بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبابي الكرام إلى المجلس الثاني من تعليقنا على العقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر الطحاوي، رحمة الله تعالى عليه. في المحاضرة السابقة كانت مقدمات وممهدات والمؤاخذات على العقيدة الطحاوية، تكلمنا أيضًا عن المنهج الذي اتبعه الإمام الطحاوي، وقسمنا عبارته التي استعملها في هذه العقيدة إلى أربعة أقسام، تمام؟ تكلمنا أيضًا عن من أكثر من شرح العقيدة الطحاوية؟ ولماذا نحن سنشرح العقيدة الطحاوية مع أن عليها شيئًا من المؤاخذات؟ هل العقيدة الطحاوية تعتبر من عقائد أهل السنة؟ وتكلمنا عن شخصية الإمام الطحاوي.
اليوم بإذن الله نشرح في الدرس الثاني، وكالعادة في بداية شروح العقيدة أنا لا أشرع في الكتاب مباشرة، وإنما أقدم بمجموعة من المقدمات تبين منهج أهل السنة والجماعة في الاعتقاد؛ فإن منهج أهل السنة والجماعة -منهج أهل الحديث- له معالم وسمات واضحة تميزه عن غيره من المناهج، على طالب العلم أن يحكم هذه القواعد. في شرحنا على لمعة الاعتقاد ذكرت في بدايته -أو في مطلع شرحه- مجموعة من القواعد، ونحن اليوم بإذن الله في شرح الطحاوية سنذكر أيضًا مجموعة أخرى من القواعد، فعليكم أن تضموا ما نذكره هنا إلى ما نذكره هناك، وبإذن الله من جمع هذه القواعد وضبطها وفهمها يعرف المنطلقات التي يستند إليها أهل الحديث في التفكير العقدي، تمام؟
طيب، إذاً قبل أن نشرع في العقيدة الطحاوية عندنا مجموعة من القواعد. القاعدة الأولى نَبْدأ بها مستعينين بالله، القاعدة الأولى التي يتبعها منهج أهل السنة والجماعة في التفكير العقدي -وأرجو أن تنتبهوا لها جدًا لأنها مهمة ومنطلق أساسي في التفكير والتفريق بين منهج أهل الحديث وبين المناهج المنحرفة عن طريقة أهل السنة والجماعة- تقول هذه القاعدة: يجب على المسلم أن يوقن تمام الإيقان بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بين مسائل أصول الدين ودلائلها، بين ماذا؟ مسائل أصول الدين ودلائل هذه المسائل. أعيد: يجب على المسلم أن يوقن تمام الإيقان بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين مسائل أصول الدين ودلائلها. الآن نكمل: بينها تمام البيان، ونص على كل ما يعصم من المهالك نصًا قاطعًا للعذر. إلى هنا ينتهي نص القاعدة، جميل؟ نعيده ولا خلاص الجميع كتب؟ يجب على المسلم أن يوقن تمام الإيقان بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين مسائل أصول الدين ودلائلها تمام البيان، ونص على كل ما يعصم من المهالك نصًا قاطعًا للعذر.
إذاً أحبابي الكرام، من المنطلقات التي ينطلق منها أهل الحديث أننا نوقن تمام الإيقان بأن المصطفى صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى مسائل أصول الدين -مسائل الاعتقاد الأساسية ودلائل هذه المسائل- قد بينها بيانًا شافيًا ما بعده بيان، ووضحها توضيحًا جليًا لا نحتاج معه إلى كلام المتأخرين، وإنما موقفنا ودورنا أن نتبع حقائق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ونتفهم هذه الحقائق. وطبعًا ستدركون لماذا نحن ننص على هذه القاعدة وما أهميتها في مواجهة الأفكار المنحرفة، لكنني أعطي الآن مجموعة من الآيات وهي التي تدل على هذه القاعدة.
يقول سبحانه وتعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ، كلمة "يبين" ضعوا تحتها ثلاثة خطوط. الله سبحانه وتعالى يخبرنا عن سنة إلهية متكررة، أن الله عز وجل لا يضل قومًا بعد إذ هداهم حتى -إيش يا شيخ هشام؟- أن يأتيهم بالبيان التام. بما أن الله أطلع أنه سيبين، إذاً هو قطعًا بَيَّنَ البيان التام الكامل في مسائل أصول الدين الذي لا يحتاج بعده إلى بيان.
وكذلك يقول تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا. فإذا أخبرنا الله أنه أكتمل لنا الدين، إذاً من الطبيعي أن تكون مسائل أصول الدين هي أولى المسائل التي أُكملت وتمت واستقرت.
وكذلك يقول سبحانه وتعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، إذاً وظيفة الرسل إقامة الحجج، وإقامة الحجج إنما تكون ببيان ما يرتضيه الله سبحانه وتعالى في مسائل أصول الدين.
وقال الله عز وجل في الآية الرابعة: وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، كلمة "المبين" ضعوا تحتها خطوطًا. إذاً النبي صلى الله عليه وسلم وظيفته كما تدل هذه الآية ما هي؟ البلاغ المبين الموضح الكاشف. إذاً لا يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ترك مسألة من أصول الدين لم يبينها، أو تغافل عنها، أو أهملها، أو سكت عن الحق فيها.
طبعًا أنت عندما تؤمن بهذه القاعدة ما الذي تأخذك إليه؟ أنه عليّ أن أدخل بالتالي إلى حقائق كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فأتفهم مسائل أصول الدين ودلائل أصول الدين من خلال كلامه، ولا أزيد على ذلك من كلام المخلوقين إلا ما كان من كلام الصحابة والتابعين من باب التتمة والكشف عن مقصود النبي صلى الله عليه وسلم فيما يمكن أن يكون يخفى على بعض الناس، وإلا فكلامه صلى الله عليه وسلم لمن عقله كلام تام شافٍ في مسائل أصول الدين وفي دلائل هذه المسائل. وركزوا: كلامه تام شافٍ في ماذا؟ في مسائل أصول الدين، وفي الدلائل التي يستدل بها على مسائل أصول الدين.
فالإسلام والعقيدة كما بينت في شرح الاعتقاد سابقًا لم يركز فقط على مسائل أصول الدين، بل بين المنهج الذي يجب أن يعتمد في الاستدلال على هذه المسائل، فليس لنا أن نحدث منهجًا جديدًا سوى منهج الله ورسوله في الاستدلال على مسائل أصول الدين؛ سواء الاستدلال على وجود الله، الاستدلال على توحيد الربوبية، الاستدلال على توحيد الألوهية، الاستدلال على بعثة الأنبياء. كل هذه المسائل رسم القرآن المنهج بالدلائل التي تقام عليها. وستعرفون لماذا أركز على هذه الكلمات بعد قليل.
إذاً فأقول معلقًا على هذه القاعدة: إن المسائل التي هي من أصول الدين -ركزوا معي الآن، ركزوا معي- إن المسائل التي هي من أصول الدين وحقًا تستحق أن تسمى أصول الدين -لأن بعض الفرق تدخل مسائل تحت أصول الدين وهي ليست من أصول الدين في شيء، وتدخل دلائل تحت أصول الدين وهي ليست من أصول الدين في شيء- فنقول: إن المسائل التي هي من أصول الدين وحق لها أن تكون من أصول الدين لا يجوز أن يقال إن النبي لم ينقل فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم كلام، ما بصير تحكي هيك، لا يجوز أن يقال لم ينقل فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم كلام، بل من قال هذه الجملة فكلامه متناقض في نفسه.
لماذا الذي يقول إن هذه المسألة من أصول الدين ثم يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه بيان شافٍ في هذه المسألة، هذا كلام متناقض؟ لماذا؟ نقول: إذ كون المسألة من أصول الدين يوجب أن تكون من أهم أمور الدين، صح؟ لأنك تدخلها مسألة من أصول الدين، إذاً هي من أهم أمور الدين، وتشتد الحاجة إليها بالتالي أشد الاحتياج. وأنت جعلتها من أصول الدين، فنفي نقل الكلام فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم يوجب أحد أمرين: إما أن النبي صلى الله عليه وسلم أهمل الأمور المهمة التي يحتاج إليها في الدين فلم يبينها -وحاشاه بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه-، أو أنه بينها عليه الصلاة والسلام فلم تنقلها الأمة من الصحابة والتابعين إلى من بعدهم، وهذا الاحتمال الثاني قدح في جيل الصحابة والتابعين، وحاشاهم! وكلا هذين باطل قطعًا، وهو من أعظم مطاعم المنافقين في هذا الدين. وإنما يظن هذا الظن وأمثاله من هو جاهل بحقيقة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو جاهل بحقيقة ما يعقله الناس بعقولهم وقلوبهم من كلامه عليه الصلاة والسلام.
إذاً فهمتم لماذا هذا الكلام متناقض؟ لما تقول أنت هذه مسألة من أصول الدين، ثم تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبينها بيانًا شافيًا، وجه التناقض هنا بالمعنى المجازي أنك تطعن في مقام النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهو إما لم يبينها مع شدة الحاجة إليها، أو أنه بينها والصحابة والتابعون لم ينقلوها، وهذه مشكلة كبيرة، وهذا معناها أن الدين لم يحفظ، وأن الله سبحانه وتعالى الذي ارتضى لنا الإسلام دينًا لم يحفظ دينه، وهذا عين الطعن في الله والعياذ بالله! فليحذر الإنسان عندما يتكلم وعندما يتفوه بالكلام ما الذي يتفوه به؟
طيب، نحن سنوضح أكثر وأكثر هذا المعنى، فنقول: وذلك أن أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها في القلب ويجب أن تذكر قولًا باللسان أو تعمل بالجوارح؛ كمسائل التوحيد والصفات والقضاء والقدر والنبوة والإيمان بالمعاد، أو دلائل على المسائل. الآن أصول الدين طبعًا لنا وقفة وقاعدة كاملة سنتكلم فيها إن شاء الله عن تقسيم الدين إلى أصول وفروع، هذه دعوها إن شاء الله في وقتها، لكنني سأتكلم الآن عن كلام مجمل، وهو أن أصول الدين تنقسم إلى ماذا؟ إلى نوعين: مسائل ودلائل، هيك دائمًا بدك تحفظ هذا التقسيم، أصول الدين تنقسم إلى إيش؟ مسائل ودلائل. طبعًا إيش يعني دلائل؟ يعني أدلة المسائل. فإذاً أصول الدين تنقسم إلى مسائل -نفس المسألة: مسألة الألوهية، الربوبية، الأسماء والصفات، المعاد، النبوة، القضاء والقدر، هذه اسمها مسائل- والقسم الثاني من أصول الدين ما هو؟ دلائل المسائل، جيد؟
طيب، أما القسم الأول وهو المسائل: فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته وإلى اعتقاده وإلى التصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر؛ إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين، وبينه للناس، وهو من أعظم ما أقام الله الحجة على عباده فيه بالرسل، أليس كذلك؟ يعني هل يعقل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم جاء ليبين لنا تفاصيل الوضوء أن للمرفقين وأنك تمسح الرأس من هنا إلى هنا وأنك تغسل القدمين إلى الكعبين، ولا يكون بين لنا توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات؟ هل يعقل أن يكون ما بين لنا مسائل القضاء والقدر بيانًا شافيًا؟ معقول هذا؟ أنتم متخيلون ماذا نقول؟ نحن نجد أننا في الفقهيات النبي صلى الله عليه وسلم بين لنا كيف نشرب، على كم شربة تشرب الماء، وماذا تقول عند البداية وعند النهاية، هل يعقل أنه عليه الصلاة والسلام اهتم بهذه التفاصيل المهمة لكنه غفل عن بيان أصول الدين بيانًا شافيًا؟ لا يمكن هذا، أليس كذلك؟
إذاً فنحن الآن نتكلم أولًا عن المسائل، نحن نتكلم الآن عن إيش؟ أصول الدين: مسائل ودلائل. بدأت في القسم الأول اللي هو المسائل، معي؟ فنقول: فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به قد بينه الله ورسوله بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر، إذ هذه من أعظم الأمور التي بلغ فيها النبي صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين، وهي من أعظم ما أقام الله الحجة على عباده فيه بواسطة الرسل وكتاب الله الذي نقله الصحابة ثم التابعون ثم من بعدهم عن الرسول لفظًا ومعنى، والحكمة التي هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم -القرآن دائمًا ما يقرن الكتاب بالحكمة، المراد بالحكمة كما ذكر الشافعي في الرسالة أنها السنة- إذاً والحكمة التي هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم التي نقلها الصحابة والتابعون أيضًا عن الرسول مشتملة من ذلك على غاية المراد، وعلى تمام الواجب والمستحب كذلك. إذاً فالقرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم مشتملة على مسائل أصول الدين شمولًا كاملًا لا يوجد فيها نقص أو خلل يحتاج إلى إضافة بعد كلام الله وكلام رسوله، فهمتم ماذا أقول جيدًا؟
نكمل يا مشايخ، قال: وإنما يظن عدم اشتمال الكتاب والسنة على بيان مسائل أصول الدين بيانًا شافيًا من كان ناقصًا في عقله وسمعه، من كان ناقصًا في عقله؛ إما هو عنده خلل في الفهم فلا يفهم حقائق الكتاب والسنة، أو عنده نقص في السمع فلم تصل إليه كثير من الأحاديث، في غير هيك يا شيخ قصي؟ ما في، يا نقصان في العقل يا نقصان في السمع، ما المراد بنقصان السمع؟ عدم بلوغ السنة إلى أذنك، وهذا جهل منك بالتالي أيضًا.
قال: وأما القسم الثاني -أنا سأنتقل للكلام عن القسم الثاني من أصول الدين ألا وهو الدلائل-: وأما القسم الثاني وهو دلائل مسائل أصول الدين؛ فإنه وإن كان يظن طوائف من المتكلمين والفلاسفة من الفرق الكلامية والفلسفية، وإن كانوا يظنون أن الشرع إنما يدل على مسائل أصول الدين بطريق الخبر الصادق، أي بمجرد السمع، فدلالته بالتالي موقوفة على العلم بصدق المخبر، ويجعلون ما بني عليه صدق المخبر هي أمورًا معقولة محضة يضعونها في عقولهم؛ فقد غلطوا في ذلك غلطًا عظيمًا، بل ضلوا ضلالًا مبينًا.
ما معنى هذا الكلام؟ الفرق الكلامية المباينة لمنهج الكتاب والسنة والفرق الفلسفية أحبابي تظن أن دلالة القرآن ودلالة السنة -الأدلة التي يوردها الكتاب والسنة على المسائل العقدية- هي مجرد دلائل إيش؟ سمعية، هي مجرد دلائل إيش؟ أدلة سمعية. فأيماننا بهذه الأدلة السمعية هو متوقف على إثبات صدق هذا السمع، صح؟ وإذا أثبتنا... طيب كيف نثبت صدق هذا السمع؟ من خلال المعقولات المحضة التي بنوا عليها عقائدهم، فقالوا: لا بد وأن نأتي بدليل الحدوث لإثبات وجود الله، إذا أثبتنا وجود الله، ونأتي بدليل المعجزة لدلالة صدق النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن يأتوا بالأدلة على وجود الله، الأدلة العقلية التي يخترعونها على وجود الله، ويأتون بالأدلة على توحيده وعلى ربوبيته وألوهيته، وبعد طبعًا الألوهية -دليل الألوهية عندهم دليل سمعي، فهذا ضعوه على جنب سأبينه لكم إن شاء الله-. المهم بعد أن يقيموا الأدلة العقلية الخاطئة على وجود الله، ويقيموا الأدلة العقلية التي فيها شيء من الخطأ على توحيد الربوبية، ثم يقيموا أدلتهم العقلية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، ينزفون كل الأمور العقلية في إثبات الأمور الأساسية في الدين، يأتون يقولون بعد ذلك: إذا أثبتنا صدق النبي صلى الله عليه وسلم نأتي لنحتج بالكتاب والسنة. فالاحتجاج بالكتاب والسنة عندهم يكون في رتب متأخرة جدًا، في مرتبة متأخرة جدًا. يعني المطالب العقدية الأساسية وهي إثبات وجود الله والربوبية وإثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم هذه لا علاقة للقرآن والسنة فيها، يقولون لا علاقة للقرآن والسنة فيها، وإنما نبنيها على ماذا؟ على مجرد الأدلة العقلية التي يصفونها ويرصفونها على طريقة الفلاسفة. فأنتم ملاحظون أن أخطر المسائل العقدية -وهي مسألة وجود الله ومسألة الربوبية ومسألة صدق النبي صلى الله عليه وسلم- نَحَّوا القرآن والسنة فيها عن الاستدلال، ملاحظون؟ فهمتم؟
طيب، الآن هنا نحن نناقشهم، نقول: فرضًا نحن بدنا نمشي معكم، إنه فعلاً القرآن والسنة -أو لا أريد أن أقول القرآن والسنة، يعني نحن سنسير معكم باحتياجنا إلى الأدلة العقلية دائمًا في إثبات هذه الأمور، سنسير معكم في أننا نحتاج إلى الأدلة العقلية في إثبات هذه الأمور الكبرى؛ وهي وجود الله وتوحيد الربوبية وصدق النبي صلى الله عليه وسلم، نحن نحتاج إلى الأدلة العقلية، نتفق؟ نتفق. نقول لهم: هل القرآن والسنة كانا خاليين عن الأدلة العقلية؟ هكذا السؤال، وهذا سؤال مهم وخطير وقليل للأسف من طلبتنا اليوم من أهل الحديث من يتقنه، اسمعوا هذا السؤال وافهموه: هل الكتاب والسنة خاليان من الأدلة العقلية؟ القرآن الآن سأقرأ لكم من كلام ابن القيم في الصواعق المرسلة، مليء بالأدلة العقلية والحجاج العقلي المنطقي في غاية الكمال والجمال. ممتاز، طيب إذا كان القرآن والسنة -يا شيخ حسين- مليئين بالأدلة العقلية، القرآن مليء بالإطلاق ولذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم، خليني أركز أنا على القرآن، إذا كان القرآن مليئًا بالأدلة العقلية، هل الاحتجاج بالأدلة العقلية التي أوردها القرآن يتوقف على إثبات صحة السمع؟ سمعتم هذا السؤال؟ هذا سؤال هو سؤال محوري.
الآن جاءك شخص وأنت لا تعرف من هو، جاءك بدليل عقلي صحيح، هل قبولك للدليل العقلي يتوقف على معرفتك بصحة هذا الشخص وصدقه؟ لا، لأن هذا دليل عقلي في النهاية، هو أعطانا أدلة عقلية، الدليل العقلي صح ولا خطأ؟ والله صحيح، إذاً أخذي لهذا الدليل العقلي لا يتوقف على معرفتي بصدق المخبر به أو عدم صدقه، هيك منطق الحياة. يعني أنا ما بعرف الشيخ قصي، الشيخ قصي أتاني بدليل عقلي على مسألة من مسائل الاعتقاد، هل أقول: والله يا شيخ قصي أنا لن أقبل منك الدليل العقلي، ليه؟ قال: لأني أنا ما بعرفك، أو يقول لي: إيش علاقتك تعرفني ولا ما تعرفني؟ أنا أتيتك بدليل عقلي، الدليل العقلي صح ولا خطأ؟ اه والله دليل عقلي صح، إذاً لازم تقبله.
فهذا شيء لم يعقله كثير من المتكلمين؛ وهو أن القرآن مليء بالأدلة العقلية الدالة على وجود الله، وعلى توحيد ربوبيته، وتوحيد ألوهيته، وعلى بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى المعاد، وعلى غير ذلك من الأمور. فالأخذ بالأدلة العقلية الواردة في القرآن لا يحتاج أصالة إلى البحث عن صدق المخبر بالقرآن لأنها هي أدلة عقلية صحيحة، فأنتم ملزمون أن تقبلوها ما دام العقل يوافقها ويقر بصحتها، تمام؟
إذاً هذه النقطة -طبعًا هذه النقطة نقلتها من كلام أبي العباس ابن تيمية وكثيرًا ما يقولها ابن القيم- هي نقطة مفصلية في مناقشة المتكلمين، أنهم يقولون: نحن لا نستدل بالقرآن والسنة ابتداءً، نحن نحتاج إلى أدلة عقلية لإثبات وجود الله وإثبات ربوبيته وإثبات صدق نبيه صلى الله عليه وسلم. بنقول له: تعال، هل القرآن خالٍ من الأدلة العقلية على إثبات وجود الله وعلى إثبات ربوبيته وعلى إثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم؟ فإذا قال: لا، ليس خالياً، فأقول: إذاً عليك أن تأخذ الأدلة العقلية من القرآن من دون أن تقول والله أخذي للأدلة العقلية متوقف على إثبات صدقه، لأن الأخذ بالأدلة العقلية لا يتوقف على إثبات صدق المخبر بها ما دامت أدلة عقلية صحيحة. هذا مفصل في حوار المتكلمين، فهمتم؟ فهم يؤخرون القرآن، نحن نقول: بل يجب أن يقدم القرآن في الاستدلال، ليس السمعي فقط بل الاستدلال العقلي على مسائل الاعتقاد.
القرآن مليء بالأدلة العقلية الدالة على مسائل الاعتقاد الكبرى، بل أدلة القرآن على مسائل الاعتقاد الكبرى أكمل وأتم وأصوب وأصح من أدلة المتكلمين ومن مقدماتهم التي يكثر فيها الفساد، فعلينا إذاً أن نعود إلى القرآن لنعرف الأدلة التي أقامها القرآن على مسائل الاعتقاد الكبرى، لأن القرآن لم يأتِ فقط بأدلة سمعية خبرية كما يتوهمون، بل القرآن مليء بماذا؟ بالحجاج العقلي على مسائل الاعتقاد الكبرى. فلهذا قاعدة أهل السنة والجماعة أن مسائل أصول الدين ودلائل أصول الدين كلاهما بينه الله في كتابه بيانًا شافيًا تامًا، فذكر لنا المسائل التي نحتاجها وذكر لنا الأدلة التي نثبت بها هذه المسائل، فلا نحتاج إلى أدلة الفلاسفة ولا إلى أدلة المتكلمين ولا إلى أدلة الفرق الأخرى التي باينت منهج الكتاب والسنة في معرفة مسائل أصول الدين، فهمتم القواعد؟
عندنا إذاً مسائل أصول الدين وعندنا دلائل أصول الدين: مسائل أصول الدين منصوص عليها نصًا شافيًا تامًا، ودلائل أصول الدين مليئة في الكتاب والسنة. فإن جاءك متكلم فقال: القرآن والسنة كيف تستدلون بهما على مسائل أصول الدين؟ فماذا تقول له؟ ماذا تقولون؟ أن القرآن مليء بالأدلة العقلية الدالة على مسائل أصول الدين، وأخذ الأدلة العقلية من القرآن لا يتوقف على إثبات صدق القرآن أصلاً كعملية استدلالية منطقية، ولا يحتاج إلى أن أعرف صدق القرآن وأنه جاء به النبي فبالتالي أعرف صدق النبي، لا، هو أتاك بحجاج عقلي، هل أدلته عقلية واضحة بينة؟ نعم، كل ذي عقل سليم قرأ القرآن يدرك قوة الحجاج العقلي، وهذا الذي أبهر كفار قريش ومن كان حولهم لما سمعوا القرآن وسمعوا الحجاج العقلي بالقرآن، إيش أبهرهم؟ حجاج عقلي منطقي عالٍ كانوا يدركون ذلك، لكن سبحان الله، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا.
إذاً فقد غلطوا في ذلك غلطًا عظيمًا عندما ظنوا أن الاستدلال بالقرآن يتوقف ابتداءً على إثبات صدق المخبر، نقول: القرآن مليء بالأدلة العقلية التي لا يحتاج معها إلى إثبات صدق المخبر ابتداءً، وضلوا ضلالاً مبينًا في ظنهم أن دلالة الكتاب والسنة إنما هي بطريق الخبر المجرد، بل الأمر ما عليه السلف، أهل العلم والإيمان، من أن الله سبحانه وتعالى بين من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك ما لا يقدر أحد من هؤلاء أن يقدره، لا يقدرون حق هذه الأدلة العقلية قدرها.
المتكلمون الذين فارقوا منهج أهل السنة والجماعة لا يعرفون حقائق كلام الله وكلام رسوله، ولا يفهمون حقيقة الاستدلال العقلي في القرآن وجماله وكماله، وإنما الذي فهم ذلك هم علماؤنا، علماء أهل الحديث، العلماء الكبار الذين تلقوا هذا العلم كابرًا عن كابر عن التابعين عن الصحابة الذين تلقوها عن النبي صلى الله عليه وسلم. إذاً فلا يقدرون حق هذه الأدلة حق قدرها، ونهاية ما يذكرونه -أي أفضل ما يذكره المتكلمون من الأدلة على مسائل الاعتقاد- جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه وأكمل وجه، وذلك كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله في كتابه.
يعني من الأدلة العقلية -الآن سنبدأ نذكر أدلة عقلية حتى أثبت لك أن القرآن مليء بالأدلة العقلية- الأمثال المضروبة في القرآن الكريم، لما يقول الله: وضرب الله مثلاً، وضرب الله مثلاً، هذه كلها عبارة عن أدلة عقلية، تمام؟ لكن دعوني من هذا، الآن سآتي إلى الصواعق المرسلة لابن القيم رحمة الله عليه وأنقل لكم، يعني لا إشكال أن أطيل النفس قليلاً في هذه الجزئية، لا إشكال أن أطيل النفس قليلاً في هذه الجزئية، لكن أريدكم أن تقتنعوا تماماً أن القرآن مليء بالأدلة العقلية الشاملة الكافية التي لا يحتاج معها وبعدها إلى كلام المتكلمين ونحوهم.
نبدأ إن شاء الله رحلتنا في الأدلة العقلية في القرآن، هذه رحلة هكذا إن شاء الله ما تطول، لكن أنا أريد أن أبين فيها لأحبابي الذين يستمعون ما معنى أن القرآن مشتمل على الأدلة العقلية، سنبدأ نأخذ آيات متتالية ونبين ما وجه الدليل العقلي فيها. أولاً يقول ابن القيم رحمة الله تعالى عليه: وذلك مثل قوله تعالى فيما حاجّ به عباده من إقامة التوحيد وإبطال الشرك وقطع أسبابه وحسم مواده كلها، ما هي الآية؟ قال تعالى في سورة سبأ: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، إلى هذه النقطة.
يقول ابن القيم يبين الحجاج العقلي في هذه الآية: فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين مجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك -المراد الشرك في الألوهية هنا- وردتها عليهم أحكم رد وأبلغه؛ فإن العابد إنما يتعبد أو -عفواً- إنما يتعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه، وإلا فلو لم يرجُ منه منفعة لم يتعلق قلبه به، وحينئذٍ فلا بد أن يكون المعبود مالكاً للأسباب التي ينفع بها عابده أو -إذاً أما نحتاج أن يكون المعبود إما مالكاً لأسباب المنفعة أو إيش؟- شريكاً للمالك فيها، أو ظهيراً ووزيراً ومعاوناً له فيها، أو وجيهاً ذا حرمة وقدر ليشفع عنده. المعبود يجب أن يكون فيه خصلة من هذه الخصال الأربعة، شوف المنطق العقلي! إما أن يكون مالكاً لأسباب المنفعة، أو مشاركاً للمالك، أو وزيراً وظهيراً للمالك، أو إيش؟ ذو وجاهة يشفع عند المالك.
ربنا إيش يقول في هذه الآية؟ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ، أول إشي: لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، ما بيملكوا شيء، وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ، وليسوا شركاء للمالك، وَمَا لَهُ -أي ليس للمالك الحقيقي- مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ، ليس له وزير منهم، ورابع إشي: وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ، وأيضاً ليسوا أصحاب وجاهة وشفاعة عنده. فنفى عن هذه الأصنام وكل المعبودات هذه الأربع، فبالتالي هذا يبين أن هذه الأصنام لا تستحق أن تكون معبودة.
الآن بالله عليكم هل للاستدلال بهذه الآية على إبطال الشرك وعلى إثبات توحيد الألوهية والربوبية، هل يحتاج إلى إثبات صدق المخبر؟ ولا أنت هذا كلام منطقي عقلاني؟ إذا سمعته بغض النظر لمن سمعته تقول: أي والله هذا الكلام صحيح، وهذا تقرير واضح لمسائل التوحيد، شوف شوف المنطقية العالية في القرآن الكريم! إذا أردت أن تجعل معبودك إلهاً فلا بد أن يكون معبودك إما مالكاً لأسباب المنفعة، أو مشاركاً للمالك، أو وزيراً وظهيراً للمالك، أو ذو وجاهة عنده، فإذا انتفت عن معبودك كل هذه الأمور الأربعة فبالتالي لا قيمة له، هذا دليل عقلي.
نذهب إلى دليل آخر، وكذلك قوله سبحانه مقرراً للتوحيد أحسن تقرير في قوله تعالى: قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا، هذه الآية فيها خلاف ترى في تفسيرها، لكن ما يقرره أهل الحديث في تفسيرها ما المراد؟ قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً، أي هذه الآية: هذه الآلهة التي تعبدونها أيها النصارى كعيسى ابن مريم مثلاً وعزير ابن الله الذي يقدسه اليهود، وغيرها ممن أُلِّهَ، هذه الآلهة التي تعبدونها هي أصالة تعبد الله سبحانه وتعالى. يعني لو أتيت لعيسى ابن مريم سألته: أنت من تعبد؟ هل يقول لك إنه يعبد نفسه؟ من يعبد؟ يعبد الله. إذاً هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله هي نفسها مقرة أنها تعبد الله، فكيف تتخذونها آلهة؟
شوف الاستدلال القرآني يتسم بماذا؟ بالوضوح، بالبساطة، لا يحتاج إلى تكلفات ولا إلى فلسفة المتكلمين ولا إلى تشدقهم. يقول ابن القيم معلقاً على هذه الآية: إن الآلهة التي كانوا يثبتونها معه سبحانه كانوا يعترفون بأنها عبيده ومماليكه ومحتاجة إليه -يعني حتى كفار قريش لما كانت تعبد الأصنام هي كانت تقر بأن هذه الأصنام محتاجة لله عز وجل، وأنها مملوكة لله- فكيف إذاً تعبدونها؟ إذاً أنتم مقرون أنهم عبيد لله ومحتاجون لله، يعني الأمر مش محتاج لفذلكة ولا إلى أدلة غائصة، الأمر سهل، إبراهيم... الأدلة العقدية سهلة، لكن نحن للأسف الإسلاميين المتأخرين ضيقناها على أنفسنا. إذاً فإن الآلهة التي كانوا يثبتونها معه سبحانه كانوا يعترفون بأنها عبيده ومماليكه ومحتاجة إليه، فلو كانوا آلهة كما يقولون لعبدوه وتقربوا إليه وحده دون غيره، فكيف يعبدونهم من دونه؟ فلو كانوا آلهة كما يقولون لعبدوه وتقربوا إليه وحده دون غيره، فكيف يعبدونهم من دونه؟ يعني هم لو كانوا فعلاً آلهة حقيقية لكانوا هم يعبدون الله سبحانه وتعالى، فكيف تعبدونهم من دون الله عز وجل؟ هذا كلام لا يقبله منطق ولا عقل ولا فهم سليم.
طيب، آية أخرى ثالثة: هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ، شوف الدليل ما أبسطه وما أجمله! هذا خلق الله، فأروني ماذا خلق الذين من دونه! أنتم بتحكوا هذه الأصنام آلهة، صح؟ طيب ببساطة بدون تكلفات، هذه المخلوقات أنتم تقرون أنها خلق الله، يا كفار قريش...
أروني ماذا خلقت أصنامكم في إجابة؟ ما في إجابة عندهم. قال يقول ابن القيم: فلله ما أحلى هذا اللفظ وما أوجزه وما أدله على بطلان الشرك! فإنهم إن زعموا أن آلهتهم خلقت شيئاً مع الله، إذا قالوا: آه والله خلقت، طولبوا بأن يروه: يلا ورجونا وين هي الحلقة؟ طولبوا بأن يظهروه وأن يروه إياه، وإن اعترفوا بأنها عجزت وأنها أضعف وأقل من أن تخلق، إذاً هي لا تستحق أن تكون آلهة بكل بساطة.
شوفوا الأدلة العقلية القرآنية. دليل رابع: قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ۖ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. هو شبيه بالدليل السابق. فطولبوا بالدليل العقلي الذي هو أثارة من علم، وبالدليل السمعي: ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا. يعني ائتونا بكتاب يدل على أن آلهتكم هذه تستحق أن تُعبد. هل عندكم كتاب من الله؟ أو هل عندكم دليل عقلي يدل على أنها آلهة تُعبد؟ أعطونا الدليل الذي يدل على إلهيتها.
طيب: قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ. يقول ابن القيم: فاحتج على تفرده بالإلهية بتفرده بالخلق، وعلى بطلان إلهية من سواه بعجزهم عن الخلق، وعلى أنه واحد وبأنه قهار. والقهر التام يستلزم الوحدة؛ لأنك إذا كنت قاهراً قهراً تاماً لجميع المخلوقين إذاً يجب أن تكون واحداً، وإلا فإذا كان هناك من يشاركك أو من يقهرك فقهرك ليس تاماً، فإن الشركة تنافي تمام القهر.
طيب، دليل آخر، يقول تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله لا تستطيع أن تخلق ذبابة. إذا قالوا: لا تستطيع، انقلوا لهم ورجونا أرونا الدليل، لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا جميعاً له. وإن يسلبهم الذباب شيئاً، لو تأتي ذبابة على صنم أو على إنسان فتسلبه هذا الشيء وتطير به بعيداً لا يستنقذوه منه، ما بقدر يرجعه، ضعف الطالب والمطلوب.
هذا الدليل العقلي، هل يحتاج إلى أن تثبت صدق القرآن أولاً حتى تحتج به؟ ولا هو دليل عقلي واضح من دون ما يتوقف على إثبات صدق القرآن؟ طيب، لماذا إذاً نحن كمسلمين نبتعد عن هذه الأدلة القرآنية الواضحة، ونحاول أن نقحم أنفسنا في إقحامات بعيدة؟ فيأتيك شخص فيقول لك: يا شيخ، اليوم العلم تطور، واليوم الشبهات أصبحت كبيرة جداً. فنقول: ممتاز، إذا أنت أردت أن تأتي بدليل لتدحض به شبهة، ابقِ هذا الدليل وسيلة لأيش؟ لدحض هذه الشبهة، لكن لا تجعل دليلك أصلاً من أصول الدين تلزم جميع المسلمين بأن يعرفوه.
هذه مشكلة أهل الكلام في كثير من الأدلة؛ أنه هم هيك بقولوا أنه يا جماعة الخير مع تقدم الفكر الإسلامي وتوسع رقعة الدولة الإسلامية أصبحنا نحاور الملحدين والزنادقة، فأصبحت هناك كثير من الشبهات تحتاج منا إلى نوع هيك من ترتيب الأدلة العقلية، وأن نجابههم باستحداث نوع من الحجاج العقلي. فإيش تقول؟ تقول لهم: أنا ما عندي مشكلة أن تأتوا بدليل عقلي تردون به على الملحدين على الزنادقة على الفرس والروم، ما عندنا مشكلة ابتداءً. لكن ما هو الشرط؟ أنه خلاص، ابقِ هذا الدليل في مناقشة الملحدين، لكن لا تجعله بعد ذلك أصلاً من أصول الدين تحاكم الناس عليه؛ فأنت إذا لم تعرف دليل الحدوث فأنت مبتدع ضال، وإذا عرفته فأنت مؤمن تام الإيمان! آه، هنا المشكلة.
فضلاً عن المشكلة الأخرى أنه كانت كثير من الأدلة التي أتى بها المتكلمون هي أصلاً ليست صحيحة، وهي أصلاً موروثة من الفكر الفلسفي الإغريقي، وكما يقولون من أستاذهم أرسطوطاليس شاؤوا أم أبوا، وليست موروثة عن دليل عقلي واضح بيّن. وإلا فصدقوني أحبابي الكرام، صدقوني أن القرآن الكريم فيه إجابة لجميع الشبهات التي يأتي بها الزنادقة والملحدون. القرآن يعني من كان عاقلاً لحقائق القرآن وذكياً وفطناً ومنتبهاً ومتعقلاً عن الله سبحانه، أقول لن يعجز عن أن يأتي بدليل عقلي من القرآن والسنة ليواجه كل هذه الشبهات.
لكن عد للقرآن، لا تتخذ فلسفة اليونان وفلسفة البراهمة والسمنية وفلسفة الفرس هي المنطلق لك في التعقل والتفهم وتجعل القرآن ثانوياً على هامش استدلالك. والله لو تبحرت فيه وعشت معه لتجدن فيه من الأدلة ومن الحجاج العقلي ما نستغني به عن أرسطوطاليس وعن أفلاطون وعن من سبقهم وعن من بعدهم. لكن من الذي يعود ويتبحر بالقرآن؟ بالله عليكم هل أحمد بن حنبل ومن كان في زمنه من الأئمة وهو الشافعي كانوا يعرفون فلسفة أرسطوطاليس وما أتى به من الحدود والقياس المقترن والقياس الاستثنائي والمقدمة الصغرى والكبرى، وكيف نحذف الحد الأوسط ودليل الحدوث والأعراض؟ هل كانوا يعرفون الجوهر والعرض وهذه؟ ما كانوا يدخلون في هذا الباب أصلاً.
طيب، فكيف كان أحمد بن حنبل -وسيأتي إن شاء الله- يذكر الحجاج العقلي؟ من أين كانت تأتيه الأدلة العقلية التي ذكرها في كتابه الرد على الجهمية؟ من أين كانت تأتيه؟ العقل السوي الذي امتلأ بحكمة القرآن والسنة يأتيه الحجاج العقلي سهلاً سلساً من مشكاة القرآن الكريم، بدون حاجة إلى الأغلوطات وإلى السفسطات وإلى ترتيب مقدمات يجلس الإنسان طوال عمره يحاول أن يثبت المقدمة منها فيموت وهو محتار.
كما قال أحدهم عند موته، قال: أقول إنني لا أعقل الآن من الكلام شيئاً إلا أن الممكن يفتقر إلى الواجب، والممكن والافتقار أمر عدمي، فلا أعقل شيئاً من علم الكلام! أحدهم بعد أن قضى عمره يدرس علم الكلام ويقيم الحجاج العقلي، ماذا قال؟ قال يعني أصرح أمامكم بأني لست متأكداً من شيء من كل ما ذكرته من المقدمات والقواعد طوال عمري إلا شيء واحد، وهو أن ممكن الوجود مفتقر إلى واجب الوجود، هيك بحكوا، والافتقار أمر عدمي. أقول لكم أنا لا أعرف شيئاً، يعني رجّع الشك برأسه حتى في هاي المقدمة شك! فقال: أقول لكم أنا لا أعرف شيئاً من علم الكلام.
فأنا أقصِد: لماذا تضعون أنفسكم في هذه المضائق وهذه المتاهات مع أن الحجاج العقلي القرآني وضح المحجة ووضح الدلائل التي يجب أن نعتمدها في إثبات عقيدتنا الحقة؟ والله لو كان في كلام أرسطوطاليس وفي علومهم منافع لوجّهنا إليها، لقال لنا: ادرسوا فلسفتهم، أو لأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك. لكن القرآن لما أتى بالبيان الشافي التام، والنبي صلى الله عليه وسلم لما لم يشر إلى فلسفة القوم، إذاً هو يدرك عليه الصلاة والسلام أن البلاغ المبين قد وقع، وأن إكمال الدين قد تم، وأن الذهاب إلى غير دائرة الإسلام لاقتباس الأدلة منها على صحة الإسلام هذا هو الفساد العريض.
وضحت هذه الأمور؟ فنحن لا نتكلم فقط عن مسائل أصول الدين، نحن نتكلم عن ايش يا شيخ حسين؟ عن دلائل المسائل. أنا واحد وكلامي كله تركيزي الآن عن دلائل المسائل؛ لأنه هذه من أكبر الإشكاليات في الفكر العقدي بين الإسلاميين، أن طبيعة الأدلة التي يأتي بها المتكلمون والفلاسفة والباطنية هي كلها من فلاسفة اليونان والهند والفرس، وليست وريثة الكتاب والسنة، وهذه التي أفسدت على المسلمين دينهم. والله عقب ذلك من عقل، وجهل ذلك من جهل.
طيب، إحنا وين ما زلنا؟ ما زلنا في الأدلة العقلية القرآنية. طيب، في إثبات نبوة رسوله، الآن سأتي بدليل العقل على إثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم. وقال في إثبات نبوة رسوله باعتبار التأمل في أحواله وتأمل دعوته، يقول سبحانه: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ۚ بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ. يقول ابن القيم: فدعاهم سبحانه وتعالى إلى تدبر القول الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم وإلى تأمل حال القائل: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ. أنتم مش عارفين محمد صلى الله عليه وسلم؟ هو كان معكم، وكان الصادق الأمين، وكنتم تقدمونه في المحافل وفي الآراء، الآن أصبح يكذب؟! شوف المنطق العقلي البسيط.
فدعاهم إلى تدبر القول وإلى تأمل حال القائل، فإن كان القول كذباً وزوراً يُعلم من نفس القول تارة، وتناقضه واضطرابه وبظهور شواهد عليه، الكذب بادٍ على صفحاته وبادٍ على ظاهره وباطنه، ويُعرف من حال القائل تارة. يعني كيف إذا أردت أن تقول إن هذا القول كذب؟ إما أن تعرف كذبه من نفس القول، مبين أنه كذب، هناك قرائن وشواهد تدل على أنه متناقض مضطرب لا يتلائم مع العقل، وإما أن تعرف كذبه من حال القائل أنه كذاب أو أفّاك أو ما شابه ذلك. فالله سبحانه وتعالى طالبهم بدليل عقلي: تدبروا القول وتدبروا حال القائل، هل القول فيه اضطراب؟ فيه شيء غلط؟ والقائل هل هو عُرف بالكذب أم عُرف بالأمانة والصدق والنزاهة؟ هل الأمر يحتاج إلى أكثر من ذلك حتى نثبت صدق النبي صلى الله عليه وسلم؟
هل نحتاج إلى دليل المعجزة بطوله ونسطر به الصفحات والمقدمات وحذف الحد الأوسط، ونأتي بدليل قياسي مركب؟ لا لا والله الأمر أسهل من ذلك، لكن نحن حثثنا الأمر على أنفسنا. لذلك قالوا: ويُعرف من حال القائل تارة، فإن المعروف بالكذب والفجور والمكر والخداع لا تكون أقواله إلا مناسبة لأفعاله، ولا يتأتى منه من القول والفعل ما يتأتى من البار الصادق المبرأ من كل فاحشة وغدر وكذب وفجور، والقلب هذا وقصده وقوله وعمله يشبه بعضه بعضاً.
تمام، دليل آخر قال سبحانه دليل على أمر البعث، دليل عقلي: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ. الذي خلقها أول مرة قادر أن يعيدها، صعبة؟! الذي يخرج من الشجر الأخضر الندي الذي فيه ماء ناراً حارقة تخالف مقتضى الماء، من الذي فعل هذه الأمور مع تنافرها، مع اختلافها وتباينها؟ من الذي يخرج من الشجر الأخضر ناراً؟
أنتم ملاحظين أنه الشجر الأخضر إيش بكون يا شيخ حسين؟ فيه ندى فيه ماء، ولكن ضعه وأشعل فيه النار أخرج منه النار، من الذي يقدر على صناعة هذه الأمور؟ هو الذي يقدر على أن يبعثكم مرة أخرى. هل هذا شيء صعب عليه؟ فأنتم لو تفكرتم في الذي جعل الشجر الأخضر ناراً، ويخرج من الشجر الأخضر الذي فيه خضرة وفيه ندى وفيه ماء قادر أن يخرج منه النار، أليس قادراً على هذه العظام الرميم ويحييها مرة أخرى؟
الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ. أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم؟ الذي خلق هذه السماوات التي ترونها والأرض التي تعيشون فوقها، أليس قادراً على أن يحييكم أولاً كما أحياكم أول مرة؟ أليس قادراً على أن يبعثكم مرة أخرى؟ هذه أدلة عقلية أحبابي الكرام يشاهدها الناس في حياتهم. الله لما خاطب المشركين هو خاطبهم بأمور يشاهدونها، فالسماوات مشاهدة عندهم، والأرض مشاهدة، وخروج النار من الشجر الأخضر كلها امور مشاهدة، يعني لا يتوقف إثبات صدق هذه الآيات على إثبات صدق القرآن، هذا أمر محسوس، لكن فقط نريد إعمال العقل.
لذلك كفار قريش كانوا يعلمون صدق النبي صلى الله عليه وسلم، ويعلمون أن هذا الكلام كلام معجز مبهر، وأن هذه الأدلة العقلية لا يمكن مقاومتها، فكان حلهم الوحيد هو المقاومة بالسلاح، فاستأصلهم الله سبحانه وتعالى على يد حبيبه صلى الله عليه وسلم، وهذه نهاية كل معاند للكتاب والسنة.
طيب، طبعا هناك أدلة أخرى، مثلاً من الأدلة العقلية: أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ * أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ. فاحتج سبحانه على أنه لا يترك الإنسان مهملاً معطلاً عن الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وأن حكمته وقدرته تأبى ذلك، كيف؟ فإن من نقله من نطفة من مني إلى علقة ثم إلى مضغة، ثم خلقه وشق سمعه وبصره، وركب فيه الحواس والقوى والعظام والمنافع والأعصاب والرباطات التي هي أسره، وأتقن خلقه وأحكمه غاية الإحكام، وأخرجه على هذا الشكل والصورة التي هي أتم الصور وأحسن الأشكال، كيف يعجز عن إنشائه مرة ثانية ليحاسبه على ما فعل في هذه الحياة الدنيا؟ أم كيف تقتضي حكمته وعنايته أن يخلق الإنسان سدى فقط من أجل شهوته؟
يعني هل يعقل بعد كل هذه العناية من النطفة إلى العلقة إلى المضغة، فيكسو العظام لحماً ويعطيك الأعصاب ويخلقك بهذه الخلقة أن يتركك في النهاية سدى لا يأمرك ولا ينهاك، فقط تعيش في الدنيا من أجل لهوك وعبثك؟ أليس هذا هو العبث؟ وحاشاه سبحانه أن يكون خلقه عبثاً: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ. والادلة كثيرة، وأنا أنصحكم أحبابي الكرام أن تقرأوا هذا الموطن من كلام ابن القيم في الصواعق، فقد أتى بما يربو على خمسين ستين دليلاً عقلياً من القرآن على مسائل الاعتقاد، حتى تكون مطمئناً تمام الاطمئنان أن القرآن مليء بالأدلة العقلية التي ما يحتاج بعدها إلى بيان، ولا يحتاج بعدها إلى كلام، وأنت إن تبصرها وفهمت حقائق الكتاب والسنة وصلت إلى اليقين التام، ولا تحتاج إلى منطق أرسطوطاليس ولا إلى فلسفته.
جيد، إذاً هذا كله كان رحلة في الأدلة العقلية في القرآن. الآن عرفنا إذاً أن مسائل أصول الدين بُيّنت بياناً شافياً تاماً، ودلائل أصول الدين أيضاً بُيّنت بياناً شافياً تاماً. طيب، إذاً ما الذي يفعله المتكلمون باستحداثهم دلائل جديدة وقواعد جديدة في أصول الدين؟ دعونا ننظر، فأقول: وأما ما يدخله -ها ركزوا- وأما ما يدخله بعض الناس في هذا المسمى من الباطل، أي ما يدخله الفرق الكلامية، بمسمى أصول الدين من الباطل، فليس ذلك من أصول الدين. اعرِفْه، كل ما تجاوز حدود الكتاب والسنة من كلام الفرق الكلامية المتأخرة، وإن زعموا أنه من أصول الدين كدليل الحدوث والتركيب والتخصيص وغير ذلك، فاعلم أنه ليس من أصول الدين.
إذاً: وأما ما يدخله بعض الناس في هذا المسمى من الباطل فليس ذلك من أصول الدين وإن ادخلوه فيه، سواء من المسائل أو الدلائل الفاسدة. مثل نفي الصفات، فالفرق الكلامية على مختلف طبقاتها جعلوا نفي الصفات من ايش؟ من أصول الدين، هكذا قالوا من مسائل أصول الدين. هيك قالوا الجهمية، من مسائل أصول الدين عندهم أن تنفي الأسماء الحسنى والصفات العلا وقالوا هذا اصل، والمعتزلة أثبتت الأسماء ونفت الصفات كلها، الأشاعرة أثبتوا لنا سبعة وثمان صفات، وبعضهم يزيد وبعضهم ينقص، ونفوا باقي الصفات وجعلوا نفيهم للصفات من ايش؟ من أصول الدين، نقول: هذا ليس من أصول الدين، بل هي البدع الفاسدة المنحرفة عن منهج الاستقامة.
طيب، وكذلك نفي القدر، فإن كثيراً من الفرق نفت القدر وقالت إن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم كما قالت المعتزلة، وبعض الفرق قالت بالعكس إن العباد مجبرون على أفعالهم كما قالت الجهمية، وأفضل حالاً منهم الأشاعرة لكنهم في النهاية آلوا إلى الجبر، وجعلوا هذا من أصول الدين، نقول: هذا ليس من أصول الدين في شيء، ونحو ذلك من المسائل الفاسدة.
وكذلك مثل الاستدلالات الباطلة، فالفرق المخالفة للكتاب والسنة أقحمت مسائل في أصول الدين وأقحمت دلائل في أصول الدين، مع أن كلاً من المسائل التي أقحموها والدلائل ليست من أصول الدين في شيء. فذكرت لكم أمثلة على المسائل التي أقحموها: نفي الصفات، نفي القدر، وقِس عليها باقي الكلام الفاسد الذي أصّلوه.
وكذلك الدلائل، أقحموا دلائل وجعلوها من أصول الدين كدليل الحدوث. إذاً ومثل الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض التي هي صفات الأجسام القائمة بها، إما الأكوان وإما غيرها، الأكوان الأربعة: الاجتماع والافتراق والسكون والحركة، وتقرير المقدمات التي يحتاج إليها هذا الدليل. فهم أتوا بدليل الحدوث وأتوا ليثبتوا مقدمات هذا الدليل، فقالوا أولاً: لا بد من إثبات الأعراض، الأعراض هي الصفات التي تقوم في الأجسام، فقالوا لا بد أولاً من ناحية منطقية أن نثبت الأعراض التي هي الصفات، أو على الأقل نثبت بعض الأعراض كالأكوان الأربعة: الحركة والسكون والاجتماع والافتراق.
طيب أنا ما يهمني تفهموا كثيراً هذا الكلام، أنا بس بدي أعطيكم كيف هم جعلوا الدليل بكل ما فيه من تعقيدات جعلوه من ايش؟ من أصول الدين، مع أنه هذا الكلام يعني يحتاج إلى درس من الفيزياء لنفهم كل هذه القواعد والمقدمات التي أتوا بها. أنت تطالب لما تقول من أصول الدين معناها أن الناس مطالبة بها، شيء من أصول الدين أليس معناه أن الناس مطالبة بهذا الأمر؟
طيب، إذاً لا بد من إثبات الأعراض وهي الصفات القائمة في الأجسام، أو على الأقل قالوا أن نثبت الأكوان الأربعة، مش كل الأعراض، نثبت الأكوان الأربعة وهي الصفات الأربعة: الاجتماع والافتراق والسكون والحركة، هذه الصفات المتقابلة. ثم إذا أثبتنا وجود الأعراض أو الأكوان الأربعة لا بد من أن نثبت أنها حادثة وليست قديمة بابطال ظهورها بعد الكمون، ثم إبطال انتقالها من محل إلى محل.
ثم إذا أثبتنا أن هذه الأعراض أو الأكوان الأربعة حادثة لا بد أن نثبت امتناع خلو الأجسام عنها كخطوة ثالثة، إما عن كل جنس من أجناس الأعراض باثبات أن الجسم قابل لها وأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، وإما عن الأكوان. وإثبات امتناع حوادث لا أول لها رابعاً، يعني بعد أن نثبت امتناع خلو الجسم عن الأعراض أو عن الأكوان الأربعة لا بد من إثبات امتناع حوادث لا أول لها، وهذه أصلاً المشكلة العقدية التي حدثت مع ابن تيمية وبين المتكلمين: إثبات حوادث لا أول لها.
فإذاً باختصار: لا بد أن تثبت الأعراض، ولا بد أن تثبت أن الأجسام لا تخلو من أعراض، عفواً لا بد أن تثبت الأعراض، بعدين تثبت أن الأعراض حادثة، بعدين تثبت أن الأجسام لا تخلو عن الأعراض، ثم تثبت أنه لا يجوز حوادث لا أول لها. بدك تثبت هاي المقدمات الأربع: تثبت الأعراض، ثم تثبت أنها حادثة، ثم تثبت أن الأجسام لا تخلو عن الأعراض، ثم تثبت أنه لا يوجد حوادث لا أول لها. إذا خلصت أنت كل هذه الإثباتات بعد طول جهد وكد تكتشف وتصل إلى أن العالم حادث، وإذا ثبت أن العالم والأجسام حادثة فلا بد لها من محدِث وهو الله سبحانه وتعالى!
أبالله عليكم هل إثبات وجود الله يحتاج إلى كل هذه الأمور المعقدة التي هم أنفسهم يختلفون فيها؟ يعني إثبات الأعراض هم مختلفون فيه، وإثبات الحدوث هم أنفسهم مختلفون في طريقة ذلك، وإثبات امتناع خلو الأجسام عن الأعراض، ما هو ادعى ذلك يختلفون فيه، وقضية امتناع حوادث لا أول لها هم أيضاً مختلفون في ذلك! فبالله عليكم أن نجعل هذا الدليل من دلائل أصول الدين، وأنتم أنفسكم لم تتفقوا فيه على قول، ونترك الأدلة العقلية الواضحة في الكتاب والسنة، البسيطة السهلة السلسة التي إذا سمعها الناس بفطرهم يقبلونها، وإذا سمعوا أدلتكم بفطرهم من دون مؤثرات خارجية ينفرون منها؟
يعني أنا لما قرأت هذا الدليل عليكم، بدون لسه ما نذكره أصلاً بالتفصيل ولا نرسمه، مجرد ما سمعتم كلمة أجسام وأعراض وخلو أجسام من أعراض وامتناع حوادث وحوادث لا أول لها، قلتم: يا شيخ هذا أمر لا نهاية له، أو لا وصول إلى تركه. فقير وتكُدّ في عقول الأذكياء كُدّت فيه، ووصلت فيه إلى حيرة، وكل طائفة تنقض قول الطائفة الأخرى في مقدماتها. فأنتم لو تقرأوا الخلاف الدائر في إثبات هذه المقدمات تقولون: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
تمام؟ طيب، ولهذا قد اعترف حذاق أهل الكلام كالأشعري -الأشعري في كتابه رسالة إلى أهل الثغر أقر بأن هذا الدليل ليس طريق الرسل- أقرّ العاقل فيهم المنصف يدرك بأن هذه ليست طريقة الرسل ولا اتباع الرسل ولا سلف الأمة وأئمتها. ولذكر الأشعري أن هذه الطريقة محرمة عندهم. طبعا الأشعري يقول هي محرمة لكنها توصل، هو يقول إنها محرمة يحرم استعمالها لكنها توصل. ومتأخرو الأشاعرة بعد ذلك لا، استعملوها، يعني لم يقبلوا كلام الأشعري في ذلك، بل بعضهم لا يعترف أن الأشعري قال إنها محرمة، وحجتهم دائماً أن هذا دس على الأشعري وليس من كلامه وخلاص افتكوا من القضية وارتاحوا!
لكن هذه رسالة أهل الثغر رسالة مثبتة للإمام الأشعري رحمة الله عليه، ذكر فيها أن دليل الحدوث الذي ذكرت لكم شيئاً من مقدماته الآن دليل محرم؛ لأنه معقد ولا يوصل إلى المقصود إلا بعد كد، وأصلاً في عليه علامات استفهام. قال بل المحققون من المتكلمين على أن هذه الطريقة ليست مجرد طريقة محرمة، بل هي محرمة وباطلة لا توصل إلى المقصود؛ لذلك أصلاً كما قلت في علامة استفهام على بعض المقدمات، وأن مقدماتها فيها تفصيل وتقسيم يمنع ثبوت المدعى بها مطلقاً.
ولهذا تجد من اعتمد على هذه الطريقة، على دليل الحدوث -طبعاً هذا كله على دليل الحدوث، لسه هناك أدلة أخرى يأتون بها، لكن دليل الحدوث كونه أشهر فنعلق عليه- ولهذا نجد من اعتمد عليها على هذه الأدلة على أدلة المتكلمين في أصول دينه فأحد أمرين لازم له: إما أن يطلع على ضعف هذه الأدلة، ويقابل بين هذه الأدلة التي تدل على حدوث العالم وبين أدلة الملاحدة القائلين بقدم العالم فتتكافأ عنده الأدلة! شوفوا المصيبة التي وقع فيها بعضهم! أنه لما ينظر، بعض المتكلمين لما نظر في دليل الحدوث وعرف أن الدليل ضعيف وفيه إشكاليات، تكافأت عنده الدليل على حدوث العالم مع دليل الملاحدة على قدم العالم.
الآن القول بقدم العالم كفر، والملاحدة يقيمون عليها أدلة، فالذين يعتمدون أدلة المتكلمين بعضهم عرف أن دليل الحدوث ضعيف بإثبات المراد منه وهو إثبات حدوث العالم، فأصبح يوازن بين دليل حدوث العالم ودليل قدم العالم فتتكافأ عنده الأدلة، وهذه مصيبة؛ لأن هذه قد تخرجك للإلحاد. وقد يرجح -لذلك قال- وقد يرجح هذا تارة وهذا تارة، فبعض المتكلمين يقوي دليل الملاحدة على قدم العالم يقول هم أقوى دليلاً من دليل الحدوث، وأحياناً بقول لك: لا لا دليل الحدوث أقوى من دليل الملاحدة على قدم العالم.
طيب إذا أنت بتتكلم عن دليل ركيك -خليني أقول ليس واضح القوة والمفاضلة على دليل الملاحدة في قدم العالم- بالله عليكم هل أبني عقيدتي في الله على دليل ركيك بالكاد بالكاد تظهر تفوقه على دليل الملاحدة في قدم العالم؟! فهمتم وين المشكلة؟ الدليل بقدر ما هو ركيك يعني بعضهم احتار فيه: هل أدلة الملاحدة على قدم العالم أقوى ولا دليلنا إحنا أقوى على حدوث العالم؟ هذا معناته أنه دليلك ضعيف.
طيب، إما أن يطلع على ضعفها ويقابل بينها وبين أدلة القائلين بقدم العالم فتتكافأ عنده الأدلة، أو يترجح عنده هذا تارة وهذا تارة كما هذا حال طوائف، وإما أن يرفض فيقول: لا، دليل حدوث العالم -هذا بعضهم وهم الأكثر- يقولون دليل حدوث العالم دليل قطعي لا شك فيه، كل الانتقادات التي وجهت إليه انتقادات باطلة. فمن التزم منهم دليل الحدوث التزم بسببه كثيراً من قواعد الاعتقاد الفاسدة في الشرع والعقل؛ لأن من قال بدليل الحدوث لزمه، بعضهم التزم بسبب إيمانه بدليل الحدوث أن يقول بفناء الجنة والنار، بفناء الجنة والنار! وبعضهم قال بفناء حركات أهل الجنة وحركات أهل النار!
وبعضهم التزم بسببه نفي الصفات الاختيارية، يعني تعرفون نفي الصفات الاختيارية عند الفرقة الأشعرية، نفي نزول الإله سبحانه إلى السماء الدنيا، ونفي أن الله سبحانه وتعالى يأتي بذاته يوم القيامة، نفي كلام الله سبحانه وتعالى أنه يكون بمشيئته، نفي الصفات الاختيارية عند الأشاعرة تعرف ما هو لازم عن ماذا؟ هو نتيجة إيمانهم بدليل الحدوث، نتيجة إيمانهم بدليل الأعراض؛ لأنه لا يصح إيمانهم بدليل الحدوث إلا إذا نفوا الصفات الاختيارية، فإذا آمنوا بالصفات الاختيارية وأثبتوها لله نقضوا دليل الحدوث.
طبعاً كيف؟ لذلك إن شاء الله في دورات قادمة -أنا ما بدي أدخلكم الآن في نقض أدلة المتكلمين ومناقشتهم- لكن أنا أريد أن أقول لكم إن من التزم بهذا الدليل أخذ بلوازمه الفاسدة والباطلة، ووسعوا طبعاً هذه اللوازم ما بين موسع ومضيق. فالبعض بسبب دليل الحدوث نفى قال: الجنة والنار تفنى، ويعني ضيع علينا أجمل لذة لذة الجنة، وضيع على الكافرين أبشع عقاب عقاب النار! وبعضهم التزم به كما قلت نفي الصفات، وبعضهم نفى الصفات الاختيارية وهكذا. فدليل الحدوث هو فعلياً كارثة على الفكر العقدي الإسلامي.
ولذلك يعني الأصل أن نجمع فيه مادة كاملة ونفسد هذا الدليل مقدمة مقدمة ونبين الاعتراضات الموجهة إليه؛ لأن هذا الدليل تسبب في كوارث للفكر الإسلامي على الفرق المختلفة. طبعاً هو دليل اتفقت عليه الجهمية والمعتزلة والأشعرية، لا تظنوا أن هذا الدليل هو من خواص الفكر الأشعري أو الماتُريدي، بل كل الفرق كالأشعرية والمعتزلة والماتُريدية والجهمية الكل متفق عليه، لكن يعني يختلفون في طريقة إيراد المقدمات وطريقة الاستدلال على المقدمات، وإلا فالكل متفق عليه.
تمام، كم ذهب من الوقت يا شيخ؟ تمام الحمد لله.
قال: وإذا عرفنا ذلك تبين أحبابي الكرام أن الذي هو عند الله وعند رسوله وعند عباده المؤمنين من العلماء الراسخين أصول الدين فهو الموروث عن الرسول وعن الصحابة وعن التابعين الذين تلقوا من أفواههم ونقلوا ذلك للأمة كابراً عن كابر. يعني دعوكم من إقحامات المتكلمين لمسائل ولدلائل في أصول الدين، الذي هو أصول الدين حقاً هو ما كان موروثاً عن كتاب الله وعن كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ونقله الصحابة إلى التابعين ونقله التابعون إلى الأمة جيلاً بعد جيل. لذلك كما قلت لكم دائماً: عقيدة أهل الحديث هي عقيدة اتباع، ولذلك دائماً ما يسمون كتبهم في الاعتقاد كتب ايش؟ السنة؛ لأننا أمة اتباع ولسنا أمة ابتداع في مسائل الاعتقاد.
فالله بيّن لنا مسائل الاعتقاد بياناً شافياً، وبيّن لنا دلائل هذه المسائل وكيف نستدل عليها، فالاختراع بعد ذلك كارثة على هذه الأمة. هذه هي الفكرة باختصار.
طيب، ولو كان الناس محتاجين في أصول دينهم إلى ما لم يبينه الله ورسوله لم يكن الله قد أكمل للأمة دينها، أليس كذلك؟ ولا أتم عليهم النعمة في إكمال الدين. فنحن نعلم أن كل حق يحتاج الناس إليه في أصول دينهم لا بد أن يكون مما بينه الرسول؛ إذ كانت فروع الدين لا تقوم إلا بأصوله، فكيف يجوز أن يترك النبي صلى الله عليه وسلم أصول الدين لا يتم الإيمان إلا بها ويبين فروع الدين؟! هذا يعني خلل منهجي كبير لا يمكن أن يصدر عن رسول يُوحَى إليه من الإله، صح؟ لأن فروع الدين لا تُبنَى إلا على أصول الدين، فهل يعقل أن النبي صلى الله عليه وسلم انشغل ببيان فروع الدين وغفل أو قصر أو كتم أصول الدين؟!
حاشاه بابي هو وامي وهذه الجملة وهذه عفوا الجملة يعلم تفصيلا يعلم تفصيلها بالبحث والنظر والتتبع والاستقراء لنصوص والسنة والطلب لعلم هذه المسائل من الكتاب والسنة. فمن طلب ذلك وجد في الكتاب والسنة من النصوص القاطعة للعذر في هذه المسائل ما فيه غاية الهدى وما فيه البيان والشفاء التام تمام سانقل لكم الان كلام للامام ابن عقيل رحمة الله عليه.
ابن عقيل هو من سادة الحنابلة وابن عقيل كان معتزليا ثم ترك الاعتزال واستتيب على الكفر كما قالوا واستتابه ابن قدامة المقدسي صاحب لمعة الاعتقاد وآآ عاد فكتب كتاب الانتصار لاهل في الحديث ولكن الذي يظهر لي ايضا ان عودته لم تكن تامة الى عقيدة اهل الحديث. وهذا ضريبة التشبع بكلام الفلاسفة والمتكلمين انك حتى لو اردت ان تعود في العادة يبقى عندك بعض الحيرة وبعض التقريرات غير السليمة. لكن عموما ساعطيك تجربة ابن عقيل مع طرائق المتكلمين وما الذي كان ينصح به الناس بعد ان هجر طريقة المعتزل.
اسمعوا هذا الكلام العالي وافهموا دقائق كالنفوس وكيف يضحك الشيطان على نفوس الاذكياء لانه بعض الناس اليوم لما يسمع كلامك يا شيخ بقول معقول يعني انه الغزالي والرازي والجبيلي وارتفت زاني واذكياء هؤلاء الاذكياء. يعني وهم فاهمين هذا الكلام تمام؟ يعني هذا هو حجتهم الدائمة ذكر الاسماء انه هل يعقل ان هؤلاء اخطأوا اي نعم ينقل انهم اخطأوا غفر الله لنا ولهم ولجميع المسلمين يعقل انهم اخطأوا. طيب من اين يمكن ان يدخلهم الخطأ شوفوا ابن عقيل في هذا التوصيف الدقيق الذي في الحقيقة اسرني وجذبني فقلت لابد ان انقله للاحبة.
انظر ماذا يقول سأل رجل ابن عقيل فقال له يا امام هل ترى لي ان اقرأ الكلام اي علم الكلام واقرأ في كتب المتكلمين فاني احسن من فاني احس من نفسي ذكاء يعني شاعر اني ذكي فانظروا اجابة ابن عقيل رحمة الله عليه. قال ان ان الدين النصيحة بدي انصحك نصيحة. ان الدين النصيحة فانت الان على ما بك مسلم سليم. انت الان قبل ما تقرأ كتب المتكلمين ايش وضعك؟ مسلم سليم امورك تمام وان لم تنظر بالجزء الجزء يعني الجوهر الفرد وهذه من افكار المتكلمين ومن الالفاظ التي احدثوها.
وان لم تنظر في الجزء يعني في الجوهر الفرد ولم تعرف الطفرة اللي هي هاي مسألة النظام احد ائمة المعتزلة. وهذه مسألة اصلا يقول انه حتى النظام بالكاد فهمها عن نفسه وان لم تنظر في وان لم تعرف الطفرة وان لم تخطر ببالك الاحوال ومسألة الاحوال هاي مسألة ابو هاشم والاحوال وهذي ايضا من الامور التي قيل انها لم تفهم الى الان في علم الاعتقاد. شو يقصد بالاحوال؟ فيقول اذا ابن عقيل لهذا الرجل ان الدين النصيحة فانت الان مسلم سليم امورك طيبة وان لم تنظر في الجزء ولم تعرف الطفرة ولم تخطر ببالك احوال ابي هاشم.
ولا عرفت ما معنى الخلاء والملاء والجوهر وهل يبقى العرض زمانين؟ وهل القدرة مع الفعل او قبله؟ وهل الصفات زائدة على الذات؟ وهل الاسم هو المسمى او غيره؟ وهل الروح جسم او عراض؟ فان اقطع لك هذا الكلام بالعقيد. فاني اقطع لك ان الصحابة ماتوا وهم ما عرفوا ذلك ولا تذاكروه. فان رضيت ان تكون مثلهم بايمان ليس فيه معرفة هذا فكن طبعا شو بدي جاوب هو؟ اكيد بدي اموت زي الصحابة فكن وان اردت طريقة المتكلمين اليوم عفوا.
وان رأيت وان رأيت طريقة المتكلمين اليوم اجود من طريقة ابي بكر وعمر والجماعة فبئس الاعتقاد والرأي شوف الجواب يعني سكرها عليه يعني يا بدك طريقة الصحابة اللي ما عرفوش الجوهر الفرد العرض والخلاء والملاء او بدك طريقة ثانية. اذا كنت تعتقد انه الطريقة الثانية افضل من طريق ابو بكر معناته بئس الاعتقاد ثم يكمل ابن عقيل ثم ثم هذا علم الكلام قد افضى باربابه الى الشكوك واخرج كثيرا منهم الى الالحاد بشم روائح الالحاد من فلتات كلامهم. واصل ذلك كله انهم شوفوا كده شوفوا المشكلة وين.
اصل داري يقول لي انهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع. ما بدهم يسلموا ويقتنعوا بالوقوف عند حد الكتاب والسنة ما قنعوا بما قنعت به الشرائع وطلبوا الحقائق وليس في قوة العقل درك لما عند الله من الحكمة التي انفرد بها. وقد درج الصدر الاول من الصحابة والتابعين على ما درج عليه الانبياء من هذه الاقناعات. يعني اقتنعوا بانه يكfيهم ان يعرفوا عن الله وعن مسائل الاعتقاد ما ورد في ماذا الكتاب وصله بكفي. طيب ولما راموا ما وراءها ردوا الى مقام غايته التحكيم والتسليم.
يعني اي صحابي كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ما وراء نصوص الكتاب والسنة كان يعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم ايش؟ التحكيم والتسليم وعدم الاعتراض والوقوف حيث وقف النص. والصحابة كانوا يعلمون التابعين ذلك وهكذا.
طيب قال وهو هذا يقول وهذا يعني الوقوف عند حد الكتاب والسنة هو الذي يزري به طائفة المتكلمين على اهل النقل والسنة اي على اهل الحديث وتسميهم الحشوية ايش يقول ابن عقيل هذا الرجل منهج الصحابة اللي هو الوقوف عند النقل وعدم تجاوزه ومنهج التابعين اللي هو الوقوف عند النقل وعدم تجاوزه. هذا الوقوف هو الذي يذمه ليمون على اهل الحديث ويسميهم المتكلمون حشوية. المتكلمون يسموننا حشوية وسنأتي الى هذه اللفظة وسأبين لكم ان اول من اطلقها اطلقها عمرو بن عبيد على سيدنا عبدالله بن عمر والعياذ بالله.
هاي اللفظة اول من استعملها هذا المعتزل عمرو بن عبيد سمى بها عبدالله بن عمر لما خالفه في مسألة الاعتقاد. في مسألة القدر. فقال عمرو بن عبيد انما هذا من حشو الناس. يحكي عن عبد الله بن عمر وللاسف نجد اليوم المعتزلة وكل الفرق الكلامية تتشبه بالرأس عمرو بن عبيد في اطلاق هذه الكلمة على اهل الحديث. يعني حتى لو كنتم انتم على صواب فرضا فرضا. اليس الاصل بكم ان تتبرأوا من كلمة مصدرها عمرو بن عبيد يطلقها على صحابي جليل وتشوفوا لكم كلمة اخرى.
لذلك سنأتي الى كلام ابي زرعة الرازي حينما قال ومن علامة الزنادقة انهم يسمون اهل الاثي الحشوية قال من علامة ايش جعلها من علامات التزندق والعياذ بالله. فهذه الكلمة خطيرة احبابي الكرام نرجو آآ من الله الهداية للجميع. اذا وهو الذي آآ وهو الذي يزري هي طائفة المتكلمين على اهل النقل والسنة وتسميهم الحشوية. واليه ينتهي المتكلمون ايضا. لاحظوا الكلام الدقيق من من اه ابن عقيل واليه ينتهي المتكلمون ايضا لكنهم آآ يتحسنون بما ليس لهم وبما لم يتحصل عندهم.
فهم بمثابة من يدعي الصحة بتجلده وهو سقيم. ويتغنى على الفقراء وهو عديم. والعقل وان كان للتعليل طالبا فانه نذعن بان فوقه حكمة الهية توجب الاستكانة. شو معنى هذه الفقرة الاخيرة؟ هو يريد ان يقول الصحابة والتابعون كانوا يقفون عند حدود الكتاب والسنة هذا الوقوف عند حدود الكتاب والسنة هو الذي ينكره المتكلمون على من؟ على اهل الحديث ويسمونهم حشوية بسببه. وانا اقول لك يعني ابن عقيل يقول انا اقول لك ان المتكلمين هم واقفين مثل اهل الحديث.
ما تجاوزوا حد الكتاب والسنة ولكنهم يتحسنون يعني بالظاهر انه هو وصل الى امور في العقائد لم تصل الى لم يصل اليها اهل الحديث وهذا كذب. فهذا معنى يتحسنون بما ليس لهم. اي بتظاهروا امامك انهم بقروا العلوم وانهم وصلوا في علم الالهيات الى عقليات. ما وصل اليها اهل الحديث وقالوا وهو يعني كالمتشبع بما لم يعطى وبالمتزين بشيء ليس واقعا. طب انت بتحكي ابن عقيل من اذكياء الدنيا ابن عقيل انسان كان على طريقة المتكلمين المعتزلة ردحا طويلا وقال كلاما فيه كفرا استتيب عليه ومع ذلك شف الصدق بيقول لك عن تجربته الشخصية.
بقول لك لكنهم يتحسنون بما ليس لهم. وبما لم يتحسر عندهم. يعني هو بيظهر لك ان هو يعني بقر العلوم ووصل للالهيات وهو ما عنده شيء يعني هو حاله لا يحسن عن حال اهل الحديث انه يعني تجاوز لشيء وتظن انه وصل الى الحكمة الالهية واحاط بالعلم الالهيات هو لم يفعل شيئا. لكنهم يتحسرون بما ليس لهم وبما لم يتحصل عندهم. فهم بمثابة من يدعي الصحة ويتجلد وهو ايش؟ سقي مريض هو مريض لكنه بالظاهر انه قوي وهذا حالهم.
لان اهل الحديث الحمد لله حافظوا على صحتهم ولم يدخلوا انفسهم في شكوك. هؤلاء لم يقرعوا بحدود الكتاب والسنة فاقحموا انفسهم في المتاهات. فهو بحاول يقنعك انه انا ما فشلت في رحلتي في علم الكلام. وانه انا وصلت وصلت ووصلت لكن هذا تجلد ظاهر وفي باطنه هو سقيم مريض مليء بالشكوك والحيرة. قال وفي النهاية فانه يذعن بان فوقه حكمة الهية توجب الاستكانة.
ثم يقول كلام ابن عقيل ثماني تدبرت هذا الشأن يعني تفكرت في هؤلاء المتكلمين لماذا يفعلون هذا بانفسهم ثم اني تدبرت هذا الشأن فوجدت عظم السبب فيه ان الشيطان صار اليوم بلطيف حيلته يسول لكل من احس من نفسي بزيادة فهم. لاحظوا التوصيف الدقيق للنفس البشرية قال الشيطان صار اليوم بلطيف حيلته يسول لكل من احس من نفسي بزيادة فهم هو ذكي وفضل ذكاء وذهن ويوهمه انه ان رضي في علمه ومذهبه بظاهر الكتاب والسنة واقتصر على الواضح منها كان اسوة للعامة.
كان زيه زي مين ؟ زي عوام المسلمين. فالانسان الذكي بيضحك عليه الشيطان من هذا الباب. بقول له انت بدك تكون زي عوامل لمين في عقيدتك؟ ما بنفعش. طيب ايش تعمل؟ قال اه كان اسوة للعامة وعد واحدا من الجمهور والكافة. وانه قد ضل واضمحل لطفه وذهنه فحركهم بذلك على التنطع في النظر. خلاهم ضحك عليهم الشيطان من هذا الباب. قال له انت بدك تكون زي عامة الناس حط يدك لا انت لازم تكون عبقري.
ادخل في مسائل الفلسفة. وادخل في كلام ارستو طاليس وافلاطون وانظر في كلام المشائين من الفلاسفة وافهم. لازم تكون مميز انت هذي المصيبة فحركهم بذلك على التنطع في النظر والتبدع لمخالفة السنة والاثر. ليبينوا بذلك عن طبقة الدهماء. اي ليكونوا مميزين عن الناس ليس مثله مثل دهماء الناس ويتميزوا في الرتبة عن من يرونه دونهم في الفهم والذكاء. فاختدعهم بهذه المقدمة حتى تزلهم عن واضح المحجة واورطهم في شبهات تعلقوا بزخارفها وتاهوا عن حقائقها ولم يخلصوا منها الا الى شقاء النفس ولا قبلوا بيقين العلم واضح المرض.
فهمتوا شو المشكلة؟ واضحة انه جعلك تعتد بذكائك وانك ما بدك تكون زيك وزي العامة. فاصبحت تدخل في المتاهات وفي الفلسفات. فمن هنا اذلك الشيطان وضحك على من ضحك من من اذكياء المتكلمين وانا اقول انهم اذكياء لكن السبب الخطأ هنا لم ينتبهوا لهذا الامر النفسي.
طيب يقول ابن عقيل بعد ذلك ولما رأوا كتاب الله ينطق بخلاف من تحل. الان المتكلمون وصلوا الى عقائدهم الباطلة. التي يخالفون بها عقيدة اهل الحديث. لما وصلوا اليها سواء مسائل او دلائل وجدوا ان طريقة الكتاب والسنة متباينة مع طريقتهم التي وصلوا اليها. فماذا فعلوا بالكتاب والسنة ماذا فعلوا؟ التأويل بدأوا بتأويل نصوص الكتاب والسنة ولا اعناق النصوص اذا ولما رأوا كتاب الله ينطق بخلاف ما انتحلوه ويشهد عليهم بباطل ما اعتقدوه ضربوا بعض اياته ببعض وتأولوها على ما سنح لهم.
يعني ما خطر في عقولهم. واستوى عندهم على ما وضعوه من اصولهم. ونصبوا العداوة. لاخبار النبي صلى الله عليه وسلم ولسنته المأثورة عنه. طبعا ايش العداوة؟ انه مش هو القانون احنا اعداء. لا هم ما قالوا هذا. لكنهم ايش؟ قالوا لا نأخذ باخبار الاحاد في مسائل الاعتقاد فقالوا وهذه عداوة مبطنة اذا ونصبوا العداوة لاخبار النبي صلى الله عليه وسلم ولسنته المأثورة عنه. وردوها على وجوهها واساءوا في نقلتها القالة.
يعني ترى بعض المتكلمين وانتم تعرفونهم وهو من اجلاء المتكلمين لكن لا اريد ان اذكر اسمه كان يسم نقلت الحديث بانهم اناس طيبون يعني مساكين يقبلون اي شيء يسمعونه ويأتون به ويكثرونه في البخاري وفي مسلم. هذا من اذكيائهم المتقدمين نسأل الله العفو والعافية. وهذا في صدق ما قال ابن عقيل اصبحوا يسيئون القالة اي المقولة في نقلة الحديث اه ووجهوا عليهم الظرورة الاتهامات ورموهم بالتزيد.
يعني انتم بتزيدوا في الاحاديث ها كالعادة كما قالوا اننا زدنا في كتب ابي الحسن الاشعري وكذبنا عليه قالوا كذلك انكم زدتم في الاحاديث النبوية ولعبتم فيها. طبعا انت لما تتهم يحيى بن معين وشعبة بن الحجاج وقتادة بن دعامة مين تتكلم؟ تتكلم عن ائمة ائمة الامة وسادتها في نقل الحديث. مشكلة لما نصل لهذه المرحلة وهذا كله كلام ابن عقيل الذي كان احد يعني مش كلام شخص هو على عقيدة اهل الحديث ابتداء لا لا انا هذي ميزة هذا النص. انه شخص كان عنيدا من يمين ثم تراجع خطوات للوراء هو الذي يدلي بهذه الشهادة.
يعني هذه شهادة قوية نعم نعم هذا اكيد نقله عنه ابو العباس ابن تيمية رحمة الله عليه فقال تعارض العقل والنقل. طيب لكن آآ لو نظرت في كتاب الانتصار العهد الحديث ستجد كثيرا من هذا ثم قال ولما رأوا كتاب الله ينطق بخلاف ما انتحلوه ويشهد عليهم بباطن ما اعتقدوه. ضربوا بعض ايات الى انا عدت كثيرا للوراء. اذا واساءوا في نقلتها القالة ووجهوا عليهم ورמוهم بالتزيد ونسبوهم الى ضعف المنة وسوء المعرفة بما يروونه من الحديث.
قالوا يعني انتم اصلا تنقذوا حديث مش فاهمين شو هي هكذا قال المتكلمون او كثير منهم. والجهل بالتأويل ولو سلكوا سبيل القصد. الان بعطيك الخلاصة
ابن عقيل: ولو أن هؤلاء المتكلمين سلكوا سبيل القصد، ووقفوا عند ما انتهى بهم التوقيف، لوجدوا برد اليقين وروح القلوب، ولكثرت البركة، ولتضاعف النماء، ولانشرحت الصدور، ولأضاءت فيها مصابيح النور، وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
يعني قالوا: ماذا هو واقعكم؟ يعني دعك من التفزلك والتنطع ونحن ونحن، هذا واقعك: إنسان شعر بنفسه ذكاء، فزله الشيطان بسبب ذكائه. ولذلك، كما قال الذهبي: فجزى الله خيراً من انقاد إلى الجنة، وقاتل الله الذكاء إذا قاد إلى النار.
إذا كان الغباء يقودك يعني على كلامكم هيك بقول الذهبي، بيعتبروا أهل الحديث فيهم من البلادة، وإذا كانت البلادة تقود إلى الجنة فجزاها الله خيراً، وإذا كان الذكاء يقود إلى النار فقاتله الله. يعني الأمر ليس بهذا التصور الذي تقيسون به الأمور.
طيب، كم ذهب من الوقت؟ طيب، ضال عشر دقائق معنا، ساعة ونصف إن شاء الله لن نطيل عليكم، بسم الله. والله ما أعرف إذا وقفوا علي ولا لا يا شيخ، أنا أصلاً، بسم الله.
الحمد لله. قال أبو سليمان، الآن أبو سليمان الخطابي صاحب كتاب معالم السنن، وهو من أهل الحديث الذين تأثروا بالفكر الكلامي، خطابي من أهل الحديث الذين فعلا تأثروا بالفكر الكلامي، لكن في النهاية عاد، فألف كتاب الغنية عن الكلام وأهله، إيش سمى كتابه؟ الغنية عن الكلام وأهله. طبعا يعني هو آخر أمره يظهر أنه ما زال عنده شيء من التأثر حتى أكون منصفاً، لكن أنا يهمني كلامه، دعكم من موقفه الأخير ولكن أنا يهمني كيف كان ينظر للفكر الكلامي بعد أن خاض فيه.
يقول أبو سليمان الخطابي، طبعا هو له كتاب أيضاً اسمه شعار الدين، له كتاب آخر اسمه شعار الدين، وأظن أن هذا الكلام الذي أنقله من شعار الدين وليس من الغنية، له كتابان مهمان في هذا الجانب. يقول أبو سليمان الخطابي: واعلم أن أئمة الماضيين والسلف المتقدمين لم يتركوا هذا النمط من الكلام، يعني يعني أبو الخطابي بده يعطيك خلاصة مهمة في رحلته في علم الكلام يقول لك: واعلم أن الأئمة الماضيين أئمة السلف لم يتركوا هذا النمط من الكلام، يعني دليل الحدوث والكلام عن الأعراض والجوهر وغيرها من والحيز والجهة وغير ذلك من الألفاظ المبتدعة التي أنشأها المتكلمون، لم يتركوا هذا النمط من الكلام وهذا النوع من النظر عجزا عنه ولا انقطاعا دونه، يعني ليس من ضعفاء العقول.
وقد كانوا ذوي عقول وأفهام ثاقبة، وقد كان وقع في زمانهم هذه الشبه والآراء وهذه النحل الأهواء -طبعاً هو بيتكلم عن ربما زمن الإمام أحمد بن حنبل وما قبله وما ليس زمن الصحابة لأن زمن الصحابة ما وصلت القضية لقضية الجوهر الفرد وما شابه ذلك من الأمور لسا، هاي أحدثت بعدهم في زمن تابع التابعين ومن بعدهم-.
المهم آه، وقد كانوا ذوي عقول وافرة وأفهام سابقة ثاقبة وكان، وقد كان وقع في زمانهم هذه الشبه والآراء وهذه النحل الأهواء، وإنما تركوا هذه الطريقة وأعرضوا عنها لما تخوفوه من فتنتها، هي طريقة فيها فتن، وحذروهم من سوء مغبتها، وقد كانوا على بينة من أمرهم وعلى بصيرة من دينهم لما هداهم الله له من توفيقه وشرح به صدورهم من نور معرفته، ورأوا أن فيما عندهم من علم الكتاب وحكمته وتوقيف السنة وبيانها غناء ومندوحة عما سواهما.
هذا حدود العقل والفهم، وأن الحجة قد وقعت بهما والعلة أزيبت بمكانهما. فلما تأخر الزمان بأهله وفترت عزائمهم -لاحظوا الجملة هاي- وفترت عزائمهم في طلب حقائق علوم الكتاب والسنة وقلت عنايتهم، واعترضهم الملحدون بشبههم والمتحلقون بجدلهم، حسبوا أنهم إن لم يردوهم عن أنفسهم بهذا النمط من الكلام، أي الكلام الحادث، ولم يدفعوهم بهذا النوع من الجدل لم يقوى بهم، ولم يظفروا في الحجاج عليهم، ذلك ضلة من الرأي وغبنا فيه وخدعة من الشيطان.
يا ريت ما تبقاش قواعد، آخر شيء بيقول لك: لما تأخر الزمان بأهله أولا ضعفت الهمم عن تدبر الكتاب والسنة ومعرفة حقائق ما جاء به الكتاب والسنة، ثم ظهر الملاحدة الذين يؤذون بالشبه الجديدة، فكان المتكلمون يقولون: آه لن يكفي الكتاب والسنة للرد على ملاحدة، دعونا ننشئ أدلة ونستحدث قواعد جديدة في الرد على الملاحدة، فظنوا أن الكتاب والسنة فقير في الأدلة العقلية للرد على الملاحدة، وأتوا واستحدثوا طرقا جديدة.
والمشكلة ليست لو لو أنها والله كما قال الخطابي وقفت عند الرد على، لكان الأمر هيناً، أنه هذه الطرق التي استحدثوها أدخلوها وأقحموها في أصول الدين وحججوا الناس عليها، هذه هي المشكلة وليست المشكلة فقط لأنهم استحدثوا طرقا جديدة للرد على الملاحدة.
فإذاً الخطابي أيضاً يصف لنا مشهد لماذا آه الناس اندفعت للكلام بعد مع وجود الكتاب والسنة؟ فيقول لك: ضعف المتأخرين وضعف أهل الزمان بتبصر نصوص الكتاب والسنة ومعرفة طبيعة الحجاج العقلي فيهما مع ظهور الطوائف الملحدة التي تحاج الإسلام والمسلمين، غر بعض الناس وظنوا أنهم يحتاجون يا شيخ حسين إلى إيش؟ إلى نوع جديد من الحجاج غير الوارد في الكتاب والسنة، نوع جديد من الأدلة، فاستحدثوا هذه الأدلة فقال: فكان هذا خدعة من الشيطان.
يعني لو أنا اقتصرنا على الكتاب والسنة فرد على الملاحدة يقول لك الخطابي يكفي ذلك، لكن نحتاج إلى همة قوية للدفاع أو للرد على الملاحدة من نصوص الكتاب والسنة. ثم يقول الخطابي بعد ذلك: فلا تشتهروا رحمك الله بكلامهم، خلص هو أعطاك النصيحة: لا تشتغل بكلامهم ولا تغتر بكثرة مقالاتهم، فإنها سريعة التهافت كثيرة التناقض، وما من كلام تسمعه لفرقة منهم إلا ولخصومهم عليه كلام يوازنه أو يقاربه، فكل بكل معارض بعض ببعض مقابل.
وإنما يكون تقدم الواحد منهم وفرجه فلجه يعني انتصاره، على خصمه بقدر حظه من البيان، يعني الأشطر في الكلام هو اللي بغض النظر عقيدة الصح ولا خطأ، الأشطر في الكلام عندهم هو اللي بفوز، إذن بقدر حظه من البيان وحذقه في صنعة الجدل والكلام، وأكثر ما يظهر به بعضهم على بعض إنما هو إلزام من طريق الجدل على أصول موصلة لهم ومناقضات على مقولات حفظوها عليهم، فهم يطالبونهم بقودها وطردها، فمن تقاعد عن شيء من ذلك سموه على طريق قتل جدل منقطعا أي منهزما، وجعلوه مبطلا وحكموا بالفلج أي بالانتصار لخصمه عليه.
والجدل فعليا قال: لا يبين به الحق ولا تقوم به الحجة، لأن هناك أصبح هناك علم انتشر بين المتكلمين اسمه علم الجدل، وهي قواعد معينة في المجادلة ورسوم لازم تتبعها، إذا قلت أنا كذا يجب أن تجيب بكذا، وإذا قلت أنت كذا فأنت تجيب بكذا، وإذا سألتك علمها فأنت تجيب، وإذا سألتك عن لو وبدأوا يضعون هذه القواعد، وبدأوا يحاجون بعضهم بها وأغلب هذه رسوم وبيان لا يظهر به الأمر حقا أصلاً.
وهذا علم الجدل كثير منه لا قيمة له ولذلك ألفه أبو العباس ابن تيمية كتابا في تمويه الجدل الباطل تمويه الجدل الباطل كيف أن أساليب الجدل هي أصلاً مموهة، ودعوكم من يعني التفذلك فيها أغلبها لا يوصل إلى حق، وإنما يظهر به انتصار فلان على فلان بمجرد الفضل لكى وانه أنت أجبت بشكل صحيح ولا خالفت قاعدة من قواعد الجدل آه خالف قاعدة من قواعد الجدل، إذن أنا اللي انتصرت، وهي هذه طوشة هذه ما هي دراسة عقدية.
هل هتكون الدراسة العقائدية بهذه الطريقة هذا دين الله؟ هل أنا انتصر في مسألة عقدية لمجرد أنني انتصرت في قواعد الجدل على صاحبي ليس هكذا الدين وإنما بقدر وضوح الدليل. لذلك إيش يقول الخطابي؟ يقول: وقد يكون الخصمان يعني الخصمان المتجادلان، قد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتين كلتاهما باطل، هذا اللي دافع هذا بدافع عن باطل، ويكون الحق في ثالثة غيرهما، فمناقضة أحدهما صاحبه غير مصحح مذهبه وإن كان مفسدا له.
يعني ممكن هذا قول باطل وهذا قول باطل هذا أفسد قول هذا، طب أفسادك لقول هذا لا يعني أن انت قولك صح، يعني أنت انتصرت على صاحبك بس مش معنى هذا إن أنت كلامك صح أيضاً، بس صاحبك ما عرفش يرد عليك بس هاي الفكرة، فهل نقيم العقائد؟ ولذلك كان الإمام مالك يقول أحبابي الكرام: أوكلما جاء رجل أجدل من رجل تركنا كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ يعني كل ما طلع واحد أطر من الثاني في المجادلة بدنا نتبع المنتصر في الجدال؟ يعني كل ما واحد كان أطر وأمهر في الجدال يكون كلامه هو الحق؟ لا والله لا تستقر عقيدة على ذلك.
طيب، وقد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتين كلتاهما باطل، ويكون الحق في ثالثة غيرهما، فمناقضة أحدهما صاحبه غير مصحح لمذهبه وإن كان مفسدا له قول خصمه، لأنهما مجتمعان في الخطأ مشتركان فيه، كقول الشاعر فيهم: حجج تهافت كالزجاج تخالوها حقا وكل كاسر مكسور.
وإنما كان الأمر كذلك لأن واحدا من الفريقين لا يعتمد في مقالته التي ينصرها على أصل صحيح، وإنما هي أوضاع تتكافئ وتتقابل فيكثر المقال ويدوم الاختلاف، وصدق الله تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فأخبر سبحانه ما كثر فيه الاختلاء، إن ما كثر فيه الاختلاف فهذا لا يمكن أن يكون من عنده، وهذا من أدلة دليل على أن مذاهب المتكلمين.
لاحظ أنه يتكلم عن مذاهب المتكلمين عموماً، لا يتكلم عن المعتزلة فقط بل جميع مذاهب المتكلمين من أشعرية وماتريدية ومعتزلة وجهامية وكرامية وكل هذه الفرق، وهذه من الأدلة الدليلة على أن مذاهب المتكلمين مذاهب فاسدة لكثرة ما يوجد فيها من الاختلاف المفضي بهم إلى التكفير والتضليل، وذلك صفة الباطل التي أخبر الله تعالى بها.
وهذا كما قلت لكم يعني هذا الكتاب هذا ليس في كتاب الأغنية وإنما في كتابه شرائع الدين، وإنما وله كلام جميل آخر في كتاب الأغنية تستطيعون أن تنظروا فيه.
لكن هنا أختم، أختم ماذا قال الخطابي؟ وإن كان الذي عانيناه في مسألة الغنة عن الكلام هو المذهب الآخر الذي تقدم ذكرنا له، وهو مذهب الغلو والإفراط، وما يقابله من مذاهب من يرى التقليد ولا يقول بحجج العقول فهو في التفريط والتقصير موازن لمذهب المتكلمين في غلوه بالإفراط. يريد أن يقول: يعني نحن أيضاً في كتابنا الآخر رددنا على الطرف الآخر الذي يقول إنه لا نحتاج إلى الاستدلال بالأدلة العقلية، فيقول هذا أيضاً تقصير ونحن نوافق الخطابي الذين يقولون إننا لا نحتاج للحجاج العقلي ولا الأدلة العقلية أبدا هل هذا كلام صحيح تقبلونه؟ كلا. بل القرآن والسنة موافقان للعقل الصحيح ويثبتان ويؤكدانه.
فالخطابي يقول: أنا في أحد الكتابين رديت رددت على الذين يريدون التقليد ولا يقنعون بالحجج العقلية، فهذا تفريط وتقصير، موازن -لاحظ العبارة جيدة هذه- هذا تفريط وتقصير مواز لمذهب المتكلمين في الغلو، وهو يرى أن المتكلمين عندهم غلو وإفراط وأن من قابلهم ممن يردون الحجج العقلية بالكلية عندهم إيش إفراط وتقصير.
فيقول لك: والحق وسط بينهما، فنحن نريد الحجج العقلية وننصرها ولابد منها لنثبت الحق، لكن الطرق العقلية الصحيحة المأخوذة من مشكاة الكتاب والسنة وليست من أوضاع فلاسفة اليونان وكلام فلاسفة الفرس والهند.
لا أطيل أكثر من ذلك عليكم، في المحاضرة القادمة بإذن الله يعني سيكون لي تعليق ختامي على هذه القاعدة ونلج في قاعدة أخرى بإذن الله. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل