّلِيمِ قُوَّةٌ يُحِبُّ بِهَا الْأَغْذِيَةَ النَّافِعَةَ، وَبِهَذَا كَانَتْ مَحْمُودَةً هَذِهِ الْفِطْرَةُ، وَذُمَّ مَنْ أَفْسَدَهَا.

لَكِنْ يُقَالُ هُنَا، سَنَسْأَلُ سُؤَالًا يَعْنِي شُوَ فَلْسَفَةً زِيَادَةً؛ هَذِهِ الْفِطْرَةُ الَّتِي فِيهَا هَذِهِ الْقُوَّةُ، قُوَّةُ الْمَيَلَانِ لِلْحَقِّ وَالْمَيَلَانِ نَحْوَ الْمَعْرِفَةِ وَالْمَيَلَانِ نَحْوَ الْإِيمَانِ؛ هَلْ هَذِهِ الْفِطْرَةُ وَحْدَهَا لَوْ تُرِكَتْ بِدُونِ مُعَلِّمٍ خَارِجِيٍّ وَبِدُونِ اسْتِدْلَالٍ نَظَرِيٍّ مِنْ وَاحِدٍ يَأْتِي يُعَلِّمُهَا، هَلْ سَتَتَّجِهُ نَحْوَ الْمَعْرِفَةِ؟ وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى مُعَلِّمٍ خَارِجِيٍّ؟ فَهِمْتُمُ السُّؤَالَ الْفَلْسَفِيَّ هَذَا الْفَلْسَفِيَّ يَتَعَلَّقُ لِأَنَّهُ بِالْعَقْلِ وَالتَّفْكِيرِ الصَّحِيحِ، أَنَّ هَذِهِ الْفِطْرَةَ نَحْنُ نَقُولُ إِنَّهَا مَا مَعْنَى أَنَّهَا وُلِدَتْ عَلَى الْإِيمَانِ؟ أَيْ أَنَّهَا وُلِدَتْ وَفِيهَا قُوَّةٌ تَمِيلُ نَحْوَ الْإِيمَانِ وَتَطْلُبُ الْإِسْلَامَ وَتَطْلُبُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ وَتَطْلُبُ التَّوْحِيدَ. فَالسُّؤَالُ الْفَلْسَفِيُّ الَّذِي يَرِدُ هُنَا؛ هَلْ هَذِهِ الْفِطْرَةُ يَعْنِي لَوْ تُرِكَتْ وَحْدَهَا سَتَتَّجِهُ نَحْوَ مَا إِثْبَاتِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، أَمْ سَتَحْتَاجُ إِلَى مُعَلِّمٍ خَارِجِيٍّ يُوقِفُهَا عَلَى الْأَدِلَّةِ، أَدِلَّةِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَأَدِلَّةِ وَحْدَانِيَّتِهِ؟ إِيشْ رَأَيْكُمُ الْآنَ؟

هَذَا سُؤَالٌ؛ هَلْ هِيَ كَافِيَةٌ هَذِهِ الْفِطْرَةُ بِنَفْسِهَا فِي حُصُولِ الْمَعْرِفَةِ لَهَا مَعَ الْوَقْتِ، أَوْ تَقِفُ الْمَعْرِفَةُ عَلَى أَدِلَّةٍ يَتَعَلَّمُهَا مِنَ الْخَارِجِ؟ نَقُولُ: إِنْ كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ سَتَقِفُ عَلَى أَدِلَّةٍ يَتَعَلَّمُهَا مِنَ الْخَارِجِ، يَعْنِي إِذَا قُلْنَا لَا، سَنَحْتَاجُ إِلَى شَخْصٍ يُوقِفُهَا عَلَى الْأَدِلَّةِ مِنَ الْخَارِجِ، فَإِذَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ هَذَا الشَّخْصُ وَيُمْكِنُ أَنْ لَا يُوجَدَ، طَبْ إِذَا مَا وُجِدَ هَذَا الشَّخْصُ الَّذِي سَيُعَلِّمُهَا، كَيْفَ سَتَبْقَى هَذِهِ الْفِطْرَةُ؟ فَتَبْقَى هَذِهِ الْفِطْرَةُ تَائِهَةً، وَبِالتَّالِي أَصْبَحَ الْإِسْلَامُ وَالْكُفْرُ إِلَيْهَا سَوَاءً، فَهِمْتُمْ هَذَا يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ ابْنُ تَيْمِيَةَ، أَنَّنَا لَوْ قُلْنَا أَنَّنَا سَنَحْتَاجُ إِلَى مُعَرِّفٍ خَارِجِيٍّ ضَرُورَةً، طَيِّبٌ هَذَا الْمُعَرِّفُ الْخَارِجِيُّ يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ وَيُمْكِنُ أَنْ لَا يُوجَدَ عَقْلًا.

نَحْكِي الْآنَ فِي أَدِلَّةٍ عَقْلِيَّةٍ، يُمْكِنُ أَنَّهُ تُلَاقِيهِ هَايَ الْفِطْرَةُ وَتَصْطَدِمُ فِيهِ وَكُلْ لَا تُلَاقِيهِ، طَبْ إِذَا مَا لَقِيَتْ عَشْ شُو راحَ تَضَلُّهَا؟ سَتَبْقَى غَيْرَ عَارِفَةٍ بِاللَّهِ، لَوْ قُلْنَا أَنَّهَا لَا تَعْتَمِدُ عَلَى نَفْسِهَا فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ بَلْ سَتَحْتَاجُ إِلَى مُعَلِّمٍ خَارِجِيٍّ، مَعْنَى هَذَا أَنَّ هَذَا الْمُعَلِّمَ الْخَارِجِيَّ إِذَا وُجِدَ فَأَنْعِمْ بِهِ وَأَكْرِمْ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فَهَذِهِ الْفِطْرَةُ سَتَبْقَى لَا تَعْرِفُ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَلَا تَعْرِفُ تَوْحِيدًا وَلَا شَيْئًا، فَيَبْقَى الْإِسْلَامُ وَالْكُفْرُ لَهَا فِي حَالِ سَوَاءٍ. فَبِنَاءً عَلَى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ فَأَبَوَاهُ يُسْلِمَانِ أَوْ يُهَوِّدَانِهِ أَيْضًا، لِيهْ؟ لِأَنَّ الْكُلَّ يَتَوَقَّفُ عَلَى عَامِلٍ خَارِجِيٍّ عَلَى هَذَا التَّصَوُّرِ، فَهِمْتُمْ لَوْ كَانَ الْكَلَامُ أَنَّ الْفِطْرَةَ فِيهَا قُوَّةٌ تُمِيلُهَا إِلَى الْحَقِّ، لَكِنْ هَذَا الْمَيَلَانَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْتِجَ إِلَّا بِوُجُودِ عَامِلٍ خَارِجِيٍّ، أَرْجَعَنَا لِنَفْسِ الْمَرْبَعِ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ إِذَا احْتَجْنَا لِعَامٍ خَارِجِيٍّ طَبْ هَذَا الْعَامِلُ الْخَارِجِيُّ إِذَا مَا وُجِدَ مَاذَا سَيَحْدُثُ؟ سَتَبْقَى الْفِطْرَةُ فِي حَالِهَا.

طَبْ إِذَا وُجِدَ عَامِلُ الْكُفْرِ سَتَكْفُرُ هَذِهِ الْفِطْرَةُ، إِذَا أَنْصَفَتِ الْأُمُورُ فِي النِّهَايَةِ كُلُّهَا تَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ إِيشِ الْعَامِلِ الْخَارِجِيِّ، إِذَا وُجِدَ عَامِلُ الْإِسْلَامِ سَتُسْلِمُ، وَإِذَا وُجِدَ عَامِلُ الْكُفْرِ سَتَكْفُرُ، وَإِذَا وُجِدَ عَامِلُ النَّصْرَانِيَّةِ سَتَتَنَصَّرُ، وَإِذَا وُجِدَ عَامِلُ الْمَجُوسِيَّةِ سَتَمْجُسُ، إِذَا أَصْبَحَ الْكُلُّ فِي النِّهَايَةِ يَعْتَمِدُ عَلَى الْعَامِلِ الْخَارِجِيِّ، فَأَصْبَحَتْ قَضِيَّةُ أَنَّ الْفِطْرَةَ تَمِيلُ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ قَضِيَّةً لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا، صَحْ وَلَا لَا؟ بِشَكْلٍ مَنْطِقِيٍّ فَهِمْتُمْ هَذَا يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ ابْنُ تَيْمِيَةَ؟

فَقَضِيَّةُ أَنْ تَقُولَ إِنَّ الْفِطْرَةَ تَمِيلُ إِلَى الْحَقِّ، لَكِنَّ مَعْرِفَةَ هَذَا الْحَقِّ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْعَامِلِ الْخَارِجِيِّ، وَهِيَ الْأَدِلَّةُ النَّظَرِيَّةُ الَّتِي يَقُولُهَا مُتَكَلِّمُونَ، مِشَانْ هَيْكَ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَكَّزَ عَلَى بَعْضِ هَايَ الشُّبْهَةِ، مَعْنَاتَهَا أَنَّهُ إِذَا نَحْنُ سَنَتَوَقَّفُ عَلَى الْعَامِلِ الْخَارِجِيِّ وَهِيَ الْأَدِلَّةُ النَّظَرِيَّةُ الَّتِي تَقُولُونَ بِهَا، إِذَا أَصْبَحْنَا رَجَعْنَا إِلَى الْمَرْبَعِ الْأَوَّلِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَتَوَقَّفُ فِي النِّهَايَةِ فِي النِّهَايَةِ عَلَى الْعَامِلِ الْخَارِجِيِّ، وَقَضِيَّةَ مَيَلَانِ النَّفْسِ إِلَى الْحَقِّ أَصْبَحَتْ لَا فَائِدَةَ تُرْجَى إِلَّا أَنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ تَنْجَذِبَ لِلدَّلِيلِ الْخَارِجِيِّ الْإِسْلَامِيِّ أَكْثَرَ مِنَ الدَّلِيلِ الْخَارِجِيِّ غَيْرِ الْإِسْلَامِيِّ فَقَطْ هَذِي فَائِدَتُهَا، وَإِلَّا فَكُلُّ الدَّلَائِلِ -يَعْنِي أَصْبَحَ كُلُّ الْأَمْرِ فِي النِّهَايَةِ يَعْتَمِدُ عَلَى عَامِلٍ خَارِجِيٍّ- فَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ يُقَالَ فَأَبَوَاهُ يُعَيِّنَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ أَنَّهُ كُلُّهُ يَعْتَمِدُ عَلَى الشَّيْءِ الْخَارِجِيِّ.

طَيِّبٌ، فَإِذَا كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ سَتَقِفُ عَلَى أَدِلَّةٍ يَتَعَلَّمُهَا مِنَ الْخَارِجِ، أَمْكِنَ أَنْ تُوجَدَ تَارَةً وَأَنْ تُعْدَمَ أُخْرَى، فَبِالتَّالِي كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ وَاجِبَةَ الْحُصُولِ عِنْدَ وُجُودِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ فَقَطِ الْخَارِجِيَّةِ، عِنْدَ وُجُودِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ الْخَارِجِيَّةِ إِلَّا فَلَا، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ فِيهَا قَبُولُ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِيمَانِ إِلَّا إِذَا وُجِدَتْ تِلْكَ الْأَسْبَابُ الْخَارِجِيَّةُ، لَنْ تَقْبَلَ الْمَعْرِفَةَ وَالْإِيمَانَ أَوْ لَنْ تَحْصُلَ، نَقُولُ لَنْ تَحْصُلَ فِيهَا الْمَعْرِفَةُ وَالْإِيمَانُ إِلَّا بِوُجُودِ الْأَسْبَابِ الْخَارِجِيَّةِ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِيهَا طَبْعًا النَّفْسُ، طَبْ إِذَا قُلْنَا أَنَّهَا سَتَحْتَاجُ إِلَى مُعَرِّفٍ خَارِجِيٍّ لِلْإِسْلَامِ تَمَامٌ؟ يَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَةَ زِيَادَةً فِي التَّوْضِيحِ عَلَى بُطْلَانِ هَايَ الْفِكْرَةِ، أَنَّهُ بَرْضَةْ هَايَ النَّفْسُ مَهْوَ إِذَا آهِ فِيهَا فِي النِّهَايَةِ قَبُولٌ، يُمْكِنُ أَنْ تَقْبَلَ، هَاهْ فِيهَا إِمْكَانِيَّةٌ لِأَنْ تَقْبَلَ الْكُفْرَ وَالْإِنْكَارَ، صَحْ وَلَا لَا؟ النَّفْسُ الْإِنْسَانِيَّةُ مِشْ فِيهَا إِمْكَانِيَّةٌ لِأَنْ تَقْبَلَ الْكُفْرَ وَالْإِنْكَارَ، صَحْ وَلَا لَا؟ بَدَلَ يَوْمَ مَا هُوَ نُصُّ النَّاسِ تَبَعْ كُفَّارٌ، وَأَقْصِدُ الْعَالََمَ، يَعْنِي الْعَالَمُ فِيهِ نَصَارَى وَفِيهِ يَهُودُ وَفِيهِ مَجُوسُ، فَبِالتَّالِي النَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ فِيهَا إِمْكَانِيَّةٌ لِأَنْ تَقْبَلَ الْكُفْرَ وَالْإِنْكَارَ، صَحْ وَلَا لَا؟

فَبِالتَّالِي لَوْ كَانَ الْأَمْرُ مُتَوَقِّفًا عَلَى الْعَامِلِ الْخَارِجِيِّ فِي الْإِسْلَامِ لَقُلْنَا إِنَّ النَّفْسَ إِذَنْ تَقْبَلُ الْإِسْلَامَ، وَالنَّفْسُ أَيْضًا تَقْبَلُ الْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ، وَالْأَمْرُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعَوَامِلِ الْخَارِجِيَّةِ. نَعَمْ لَرُبَمَا قَبُولُهَا لِلْإِيمَانِ أَسْرَعُ مِنْ قَبُولِ هَذَا الْكُفْرِ، لَكِنْ فِي الثَّمَرَةِ النِّهَائِيَّةِ سَتَكُونُ لِلْعَامِلِ الْخَارِجِيِّ، أَيُّ الْعَوَامِلِ الْخَارِجِيَّةِ سَبَقَتْ هُوَ الَّذِي سَيَسْبِقُ بِهَذِهِ النَّفْسِ وَيَأْخُذُهَا إِلَى سَاحَتِهِ، فَابْنُ تَيْمِيَةَ مِشْ مُوَافِقٌ عَلَى هَذَا التَّصَوُّرِ أَنْ نَقُولَ إِنَّ الْفِطْرَةَ تَحْتَاجُ إِلَى عَامِلٍ خَارِجِيٍّ حَتَّى تُؤْسِلَمَ.

فَيَقُولُ فَإِذَا قُلْنَا هَذَا الْكَلَامَ كُلَّيَاتِهِ وَأَنَّنَا نَحْتَاجُ إِلَى عَامِلٍ خَارِجِيٍّ، فَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الَّذِي أَبْطَلْنَاهُ، الَّذِي هُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ، أَنَّهُ أَصْبَحْنَا كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى عَامِلٍ خَارِجِيٍّ، مَا عَدْنَا نَعْتَمِدُ عَلَى نَفْسِ الْفِطْرَةِ.

وبينا أنه ليس في ذلك مدح للفطرة وإن كان فيها قوة تقتضي. الآن الحالة الثانية أن نقول لا، الفطرة هي تميل إلى الحق هذا واحد، تميل إلى معرفة الله، زائد فيها قوة ربنا أودعها فيها تقتضي أن تعرف الحق بنفسها بدون الحاجة إلى دليل خارجي. ركزتم الآن في هذا الكلام العميق الدقيق، أن الفطرة تقتضي الحق وتطلبه هذا واحد، اثنين ربنا أودع فيها قدرة أنها ايش وقوة أنها تعرف الحق بنفسها، أن تعرف العاقبة ايش بدون الحاجة إلى معلم خارجي.

إذا وإن كان فيها قوة تقتضي المعرفة بوجود الله وتقتضي الوحدانية بنفسها وإن لم يوجد من يعلمها تلك الأدلة، لزم حصول المعرفة فيها بدون ما تسمعه من أدلة المعرفة من الأشخاص الخارجيين. طيب، كيف سيكون هذا؟ كيف فيها قوة ربنا أودعها أنها تعرف الحق بنفسها؟ أما نقول من خلال معرفة ضرورية تحصل لها، أما يعني هذه إحنا الآن ابن تيمية لاحظوا كيف فسر القضية، أنه أولا النفس ما معنى أنها خلقت على الفطرة، أنها تميل إلى الحق وتقتضيه وتطلبه.

طيب، لما تبدأ تطلب الحق هيك السؤال، لما تبدأ تطلب الحق وتبحث عنه هل الفطرة وحدها قادرة على الوصول إليه؟ أم تحتاج إلى شخص خارجي، إلى إلى عامل خارجي؟ ابن تيمية يقول بل هي نفسها تستطيع الوصول إليه بدون عامل خارجي. طيب، كيف شكله راح تسأل كيف بنفسها تستطيع الوصول للحق؟ قال يعني سواء قيل إن المعرفة ضرورية فيها فيقول أما عن كما تحصل باقي المعارف بصورة ضرورية.

الان أحبابي الكرام الطفل لما يخلق ويوجد في الحياة الدنيا، كيف مع الوقت بعرف أنه السبب يولد المسبب، يعني أنا لو سألتك ما هي اللحظة في حياتك العمرية اللي عرفت فيها أنه السبب يولد المسبب، وأنه الأثر أو أن المؤثر لابد له من أثر أو أن الأثر لابد له من مؤثر، هاي بيسموها المعارف الضرورية. وكيف عرفت أن الكل أكبر من الجزء وأن الجزء أصغر من الكل؟

في لحظة معينة عرفت فيها هاي المعارف الضرورية واللي هي حصلت مع الوقت بصورة ضرورية، هذي بيسموها الضروريات الأولية. الضروريات الأولية أحبابي على الصحيح وكما ذكر ابن القيم في الصواعق المرسلة، الضروريات الأولية هي لا تكون موجودة مع الإنسان، بل يكون الإنسان له قابلية لها، لكنها تنشأ ضرورة مع مرور الوقت.

الضروريات الأولية أنه الكل أكبر من الجزء وأن الجزء أكبر من الكل، وأنه السبب يولد المسبب، وأنه المسبب ناتج عن سبب، وأنه الأثر لابد له من يؤثر، صح؟ مشاهد بيسموها الضروريات الأولية اللي كل البشرية والعقلاء يؤمنون بها. هسه هذه الضروريات الأولية حدثت في الإنسان مع مرور الوقت ضرورة، ولا يوجد في ساعة معينة أنت عارف أنه والله اكتسبت فيها هاي المعرفة.

لو سألتك شو هي الساعة اللي قريت الكل أكبر من الجزء، أنت عارف متى هي؟ لا، هذي ضروريات أولية تنتج مع الإنسان ضرورة نتيجة سيره في هذا الكون. فالطفل عندما يبدأ يتأمل الأشياء من حوله سبحان الله، ربنا عز وجل أودع في هذه الفطرة قدرة أنها تكتسب معارف من خلال سير الطفل في هذه الحياة ونظره في الأشياء، يكتسب معارف تسمى المعارف الايش الضرورية.

هذه ما يحتاج الطفل لواحد يعلمه إياها ولا احتاج إلى دليل عقلي، وقفوا عليها هكذا، الفطرة فيها قدرة أن تكتسب معارف ضرورية. ومن المعارف الضرورية التي تكتسبها الفطرة وجود الله سبحانه وتعالى، فوجود الله هو أوضح في هاي الفطرة من أن الكل أكبر من الجزء وجزء أكبر من الكل، تصوروا هكذا، نقول هذا الحديث بأن حاجتك وافتقارك إلى الله سبحانه وتعالى أكبر من حاجتك وافتقارك إلى معرفة أن الكل أكبر من الجزء.

وكلما ازدادت الحاجة إلى الشيء زاده الله وضوحا عند الإنسان، فنقول إذا يقول ابن تيمية الفطرة تقتضي الحق هذا واحد، يعني تطلبه، اثنين لها وتستطيع هذه الفطرة أن تعرف الحق بنفسها. كيف تعرف الحق بنفسها من دون حاجة إلى نظر عقلي خارجي؟

أما نقول مثلها مثل سائر الضرورات الأولية، يعني كما أنه احنا حصلنا الكل أكبر من الجزء بدون ما يجي واحد يعلمنا إياها، وعرفنا كثير من ضروريات الحياة مع خروجنا أطفالا وبدأنا في هاي الحياة فتعلمنا كثير من الضروريات الأولية. كذلك تصبح معرفة الله عز وجل مثلها مثل هذه الأمور من الضروريات الأولية التي تكتسبها النفس بدون الحاجة إلى شخص خارجي ليعلمها، هذه الطريقة الأولى.

أو قال أو أو تحصل بأسباب تنتظم في النفس من غير أن يسمع كلام مستدل، فإن النفس بفطرتها قد يقوم بها من النظر والاستدلال ما لا يحتاج معه إلى كلام أحد، آآ أو طريقة ثانية بيقترحها ابن تيمية وهي أن نقول أنه هاي النفس هاي الفطرة تقوم فيها مقدمات عقلية وهي تسير في الحياة الدنيا من دون صنع صانع، من دون ما حدا ييجي يضع فيها هاي المقدمات.

تنتظم هذه المقدمات العقلية في النفس بإرادة الله، فتقودها هذه المقدمات إلى إثبات وجود الصانع، فباختصار النفس ستعتمد على نفسها ولن تحتاج إلى شيء خارجي، أما على طريقة الضروريات العقلية أو أن المقدمات تنتظم فيها انتظاما من دون الحاجة إلى مؤثر خارجي يعلمها.

طبعا هذه كلها اقتراحات الله أعلم ما هو الدقيق فيها، لكن الاقرب والله أعلم أنها كالضروريات، أنه كما أننا نتعلم الضروريات الأولية، ضرورية الكل والجزء وضرورية السبب والمسبب، من دون الحاجة إلى شخص يبدأ يعلمنا إياها ويعطينا إياها قواعد في المدرسة، وإنما نتعلمها كاطفال. لما فنبدأ نسير في الحياة الدنيا، فكذلك معرفة الله سبحانه وتعالى تنتج وتصبح ضرورية كمثل هذه الضروريات الأولية.

إذا السؤال الآن لو سألتك ما هو خلاصة الرأي الصحيح والله تعالى أعلم في قضية كل مولود يولد على الفطرة، فتقول الرأي الصحيح أن الفطرة تولد وتخرج تطلب الحق وتميل إليه، هذا واحد. اثنين ربنا أودع فيها قوة أن تعرف هذا الحق وهو وجود الإله وتوحيده بنفسها، من دون الحاجة إلى من يوقفها على هذا الأمر. هسه إذا وجد من فعل هذا الأمر خير وبركة ما عنده مشكلة، لكن نقول لا نحتاج أو لا يستلزم هذا.

بل يمكن لهذه النفس أن تعرف الحق بنفسها، أما على صورة الضروريات الأولية كما قال ابن عباس، أو على صورة مقدمات تنتظم في النفس وحدها من دون الحاجة إلى عامل خارجي. كل هذا حتى ينتظم فهم الحديث، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل مولود يولد على الفطرة فابواه، أبواه هو بين قوسين العامل الخارجي.

فابواه ايش فيه يهودانه ينصرانه يمجسانه. إذا الإسلام أين هو؟ الإسلام الفطرة تقتضيه ويمكن أن تصل إليه وحدها من دون الحاجة إلى عامل خارجي. نشوف الفكرة كم هي دقيقة وعميقة، فكرة دقيقة وعميقة بها تفهم وبها ترد على المتكلمين. لأنه بعض إخواننا من أهل الحديث هو مش فاهم الموضوع بهاي الطريقة، فترد عليه شبهات المتكلمين في الجواب عنها.

فيأتيه المتكلم فيقول له أنتم تقولون كل مولود يولد على الفطرة، وأروني هذا الطفل، هل هذا الطفل هو على الفطرة؟ مش أنتم بتحكوا ولد يعني عارفا بالله؟ خلي هذا الطفل ينطق، هل أنت عارف بالله، العارف بتوحيد الألوهية والربوبية؟ يبدأ يناقشك بهذا المنظور. فأنت بتفهمه لا لا أنا مش قضي يرد على الفطرة، يعني أن المعرفة الإلهية والتوحيد يكون منتج معه جاهز؟ لا، المراد أنها تميل إلى الحق وتستطيع أن تعرفه وتستطيع أن تعرفه بنفسها من دون الحاجة إلى معلم وموقف خارجي، هذا هو المراد.

وخلاصة الأمر أن حب النفس وخضوعها لله وإخلاصها الدين له مع الكفر والشرك والنفور، يعني لو حطينا هاي المسألة وهاي المسألة الشرك والكفر وضعناه في جهة، معرفة الله وتوحيده وألوهيته وضعناها في جهة أخرى، أما أن يكون هيك السؤال، أما أن يكون نسبة هذه الأمور إلى الفطرة سواء أو الفطرة مقتضية للأول وهو التوحيد دون الثاني.

شفتوا الآن كيف بده يرجع ابن تيمية يرتب الفكرة، نقول حطوا الإيمان والتوحيد ومعرفة الله على جهة، وضعوا الكفر فروا الشرك على جهة أخرى بأنواعه، الكفر والشرك بأنواعه من تنصير يهودية، أما أن تكون هذه الأمور كلاهما نسبتها إلى الفطرة سواء نفس المسافة بينها وبين الفطرة، أو تكون الفطرة أميل إلى الإيمان والتوحيد أكثر من ميلانها إلى ايش إلى الكفر والشرك.

فإن كانت الفطرة تميل إليهما بنفس الميلان، فهنا اصبحت هذه الفطرة مش ممدوحة ولا مذمومة، أنها تميل إليهما بنفس الميلان، فإن كان سواء لزم انتفاء المدح عن الفطرة ولم يكن هناك فرق بين دعائها إلى الكفر ودعائها إلى الإيمان صح؟ ويكون تمجيسها كتسليمها أو كاسلامها وتحنيفها، وهذا باطل لأنه الفطرة ممدوحة، فعلى ايش ممدوحة إذا كانت تقف على نفس المسافة من كل الأديان؟

طيب، واما أن كان فيها مقتض للإسلام، مقتض للتوحيد، مقتض لمعرفة الله، فاما أن يكون هذا المقتضي يعني هذا الميلان لها، مستلزما لمقتضاه عند عدم المعارض، واما أن يكون متوقفا على عامل خارجي، ها. إذا قلنا لا، النفس تميل للإيمان ومسافتها من الإيمان أكثر من مسامتها إلى الكفر. طيب، فنقول هنا هل هذه المسافة هي بوحدها تستلزم حصول ثمرتها من الإيمان والمعرفة، ولا نحتاج إلى عامل خارجي مع ذلك يوقفها على الإيمان والمعرفة؟

طيب، فإن كان الأول، يعني إذا كانت بنفسها تستطيع الوصول للمعرفة والإيمان، ثبت أن حصول المعرفة والإيمان من لوازم هذه الفطرة وأنها مفطورة عليه لا تفقد إلا إذا فسدت الفطرة. وان قيل أن لا حتى ولو كانت النفس تميل للإيمان، فهي متوقفة في حصول الإيمان على شخص خارجي، فذلك الشخص إذا في الواقع وفي النتيجة هو الذي يجعلها حنيفية، كما أن ذلك الشخص هو الذي يجعلها مجوسية أو نصرانية وهذا باطل.

فهمتم كيف ابن تيمية هندس الفكرة بهاي الطريقة؟ طيب، هذا خلاصة كلامنا في هذا الأمر، أظن أن الوقت هكذا يعني تداركنا، بقي الكلام عن الدليل الثاني الذي قلته لكم، وهي الآية التي وقع فيها خلاف: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. هل هذه الآية تدل على دليل الفطرة ولا لا على ذلك؟

ونهى رأي آخر في خلاف بين المفسرين أذكرهم فانا حاضر القادمة إن شاء الله. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا أكرم الأكرمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.