بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ. اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أحبائي الطلبة في أكاديمية غراس العلم، في مساق جديد يتعلق بأهم علوم الشريعة على الإطلاق، ألا وهو علم الاعتقاد؛ لأن شرف العلم مرتبط بشرف المعلوم به، وعلم الاعتقاد معلومه وموضوعه هو الحديث عن الله سبحانه وتعالى، عن أسمائه الحسنى، عن صفاته العلى، عن أفعاله الحميدة التي لا نقص فيها، حديث عن حقائق الإيمان، حديث عن الملائكة والرسل، حديث عن القضاء والقدر، حديث عن الجنة والنار. من أجل كل هذا، حاز هذا العلم قصب السبق بين العلوم، وحل في الذروة العليا من علوم الشريعة الإسلامية.
علم الاعتقاد علم جليل شريف، لا يحسن بطالب العلم أن يجهله، خاصة إذا تصدر للحديث في أمور الناس وفي دين الله سبحانه وتعالى، لا بد وأن يكون مَكينًا متينًا فيه. وأنا أقول دائمًا لأحبتي من طلبة العلم: لو أن طالب العلم من كل رحلته العلمية لم ينتفع إلا أنه صحح عقده مع الله سبحانه وتعالى، فأثبت لله ما أثبته لنفسه، ونفى عن ربه ما نفاه عن نفسه، وعظم الله عز وجل في قلبه حق التعظيم، وقدره حق التقدير، لكان هذا حريًا أن يدأب من أجله ليلًا نهارًا في طلب العلم وتحصيله. يعني لو كل رحلتك العلمية لم تتقن النحو ولا أصول الفقه، ولم تتقن الفقه، ولم تتقن علوم البلاغة والمنطق، لو لم تتقن إلا أن تصحح عقدك مع الله، كفى بذلك شرفًا أن تدخل رحلة طلب العلم.
إذًا أحبابي الكرام، رحلة طلب العلم رحلة مهمة جدًا وعظيمة جدًا، لكن يقدح بطالب العلم أن يغوص فيها وأن يذهب إلى ثنايا المسائل الجزئية وهو جاهل بعقده مع الله سبحانه وتعالى. اعلم يا طالب العلم أنك لن تجد معنى لحياتك، ولن تجد أُنسًا في روحك، ولن تجد راحة لبدنك إلا إذا عرفت الله سبحانه وتعالى كما يريد منك أن تعرفه، إذا عرفت ربك سبحانه وتعالى الذي تَعَرَّفَ إليك في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وحرصت أن تكون هذه المعرفة معرفة صحيحة حقة كما يريد الله سبحانه وتعالى، حينئذ ستجد المعنى للحياة، حينئذ ستجد الأنس في القلب، حينئذ ستجد الراحة في البدن، ستجد الحياة كلها تنساق معك؛ لأنك اتصلت بإله هذا الكون اتصالًا صحيحًا قويمًا لا اعوجاج فيه.
خاصة أحبائي في هذا الزمن، هذا الزمن الذي كثرت فيه الشبهات حول المسائل العقدية، واتسعت الرقعة كما يقولون، أو اتسع الخرق على الراتق، وكثرت الفرق التي تنتمي أو تنتسب إلى منهج أهل السنة والجماعة وهو منها بريء. في هذا الزمن الذي كثر فيه القيل والقال، وكثر الذين يتكلمون في العقائد ممن يحسن وممن لا يحسن، ممن يفهم مراد الله وممن لا يفهم مراد الله، بسبب كل هذه الغوامض وبسبب كل هذه الشبهات أصبحت المحجة البيضاء الوصول إليها فيه نوع من التعب والوعورة، أليس كذلك؟ أن تصل إلى المحجة البيضاء التي ترك عليها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام أصبح يحتاج منك إلى جهد وإلى بذل وإلى تضحية حتى تبصر نور الحقيقة بين سحائب الظلمات.
فيا طالب العلم، حذارِ أن تكل أو تمل عن طلب علم العقائد! حذارِ يا طالب العلم أن تكون الحياة الدنيا هي التي تملأ قلبك فتنشغل بها عن معرفة مولاك سبحانه وتعالى، فتكون بعظمة الله عز وجل تكون جاهلًا، بحقوق الله سبحانه وتعالى تكون جاهلًا، بأسمائه الحسنى وصفاته العلى تكون جاهلًا! كيف تطبق مسائل الاعتقاد؟ وكيف تخرج مسائل العقيدة من حيز التنظير إلى حيز التطبيق؟ وهذه قضية مهمة أحبابي الكرام، نحن وصحيح الآن سنتكلم في هذه الدورة المباركة عن المسائل التنظيرية، لكنني دائمًا ما أدعو أحبتي من طلبة العلم إلى أن يخرجوا من حيز التنظير، وأن يبدؤوا يمارسوا العقيدة في واقعهم العملي.
أنت عندما تدرس أسماء الله الحسنى: الرحيم، الرحمن، القدير، اللطيف، الوكيل، يجب أن تستشعر معاني هذه الأسماء، وأن تؤمن بها إيمانًا واقعيًا عمليًا وأنت تسير في هذه الحياة الدنيا. عندما تتعلم الصفات العلى، فأنت لا تتعلم ذلك لمجرد أن تخاصم الأقران؛ أنت تتعلم أن الله سميع بصير، يعلم ما في القلوب، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، أن الله سبحانه وتعالى سيكلمك كلامًا حقيقيًا يوم تلقاه ليس بينك وبينه ترجمان. كل هذه المسائل التي تتكلم عن صفات الله سبحانه وتعالى لها واقع عملي ملموس في حياة طالب العلم، إن لم يتعرف طالب العلم كيف يحيا مع مسائل الاعتقاد واقعًا عمليًا، حينئذ في الحقيقة الدرس العقدي أصبح محصور الفائدة، أليس كذلك؟ تتفقون معي؟
نحن للأسف أصبحنا في زمن يكثر عندنا التنظير، يكثر عندنا التشدق بالعبارات، لكن لما يأتي وقت التطبيق والعمل نضعف عن ذلك. لما يأتي وقت الإيمان بالقضاء والقدر، عندما نؤسس هذه العقيدة ما أسهل أن نتكلم عن هذه الحقائق العظمى! لكن ما أصعب أن نطبقها في حياتنا حينما يبتلى الإنسان بفقد حبيب أو عزيز، أو عندما تضيق عليه الحياة الدنيا فيقتنع ويؤمن في قلبه أن الله هو الرزاق فلا يذهب طرق الحرام، عندما يؤمن الإنسان أن الله مطلع على كل حركاته وسكناته، فإذا جاءت شهوة من الشهوات غض طرفه عنها وأمسك زمام هذه النفس حتى لا تضيع ولا تتيه! أليس هذا كله شكلًا من أشكال التعبد بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى؟
إذًا من الأمور المهمة جدًا في تعلم العقائد: أولًا حتى تكون ناحية تطبيقية عملية وليس مجرد أمر تنظيري. ثانيًا حتى يعرف الإنسان المحجة البيضاء التي ترك عليها النبي صلى الله عليه وسلم صحابته ضمن سحاب الشبهات التي تحيط بنا اليوم من كل حدب وصوب، الشبهات والفتن والذين يتصدرون للكلام في دين الله، للأسف يكثر الزلل والخطل، ويكثر الانحراف والبعد عن المنهج. فيحتاج طالب العلم إلى أن يعتصم بالله سبحانه وتعالى أولًا، وأن يتجرد له، وأن يظهر الإخلاص والصدق والبحث الجاد للوصول إلى ما يريده الله سبحانه وتعالى منا أن نعرفه عنه، بعيدًا عن المناهج المنحرفة عن جادة أهل السنة والجماعة.
ودائمًا ما أقول أحبائي الكرام: إن الكلام في مسائل الاعتقاد وفي علم الاعتقاد والله ثقيل، يسهل علي أن أتكلم في النحو، في الصرف، وفي البلاغة، وفي المنطق، لكن الكلام في الاعتقاد ثقيل، والخطأ في تقرير مسألة من مسائل الاعتقاد ليس بالخطأ الهين، والضريبة ستكون غالية جدًا. لذلك يا طالب العلم، إياك أن تتهافت على هذه الأبواب، إياك أن تستعجل للكلام، إياك أن تصدر نفسك قبل أن تتخمر هذه الأفكار، إياك أن تخوض في مسائل الاعتقاد وأنت لا تتقنها، فإن الكلام في الله والله ثقيل! الكلمة التي تخرج قد يترتب عليها سفك الدماء، الكلمة التي تخرج فيها كفر وإيمان، الكلمة التي تخرج أنت تتحدث فيها عن رب الأرض والسماء، فإياك أن تظن أن الكلام في مسائل الاعتقاد سهل.
وعليك أن تتبصر وأن تتروى وأن تتفهم حقائق الكتاب والسنة، وأن تعلم أن المخلص وأن المنجى هو أن تعتصم بالوحي الإلهي، فبه ضمنت الهداية. يقول سبحانه وتعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي. لاحظتم هذه الآية؟ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي. الهداية إذًا ليست لأنني ذكي العقل؛ فكم من عالم من علماء هذه الأمة كان من الأذكياء لكن تاه به عقله في محارات الأفكار! النبي صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم، أذكى الناس، ماذا يقول؟ ما قال: وإن اهتديت فبذكائي، ما قال: وإن اهتديت فلأني جاد باذل، لا لا، قال: وإن اهتديت فسبب الهداية: فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي.
الهداية مضمونة لمن تمسك بالوحي الإلهي ووقف عند ثغر الكتاب والسنة، متبصرًا بحقائقه، ينهل منه المعارف عن ربه سبحانه وتعالى، فلا يشغل ذهنه وفكره بفكر فلاسفة اليونان ولا فلاسفة الهند والفرس، ولا يأخذ عقائده من قيل وقال، وإنما يأخذها من المنبع، من الأصل، من الكتاب والسنة. فإن أعظم ما بينه الله سبحانه وتعالى في كتابه وعلى لسان نبينا صلى الله عليه وسلم حقائق الاعتقاد، ولا يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم اهتم بتعليم أمته دقائق مسائل الحيض والنفاس ودقائق مسائل الحدود والجنايات، وغفل -حاشاه- أن يعلمنا كيف نعرف ربنا سبحانه وتعالى! ولعل لنا عودة إلى هذا الأصل لنبين كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين مسائل الاعتقاد بيانًا قاطعًا للعذر، أقام به الحجة على هذه الأمة، فليس بعد كلام النبي صلى الله عليه وسلم كلام، وليس بعد بيان الكتاب والسنة بيان، والله الموفق والهادي للصواب.
وقد تقرر أحبابي الكرام في هذه الدورة المباركة أن نتدارس كتابًا شهيرًا من كتب الاعتقاد، وهو كتاب العقيدة الطحاوية للإمام الحافظ الثبت المتقن الفقيه الحبر الإمام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى، وهي رسالة لطيفة في علم الاعتقاد، كثر التعليق عليها والشرح لها. وسأبين إن شاء الله في خلال مقدمتي لهذا الدرس، آه، لماذا اخترت العقيدة الطحاوية من بين سائر كتب الاعتقاد التي تقرر المسائل على طريقة أهل الحديث؟ لكني سأقدم مقدمتين ابتداءً اليوم بإذن الله عن هذا الكتاب: المقدمة الأولى سأتكلم فيها عن خصائص العقيدة الطحاوية، سأتكلم عن ميزات هذا الكتاب وما أُخذ عليه، سأتكلم عمن شرح هذا الكتاب وبعض المقدمات فيه، وسأتكلم عن الإمام الطحاوي رحمه الله عليه، أتكلم عن نفس شخصية الإمام الطحاوي، نتعرف عليه أكثر وأكثر، وبإذن الله في المحاضرة القادمة نبدأ الحديث في بعض القواعد العامة في عقائد أهل السنة والجماعة، ومن خلالها ندخل رويدًا رويدًا في تحليل مسائل هذا الكتاب.
فنبدأ إذًا بالحديث عن خصائص العقيدة الطحاوية، وأقسم الحديث للكلام عن ميزات الكتاب، ثم سأتكلم عن المؤاخذات التي أُخذت عليه. نبدأ بالميزات حتى نبدأ بالجانب الإيجابي: ما ميزات هذه العقيدة؟ يعني عندما نختار هذه العقيدة بالتأكيد هناك ميزات تدفعنا لأن نختار الحديث عنها. أول ميزة من ميزات هذا الكتاب أنه جاء شاملًا لجل مسائل الاعتقاد؛ جاءت رسالة الطحاوي المختصرة، على اختصارها، أتت شاملة لجل مسائل الاعتقاد، فتكلمت عن مسائل التوحيد بأقسامه: الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، تكلمت عن مسائل القضاء والقدر، تكلمت عن مسائل النبوات والسمعيات، تكلمت عن الصحابة، عن مسائل الإمامة، تكلمت عن أشراط الساعة، مرت على كل هذه المسائل، تكلمت عن حقيقة الإيمان، وسنعرف ما هي طريقة الطحاوي في تحقيق مسائل الإيمان، وهل كان على طريقة أهل السنة أم أنه ذهب إلى طريقة أبي حنيفة النعمان رحمة الله تعالى عليه؟
المهم الرسالة جاءت تغطي جميع الجوانب أو أغلب الجوانب في مسائل الاعتقاد، ولم تركز على جانب معين؛ لأنه بعض الرسائل التي كتبها أهل العلم ممن يسير على طريقة أهل الحديث، بعضها يركز على جانب الصفات فقط، بعضها يركز على جانب القضاء والقدر، بعضها يركز على جانب الكلام الإلهي، تمام؟ لأ، هذه الرسالة جاءت تغطي شاملة لجميع مسائل الاعتقاد تقريبًا، فهذه أول ميزة لها: أن الكتاب شامل.
الميزة الثانية: أنها جاءت موضحة لعقيدة أبي حنيفة النعمان ومتقدمي أصحابه الكرام على وجه ينفي كثيرًا من الأباطيل التي نسبت إلى هذا الإمام الجليل، وتحقق الأقوال المنسوبة إليه في الاعتقاد. وهذه مسألة مهمة بالنسبة لنا، يعني من الميزات أن الإمام الطحاوي نسب هذه العقيدة ابتداءً إلى من؟ في مطلع الكتاب قال: هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، ومحمد بن الحسن الشيباني. فهو يبين أن العقيدة التي قررها، وهو إمام ثبت متقن، العقيدة التي قررها هي العقيدة التي قررها أبو حنيفة النعمان. بالتالي كثير من الأمور التي تنسب لأبي حنيفة النعمان ويطعن عليه أو يطعن فيه بسببها تحتاج لإعادة نظر بعد تقريرنا لمسائل هذه العقيدة الطحاوية.
وهذه سأقف عندها إن شاء الله وقفة قادمة، جدلية أبي حنيفة النعمان يا في المحاضرة القادمة يا في التي تليها سأقف عندها وقفة: ما هو الحق في أمر أبي حنيفة النعمان رحمة الله تعالى عليه في مسائل الاعتقاد؟ جيد؟ فهذه العقيدة من ميزاتها أنها توضح كثيرًا من الأباطيل التي نسبت إلى أبي حنيفة النعمان من خلال بيان الأقوال الحقة التي تنسب إلى أبي حنيفة وإلى أبي يوسف وإلى محمد بن الحسن، خصوصًا أن السلسلة بين أبي جعفر الطحاوي وبين أبي حنيفة النعمان وصاحبيه سلسلة قريبة، يعني المسافة بين أبي جعفر المتوفى ثلاثمئة وواحد وعشرين وبين أبي حنيفة النعمان وبين أصحابه مسافة قصيرة ليست بالطويلة حتى نقول إنه تقادم بينهم العهد. الطحاوي رحمة الله عليه تلقى المذهب الحنفي -واكتب هذه المعلومة- عن القاضي أحمد بن أبي عمران الهروي، والقاضي ابن أبي عمران الهروي تلقى المذهب عن بشر بن الوليد، وبشر بن الوليد تلقى المذهب عن أبي يوسف مباشرة.
لاحظوا السلسلة كم هي قصيرة! الطحاوي تلقى المذهب عمن؟ عن أحمد بن أبي عمران الهروي، وابن أبي عمران الهروي عمن أخذ مذهب الحنفية؟ عمن؟ عن بشر بن الوليد، وبشر بن الوليد أخذه ممن؟ من أبي يوسف مباشرة. وعندما يأخذون المذهب هم لا يأخذون المذهب فقط فروعًا، هم يأخذون المذهب في فروعه وفي أصوله، حتى الأصول الدينية التي تتعلق بالاعتقاد، فالسلسلة بين الطحاوي وبين أبي يوسف ومحمد بن الحسن وأبي حنيفة سلسلة قصيرة.
أبو جعفر الطحاوي من الأمور التي تجعلك تطمئن إليه أنه إمام ثبت، ثقة، نحرير، مدقق، ليس إمامًا عُرف مثلًا بالغفلة أو بالسهو أو سوء الحفظ، لا، مؤلفاته تشهد له أنه بحر خضم. فعندما ينقل شيئًا ويقول: هذه عقيدة أبي حنيفة النعمان، أنت تشعر بماذا؟ بالطمأنينة للكلام، يعني ليس أي شخص هو الذي ينقل عنه، أبو جعفر الطحاوي رحمة الله تعالى عليه! وهذا أمر يجب أن تقف عنده ولا تتجاوزه؛ لأنه بعض المعاصرين ممن خاض في أبي حنيفة وطعن في عقيدته تجاوز موضوع أبي جعفر الطحاوي، ولم يعلق عليه كثيرًا، ولم يعتبر رسالته مؤصلة لعقيدة أبي حنيفة، فهذا في الحقيقة إجحاف بأبي حنيفة: أنك تنقل عن خصومه ولا تنقل عن الأثبات الثقات الذين نقلوا عقيدته، أليس هذا فيه نوع من الإجحاف؟ طيب، جيد.
إذًا فنقله لعقائد القوم، أي لعقائد أبي حنيفة وأصحابه، محل ثقة واطمئنان، خصوصًا أن جميع من ترجم للطحاوي شهد له بالثقة والعدالة والإتقان والفهم، وشهدوا له بجلالة قدره في العلم، فلا يمكن أن يكون الطحاوي أخفى حقيقة مذهب أبي حنيفة النعمان، أو أنه لم يعرف عقيدة النعمان على وجهها، وهو من هو في العلم والمكانة! فشهادته لعقيدة أبي حنيفة النعمان وأصحابه إذًا هي محل ثقة واطمئنان. يعني أنا أقصد بهذا الكلام أن الطحاوي رحمة الله عليه، انظروا فيمن ترجم له من المتأخرين كالذهبي وغيرهم، الكل يعني يشهد لأبي جعفر أنه إمام ثقة عدل، وأئمة أهل الحديث المتأخرين لم يطعن واحد منهم في عقيدة أبي جعفر الطحاوي. اقرؤوا في ابن كثير، واقرؤوا عند الذهبي، وعند غيرهم ممن كان على عقيدة أهل الحديث من المتأخرين، لم يطعنوا في عقيدة أبي جعفر الطحاوي، وأثبتوا أنه عالم من أئمة السلف.
بالتالي العقيدة التي يقررها الطحاوي عن أبي حنيفة هي عقيدة صحيحة محل ثقة واطمئنان، والأصل كل من يريد أن يتكلم في عقيدة أبي حنيفة أن يقف عندها وأن ينهل منها. إذًا هذه الميزة الثانية، إيش الميزة الأولى يا شيخ قصي؟ عاد نكون نسيناها! لا، الميزة الأولى: الميزة الأولى للعقيدة الطحاوية أنها شاملة لجل مسائل الاعتقاد تمر عليها. ثانيًا: أنها جاءت لتبين وتوضح حقيقة اعتقاد أبي حنيفة النعمان وأصحابه حتى نحرر نسبة الأقوال إليهم، وتبعد كثيرًا من الأباطيل التي نسبت إلى هذا الإمام الكبير.
طيب، الميزة الثالثة: أنه كان مبتعدًا عن طرائق الكلاميين في تقريره لعلم الاعتقاد، حيث سار في جملة عقيدته -كلمة جملة ضعوا تحتها ثلاثة خطوط؛ لأني أنا تعمدتها؛ لأنه ليس في كل العقيدة كما سيتضح معنا في المناقشات- ابتعد عن طرائق الكلاميين وعن تقرير مسائل الاعتقاد على طرائقهم في جملة ما كتب، وكان يسير في هذه العقيدة المختصرة في جل مسائلها على طريقة السلف. طريقة السلف: من يعرف كتب أهل الحديث من المتقدمين في مسائل الاعتقاد يعرف أنها كتب سردية، أي تقرر مسائل الاعتقاد على شكل قواعد عامة مجملة، فتقول: نؤمن بما أثبت الله عز وجل لنفسه من الصفات، وننفي ما نفى عنه، ونؤمن بالقضاء والقدر، وأن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، ونؤمن بأن أبا بكر هو أحق بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ثم عمر ثم عثمان، وهكذا، طريقة سردية في ذكر مسائل الاعتقاد، بعيدًا عن طرائق الكلاميين وعوائقهم والكلام المتكلف المتشدق به في كتبهم.
فهذه ميزة لكلام أبي جعفر رحمة الله عليه: أنه اختط كتابه على طريقة السلف في سرد مسائل الاعتقاد، بعيدًا عن التكلف والتقعر، وبعيدًا عن طرائق المتكلمين وتهوكاتهم في هذا الباب. فهذه أيضًا ميزة لهذا الكتاب، فأنت تقرأ وأنت تفهم الذي تقرؤه، تشعر أن العبارات في جلها هي عبارات السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، تبقى بعض الأمور الدقيقة، يعني عبارات محددة قليلة جدًا خالف فيها الطحاوي رحمة الله عليه أساليب السلف في التعبير، هذه نقف عندها ونناقشها، لكن جل الكتاب على طرائق السلف من أهل الحديث. إذًا هذه ثلاث ميزات للكتاب.
نأتي الآن إلى ما يؤخذ على هذا الكتاب: أول ما يؤخذ على هذا الكتاب، أولًا: أنه أورد في مواطن محدودة منه عبارات مجملة حادثة، أي ليست معروفة عند السلف، استطاع المتكلمون توظيف هذه العبارات لجر عقيدة الإمام الطحاوي لصفهم، وجعلتهم يحتفون بعقيدة الطحاوي، وإن كان الواقع النظري كما سيتضح لنا من خلال شرحنا لكلام الطحاوي يشهد ببراءة الطحاوي رحمة الله عليه من مناهج المتكلمين. لكن ما هو الخطأ الذي وقع فيه الإمام الطحاوي، خلينا نقول جعل المتكلمين يجرون العقيدة الطحاوية إلى صفهم ويعتبرونها تسير على طرائقهم؟ أنه في مواطن محدودة من هذا المتن المبارك، في مواطن محدودة، استعمل الطحاوي عبارات إيش يا شيخ هشام؟ مجملة حادثة.
مجملة يعني مش مفصلة، والإجمال فيها مع كونها حادثة، العبارات ليست مستعملة عند السلف، وإنما عادة ما يستعمل العبارات المجملة الحادثة المتكلمون. استعمال الطحاوي بعض العبارات المجملة الحادثة، من الذي فرح به؟ المتكلمون، فأصبحوا يجرون العقيدة الطحاوية لصفهم، بل يعني أنت لو أتيت اليوم لبعض المتكلمين من الأشاعرة والماتريدية يستغرب منك أنك تشرح العقيدة الطحاوية! يقول لك: أنت ماذا تريد في العقيدة الطحاوية؟ هذه ليست لكم، هذه عقيدة الإمام الماتريدي وعقيدة الأشعرية، وأنتم تحاولون أن تتفزلكوا فيها وأن تجروها إلى صفكم! طيب، لماذا هؤلاء قومنا المتكلمين يعتبرون الطحاوي رحمة الله عليه يكتب عقائدهم؟ لماذا ينسبون العقيدة الطحاوية إليهم؟ مع أنك إذا قرأت العقيدة الطحاوية لا تجد لمسات أهل الكلام فيها من حيث الكلام عن الواجب العقلي، والممتنع العقلي، والممكن العقلي، والكلام عن دليل الحدوث، ودليل التخصيص، ودليل التركيب، والجوهر والعرض، ما فيش هذا الكلام كاملًا في العقيدة الطحاوية!
طيب، ما الذي ورد في العقيدة الطحاوية جعل المتكلمين يجرون هذه العقيدة إلى صفهم ويسرون بها مع أنهم يعلمون أن الإمام الطحاوي كلامه ليس زاخرًا بطرائقهم؟ بعض العبارات المحدودة المجملة في كلام الطحاوي، غفر الله لنا وله، استعمل عبارات مجملة ليست واضحة التفاصيل حادثة، أورد فيها كلمات مثل الحدود، والجهات الست، والأبعاد، فاستعمل بعض هذه العبارات المجملة الحادثة، ففرح بها المتكلمون وقالوا: ها، إذًا أبو جعفر الطحاوي يقرر ما يقرره مشايخنا وأئمتنا من المتكلمين، فهذه عقيدة لنا! فاستعمال الطحاوي لبعض العبارات المجملة الحادثة في مناطق محدودة -ترى قليلة- جعل هذه العقيدة عليها بعض المؤاخذات عند أهل الحديث، وجعل المتكلمين يفرحون بها ويسوقونها إلى صفهم.
لكن كما قلت لكم، بإذن الله نفند كل هذه الأباطيل وكل هذه المزاعم من كلام الإمام الطحاوي رحمة الله عليه، ليس فقط من هذه العقيدة، وهذا أمر غفل عنه كثير ممن يتكلم في العقيدة الطحاوية: الإمام الطحاوي هل فقط له كتاب العقيدة الطحاوية؟ لا، له العديد من الكتب العظيمة في الإسلام، مثل إيش؟ شرح مشكل الآثار، وله كتاب عظيم أيضًا آخر: شرح معاني الآثار. هذان كتابان أسفار كبيرة، وفي هذين الكتابين من يقرؤهما ويستقرئهما يجد كلامًا واضحًا للإمام الطحاوي رحمة الله عليه في نصرته أو في موافقته لعقيدة أهل الحديث، خصوصًا في قضية إثبات الصفات لله سبحانه وتعالى، وسيأتي هذا الكلام.
فأنت عندما تقول: إن الطحاوي هو على طريقة المتكلمين ولا على طريقة أهل الحديث؟ الإنصاف يقتضي منك أن تطوف بكلامه في مصنفاته جميعًا وتجمعه، وليس فقط تنظر في عبارة مجملة وقعت في العقيدة الطحاوية وبناءً عليها تقرر أن الإمام الطحاوي على طريقتهم! العلم الرصين يقتضي منك ماذا تفعل؟ أن تجمع كلامه المتفرق في كل كتبه، فتفهم منهج الرجل العام. وأما التقاط عبارة مجملة حادثة تطير بها فرحًا وتجعل الكتاب أنه على طريقتك، وتجعل من يشرح هذا الكتاب من أهل الحديث أنه يعني زور الحقائق، كما يقول بعض المعاصرين ممن شرح العقيدة الطحاوية على طريقة الأشعرية، يقول: إن ابن أبي العز الحنفي زور الحقائق عندما شرح العقيدة الطحاوية على طريقة أهل الحديث! هو لم يزور الحقائق، هذا إمام عظيم، وعندما تتكلم في حق إمام مثل ابن أبي العز الحنفي، أولًا عليك أن تتسم بالأدب مع العلماء، عليك أن تعرف قدر هؤلاء الأئمة الكبار، وعليك أن تعرف أقل شيء أقل شيء أن ابن أبي العز كان يعتقد باجتهاده أن العقيدة الطحاوية كانت على طريقة السلف. وأما أن تستخدم عبارة تزوير الحقائق وما شابهها من العبارات التي لا تليق بمقام العلماء الكبار، فهذا يحتاج إلى إعادة نظر في طريقة التأدب في تلقي العلوم الشرعية.
طيب، إذًا عرفنا ما أُخذ عليها ابتداءً، إيش أول مأخذ أُخذ عليه يا شيخ بلال؟ نعم، عبارات مجملة حادثة، يعني مش معروفة عند السلف، وإنما معروفة عند المتكلمين، هذه جعلت بعض المؤاخذات على العقيدة الطحاوية عند أهل الحديث.
ثانيًا: مجانبة أبي جعفر الطحاوي للصواب في تقرير مسائل الإيمان. مجانبة أبي جعفر الطحاوي، هذه المؤاخذة الثانية: مجانبته للصواب في تقرير تعريف الإيمان والمسائل التي تنبني على تعريف الإيمان. طبعًا هذه ثمرة طبيعية لسير أبي جعفر الطحاوي على طريقة من؟ على طريقة أبي حنيفة؛ لأن أبا حنيفة الذي ثبت عنه من الأخطاء في الاعتقاد وفي مسائل الإيمان أنه عرف الإيمان بأنه اعتقاد وقول، ولم يعتبر عمل الجوارح والأركان، العمل عمومًا، يدخل تحت مفهوم الإيمان. فالطحاوي بما أنه سار على طريقة أبي حنيفة، وطريقة أبي حنيفة هي طريقة مرجئة الفقهاء كما هو معروف عند علماء العقيدة ومن أهل الحديث، فشيء طبيعي أن يكون أبو جعفر متأثرًا بعقيدة أبي حنيفة رحمة الله عليه وعقيدة أبي يوسف ومحمد بن الحسن.
إذًا الخطأ في مفهوم الإيمان عند أبي جعفر الطحاوي، هل هو ناشئ من أنه كان متأثرًا بعقائد المتكلمين أو أنه نشأ عليها؟ لا، هو ناشئ من تتبعه لطريقة أبي حنيفة، وليس ناشئًا من أنه كان يسير على طريقة الأشاعرة أو الماتريدية كما يقولون. هذا أمر دقيق جدًا حتى تفهم كيف تناقش: الخطأ في تقرير مفهوم الإيمان هو خطأ تسلسلي نشأ من مدرسة الكوفة، أن مدرسة الكوفة كانوا يسيرون على طريقة مرجئة الفقهاء في اعتبار الإيمان ماذا؟ اعتقاد وقول ولا يدخل فيه العمل، فنتيجة لهذا سار على مسلكهم فجانب الصواب في هذه المسألة. فمجانبته للصواب ليست نابعة من أنه يسير على طرق المتكلمين أو على مسائل فلاسفة اليونان، كلا، بل هو لا يعرف هذه الأمور ولم يتتبعها في حياته كما يظهر لي.
وإنما كما أخطأ ابن قدامة رحمة الله عليه كما درسنا في لمعة الاعتقاد في فهم بعض قضايا الصفات فكان فيها مفوضًا جزئيًا، إذا بتذكروا لما قررناه في لمعة الاعتقاد أن ابن قدامة كان عنده شيء من التفويض الجزئي، مع أنه كان يحرم النظر في كتب أهل الكلام، ويشن الغارة على الأشعرية، وينزل بكلام قاسٍ عليهم، لكن أخطأ في فهم منهج السلف في مسألة صغيرة. فكذلك ما وقع عند مرجئة الفقهاء هو خطأ ناجم عن فهم نصوص الكتاب والسنة في مسألة الإيمان. وهل هذا الخطأ الخلاف فيه لفظي معهم أو ليس لفظيًا؟ مسألة في النهاية دقيقة، ليس الخلاف فيها عريضًا، الخلاف بين أهل الحديث ومرجئة الفقهاء ليس خلافًا عريضًا كبيرًا، وإنما الخلاف البعض جعله خلافًا لفظيًا، البعض لا، جعله خلافًا حقيقيًا، هذا سنناقشه في موطنه. لكن هذا مما ينبغي أن يُعرف ابتداءً: أن أبا جعفر الطحاوي جانبه الصواب في تحقيق مسألة الإيمان وما تفرع عليها، أقول: وما تفرع عليها.
طبعًا أنا أتكلم عن الخطأ الصريح، الآن هناك بعض المواطن في العقيدة الطحاوية خُطِّئَ فيها أبو جعفر الطحاوي لكنه ليس صريحًا، يعني قابلة للأخذ والرد، نناقشها في موطنها، لكن هنا أتكلم عما نعتقد أنه كان خطأً واضحًا مجانبًا لطريقة أهل الحديث.
طيب، الملاحظة الثالثة التي أُخذت على العقيدة الطحاوية هي ملاحظة فنية كما يقال في إخراج الكتاب، وهي تكرار المسائل، عفوًا، تكرار المسألة الواحدة في أكثر من موطن من الكتاب بصورة غير منسقة؛ أنه كان يقرر المسألة الواحدة، يعني مثلًا تأتي على مسألة القدر تجدها مذكورة في أكثر من مكان في الكتاب، وليس على نسق منظم. وهذا يوقع الطالب في شيء أقول من التشويش؛ يعني هو مثلًا ما تكلم في موطن واحد عن مسائل القضاء والقدر خلص أنهى الموضوع وأقفله وانتقل لموضوع آخر، لا، ليست هذه طريقته، وإنما تكلم عن الموضوع في أماكن مبعثرة، كرره في أماكن مبعثرة. كرر الكلام عن القضاء والقدر في أكثر من مكان، كذلك مجموعة من مسائل الاعتقاد كررها في أكثر من مكان بصورة غير منسقة، فيشعر الطالب بشيء من التشتت بسبب هذا الأمر، فيحتاج إلى أن يلملم الأمور ويعرف أن هذه المسألة هي مكررة عن مسألة سابقة ذكرها في الصفحة الفلانية. فهذه يعني يسمونها خطأً فنيًا، أو نحن نسميه مأخذًا فنيًا، ما بدناش نسميه خطأً، أكثر من أنه إيش؟ مأخذ فني على طريقة إخراج هذا الكتاب.
طبعًا هو قد يكون معذورًا في هذا الأمر، أحبابي الكرام، يعني لسنا نحن من يعلق على أبي جعفر، فقد يكون الإمام أبو جعفر كتب هذه العقيدة في عجالة، يعني نحن لا نعرف الظروف التي كُتبت بها هذه العقيدة، قد يكون كتبها لنفسه، صح؟ في احتمال هيك، قد يكون كتبها لشخص سأله عن مسائل معينة فكتبها، الظروف التي كتبت بها نحن لا نعلمها، بالتالي لا أستطيع أن أجزم لماذا
كتب الطحاوي العقيدة بهذه الصورة، لكن عمومًا في الحقيقة هذا المأخذ ليس مأخذًا على الطحاوي فقط، بل جل علماء أهل الحديث الذين كتبوا في العقائد من المتقدمين في زمن الطحاوي كانوا يقعون في هذه المشكلة، وهي أنهم لم يكونوا ينسقون الكلام في العقائد التي... وسأستعرض الآن بعض كتبهم: اقرأ في شرح السنة للمزني، اقرأ في شرح السنة للبربهاري، لغيرهم من علماء أهل الحديث؛ تجد نفس الإشكالية، أنهم يتكلمون عن المسألة العقدية في أماكن متعددة يكررونها بصورة غير منسقة.
فكانت القضية هي قضية ما كان يأتي على الخاطر في لحظة الكتابة، ما يأتي على خاطره يكتبه. قد يكون كتبها في أوقات مختلفة، فنسي إنه هذا الموضوع خلص تكلمت فيه مسبقًا، فأعاد تكراره مرة أخرى. يعني باختصار الاحتمالات كثيرة في قضية إخراج العقيدة الطحاوية بهذا الشكل. أنا لماذا أنبه على هذا؟ إنه الطالب لما يدرس معي هذا الكتاب سيلاحظ هذه القضية بشكل بارز: إنه يا شيخ، هذا الموضوع مش تكلمنا عنه مسبقًا؟ لماذا يكرره الطحاوي مرة أخرى؟ أنت الآن خلاص عرفت ابتداء أن هناك قضية التكرار غير المنسق داخل العقيدة الطحاوية.
وبشكل عام، مثل هذه الكتب أحبابي الكرام -يعني خاصة كتب أهل الحديث من المتقدمين- ما كان يغلب عليها طبع الكتب الدراسية. اليوم شبابنا وطلابنا: أنا بدي كتب دراسية يكون الإمام مظبط الأمور؛ واحد: كذا كذا، اثنين: كذا كذا، ثلاثة: كذا كذا. لا، هذا ما كان معروفًا خاصة في الزمن المتقدم. هذه الكتب المدرسية أو الجامعية الأكاديمية المنسقة، المعلومة فيها مرقمة واحد اثنين ثلاث، هذا ما كان معروفًا عند المتقدمين؛ لذلك كانت طريقة الكتابة هكذا جمع.
ثم عندما تطور التصنيف في العلوم الشرعية، وفي القرن السابع والثامن والتاسع الهجري الذي يسمى عصر الجمود عند بعضهم -وأنا لا أسميه عصر الجمود في الحقيقة ولا أحب هذه التسمية، بل هذا عصر كان فيه نضوج فكري، وكان فيه كثير من التنسيق والترتيب لما كتبه الأوائل، يعني سمِّه فلترة، إعادة تنسيق وترتيب وتنظيم للمعلومات والكتب، فكان له أثر كبير في خدمة العلوم الشرعية- هذا العصر كان فيه التنسيق والترتيب، وأما العصر المتقدم فكان يهتم بالجمع أكثر من هذه القضايا الجزئية التي تتعلق بتنسيق الكتب والمصنفات.
تمام، بسم الله. الآن انتهيت من ذكر الميزات ومن ذكر المؤاخذات. جميل، وضحت الأمور؟ في حدا عنده سؤال؟ لأ، أحسنتم. الآن سأقسم عبارات الإمام الطحاوي، هذا مبحث جديد اسمه: تقسيم عبارات الإمام الطحاوي الواردة في عقيدته من حيث موافقتها لعقيدة أهل السنة والجماعة أو مباينتها. سأقسم هذه العبارات إلى أربعة أقسام. إذًا ندخل الآن في موضوع جديد، وهو تقسيم عبارات الإمام الطحاوي التي أوردها في عقيدته؛ أقسمها باعتبار ماذا؟ ركزوا في الاعتبار: باعتبار موافقتها لعقيدة أهل الحديث أو مباينتها لعقيدة أهل الحديث. تُقسم العبارات إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: عبارات صريحة من الإمام الطحاوي في موافقته لمنهج أهل الحديث في الاعتقاد، ولا يشاركهم فيها الفرق العقدية الأخرى من الأشاعرة والماتريدية ومن سار على نهجهم. إذًا القسم الأول: عبارات صريحة من الإمام الطحاوي في موافقته لمنهج أهل الحديث في الاعتقاد، وهذه العبارات الصريحة التي وافق فيها أهل الحديث لا يشاركهم فيها المناهج الأخرى المنحرفة عن جادة أهل السنة والجماعة كالأشعرية والماتريدية ومن سار على نهجهم، كما سيأتي معنا في قضية الكلام الإلهي كيف أنه قررها بصورة واضحة، ودعكم من تسلقات المتكلمين على عبارته ومحاولتهم لَيَّ أعناق النصوص؛ العبارة صريحة في الكلام الإلهي وفي غيرها من الصفات في موافقته لمنهج أهل الحديث. تمام؟
النوع الثاني أو القسم الثاني: عبارات صريحة يتفق عليها أهل السنة مع الفرق العقدية الأخرى، ولا خلاف فيها بين الإسلاميين في الجملة. عبارات صريحة، لكن إيش نوعها؟ هذه عبارات يتفق عليها أهل السنة مع غيرهم، ولا خلاف فيها بين الفرق الإسلامية عمومًا. لما يقول: إن الله واحد لا شريك له، هذه لا يختلف فيها أهل الحديث مع الأشاعرة ومع الماتريدية. ولا شيء يعجزه؛ هل هذه عبارة فيها خلاف بين الفرق الإسلامية يا شيخ هشام؟ فإذًا هناك بعض العبارات صريحة، لكن لا يختلف فيها الإسلاميون عمومًا، لا يوجد فيها خلاف بين الفرق. هذا القسم الثاني من عباراته.
القسم الثالث: عبارات مجملة، عبارات مجملة يحتمل تفسيرها على عقيدة أهل الحديث، ويحتمل تفسيرها على طريقة المتكلمين من الماتريدية والأشعرية. النوع الثالث إذًا ما هو؟ عبارات مجملة حقيقة مش واضحة، يمكن أنك تفسرها على طريقة أهل الحديث، وفي الحقيقة أيضًا -حتى نكون منصفين- يمكن أن تفسر على طريقة الأشاعرة والماتريدية.
القسم الرابع والأخير من عبارات الطحاوي التي أوردها: عبارات صريحة في مخالفة مذهب أهل الحديث، وهي قليلة جدًا، مثل ما ذكرنا في إيش؟ مسألة الإيمان، أنه قررها بشكل صريح مخالفة لطريقة أهل الحديث، سيرًا على طريقة مرجئة الفقهاء. طيب هذا كم حجمه في العقيدة الطحاوية يا شيخ بلال؟ نَزْر يسير جدًا، ما بدي أقول مسألة، لكنه قليل جدًا. فإذًا أنت عندما تقرأ العقيدة الطحاوية عندك هذا التقسيم الرباعي، صنف العبارات التي ستقرأها على هذا التقسيم: عبارات صريحة موافقة لعقيدة أهل الحديث ومخالفة لكل عقائد المتكلمين، عبارات صريحة يتفق عليها أهل الحديث مع غيرهم، عبارات مجملة يمكن أن نفسرها على طريقة أهل الحديث ويمكن أن تفسر على طريقة من؟ على طريقة الأشاعرة والماتريدية، والقسم الرابع عبارات صريحة خالف فيها منهج أهل الحديث، وهي نزر يسير جدًا. ممتاز؟ طيب.
نذهب إلى النقطة أو الموضوع الجديد: ما أبرز شروح العقيدة الطحاوية؟ الآن هناك سمة عامة على العقيدة الطحاوية أن أكثر من شرحها من هم؟ من يعرف من الفرق العقائدية من أكثر من شرح العقيدة الطحاوية؟ لا، الماتريدية، الماتريدية هم أكثر من شرح العقيدة الطحاوية، وسأبين لماذا بعد أن أذكر الشروح.
أبرز شروح العقيدة الطحاوية: هناك شرح لإسماعيل بن إبراهيم الشيباني، وهو شرح مختصر، وهذا رجل ماتريدي، طبعته دار الكتب العلمية. هكذا اسمه: شرح إسماعيل بن إبراهيم الشيباني، شرح مختصر على طريقة الماتريدية، ومطبوع نعم عند دار الكتب العلمية. الشرح الثاني: النور اللامع والبرهان الساطع لمانكوبرس الناصري الحنفي، اسمه غريب ها؟ للعلامة مانكوبرس الناصري الحنفي، وهو ماتريدي أيضًا. وهذا الشرح -شرح مانكوبرس- هو اختصار لشرح الغزنوي، لشرح عمر الغزنوي رحمة الله تعالى عليه، وهذا الشرح -شرح الغزنوي- طبعًا مفقود، عمر الغزنوي مفقود، وأما شرح مانكوبرس فهو مطبوع؛ مطبوع دار الفاتح بنسخة يعني جميلة في الحقيقة، تُباع نسخة فاخرة جيدة. إذًا النور اللامع، هذان شرحان للماتريدية والقائمة تطول.
والقائمة تطول، لكن أنا اختصرت عليكم وذكرت أبرز الشروح، ومن أهمها الشرح الثاني الذي ذكرته لكم: النور اللامع، هو شرح مفيد في الحقيقة وإن كان على طريقة الماتريدية، واهتم فيه مانكوبرس بالرد على الأشعرية في العديد من المواطن.
من الشروح على العقيدة الطحاوية على طريقة أهل الحديث الشرح الذي سنقرره، بل أقول: هو الشرح الوحيد الذي على طريقة أهل الحديث عند المتقدمين. الآن عند المعاصرين كثيرًا ما شُرحت العقيدة الطحاوية من أهل الحديث، لكن أقول: عند المتقدمين من أهل العلم -يعني قبل القرن العاشر الهجري- الشرح الذي وصل إلينا من شروح أهل الحديث هو شرح الإمام ابن أبي العز الحنفي. ودعكم ممن يزعم -كما قلت قبل قليل- أن ابن أبي العز الحنفي يعني دلس، أو أنه أراد أن ينسب العقيدة إلى عقيدة أهل الحديث -عقيدة الطحاوي إلى عقيدة أهل الحديث- مع أنه يعلم أنها ليست على هذه، أو أنه زور الحقائق؛ هذا كلام لا يليق بجلالة قدر ابن أبي العز الحنفي رحمة الله عليه، فحتى لو كان بينك وبينه خصومة في الاعتقاد فعلى الإنسان أن يلتزم الأدب مع العلماء ولا يتسلق على أسوارهم. إذًا شرح ابن أبي العز الحنفي المسمى بشرح العقيدة الطحاوية.
هناك شرح، حتى أعطيكم فائدة، أن الأشعرية لم يكن لديهم اهتمام كبير -خاصة عند المتقدمين- في شرح العقيدة الطحاوية؛ لأنه كان عندهم انكباب حول مصنفاتهم العقدية الخاصة، هذا واحد. اثنين: هم يدركون أن الطحاوي رحمة الله عليه لا يوافقهم في كثير من مسائل الاعتقاد، والبعض يقول: لا، إن الطحاوي يخالفنا في مسائل محدودة في مسائل الاعتقاد؛ فلذلك أقبل على شرح العقيدة الطحاوية، وسآتي بالكلام الذي نُقل عن تقي الدين السبكي أنه قال إن الفرق أو الخلاف بيننا الأشعرية وبين أبي جعفر الطحاوي في عقيدته في ثلاث مسائل. يقول تقي الدين السبكي -نقله عنه تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى- تقي الدين السبكي من الأشاعرة يقول: الخلاف بيننا وبين الطحاوي في كم مسألة؟ في ثلاث مسائل. تاج الدين السبكي ابنه صاحب الطبقات يقول: كلام والدي -اللي هو تقي الدين- صحيح، لكنني تتبعت كتب الحنفية فوجدت أن الخلاف بيننا وبين الحنفية في الاعتقاد يصل إلى ست مسائل معنوية؛ لأنه الخلاف الحقيقي بيننا وبينهم في ست مسائل وليس فقط في ثلاث مسائل.
فإذًا كما قلت لكم، بشكل عام الأشاعرة قديمًا ما كان عندهم رغبة في شرح العقيدة الطحاوية؛ لماذا؟ لأن عندهم مصنفاتهم الخاصة، فعندهم كتب الجويني، وكتب الرازي، وكتب الأشعري، وكتب الباقلاني، وكتب يعني كبيرة جدًا، فليس لهم رغبة في يعني الإقبال على عقيدة الطحاوي ما دامت الكتب الصريحة على طريقة الأشعري موجودة، هكذا يقولون. لكن مع ذلك شُرحت عند المتأخرين من الأشاعرة، فمثلًا هناك التعليقات السنية على العقيدة الطحاوية لأحمد جابر جبران، وهو ليس يعني بعيدًا جدًا، ألف وأربعمائة وخمسة وعشرين هجري، وهو شخص أشعري، وبعض المعاصرين أيضًا ممن يعيشون في زماننا أيضًا شرح العقيدة الطحاوية من الأشاعرة، لكن عمومًا كما قلت: الاهتمام الكبير في شرح العقيدة الطحاوية كان منصبًا عند المدرسة الماتريدية. جميل؟
طيب، برأيكم يعني هكذا بتحليل سريع من شخص ألمعي، لماذا الماتريدية هم أكثر من اعتنى بالعقيدة الطحاوية؟ جميل، طيب، طيب، طيب لماذا الماتريدية؟ ليش مش الأشعرية مثلًا؟ ليش مش أهل الحديث مثلًا؟ من... لا، يعني أنت... ها، أحسنت! أبو منصور الماتريدي إمام الفرقة الماتريدية كان حنفيًا، وأبو جعفر الطحاوي كان حنفيًا، فكان هناك تناسق ذهني إذًا بين أبي جعفر الطحاوي وبين أبي منصور الماتريدي من حيث المذهب الفروعي الفقهي. وأبو منصور الماتريدي أصلا هو شرح الفقه الأكبر المنسوب لأبي حنيفة النعمان رحمة الله تعالى عليه.
فلأن إمام الماتريدية العلامة أبا منصور الماتريدي كان حنفيًا، وأبو جعفر الطحاوي كان حنفيًا، اهتم أتباع الماتريدي وتلاميذه في أن يجروا العقيدة الطحاوية للإمام الحنفي أبي جعفر إلى صالحهم، وهذا شيء طبيعي، هذا شيء طبيعي؛ لذلك المذهب الحنفي تكثر فيه الماتريدية، ليه؟ لأن أبا منصور الماتريدي كان حنفيًا. لماذا مثلًا المذهب الشافعي يكثر فيه الأشعرية؟ لأن أبا الحسن الأشعري كان شافعيًا، هكذا. فهناك تأثرات سبحان الله تاريخية في قضية الفروع والأصول.
فنقول: لأن أبا جعفر كان حنفيًا في مذهبه الفقهي، وأبو منصور الماتريدي كان حنفيًا أيضًا، فكان الماتريدية -أتباع أبي منصور- ينتصرون للعقيدة الطحاوية نظرًا لأن الإمام الطحاوي أبا جعفر على مذهبهم الفقهي وعلى مذهب إمامهم الفقهي، فقالوا: خلاص، إذًا هو أكيد يقرر ما يقرره إمامنا. يعني هيك تصوروا القضية، إنه أبو منصور الماتريدي حنفي، وأبو جعفر الطحاوي حنفي في الفروع الفقهية، إذًا بالتأكيد في الأصول -أصول الدين- سيكون أبو جعفر الطحاوي مثل أبي منصور الماتريدي، فإذًا ما يقرره الطحاوي هو ما يقرره الماتريدي، وراحت العقيدة عند أحبابنا وإخواننا خلينا نقول من الماتريدية، جميل؟
طيب، إذًا هذه القضية الأولى. إذًا أكثر من شرح العقيدة الطحاوية قلنا من الماتريدية، والسبب في ذلك هو الارتباط الفروعي بين أبي جعفر الطحاوي وبين أبي منصور الماتريدي. لكن الحقيقة أن أبا جعفر الطحاوي لم يكن يسير على طريقة أبي منصور الماتريدي؛ لأن أبا منصور الماتريدي كان متأثرًا بعقائد الكلاميين، وأبو جعفر الطحاوي ليس متأثرًا بهذه العقائد، لكن حتى أكون دقيقًا أقول: إن أبا جعفر الطحاوي وإن كان ليس متأثرًا بطرائق الكلاميين، لكن دخلت عليه بعض التسربات في المصطلحات والألفاظ، واستعمل في العقيدة الطحاوية بعض المصطلحات والألفاظ التي عُرفت عند المتكلمين ولم تُعرف عند أهل الحديث.
طيب، من أين أتت هذه الألفاظ إلى قاموس أبي جعفر الطحاوي؟ يعني بدك تقول: أبو جعفر الطحاوي كان يعيش في مصر، ومصر في زمنه ملتقى للفرق والطوائف، مخزون هائل جدًا، وأبو جعفر واضح أنه كان مسالمًا، لم يكن ممن يبرز الخلاف أو يظهر المناقشة العقدية، فشيء طبيعي الإنسان الذي يعيش في بيئة يكثر فيها الجدل العقلي قد قد تتسرب إليه بسهولة بعض المصطلحات والألفاظ التي هي ليست من قاموس أهل الحديث العقدي بل من قواميس أخرى. هو أدخلها، هل هو كان على دراية دقيقة بدلالاتها؟ طيب ما الذي حمله على إدخالها؟ لماذا لم يستغنِ عنها؟ هذه مناقشات أخرى قد لا أستطيع أحددها بشكل دقيق، فالله أعلم بالظروف التي أحاطت بأبي جعفر لما كتب هذه الألفاظ أو اختارها، جيد؟
طيب، لماذا... سؤال، سأطرح عليكم الآن سؤالًا: لماذا اعتبر العديد من أهل العلم عقيدة الإمام الطحاوي مندرجة تحت عقائد أهل السنة والجماعة، عقائد أهل الحديث، ما دام أن أكثر شروح العقيدة الطحاوية للماتريدية؟ مو هادا سؤال بيجيب سؤال، مش هيك بيحكوا؟ إذًا أنت جاي حكيت إنه أكثر شروح العقيدة الطحاوية لمين؟ للماتريدية، طيب لماذا أهل الحديث وأنتم يا من تتصدرون لشرحها، لماذا تعتبرون العقيدة الطحاوية مندرجة تحت عقائد أهل الحديث ما دام أكثر شراحها الماتريدية؟ أيوة، أحسنت.
نقول: لأن العبارات الصريحة في موافقته للماتريدية أقول لا تكاد توجد، لا تكاد توجد، اللهم قضية مفهوم الإيمان، ومفهوم الإيمان نحن أصلا نعرف أن خطأ الطحاوي فيه ليس بسبب تأثره بعقائد الماتريدية، بل بسبب تأثره بمدرسة الكوفيين، مدرسة أبي حنيفة النعمان وأصحابه، وهؤلاء أخطأوا في مسائل الإيمان من باب أخذهم بقول مرجئة الفقهاء، وهو القول الذي أشهره أصلا قبل أبي حنيفة من أشهره؟ حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة هو الذي اشتهر بهذا القول والعلماء أنكروا عليه، وأبو حنيفة تأثر بشيخه فأخذ القول، قول المرجئة. فسلسلة القول أو سلسلة الخطأ في مفهوم الإيمان عند مدرسة الكوفيين ليس منبعها التأثر بعقائد المتكلمين وفلسفة اليونان وما شابه ذلك، لا لا، هو خطأ في فهم النص، نسميه خطأ في فهم النص، والله سبحانه وتعالى يغفر للجميع.
فإذًا نقول: العبارات التي في العقيدة الطحاوية موافقة لعقائد الماتريدية لا تكاد توجد كعبارات صريحة، وأعيد وأركز: كعبارات صريحة، لكن كعبارات مجملة فيه؟ كعبارات مجملة: نعم، بعض العبارات المجملة في كلام أبي جعفر الطحاوي يمكن أن تُحمل لصالح الفكر الماتريدي، لكن أقول: كعبارات صريحة في موافقة الفكر الماتريدي لا تكاد توجد. فخمسة وتسعين بالمئة، أقول من تسعين لخمسة وتسعين يعني كنسبة مئوية، من عبارات العقيدة الطحاوية هي تسير على منهج أهل الحديث، خمسة بالمئة خلينا نقول سبعة بالمئة ثمانية بالمئة اه نعم أُخذت على الإمام الطحاوي رحمة الله عليه. فلما تكون أنت كصاحب عقيدة تسعين خمسة وتسعين بالمئة من عقيدتك تسير على طريقة أهل الحديث سواء صراحة أو إجمالًا، ألا يحق أن ندرج عقيدتك تحت عقائد أهل الحديث؟ يحق لنا ذلك، تمام؟
وكونك أخطأت في مسألة مسألتين ثلاث أربع، هذا لا يجعلك تخرج عن دائرة أهل الحديث بسبب هذه الأخطاء. وبعض ممن عنده يعني شيء من الغلو، مجرد أن يجد الإمام أو العالم أخطأ في تقرير مسألة، مباشرة يسحبه من دائرة أهل الحديث! لا أخي، القضية ليست بهذه الصورة، ومَن منا لا يخطئ؟ ومن منا قد لا يدخله الخلل في بعض المسائل؟ فالإنسان أهم شيء أن يكون منهجه وخطه العريض أن يلتزم بالكتاب والسنة، وأن يبتعد عن الطرائق البدعية، ووجود الخطأ في بعض مسائل الاعتقاد الناجم عن خطأ في فهم نصوص الكتاب والسنة وليس ناجمًا عن تتبع طرق فلاسفة اليونان، هذا الخطأ بإذن الله ما دام الإمام مجتهدًا متقصدًا للوصول إلى الحق وأخطأ فيه، فهو بإذن الله مغفور له.
وقد قرر ذلك أبو العباس ابن تيمية رحمة الله عليه فقال: كل من أراد الوصول إلى الحق من جهة الرسول فأخطأ فيه بعد بذل الجهد فهو معذور. كل من أراد الوصول إلى الحق من جهة إيش؟ الرسول، هادي كلمة دقيقة؛ لأنه إذا أنت طلبت الوصول للحق لكن من كتب فلاسفة اليونان، لا، أنت مش معذور، أنت مخطئ وتتحمل إثم ما جنيت. لكن كل من حاول وبذل جهده من العلماء للوصول إلى الحق من جهة الرسول، أي من جهة الكتاب والسنة، وبذل جهده وطاقته ولكنه لم يصب فيه، فإن شاء الله خطؤه مغفور له وهو معذور فيه، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.
حتى يا شيخ لو كان في أصول الدين؟ نعم، يقرر ابن تيمية حتى لو كان الخطأ في أصول الدين، ما دام هذا عالم ثقة ثبت، وهو سعى للوصول للحق من جهة الرسول. طبعًا أنت بشكل يعني تلقائي ستفهم إنه حجم الخطأ الذي سيقع فيه ما راح يكون خطأ كبيرًا جدًا، ما دام هو عالم مجتهد وبذل جهده وطاقته، ومنصبّ على الكتاب والسنة وليس على كتب فلاسفة اليونان والترك والفرس، إذًا شو حجم الخطأ الذي يمكن أن يقع فيه؟ سيكون خطأ -ولو كان في أصول الدين- سيكون خطأ جزئيًا، ما راح يكون في خطأ محوري أساسي، هيك أصلا الوضع الطبيعي.
طيب، إذًا عرفتم لماذا ندخلها تحت عقائد أهل الحديث؟ نقول أولًا: لأنه خمسة وتسعين بالمئة، أو بنقول من تسعين لخمسة وتسعين بالمئة من عباراتها جاءت موافقة لطريقة أهل الحديث.
ثانيًا: لماذا أعتبرها من عقائد أهل الحديث؟ اسمعوا النقطة الثانية: لأن الطحاوي لم يتطرق إلى طرائق المتكلمين في بناء عقيدته. اقرأوا العقيدة الطحاوية: هل تكلم الطحاوي عن الجوهر والعَرَض؟ هل تكلم الطحاوي عن دليل الحدوث ودليل التخصيص ودليل التركيب؟ هل أتى بعبارات فلاسفة اليونان ومن تأثر بهم من الإسلاميين من الأشاعرة والماتريدية؟ كلا، عباراته هي عبارات السلف عمومًا، وإنما عبارات محدودة جدًا كما قلت لكم، كلمات وأحرف تُعد على الأصابع، استعمل عبارات حادثة، لكن لم يبنِ عقيدته على طريقة المتكلمين، بناها على طريقة أهل الحديث في منهجها، بالتالي هذا يجعلني أصفها أو أضعها تحت طرائق أهل الحديث. إذًا الطحاوي لم يتطرق إلى طرائق المتكلمين في بناء عقيدته، لم يذكر الوجوب العقلي ولا الممكن العقلي ولا المستحيلات العقلية، لم يتطرق للأدلة الكلامية كدليل الحدوث ولم يشر إليها أصلا إشارة، بل كتب عقيدته على الطريقة التي يكتب بها أهل الحديث عقائد السلف. إذًا هذا السبب الثاني فهمناه، واضح السبب الثاني؟
طيب، السبب الثالث حتى نعرف لماذا ندرج العقيدة الطحاوية تحت عقائد أهل الحديث: تتبع منهج الإمام الطحاوي في كتبه الأخرى يدل على أنه في الجملة موافق لعقيدة أهل الحديث، ففهم منهج الإمام الطحاوي لا يكون من خلال متن العقيدة الطحاوية فقط، بل يلزم طالب العلم الصادق في البحث عن الحقيقة أن يراجع المصنفات الأخرى له: في كتابه العظيم شرح مشكل الآثار، وكتابه العظيم شرح معاني الآثار، ليجمع كلام الطحاوي من جميع الجهات، فتعرف بالتالي العقيدة والمنهج الذي يسير عليه. وهذه النقطة غفل عنها كثير من المتكلمين المعاصرين اليوم الذين يجرون الطحاوي إلى ساحتهم؛ أنهم لم يقرأوا كلامه كاملًا في كتبه الأخرى.
رابعًا: لماذا أعتبر الطحاوي يسير على طريقة أهل الحديث، وأعتبر عقيدته على طريقة أهل الحديث؟ لم يُعرف -هذه ركزوا فيها المعلومة- لم يُعرف ولم أرَ ولم أجد عن الإمام الطحاوي رحمة الله تعالى عليه أنه أشاد بعقائد المتكلمين كأبي الحسن الأشعري أو الماتريدي، أو أشار إلى تلاميذهم، بل دائمًا ما كان يعلن ولاءه للإمام أبي حنيفة ولسادة المذهب الحنفي. حتى في عقيدته، هل قال: وهذا ذكر عقيدة أبي منصور الماتريدي؟ مع أنهم يعني كانوا في أقرانه أو في زمانه، هل قال: هذه عقيدة أبي الحسن الأشعري؟
لم يُذكر عن الإمام الطحاوي أنه أشار أو أثنى على عقيدة أحد من المتكلمين. يعني المعروف الآن عند المتأثرين بالمتكلمين أن يذكر شيخه العقدي بإشارة، بكلمة تنبئ أنه والله متأثر به نوع تأثر، أليس كذلك؟ لما نقرأ في الإمام الطحاوي، لم يُنقل عن الإمام الطحاوي أنه أشار لا إلى أبي الحسن الأشعري ولا إلى منصور الماتريدي، ولا... صحيح كانوا في زمانه أو قريبًا منه، لكنه لم ينقل عنهم شيئًا أو يشر إليهم أو يذكر شيئًا من عقائدهم أو ما شابه ذلك، بل كل كلامه يدور على نصرة أبي حنيفة وأصحابه، هذه طريقته. فهذا يشير إلى أن الرجل لم يكن متأثرًا بهم كما يزعم الطرف الآخر. صح ليست إشارة صريحة، أنا أقول هي ليست إشارة صريحة، لكن ألا يوجد نوع تنبيه؟ يعني لماذا لم تذكر أبا منصور بذكر؟ لماذا لم تذكر الأشعري؟ لماذا لم تذكر أحدًا من المتكلمين، شيء من الإشارة حتى نفهم من أنت؟ عدم إشارته لذلك وذكره المطلق دائمًا لأبي حنيفة يشير إلى أن الرجل ولاؤه هو لمدرسة الكوفيين، وليس ولاؤه لطرق المتكلمين.
طيب، كذلك من نظر في شيوخ الإمام الطحاوي رحمة الله عليه وفي تلاميذه يجد أن شيوخه وأن تلاميذه كانوا مشهورين بماذا؟ بعلم الحديث والفقه. لم يُعرف من شيوخه -فيما وقفت عليه- من كان منشغلًا بطرائق المتكلمين، شيوخ الإمام الطحاوي رحمة الله عليه كأحمد بن أبي عمران الهروي وعبد الحميد بن عبد العزيز السكوني وغيرهم من شيوخ الإمام الطحاوي. بل أول شيخ للإمام الطحاوي بعد أبيه وأمه من؟ هذي لازم تكون معلومة عندكم، الطحاوي سيأتي معنا كان أولًا لم يكن حنفيًا في البداية، كان شافعيًا وكان يدرس على خاله الإمام المزني، الإمام الكبير صحيح؟ الإمام المزني هو خال الطحاوي، والإمام المزني سيأتي معنا هذه عقيدته، هذه عقيدة الإمام المزني رحمة الله عليه: شرح السنة، على عقيدة أهل الحديث. فأول شيوخ الطحاوي رحمة الله عليه هو خاله الإمام المزني، والإمام المزني كان على طريقة أهل الحديث وهذه عقيدته بين أيدينا، فشاهدنا: فإذًا شيء طبيعي أن يتأثر بشيخه الأول وبعامة شيوخه الذين على طريقة أهل الحديث، ولم يُعرف من شيوخه من كان من المتكلمين أو ممن انشغل بعلم الكلام أصالة.
وكذلك من تلاميذه لم يكن معروفًا من هو منشغل بالمتكلمين، بل كان من أبرز تلاميذه أبو القاسم الطبراني رحمة الله عليه، صاحب المعجم الكبير والأوسط والصغير، يعني كلهم من أهل الحديث. فالإمام الطحاوي أصلا باختصار هو فقيه محدث أكثر من انشغاله بعلم العقائد، أنتم إذا نظرتم في حياته العلمية تجد الرجل يعني منشغلًا بعلم الحديث والفقه مهما... نعم نعم، هو في مشكل الآثار، شرح معاني الآثار، هذا كله في الأحاديث الفقهية، ويتكلم فيها في مسائل الصفات، لما يمر على صفة المحبة لله يتكلم على طريقة أهل الحديث ويثبت المحبة لله سبحانه وتعالى، ولا يقول إرادة ولا ميل ولا شيء من تلك العبارات المتكلفة.
فالرجل لما تنظر في شيوخه في تلاميذه تعرف أنه لا يوجد أي إشارة تشير أن الرجل والله انعطف إلى منهج الكلام؛ لا هو ذكر الأشعري والماتريدي، أو ذكر ابن كلاب مثلًا، أو ذكر المعتزلة أو أثنى على أحد منهم، لم يُعرف عليه من شيوخه أو من تلاميذه من كان متأثرًا بهم. فأنت عندما تنظر في كل هذه السياقات، وهذا كله يعطي إشارة للمنهج الذي يعيش عليه الرجل، أليس كذلك؟ هذا هو التحليل العلمي، ليس فقط تأخذ عبارة مجملة من كلام الطحاوي: انظروا إلى الطحاوي يقول: إن الله تعالى عن الجهات الست كسائر المبتدعات، إذًا هو على عقيدة الماتريدي أو الأشعري! وتطير بها فرحًا! يعني بمجرد عبارة مجملة تحتمل أن تفسر هكذا وهكذا، أنت خلاص اعتبرت الإمام الطحاوي على عقيدتك وعلى طريقتك، ونسيت كل هذه النقاط في الدراسة التاريخية! هكذا يُبحث العلم، هذه هي الدراسة الجادة لتقرير عقائد الأئمة.
القضية المشكلة يا شيخ أنهم لما يتحدثون، يقول أحد المعاصرين منهم لما شرح العقيدة الطحاوية: يقول لا بد أن نتحلى بالصدق عندما نتكلم عن عقائد الأئمة، وأنا أقول له: لا بد نتحلى بالصدق فعلًا. الصدق أن تبحث عن عقائد القوم بنظرة شمولية تاريخية بحثية حقيقية، وليس مجرد التقاط عبارات مجملة تطير بها فرحًا، وتزعم أنك وصلت إلى حقيقة عقيدة أبي جعفر الطحاوي رحمة الله عليه، وتسلخه من عقيدة أهل الحديث بالكامل، وتقول: إن ابن أبي العز الحنفي زوّر الحقائق لما شرح عقيدة أبي جعفر الطحاوي على طريقة أهل الحديث! هذا هو الذي نسميه اللعب بكلام الأئمة، القفز على أسوارهم والتنقيص من أقدارهم بعيدًا عن البحث الجاد والدراسة العلمية الرصينة.
فالإنسان عليه أن يتقي الله سبحانه وتعالى في العلم، وأن يدرس العلم كما يريد الله سبحانه. لو كان أبو جعفر الطحاوي ليس على طريقة أهل الحديث والله لأبينن ذلك، ما عندي مشكلة، يعني في النهاية نحن لا نبني عقيدتنا على أبي جعفر الطحاوي رحمه الله، نحن نبني على الكتاب والسنة، لكن الذب عن مقام الأئمة وعن حرماتهم يقتضي منا أن نبحث بطريقة جادة. لو أنني شعرت للحظة معينة أن في كلام شيوخه الذين تتلمذ على أيديهم في الاعتقاد، أو أنه كان يثني على عقائد الكلاميين، أو أن له كلامًا صريحًا في موافقة عقائد الكلام، لقلنا إن الرجل يسير على طرائق المتكلمين كحال غيره ممن وقع في هذا وانتهى الأمر؛ لأن الموضوع ليس كبيرًا بالنسبة لنا يعني، فالأمر... منهج أهل الحديث منهج عتيد قوي مبني على الصحابة وعلى السلف وعلى تابعي التابعين وعلى الأئمة الكبار. فكون أبي جعفر الطحاوي من هذه الفئة أو من هذه الفئة، هو لن يخرم سلسلة أهل الحديث أصالة، لكن الذب عن مقام الأئمة هو الذي يدعونا نبحث مثل هذا البحث.
فأنا باحث فيما أزعم، أريد الوصول للحقيقة في حق هذا الرجل، وكما قلت لكم: لو وقفت على شيء صريح أن الرجل كان على عقيدة ماتريدية أو أشعرية لقلت لكم والله البحث العلمي أثبت أن الرجل فعلًا على هذه الطريقة، ولَاكتفيت بذلك وقلت لكم إذًا نشرح ما هو أوضح من ذلك. لكن التسلق على مقام الأئمة وأن نخوض فيهم بدون بحث علمي جاد وبدون أن نجمع الأمور من شتاتها... وسأمر أيضًا على جدلية أبي حنيفة النعمان ومَن أسقط هذا الإمام الكبير، مع أن البحث العلمي الجاد يقتضي أن تأخذ الأمور بموازينها، وليس مجرد التهجم على الأئمة من دون النظر في الظروف التاريخية في طبيعة الحكم على الأشخاص.
عندما تأتي بعد ألف وخمسمائة سنة بدك تحكم على شخص متقدم، يا أخي بدك تتريث، ما بينفع تهجم عليه هجومًا، ومجرد كلام مجمل في بعض النصوص تقتطفه اختطافًا وتنسبه لك، أو تبرئ ساحتك منه باختصار، يعني سواء جذبته إليك أو أبعدته عنك. لا بد أن تتحلى بالإنصاف وهي حلية الأشراف، وأن يكون المقصد من البحث العلمي دائمًا الوصول للحقيقة كما هي، الوصول للحقيقة كما هي. فأنا قلت لكم إن هناك عبارات واضح أنه تأثر فيها بشيء من عبارات المتكلمين، لكن هذا التأثر لا يجعلك تسحب الرجل وتضعه تحت مكان آخر.
خصوصًا أن ثمانين بالمئة، خمسة وثمانين بالمئة من المؤشرات تشير أن الرجل محدث على طريقة أهل الحديث، وكل من ذكره من المتأخرين من أهل الحديث يشير إلى إمامته وعدالته، ولم يذكر أحد -يعني الذهبي، ابن كثير، غيرهم ممن أرخ من المتأخرين من أهل الحديث- لم يذكر أحد منهم عن أبي جعفر أنه كان متكلمًا، أو كان ماتريديًّا، أو كان متأثرًا بعقائد القوم، أو كان صاحب منهج كلامي؛ لم يُعرف هذا عنه. فنحن لا بد دائمًا أن نصل للحقيقة، وأن نتصف بالعدالة والإخلاص والصدق في إيصال الحقائق للناس، وليس مجرد أن نرفع الشعارات أننا نريد أن نكون صادقين، وعندما نبحث يكون هناك شيء من تدليس الحقائق أو تخبئتها حتى لا يعرف الطالب كيف تُبنى العلوم الشرعية. طيب، كم ذهب من الوقت مشايخ؟ الحمد لله.
نعم نعم، يُذكر هذا ومحسوب على عقيدته نعم، أو الأشاعرة، كيف خفي هذا؟ ليس هناك ما يشير في نصوص... هي القضية -أخي الكريم- التعصب العقدي يعني والتعصب المذهبي، في تركيب من التعصب العقدي والتعصب المذهبي. يعني يعز على شخص ماتريدي أن يجد أبا جعفر الطحاوي -رحمة الله تعالى عليه، الإمام الحنفي الكبير- مخالفًا لعقيدته، صحيح؟ والعقيدة التي أتى بها أبو جعفر، يعني النصوص المكتوبة في العقيدة الطحاوية، أنا كما قلت لكم قبل قليل: هناك عبارات ونصوص مجملة يمكن توظيفها لخدمة المنهج الماتريدي أو الأشعري.
فوجود بعض العبارات المجملة مع شيء من التعصب، ما بين تعصب عقدي ومذهبي، يجعل بعض المتكلمين يجر هذا الإمام إلى ساحته. وفي كتب التراجم، كما قلت لك، في كتب التراجم خاصة عند الذهبي وعند غيره ممن يُعرف بترجمة العلماء، ما يقولونه عن الطحاوي أنه كان عالمًا ثَبَتًا متقنًا محدثًا حجةً، ما ذكروا عنه وكان متأثرًا بطرائق المتكلمين، خاصة الكتب التي تهتم بذكر هذا الأمر لم تذكر عنه أنه كان متأثرًا بطرائقهم.
لكن كما قلت لك، هي يعني الخلاف وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ. سبب الخلاف أن الإنسان من المتأخرين دائمًا إذا رأى إمامًا متقدمًا يحب أن ينسبه إليه، فهم في الحقيقة -خاصة المتكلمين أحبابي الكرام- هم يعرفون افتقارهم للسند الأثري في عقائدهم. المتكلمون يعرفون افتقارهم للسند الأثري في عقائدهم، عقائدهم مبتورة لا تصل إلى السلف، لا يمكن أن يأتي بكلام عن صحابي أو عن تابعي أو تابع تابعي يشير إلى طريقة الجوهر والعرض ودليل الحدوث والاختصاص، ما في موجود شيء من ذلك.
فوجود إمام مثل الإمام الطحاوي أتى بشيء من العبارات المجملة فرصة ممتازة لاقتناص هذا الإمام وأن تنسب نفسك إليه، خاصة أنه متقدم، سنة ثلاثمائة وواحد وعشرين هجري متقدم، فرصة جيدة أن تُقتنص. طيب، هل أنا أزعم أن العلماء من الأشاعرة والماتريدية هم دلسوا الحقائق؟ كلا، ولا أرتكب ما ارتكبه هذا الرجل، لا أزعم -حاشا تاج الدين السبكي وتقي الدين السبكي- أن أقول إنهم أرادوا تدليسًا في الحقائق أو تغييرًا لها، كلا؛ بل هذا اجتهادهم.
أقول نحترم مقام الأئمة، حتى لو كان تاج الدين السبكي أو والده -رحمة الله عليه- تقي الدين السبكي قال إن الخلاف بيننا وبين الطحاوي في ثلاثة أمور. في الحقيقة الخلاف أكبر من ذلك وليس في ثلاثة أمور، والطحاوي لا يسير على طريقة الماتريدية. لكن مع ذلك أقول: هذا اجتهاد تقي الدين السبكي واجتهاد تاج الدين السبكي ومن سار على طريقهم، فهذا اجتهادهم، هذا اختيارهم، لكن نخالفهم فيه ونبين الحقائق كما هي، أن الرجل لا يوجد في كلامه ما يشير إلى أنه كان على طرائقكم، بل يوجد النقيض، وسآتي بالنقيض إن شاء الله في أثناء الشرح. سآتي بعبارات صريحة للإمام الطحاوي في باب الصفات تدل على أنه كان يسير على طريقة السلف.
هذا الحديث الآن، هل يمكن أن يكون الطحاوي أخطأ في مسائل جزئية؟ قد يكون أخطأ، هو أخطأ في مسألة الإيمان، لكن خطأ ليس كلاميًّا، خطأ على مدرسة الكوفيين، هذا الخطأ المعروف أنه للفقهاء ونحن نقر بهذا، تمام؟ يمكن استعمل بعض العبارات المجملة ولم يفصّل فيها، يمكن -الله أعلم- لماذا استعملها، لكن أنا لي المنهج العام في النهاية، الخط العريض لهذا الرجل. الخط العريض لا يشير بتاتًا إلى أن الرجل كان متأثرًا بشيء من عقائد أو طرائق المتكلمين.
طيب، الآن نأتي نقول: المسألة الأخيرة هنا، لماذا نلجأ لشرح الطحاوية مع وجود المئات من المصنفات العقدية الصريحة في عقيدة أهل الحديث؟ هذا سؤال يدور في ذهن السامع: قلنا يا شيخ إبراهيم، طيب بما أنه العقيدة هذه عقيدة جدلية -هكذا يقولون، العقيدة الطحاوية عقيدة إيش؟ جدلية، إيش يعني عقيدة جدلية؟ أن الكل يحاول يأخذها لصفه- طيب يا شيخ، إذا دعنا نأخذ عقيدة واضحة على طريقة أهل الحديث ما أحد يخالف فيها وننهي النزاع، لماذا نذهب إلى العقائد الجدلية؟
أنا في الحقيقة يستهويني هذا النوع من العقائد كما يقولون. أولًا أريد أن أقول شيئًا: بعض المعاصرين لمشروع العقيدة الطحاوية يقول إن طريقة أهل الحديث لا يوجد فيها مصنفات عقدية إلا كتب ابن تيمية وابن القيم، وهم لا يملكون كتبًا ولا مصنفات على هذه الطريقة، ونحن دائمًا نطالبهم فلا نجد عندهم أسماء ولا شيء، يقول هذا الكلام. فهنا أنا حتى أساعد الطالب المعاصر ليخلص من هذه الشبهات، قبل أن آتي للعقيدة الطحاوية أقول إن خزانة أهل الحديث مليئة بمئات المصنفات العقدية التي تقرر عقيدة أهل الحديث.
وهنا في مجلس اليوم أنا أحببت أن آتي ببعض ما وجدته يعني سريعًا في الخزانة من هذه المصنفات العقدية التي كتبت على طريقة أهل الحديث قبل ابن تيمية بمئات السنوات، حتى يستريح قلبك. أنتم فهمتم ما هي الإشكالية؟ أنهم دائمًا يقولون: أين كتبكم؟ أنتم لا تعرفون إلا ابن تيمية وابن القيم -رحمة الله عليه- وأنتم تيميون... إلى غير ذلك من العبارات تذهب يمينًا وشمالًا.
أنا أقول لهم أحبابي الكرام: إن خزانة أهل الحديث في كتب العقيدة مليئة غزيرة، لكنها تبحث فقط عن من يقرأ وعن من ينظر، تمام؟ بل كتب أهل الحديث كتب تأتي من القرن الثاني والثالث الهجري، وليست كتبًا منقطعة السند، تبدأ من القرن الثالث فصاعدًا. فدعونا نستعرض بعض هذه الكتب لعقيدة أهل الحديث:
عندنا مثلًا الكتاب الأول الذي أتيت به: كتاب شرح السنة للإمام أبي محمد البربهاري رحمة الله عليه (ثلاثمائة وتسعة وعشرين)، ركزوا في التواريخ: متوفى سنة ثلاثمائة وتسعة وعشرين هجري، شرح السنة للإمام البربهاري، يقرر في عقائد أهل الحديث في توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات والقضاء والقدر إلى غير ذلك من المسائل. هذا كتاب اسمه شرح السنة، وغالب كتب أهل الحديث هذا عنوانها: شرح السنة، لأننا أهل السنة والجماعة، فنحن لماذا يسمون كتابهم شرح السنة؟ ليدلل أهل الحديث على أنهم أهل اتباع وليسوا أهل اختراع وابتداع بعقولهم. فعقائدنا متصلة السند، سنة متبعة، أخذناها كابرًا عن كابر عن الصحابة، والصحابة أعطوها للتابعين، والتابعون أعطوها لتابعي التابعين، ووصلت إلينا كابرًا عن كابر بالسند المتصل، ليست عقائد مبتورة السند من مخترعات العقول ممن تأثر بفلاسفة اليونان ونحوهم.
كتاب آخر، نأتي إلى شرح السنة للإمام المزني، وهذا عرفناه قبل قليل، من هو الإمام المزني بالنسبة للطحاوي؟ هو شيخه وخاله، وبالتأكيد الإمام الطحاوي يعرف عقيدة شيخه. هل نُقل لنا أن الطحاوي والله كانت مشكلته مع المزني في العقيدة؟ لا، سيأتي إيش مشكلته مع المزني: مشكلته أن المزني أعطاه كلمة يعني، قال له: أنت لن تفلح أبدًا، أخطأ في مسألة الطحاوي في الفقه فالمزني أنبه، يعني شيخ يؤدب طالبه، قال له: عمرك ما بتنجح أنت، فالطحاوي زعل وغيّر مذهبه الفقهي كما قيل، وهناك رواية أخرى. فالمهم لم يُذكر ولم يُنقل لنا أنه خالف شيخه الأول في مسائل الاعتقاد، شرح السنة للإمام المزني على طريقة أهل الحديث، واقرؤوا المصنف.
عندنا أيضًا شرح السنة، هذا كتاب آخر، نسخة أخرى من شرح البربهاري، لكن كان هناك كتاب ثالث لم آتِ به، المهم... عندنا هذا طبعًا شارحه الشيخ الطريفي على عقيدة الرازيَيْن؛ عقيدة أبي زرعة الرازي وأبيه حاتم الرازي، نقلها ابن أبي حاتم الرازي والمشهورة بعقائد الرازيَيْن. كل مناطق خراسان وما حولها، كل مناطق الري وما حولها، نقل عقائدهم ابن أبي حاتم عن والده أبي حاتم الرازي وأبي زرعة الرازي، وأصبحت تُسمى هذه العقيدة بعقيدة الرازيَيْن، والبعض يسميها بعقيدة الخراسانيين، وشرحها شيخنا عبد العزيز الطريفي فك الله أسره. وهذه عقيدة إذا نظرت فيها تجد الأئمة ينقلون عقائدهم عن جماعة السلف عن التابعين عن تابعي التابعين، أو عن تابعي التابعين عن التابعين -عفوًا- فكلها عقائد متصلة السند. عقيدة الخراسانيين والرازيَيْن وأهل الحديث في كل تلك المناطق، تتكلم عن خراسان، تتكلم عن مناطق أفغانستان وباكستان وما حولها من هذه المناطق، كلها منقولة بالسند عقائدهم على عقيدة أهل الحديث.
طيب، كتاب السنة والرد على الجهمية تأليف عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، وهو الكتاب المشهور، كتاب السنة هكذا اسمه، لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، نقل فيه عقيدة والده الإمام أحمد بن حنبل وشيوخ أهل الحديث كابرًا عن كابر، وهو كتاب مشهور وينقب عليه المتكلمون كثيرًا لأن عبد الله بن الإمام أحمد كان شديدًا بنصرة عقيدة أهل الحديث، ولعل شدته يعني في بعض المواطن كانت زائدة، وسنبين ذلك في حق أبي حنيفة النعمان أنه اشتد على أبي حنيفة النعمان بقدر زائد يعني يُراجع فيه، لكنها في النهاية كتب متصلة السند. وهذا عالم كبير، عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل يعني يكفي أن تعرف من هو عبد الله.
كتاب السنة للإمام الخلال، لاحظوا الأسماء: شرح السنة، كتاب السنة، كتاب السنة للإمام الخلال رحمة الله عليه، جمع فيه علوم الإمام أحمد بن حنبل وأقران الإمام، لكن جُله فيه عقيدة الإمام أحمد بن حنبل والأقوال التي نُقلت عنه في العقيدة. اقرؤوا هذا الكتاب من أوله إلى آخره لتعرفوا عقيدة الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه. هذه كلها كتب أهل الحديث أحبابي الكرام، يعني الأمر لا يحتاج إلى أن نقول إن ابن تيمية وإن ابن القيم... ابن تيمية هو ممن نقح هذه الكتب وشرحها وبسطها ونصر الحديث بالطرق العقلية وأبرز المنحى العقلي لعقيدة أهل الحديث. وأما الخزانة في كتب أهل الحديث فخزانة مليئة كما قلت بمئات الكتب حتى لا يُستهلك.
أنا أتيت فقط ببعض ما أجد بين يدي الآن: كتاب التوحيد لمن؟ للإمام ابن خزيمة النيسابوري رحمة الله عليه، صاحب صحيح ابن خزيمة المشهور، وهذا كتاب عظيم من كتب أهل الحديث وبالأسانيد، عقيدة أهل الحديث موجودة فيه. كتاب التوحيد، الكتاب المشهور السفر العظيم: شرح اعتقاد أهل السنة للإمام اللالكائي رحمة الله عليه (أربعمائة وثمانية عشر هجري)، هذا كتاب فيه عشر مجلدات طُبع لهم، وبعضها في خمس مجلدات، يأتي كتاب بالسند المتصل بعقائد أهل الحديث في مختلف مسائل الاعتقاد، شرح اعتقاد أهل السنة للالكائي. أنا أريدكم أن تسمعوا أسماء هذه الكتب لتعرفوها، ليعرف طالب علم أهل الحديث من أين يأخذ عقيدته.
هذه السرعة المغربية لشيخنا الشيخ عبد العزيز الطريفي فرج الله أسره، وهو شرح على عقيدة ابن أبي زيد القيرواني، وهو من أئمة المالكية، في مقدمة كتابه الرسالة كتب عقيدة على طريقة أهل الحديث، عقيدة ابن أبي زيد القيرواني رحمة الله تعالى عليه، وابن أبي زيد القيرواني سنة ثلاثمائة وستة وثمانين هجري وفاته، لاحظوا الزمن المتقدم. من كتب المتأخرين: كتاب العرش للإمام الذهبي رحمة الله عليه، وهذا بعد ابن تيمية رحمة الله عليه، الذهبي من تلاميذ ابن تيمية، ومن تلاميذ ابن تيمية ألّف كتاب العرش، وهذا كتاب أيضًا يذكر فيه هذه المسألة وأسانيد أهل الحديث فيها.
وغير ذلك من الكتب أحبابي الكرام التي لو أتيت أذكرها لامتلاء لنا هذا المكان بالمصنفات، ويكفينا أصلًا كتب الأحاديث: كتاب البخاري، وكتاب مسلم، وكتاب سنن أبي داود والترمذي والنسائي، ففيها أيضًا العديد من الأبواب العقدية التي ترجمها الأئمة على عقيدة أهل الحديث. فالخزانة كبيرة الحمد لله، معتقد أبي عثمان الصابوني، وعقيدة الإسماعيلي، وغيرها كثيرة. فقضية أنه لا يوجد إلا ابن تيمية وابن القيم هذه أُكذوبة لا وجود لها، وإنما هو من تدليس بعض المعاصرين، حتى المتقدمون من المتكلمين يعرفون أن خزانة أهل الحديث مليئة. فقط هذا الأمر لتشغل عقلك وذهنك ولئلا تكون ضحية التلبيس المعاصر.
طيب، إذا كانت الخزانة كبيرة يا شيخ، لماذا تلجأ إلى شرح العقيدة الطحاوية؟ نعود إلى السؤال الأول: إذا كانت الخزانة كبيرة، لماذا نلجأ لشرح العقيدة الطحاوية؟ أقول أحبابي: إن الإقدام على شرح مثل هذه المصنفات الجدلية ينمي ملكة طالب العلم في تحليل عبارة المتقدمين ومعرفة الصحيح منها من السقيم. أنا الآن لو أتيت لعقيدة واضحة، في الحقيقة لن آخذ وقتًا في شرحها وسأعطيك إياها: هذا كلام صريح وواضح في إثبات الصفات لله، في إثبات توحيد الربوبية والألوهية، في إثبات القضاء والقدر، وهذا مستوى مر علينا سابقًا في لمعة الاعتقاد وما قبل ذلك.
نحن الآن في مستوى متقدم، فأنا أريد من شرحي للعقيدة الطحاوية أن أُنمي ملكتك الجدلية، أن تحسن التفكير والنظر في كلام المتقدمين لتحكم أنت بنفسك على هذه العبارة: هل هي عبارة صحيحة تتوافق مع ما درسته سابقًا في كتب أهل الحديث؟ أم هي عبارة مشكلة؟ أم عبارة صريحة في مخالفتها لأهل الحديث أيضًا ممكن تكون. فدراسة الكتب الجدلية تنمي ملكة طالب العلم في قراءة كلام المتقدمين ممن دار حولهم النقاش، فيصبح عندك أسلوب وذوق ورأي في فهم الكلام وفي تقييمه. إذا فقط كنت تقرأ الكلام الواضح، إذا جاءتك عبارات مجملة فيها شيء من عبارات المتكلمين يصعب الأمر عليك أن تقيمه إذا لم تتمرس على ذلك ولم تتدرب عليه.
فلا بد من التمرس والتدرب على مثل هذه العبارات الجدلية حتى أمتلك أنا المعيار والموازين، ونفهم كيف نحلل مثل هذه العبارات: هل هي صحيحة؟ خلاص، نضع أمامها صح. هل هي مشكلة مجملة؟ طيب، كيف يمكن أن تُشرح على طريقة أهل الحديث؟ وكيف يمكن أن تُشرح على طرائق المتكلمين؟ طيب، والتي هي عبارة أصلًا ابتداء خاطئة؟ طيب، هذا الأمر كيف ستتربى عليه وتتعود عليه إذا بقيت -يا طالب العلم- تقرأ فقط الكتب الواضحة الموافقة لعقيدة أهل الحديث؟ فأظن أن مثل هذا النوع من التعليم مهم جدًّا لتنمية الملكات.
ثانيًا: لماذا دُرست هذه العقيدة؟ لأنه يكشف الغطاء عن كثير من الحقائق التي غيبتها الفرق المخالفة لعقيدة أهل الحديث بقصد أو بدون قصد. أنا أريد أن أكشف الغطاء عن العقيدة الطحاوية، أريد أن أكشف الغطاء عن العقيدة الطحاوية لأذب عن حياض هذا الإمام، لأذب عن حياض هذا الإمام ولأبين حجم التدليس والتلبيس الذي غُطيت به هذه العقيدة، وحجم الأخطاء المتراكمة التي مرت عليها من صنف من المتقدمين ومن المتأخرين. فأنت عندما تنظر في كلام الإمام الطحاوي وتمايز بينه وبين عقيدة أهل الحديث، وبينه وبين عقائد المتكلمين، ستدرك حجم الجناية التي جُنيت على عبارة هذا الإمام، وكيف حُرّفت عن مقصدها بتعسف وتكلف ظاهر. في نفس الوقت تكون أنت على بينة وعلى بصيرة بالأسباب التي مكنت المتكلمين من ادعاء هذه العقيدة لأنفسهم، وهذا النوع بالتالي من القراءة يجعل طالب العلم بصيرًا فهِمًا في أسباب الخلاف ومنشئه.
يعني أنت عندما تقرأ العقيدة الطحاوية وتبدأ ونبدأ مع بعضنا نتدارس العبارة ونقيمها، ونعرف من أي نوع من العبارات، ستعرف أن هذا الإمام بُني عليه كثيرًا، وعندما نأتي نجمع عبارات من الكتب المختلفة ونضعها بين أيدينا يصبح عندك قدرة على أن تلجم أي متكلم معاصر يحاول أن يدلس على هذا الإمام وأن يذكره في ثوب الأشعري أو في ثوب الماتريدية أو في ثوب الإمام الابتعاد عن منهج أهل السنة والجماعة والذي يسلك طرائق المتكلمين. اقرأ كلام الطحاوي، حلل، ضع عبارة أهل الحديث، ضع عبارة المتكلمين، وضع عبارة الطحاوي؛ هكذا: ضع عبارة أهل الحديث الصريحة، ضع عبارة المتكلمين مقابلها، وضع كلام الطحاوي ثالثًا، وانظر الطحاوي أقرب إلى من، وهذا هو الدرس العلمي: درس فهم، تحليل، قراءة، وعي، وليس مجرد -كما قلنا- السرد السريع الذي يعني تضيع معه كثير من الجوانب.
العقيدة الطحاوية -يعني السبب الثالث لجمعها- تعتبر من العقائد المتقدمة المبكرة، ونالت نصيبًا عالًا من الشهرة، يعني هي عقيدة مشهورة في النهاية، صح ولا ليست صحيح الكلام؟ هي عقيدة الكل يعرفها. يعني أنت لو قلت لك هذه الكتب التي سمعتموها اليوم ربما اغلبكم لا يعرف منها شيئًا، لكن لما أقول لك العقيدة الطحاوية ما شاء الله الكل أقبل على سماعها، فهي عقيدة مشهورة، بالتالي كشف الغطاء عنها مسؤولية طلبة العلم من أهل الحديث، أليس كذلك؟ مسؤوليتنا جميعًا أن نبين الحقائق حول هذه العقيدة، ونبين ما هو موقفنا؟ هل هي فعلاً عقيدة -كما يزعم المتكلمون- لا تسير على طريقة أهل الحديث وإنما تسير إلى طريقهم؟ أم هي عقيدة على طرائقنا؟ خاصة أنها تُشرح في الجامعات، تُشرح في أماكن متعددة، تُشرح في المعاهد العلمية، فلا بد لأهل الحديث عليها توضيح جلي يكشف كثيرًا من الغطاء الذي تحدثت عنه.
رابعًا: مما يدفعني أن أشرحها أنني مهتم ببيان عقيدة أبي حنيفة النعمان، أنني مهتم ببيان عقيدة أبي حنيفة النعمان والذب أيضًا عن هذا العالم الكبير النحرير لكثرة ما رُمي به هذا الإمام، مع أن المتأخرين من أهل الحديث المشهور عندهم توقير أبي حنيفة وإجلاله، وانظر في كلام ابن تيمية وابن القيم وكلام الذهبي وغيره من الأئمة، فبشكل عام المتأخرون من أهل الحديث -أنا أقول- على توقيره، حتى الإمام المعلمي -مع أنه رد على الكوثري في التنكيل- لكن في النهاية هو يقر أننا علينا أن نذب عن حياض هذا الإمام وأن نبين ما هو سبب الإشكال القديم الذي وقع بين أبي حنيفة وبين أهل الحديث من المتقدمين. في إشكال وقع حقيقة، لكن كيف نحن كمتأخرين نقرأ هذا الإشكال قراءة هادئة؟ وعندنا العقيدة الطحاوية عقيدة مشهورة ثابتة تسجل بشكل موثق عقيدة أبي حنيفة النعمان وأصحابه.
فالأمر إذاً فيه العديد من الإيجابيات وجدت أننا يمكن أن نجمعها من خلال شرحنا لعقيدة الإمام رحمة الله تعالى عليه. اليوم لن أطيل عليكم أكثر من ذلك، سأقتصر على ترجمة الإمام الطحاوي وننهي المجلس إن شاء الله بهذا الأمر.
ترجمة الإمام الطحاوي رحمة الله تعالى عليه: يعني نحن ذكرنا كل شيء عن الطحاوي لكننا لم نذكر الترجمة، السيرة التاريخية سريعًا له. الإمام الطحاوي هو الإمام أحمد بن محمد المكنى بأبي جعفر الطحاوي. طيب، لماذا سُمي بالطحاوي؟ أنا أقول بتخفيف الحاء، لأنه منسوب إلى قرية طَحا، وهي قرية في صعيد مصر، بتعرفوا مصر فيها الصعيد، صحيح؟ من قرى الصعيد منطقة تُسمى إيش؟ طحا، فهو منسوب إليها، فلذلك يقول الأشهر أن يقال: أبو جعفر الطَحاوي رحمة الله تعالى عليه نسبة إلى هذه القرية. وهو فقيه حنفي، وهذا معلوم، ولكنه كان ابتداء ماذا؟ شافعيًّا، ثم تحول، وسنعرف لماذا. صاحب المصنفات المفيدة والفوائد الغزيرة، وهو أحد الثقات الأثبات والحفاظ الجهابذة. ولد الطحاوي رحمة الله عليه سنة تسع وثلاثين ومائتين، يعني مائتين وتسعة وثلاثين هجري رحمة الله تعالى عليه.
نشأ الإمام الطحاوي في أسرة معروفة بالعلم والتقى والصلاح، كما كانت ذات نفوذ ومنعة وقوة في صعيد مصر. وكان والده من أهل العلم والأدب، كان من أهل العلم والأدب. لاحظوا كيف أن العائلة لما يكون فيها الوالد مهتمًا بالعلم والوالدة مهتمة بالعلم كيف ينشأ الابن نشأة سوية، فكان والده من أهل العلم والأدب والفضل. أما والدته فمن هي؟ هي أخت الإمام المزني، وأنعِم به من أخ! فكانت فقيهة على مذهب الإمام الشافعي رحمة الله تعالى عليها، وقد كانت معروفة بالعلم والفقه والصلاح، وقد ذكرها السيوطي فيمن كان في مصر من فقهاء الشافعية، تصوروا هذه والدة الطحاوي! وبذلك هيأ الله للطفل الصغير الأسرة الصالحة والبيت الصالح، ونشأ في بيئة كلها علم وفضل وصلاح.
وتتلمذ ابتداء على يد والدته -الفقيهة العالمة- ثم التحق بحلقة الإمام أبي زكريا يحيى بن محمد بن عمروس، والتي تلقى فيها مبادئ القراءة والكتابة، واستظهر القرآن الكريم. كيف كانوا يتعلمون القراءة والكتابة؟ وهذا كله حتى تقتدي بهم: علّم ابنك أولاً إيش؟ القراءة والكتابة، ثم علّمه القرآن، واستظهر القرآن الكريم. ثم جلس في حلقة والده واستمع من والده وأخذ عنه قسطًا من العلم والأدب، ونهل الطحاوي من معين خاله الإمام المزني، فاستمع إلى سنن الإمام الشافعي وإلى الحديث وإلى رجاله. عاش الطحاوي في القرن الثالث الهجري في العصر العباسي الثاني، والذي يُعد بدء عصر انحلال الخلافة العباسية، وقد عاصر الطحاوي جميع أمراء الدولة الطولونية التي ظهرت في أثناء ضعف الخلافة العباسية، وكانت له لدى بعض أمرائها مكانة.
شب الطحاوي وترعرع في أسرة علمية، فقد تلقى مبادئ الفقه الشافعي على والده كما ذكرنا، ثم أكل تعليمه الفقهي على مذهب الإمام الشافعي على يد خاله. ثم انتقل الطحاوي إلى مذهب أبي حنيفة، وذكر ابن خلكان في الوفيات أن سبب انتقال الطحاوي إلى مذهب أبي حنيفة ورجوعه عن مذهب الإمام الشافعي رحمة الله عليه أن خاله الإمام المزني قال له يومًا: والله لا يجيء منك شيء! زعل منه شكله، يعني مسألة ما فهمهاش، عصب خاله، فإيش قال له يا شيخ هشام؟ قال له: أنت زلمة مش نافع، باختصار بلغتنا العامية قال: والله لا يجيء منك شيء، فغضب الطحاوي -من حقه يزعل ولا لا؟ يعني بعرف شو هي صعبة- فغضب وتركه وقال: واشتغل على أبي جعفر بن أبي عمران، قال يعني كأنه بده يعمل مشكلة مع خاله، قال: صدقني أروح على أبا جعفر بن أبي عمران وأتعلم المذهب الحنفي وأبرز فيه! وفعلاً ذهب إلى أبي جعفر بن أبي عمران الحنفي فتعلم على يديه المذهب حتى برع فيه وأصبح فقيهًا حنفيًّا قويًّا، حتى يُقال إنه في يوم من الأيام مر الطحاوي على قبر خاله بعد ما مات فقال: لو يعلم خالي ماذا أصبحت الآن لما قال مقولته السابقة، أصلح إمامًا كبيرًا، قال: لو يعلم ماذا أصبحت الآن لما قال مقولته السابقة.
طبعًا وقيل إن هناك سببًا آخر للتفقه ليس لأن المزني قال له ذلك، قيل إنه رأى المزني يكثر النظر في كتب الحنفية، فقال يعني: لماذا خالي وهو شافعي يكثر النظر في كتب الحنفية؟ بالتأكيد فيها علم جم، فترك خاله وذهب إلى مذهب الحنفية، فهذا قول آخر. تعرف ماذا على يد عدد كبير من العلماء؟ من أشهر علماء شيوخه: الإمام النسائي (أحمد بن شعيب النسائي)، هل النسائي كان على عقيدة الماتريدية أو الأشعرية أو كان من المتكلمين؟ كان على عقيدة أهل الحديث، وهذا كتابه يدل على طرائقه، كان محدثًا. وتتلمذ على يد أيضًا أحمد بن أبي عمران القاضي (اللي هو أبو جعفر بن أبي عمران اللي ذكرناه قبل قليل)، وتتلمذ على يد إسحاق بن إبراهيم، وعلى يد أيضًا خاله المزني بالتأكيد وهذا مر معنا.
له مجموعة من التلاميذ، من أشهرهم أحمد بن إبراهيم بن حماد قاضي مصر، وعبد الرحمن بن أحمد المؤرخ، وسليمان الطبراني (وهو الإمام الطبراني المشهور صاحب المعاجم، لا مش الطبري، الطبراني صاحب المعجم الصغير والكبير والأوسط، يقول له أخرجه الطبراني في معجمه، هذا تلميذ أبي جعفر الطحاوي رحمة الله تعالى عليهم). لاحظوا من تلاميذه!
له العديد من المصنفات، من مصنفاته: كتاب أحكام القرآن الكريم (وهذا كتاب موجود في مكتبة وزير كبري بتركيا، لا أعلم إذا طُبع ولا لا، الأصل أنه غير مطبوع إلى الآن)، كتاب أحكام القرآن، وله كتاب شرح معاني الآثار (مطبوع في خمس مجلدات)، وكتاب شرح مشكل الآثار (وهو كتاب ضخم أيضًا مطبوع بعشرة وأحد عشر مجلدًا)، وله العقيدة الطحاوية التي بين أيدينا.
قال معاصره وتلميذه المؤرخ ابن يونس في تاريخ العلماء المصريين: كان الطحاوي ثقة ثَبَتًا فقيهًا عاقلًا، لم يخلف مثله. وقال ابن النديم صاحب الفهرست: كان من أعلم الناس بسير الكوفيين وأخبارهم وفقههم مع مشاركته في جميع مذاهب الفقهاء. وقال ابن الأثير في اللباب: كان إمامًا فقيهًا من الحنفيين، وكان ثقة ثَبَتًا. لاحظوا، ما في أحد قال: وكان متكلمًا، أو كان على عقيدة فلان أو فلان، الكل يقول لك: كان محدثًا فقيهًا ثَبَتًا عالمًا متقنًا، يعني هذا هو المتسم به الطحاوي.
وقال ابن كثير في ترجمته: والفقيه الحنفي صاحب التصانيف المفيدة والفوائد الغزيرة، وهو أحد الثقات الأثبات والحفاظ الجهابذة. وقال ابن تغري: إمام عصره بلا مدافعة في الفقه والحديث واختلاف العلماء والأحكام واللغة والنحو، وصنف المصنفات الحسان. وتوفي رحمة الله تعالى عليه عام واحد وعشرين وثلاثمائة، ودُفن بالقرافة في مصر رحمة الله تعالى عليه عن عمر ناهز ثمانين عامًا (اثنان وثمانون عامًا) رحمة الله على الطحاوي رحمة الله عليه وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
هذه إذاً مقدمة عن أجواء العقيدة الطحاوية: لماذا اخترناها؟ الشروح، الإيجابيات، المؤاخذات، من هو الإمام الطحاوي؟ كيف نقرأ؟ ما هي عقيدتهم؟ المحاضرة القادمة بإذن الله -إن كان في العمر بقية- سنشرع في قواعد مجملة، وهذه عادتي في بداية شرح كتب الاعتقاد، أنني أعطي قواعد مجملة ومؤشرات عامة في منهج أهل الحديث والاعتقاد، ثم من خلالها ندخل رويدًا رويدًا في الكتاب الذي بين أيدينا. وهذه القواعد مهمة أن تستحضرها وأنت تقرأ كلام الطحاوي لتفهم كيف يُقرأ كلام القوم. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل