تسجيل الدخول

شرح العقيدة الطحاوية (16) / تكملة مراتب القدر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد،

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أحبابي إلى مجلس جديد من مدارستنا لشرح العقيدة الطحاوية للإامام أبي جعفر الطحاوي رحمة الله تعالى عليه.

في المحاضرة السابقة تكلمنا عن مسألة المحو والإثبات، أليس كذلك؟ وقلنا إن هذه مسألة هي من متعلقات مرتبة الكتابة، وهي المرتبة الثانية من مراتب القدر. لأن مراتب القدر التي ينبغي على المؤمن أن يؤمن بها أربعة: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق، أليس كذلك؟

وعرفنا مرتبة العلم وفصلنا فيها، ومرتبة الكتابة وفصلنا فيها، اليوم بإذن الله سنتكلم عن المرتبة الثالثة والرابعة، ألا وهي مرتبة المشيئة ثم مرتبة الخلق. فنقول مستعينين بالله:

المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر، ألا وهي مرتبة المشيئة الإلهية. والحديث هنا عن أي نوع من أنواع المشيئة؟ لأنه سبق معنا أن قسمنا المشيئة إلى نوعين، قلنا هناك مشيئة قدرية وهناك مشيئة شرعية، فهنا لما نتكلم في مراتب القدر عن المشيئة، نتكلم عن أي نوع بالضبط؟

عن المشيئة القدرية التي تتعلق بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وليس حديثنا أساساً عن المشيئة أو الإرادة الشرعية. فإذاً حديثنا عن المشيئة القدرية، وهي أن ما شاء الله كان، على الإنسان أن يؤمن أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يخرج شيء في هذا الكون عن مشيئته.

وقد دل على هذه المرتبة قطعيات الكتاب والسنة وإجماع المسلمين وأتباع الرسل والشرائع عموماً. دلت عليها أيضاً الفطرة والعقل السليم. يقول الطحاوي مقرراً هذه المرتبة من مراتب القدر، ماذا قال في الفقرة التي نحن فيها، الفقرة الثالثة؟

قال: وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن. سنلاحظ أن الطحاوي في ثنايا عقيدته يركز كثيراً على مسألة المشيئة الإلهية، لماذا؟ لوجود المخالفين لها من المعتزلة.

وأنا قلت لكم في بداية تعليقي على عقيدة الطحاوي: إن الطحاوي انشغل في عقيدته بالرد على أي طائفة؟ انشغل بالرد على المعتزلة. لذلك قل أن تجد له رداً على الأشعرية في بعض معتقداتهم، سيأتي مثل مرة معنا في صفات الأفعال، كلامه فيه رد على الأشعرية.

وسيأتي معنا في الكلام الإلهي مما يثبت بشكل صريح قول أهل السنة والجماعة في الكلام الإلهي، فيه رد على المعتزلة والأشاعرة والتريدية عموماً. لكن أنا أقصده أن جل اهتمام الطحاوي رحمة الله عليه في جُمله بالرد على المعتزلة. فلذلك الأمور التي فيها خلاف مع المعتزلة عفواً جل اهتمامه بالرد على المعتزلة.

فالأمور التي هي خلاف مع المعتزلة تجد الطحاوي يطنب كثيراً في الرد عليهم وذكر الجمل التي تبطل معتقدهم، ومن هذا المشيئة. فعرفنا أن القدرية ينكرون هذا النوع من المشيئة، خاصة في أفعال العباد، القدرية ينكرون ماذا؟ مشيئة الله لأفعال العباد كما سيأتي معنا.

فالمهم الطحاوي يعني فرغ جزءاً ومساحة كبيرة في عقيدته للكلام عن صفة المشيئة، وفي أكثر من موطن. فمثلاً هنا لاحظوا في حوالي أربع جمل يقول: وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن. لاحظوا كم جملة استعمل للرد على هذه الفكرة؟ على فكرة القدرية، في جمل كثيرة.

وسبق معنا أيضاً ذكر المشيئة في موطن سابق، وسيأتي معنا أيضاً ذكر المشيئة. فهذا كله حتى يؤكد عقيدة أهل السنة والجماعة في إثبات كهذا النوع من المشيئة. يقول ابن القيم في شفاء العليل وهو يؤكد مرتبة المشيئة، يقول: كيف الله سبحانه وتعالى يعني أكد لنا على هذه المرتبة بأساليب كثيرة في كتابه؟

يعني أنت لو استقرأت القرآن، كيف تحدث الله سبحانه وتعالى عن المشيئة التي يمتلكها؟ يقول ابن القيم: عرض الله سبحانه وتعالى مرتبة المشيئة بأساليب متنوعة، فتارة يخبر سبحانه وتعالى أن كل ما في الكون بمشيئته، هذا أسلوب.

وتارة يخبرنا أن ما لم يشأ لا يكون، وتارة يخبرنا أنه لو شاء لكان خلاف الواقع، وانه لو شاء لكان خلاف القدر الذي قدره وكتبه، وأنه لو شاء ما عصي، وأنه لو شاء لجمع خلقه على الهدى وجعلهم أمة واحدة: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولو شاء لجعلهم أمة واحدة. فتضمن ذلك أن الواقع بمشيئته وأن ما لم يقع فهو لعدم مشيئته، وهذا حقيقة الربوبية.

وهو معنى كونه رب العالمين، يعني إثبات مرتبة المشيئة هو لب إثبات الربوبية لله. فإذا كان الرب ربا وليس عنده مشيئة، ماذا بقي من ربوبيته؟ أليس كذلك؟ فابن القيم يركز أن لب الربوبية إثبات المشيئة الإلهية، تماماً.

إذاً يقول: هذا حقيقة الربوبية، وهو معنى كونه رب العالمين، وكونه القائم بتدبير عباده، فلا خلق ولا رزق ولا عطاء ولا منع ولا قبض ولا بسط ولا موت ولا حياة ولا إضلال ولا هدى ولا سعادة ولا شقاوة إلا بعد إذنه، وكل ذلك بمشيئته وتكوينه. فكل أفعال الربوبية التي يفعلها بعبيده مرتبطة بماذا؟ بالمشيئة.

ولذلك هي لب الربوبية، وكل ذلك بمشيئته وتكوينه، إذ لا مالك غيره، ولا مدبر سواه، ولا رب غيره. قال تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ. وقال تعالى: وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ.

وقال تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ. وقال تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ، ويهب لمن يشاء، لأحد التكرار في نفس الآية، ليؤكد أن كل شيء بالمشيئة الإلهية، وهذا مقام ينبغي على العبد أن يقف عنده بالإذلال والإخبات والخضوع.

فكل حوائجك بيد الله سبحانه وتعالى، إذا شاء الله والله ستنفذ، ولن يحول أي بشر مهما بلغ من جبروته أن يحول، ولو شاء الله ألا تكون لن تكون، ولو أنك أتيت بكل البشر لتكون لن تكون، أليس كذلك؟

فمرتبة المشيئة يجب أن يقف طالب العلم عندها والمسلم عموماً بالخضوع والإجلال والتعظيم لله سبحانه وتعالى، ولا تمر عليك هذه المرتبة هكذا سريعاً. وعندما تقرأ القرآن، كلما مررت على آيات إثبات المشيئة لله، عليك أن يعظم قدر الله في قلبك، وأن تعرف من أين تطلب مسائلك، وأين تنيخ حوائجك، وأين تطرق الأبواب؟

وهذه مشكلتنا عندما ندرس العقيدة نظرياً، لكن عندما نسعى في أبواب الحياة في الدنيا، فإننا نتعلق بالمخلوقين ونتعلق بمتاع الحياة الدنيا، وننسى أن المشيئة الحق بيد الله سبحانه وتعالى. تجد الإنسان إذا منعه الله عز وجل الذرية، يهرع إلى الأطباء ويهرع إلى أبواب المستشفيات، ويطلب المساعدة من هنا وهناك، والمسكين لم يفكر يوماً في أن يرفع يديه إلى الله سبحانه وتعالى ويقول: يا رب أعطني الذرية الصالحة، كما فعل زكريا عليه السلام.

والله يقول في كتابه: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا. شف الآية كلياتها بدها تقول لك: اطلب الأمر ممن بيده المشيئة.

هؤلاء في النهاية أسباب، نعم يطرقها الإنسان على وجه السببية، لكن إياك أن تعلق قلبك بمخلوق وأن تلتفت عن الخالق، إياك أن تظن أنه يمكن أن ينفذ شيء بدون أن يأذن الله عز وجل بنفوذه. فهذه مرتبة الإجلال والتعظيم والإخبات لله سبحانه وتعالى، وهي مشهد من مشاهد العبودية الذي لا ينبغي لطالب العلم أن يذهل عنه وأن يذهب بعقله بعيداً عن شهوده.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حسن الوقوف عند مرتبة المشيئة، وأن يجعلنا دائماً نرفع أكفنا إليه سائلين متضرعين لحوائجنا، لأن من بيده المشيئة والامر والإذن هو الذي ينبغي أن يطلب ويقصد، ولا يلتفت الإنسان بقلبه إلى من سواه.

طيب، السؤال الآن: من الذي خالف في مرتبة المشيئة؟ في الحقيقة هناك فرقتان خالفتا في مرتبة المشيئة. الفرقة الأولى هي من نفت المشيئة الإلهية بالكلية، وجعلت الله سبحانه وتعالى مجرد علة فاعلة في هذا الكون تفعل من دون أي اختيار.

وهذا هو من الفكر الفلسفي، هذا هو الاتجاه الفلسفي الذي ورثه الفلاسفة الإسلاميون عن أرسطو طاليس ونحوهم. فالفلاسفة أحبابي الكرام لا يعبرون عن الله سبحانه وتعالى بالإله، وإنما يعبرون عنه بماذا؟ بالعلة الفاعلة. فيجعلون الله علة وهذا الكون معلول، هذه العلاقة.

وليس أن الله سبحانه باختياره وبمشيئته أراد أن يوجد هذا الكون لما فيه من سماوات وأرض وأفلاك ونجوم ومخلوقات، كلا، بل هي علاقة علة ومعلول، فسلب الله عز وجل أخص خصائصه، وهي صفة المشيئة. فإذاً الفرقة التي نفت المشيئة بالكلية وجعلت وجود الإله مجرد علة فاعلة لوجود الكون هذه علاقة علة بمعلول، من هم؟ هم الفلاسفة.

الفلاسفة طبعا برؤوسهم من الوثنيين واليونان، ومن تبناها من الفلاسفة الإسلاميين كابن سينا والفارابي ومن سار على دربهم. فهؤلاء نفوا المشيئة الكلية وجعلوا الله وجوده في هذا العالم وجود علة مع معلول فقط.

الفرقة الثانية وهي التي يدور حولها النقاش في العادة، والتي أراد الطحاوي أن يرد عليها: من نفت مشيئة الله على أفعال العباد. لذلك نقول: القدرية هم الذين نفوا مشيئة الله على ماذا؟ على أفعال العباد، على هذا القدر. يعني لا يظهر لي أن القدرية كما قلت لكم مسبقاً نفوا مشيئة الله في خلق السماوات والأرض وإيجاد المخلوقات عموماً، لكنهم نفوا المشيئة الإلهية في ماذا؟ في أفعال العباد، وجعلوا العبد هو الذي يشاء.

اختيار أفعاله كما يحلو له من دون تدخل للمشيئة الإلهية، هذا قول الفرقة القدرية وعلى رأسهم المعتزلة. القدرية اسم يجمع مجموعة من فرق على رأسهم أهل الاعتزال، الذين نفوا مشيئة الله سبحانه وتعالى على أفعال العباد.

طيب، طبعا سيأتي معنا يعني في سواء في مرتبة المشيئة أو مرتبة الخلق أنهم ظنوا أننا إذا نفينا مشيئة الله على أفعال العباد ونفينا خلق الله لأفعال العباد، وتلاحظوا أن المعتزلة نفوا كلا المرتبتين الثالثة والرابعة من مراتب القدر، نفوا مشيئة الله على أفعال العباد ثم نفوا ايش؟ خلق الله لأفعال العباد.

نفوا الثنتين، هم يظنون بذلك أنهم يحصلون العدل الإلهي، هم يسمون هذا العدل في معتقد الاعتزال، لو فتحتم كتبهم يسمون هذا ايش؟ العدل. العدل يقولون: العدل في أن العبد هو الذي يشاء فعله بنفسه من دون مشيئة لله، ويخلق فعله بنفسه من دون خلق الله، حتى يكون العبيد كلهم هم الذين يفعلون الأفعال والله يحاسبهم على ما يصدر منهم.

ويقولون: إننا إذا جعلنا هناك مشيئة لله في أفعال العبيد وأن الله هو الذي خلقها، فسيحاسب الله سبحانه وتعالى العبيد على شيء لم يخلقوه هم ولم يشاؤوه هم، وهكذا ينتفي العدل الإلهي. فهم ظنوا أنهم بنفي المشيئة الإلهية ونفي الخلق الإلهي لأفعال العباد يحصلون العدل للعباد، لذلك سموها مرتبة ايش همة؟ قالوا: هذا هو العدل.

طيب، طبعا هم كما قال بعضهم: أرادوا أن يحصلوا العدل فنقضوا التوحيد. أرادوا أن يحصلوا العدل فنقضوا التوحيد، وجعلوا هناك خالقاً للكون ومشيئاً للكون مضاهياً لله سبحانه وتعالى، وهم العبيد.

طيب، إذاً هذه المرتبة الثالثة مرتبة المشيئة، سننتقل، وأنا تكلمت عنها مسبقا إذا بتذكر مرتبة، وقلنا الفرق بين المشيئة القدرية والمشيئة الشرعية، وأن العلاقة بينها علاقة عموم وخصوص ايش؟ وجهي إذا بتذكره في المحاضرات السابقة، قبل حوالي أربع خمس محاضرات مرت معنا، لما علقنا على قوله في الفقرة الأولى: ولا يكون إلا ما يريد، في بداية الطحاوي، لما علقنا على كلام الطحاوي لما قال: ولا يكون إلا ما يريد.

قسمنا الإرادة إلى شرعية وكونية، وعرفنا العلاقة أنها علاقة العموم والخصوص الوجهي، وأن هناك من نفى الإرادة الشرعية وهم الأشاعرة، وأن هناك من نفى عن الإرادة الكونية وهم المعتزلة، وفرقنا بينهم. فأرجو أن تراجعوا حتى المعلومات غضة طرية، وإلا يعني سنحتاج أن نعيد المعلومات في كل محاضرة نعطيها.

طيب، نذهب الآن إلى المرتبة الرابعة اكتفاء بما ذكر مسبقاً في مرتبة المشيئة. المرتبة الرابعة ألا وهي مرتبة الخلق، ويقصد بها أنه سبحانه وتعالى خالق لكل شيء في هذا الكون. ما معنى مرتبة الخلق؟ مرتبة الخلق المرتبة الرابعة من مراتب القدر، نقصد بها أن يؤمن الإنسان بأن الله خالق كل شيء في هذا الكون.

ولا يوجد شيء مباين عن، احنا عرفنا الأشياء المخلوقة هي كل ما هو مباين عن ذات الله، كل ما هو مباين لذات الله هو مخلوق، فلا يوجد شيء مباين لذات الله لم يخلقه الله سبحانه وتعالى، أو شاركه في خلقه غيره.

وهذا أمر متفق عليه بين الرسل، أن الله هو خالق كل شيء في هذا الكون، أمر متفق عليه بين الرسل، عليه اتفقت الكتب الإلهية، وعليه دلت أدلة العقول والفطر، وإنما خالف في هذه تبى مجوس هذه الأمة من القدرية، الذين جعلوا العباد خالقين لأفعالهم.

يعني لو سألتك: من الذي خالف في مرتبة الخلق؟ تقول: القدرية، الذين جعلوا العبيد خالقين لأفعالهم، فجعلوا هناك قسم من الأشياء التي تحدث في هذا الكون ليس الله هو الذي خلقه، هذا القسم هو أفعال العباد، جعلوا العباد هم الذين يخلقون أفعالهم بأنفسهم، ومن هنا كانوا مجوس هذه الأمة.

ولماذا سموا مجوس هذه الأمة؟ لماذا سميناهم مجوس هذه الأمة القدرية؟ ما الرابط بينه وبين المجوس؟ أنا ذكرته سابقاً، احنا قلنا المجوس الفرقة المعنوية الثنوية، يقولون إن العالم له خالقان: خالق للنور وخالق للظلمة، وإله النور خالق النور أقوى من إله الظلام عندهم، فأثبتوا خالقين لهذا العالم.

فالمجوس فالقدرية شابهوا هذه الفرقة المجوسية في هذا المعتقد، لكن كيف؟

لما أثبتوا وجود خالقين في هذا الكون. الله الذي يخلق عموم الأشياء إلا أفعال العباد وأفعال العباد هم اللي يخلقها العباد أنفسهم. فهناك خالقان وهم يقرون القدرية أن الله عز وجل هو الإله الحق. القدرية أنا حتى معهم هم لا يقولون إن العبيد آلهة حتى نكون منصفين معهم. لكنكم لما جعلتموهم خالقين لأفعالهم منحتموهم شيئا من خصائص الربوبية. فلذا فلهذا كنتم مجوس هذه الأمة لأنكم شاركتم المجوس الأوائل في شيء من معتقداتهم. في قضية النور والظلمة. إنه هذه الفكرة مهمة جدا تعرفوها. لأنه كثيرا ما ستجدون في كل كتب أهل السنة والجماعة كتب ابن تيمية وما قبله وما بعده. الكل يكرر هذه العبارة القدرية مجوس هذه الأمة. فبيجي واحد بسألك ليش يعني سميتوهم مجوس هذه الأمة؟ بدك تكون الإجابة حاضرة بتفهم شو علاقتهم بالفرقة بعض فرق المجوس الذين أثبتوا خالقا للنور وخالقا للظلمة. وهؤلاء أثبتوا خالقين في هذا العالم خالق لعموم الكون هو الله وخالق لأفعال العباد وهم العبيد بأنفسهم. فهذا وجه المشابهة بينهم ولهذا سميناهم مجوسا لهذه الأمة. طيب.

طيب فعند القدرية ربنا سبحانه وتعالى لاحظوا يعني ما نجم عن الفكر القدري. عندهم أن الله سبحانه وتعالى لا يقدر على أن يجعل المسلم كافرا ولا أن يجعل الكافر مسلما. ولا يقدر على أن يهدي ضالا ولا يضل مهتديا. ولا يقدر على أن يجعل المصلي مصليا ولا الصائم صائما. بل كل هذه الأفعال إنما هي بمشيئة العباد بأنفسهم ويخلقونها بأنفسهم. وليس لله أي قدرة على أن يتسلط عليها وأنت هنا نحيت الله سبحانه وتعالى عن جزء كبير من مقامات الربوبية التي تتعلق به. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. نعم سنأتي سنأتي إلى هذه الآيات خاصة آيات الهدى والضلال وسننظر كيف هم عالجوها. طيب وإنما دخل الفساد على هؤلاء القوم من جهة ظنهم يعني هؤلاء القدرية كيف دخل عليهم هذا الفساد من جهة ظنهم أن أفعال العباد هكذا فكروا قالوا إذا كانت أفعال العباد مخلوقة لله فكيف له أن يحاسبهم على شيء خلقه فيهم.

اضحكوا كيف الله يحاسبنا على شيء هو الذي خلقه فينا فقالوا إذا العدل الإلهي يقتضي أن تكون أفعال العباد مخلوقة من قبل العباد ليكون الحساب على وفق اختيار العبد وخلقه هو. فجعلوا مع الله خالقا في هذا الكون وتنقصوا شيئا من ربوبيته وهم يظנים أنهم بذلك يحققون العدل الإلهي وهم يظنون أنه يحققون العدل الإلهي. طبعا من الذي يقابل القدرية؟ القدرية عندما واجههم المخالفون لهم واجههم الجبرية. الجبرية من من الأشاعرة والماتريدية ومن سار على دربهم. الجبرية ماذا قالوا الجبرية قالوا الله هو الذي يخلق أفعال العباد والعبد مجبور على فعله وليس له أي إرادة أو اختيار فيه.

فلما القدرية شافوا قول الجبرية وأيضا خطأ لما يكون القول الذي أمامك الذي يرد عليك وأيضا فيه جزء من الباطل أنت لا تعود عن قولك. هذه المشكلة أن القدرية لما من الذي واجههم واجههم الجبرية. فوجدوا قول الجبرية فيه ظلم لأن الجبرية ماذا تقول؟ تقول الله هو الذي يشاء. والله هو الذي يخلق والعبد ليس له أي مشيئة. وليس له أي إرادة في اختيار فعله. وهذا أيضا قول باطل في المقابل. أنك تنفي الإرادة الحرة التي منحها الله عز وجل للإنسان لاختيار أفعاله فعلا أنت هنا تثبت الظلم الذي يقع على القدرية أرادوا أن ينفوا هذا الظلم فظنوا أن نفيهم لهذا الظلم يكون من خلال ماذا.

نفي المشيئة الإلهية عن أفعال العبيد ونفي الخلق الإلهي فما بين إذن إثبات وتفريط. الفرق القدرية تنفي المشيئة الإلهية والخلق الإلهي لأفعال العبيد. والفرقة الجبرية تقول ماذا بأن الله له المشيئة المطلقة وليس للعبد مشيئة والله هو الذي يخلق وليس للعبد إرادة حرة. فنقول هذا خطأ وهذا خطأ وسبب ضلال الطائفتين طيب ما هو سبب الضلال الطائفتين؟ ليش مش راضيين يوصلوا لحال وسط مثل أهل السنة والجماعة سبب ضلال الطائفتين وهذه ركزوا معي فيه أحبابي الكرام يعود إلى فكرة فلسفية كلاهما أخطأ في فهمها. نقول سبب ضلال الطائفتين ظنهم.

أنه لا يمكن اجتماع مؤثرين على مفعول واحد على مفعول واحد. الآن أفعال العبيد هذا هو المفعول الجبرية والقدرية كلاهما يتفقون على هذا الأصل الفلسفي يقولون لا يجتمع مؤثران على مفعول واحد. فإما أن يكون المؤثر هو الله. واما أن يكون وهذا الذي اتجهت إليه الجبرية وإما أن يكون المؤثر هو العبد فقط. وهذا الذي اتجهت إليه القدرية فهذا هذا أصل فلسفة بدنا نفهمه الآن. ما سبب الاشكال بين الفرقة الجبرية والقدرية في أفعال العباد؟ إيش تقول.

لا يمكن اجتماع مؤثرين على مفعول واحد. فأفعال العباد هذا هو المفعول الجبرية قالت المؤثر فيه هو الله فقط ولا يوجد أي مؤثر آخر والقدرية قالوا والمؤثر فيه هو من. هو العبد فقط فهو الذي يخلق ويشاء وليس لله أي تدخل فيه كلاهما يتفق على نفس الأصل لكن اختلفوا في النتيجة. هم اتفقوا على الأصل لكن اختلفوا في النتيجة. فالأصل واحد عندهم أنه لا يمكن اجتماع مؤثرين على. مفعول واحد فالقدرية ذهبت إلى أن المؤثر هو المخلوق فقط. والجبرية ذهبت إلى أن المؤثر والله فقط وهدى الله سبحانه وتعالى أهل السنة إلى القول الحق في هذه المسألة فعرف أهل السنة.

وأدركوا أنه لا مانع من اجتماع مؤثرين على مفعول واحد ولكن اكتبوا. من جهتين مختلفتين نحن نتفق أنه اجتماع مؤثرين لإنتاج مفعول واحد من نفس الجهة مش ممكن يعني في فعل معين سينتج. أكثر من شخص يؤثر من نفس الجهة لإنتاج هذا المفعول الواحد هذا لا يمكن لكن يمكن أنه أكثر من جهة تؤثر عليه لكن من جهات متعددة. أكثر من مؤثر يؤثر فيه لكن من جهات متعددة. فعندنا الآن.

عندنا أفعال العباد تمام؟ أهل السنة والجماعة يرون أنه يمكن أن يؤثر في هذا المفعول أكثر من شيء لكن باعتبارين مختلفين لكن ايش باعتبارين مختلفين أو بجهتين مختلفتين فأفعال العباد يؤثر فيها الله سبحانه وتعالى. من جهة ويؤثر فيها العبد من جهة أخرى في إنتاجها نفس الفعل يعني صلاتي الآن صلاتي للعصر صلاة الآن لصلاة العصر. مش هذا فعل من أفعالي من المؤثر فيه المؤثر فيه شيئان.

الله سبحانه وتعالى من جهة والعبد من جهة لكن اختلفت جهة التأثير فتأثير الله سبحانه وتعالى من خلال الخلق من جهة أنه هو الذي خلق فعلي وتأثير العبد من جهة. السببية كونه سبب في وجود هذا المسبب وهو الفعل فتأثير الله في أفعال العباد من أي جهة من جهة كونه خالقا لها وتأثير العبد في فعله من أي جهة من جهة كونه سبب في ماذا؟ في هذا المسبب. فإذا نفس فعلي لصلاة العصر في هذا اليوم الفلاني.

نقول إن هناك عدة مؤثرات الله سبحانه وتعالى يؤثر فيها من جهة ماذا من جهة خلقه لها والعبد يؤثر فيها من جهة كونه ماذا سببا في هذا المسبب. والله سبحانه وتعالى هو الخالق للسبب وهو الخالق. للمسبب فالله خلق العبد والله خلق الفعل وهو الذي جعل العبد سببا في فعله فالعبد إذا في النهاية الله عز وجل منحه قدرة على التأثير فالعبد الله عز وجل منحه قدرة على التأثير من جهة ماذا.

السببية ولكن أحسنت لكن في النهاية مردها إلى الكل في النهاية السبب هو المسبب من الذي يعني يرجع إليه الله سبحانه وتعالى هو كلها مرجعة إلى الله لكن هل هذا ينفي أنك أنت كإنسان سبب في وجود المسبب. حذرين في تأثيرك من حيث السببية لا ليعني أنك مختار. وهذه هي السببية. أنك أنت أولا الله عز وجل جعلك سببا لوجود المسبب وهو الصلاة وهذا واختيارك لهذا المسبب هل هو جبر وقهر عنك.

أم هذا بإرادة حرة أنت تشعر بها من دون أي تدخل؟ أنت ماذا تشعر؟ هذا هو السؤال لمعة الماء. نعم. بسبب جمع الماء نهاية هي ليست ركز شوي. آه الفرق بين الكباية وبين الإنسان ما هو.

أن أن الكأس لم يمنحه الله عز وجل الإرادة الحرة فنعم فهو مجرد سبب من دون أن يمنح إرادة حرة. وأما لذلك لن يحاسب الله عز وجل الجمادات لكن الإنسان يختلف في أن الله عز وجل جعله سببا ومنحه الإرادة الحرة لأن يختار. ومنحه الإرادة الحرة لأن يختار فأنت عندما تختار فعلك هانا الآن بدي أذهب أصلي العصر الآن أنت لا تغالط نفسك. أنت لا تعرف ما في الأقدار. أنت تعرف أني أمتلك إرادة حرة وهذا شيء فطري أشعر به.

هل هناك شيء يجبرني أن أصلي العصر أو أن لا أصلي أنت بفطرتك وممارستك الحياتية ما في شيء يجبرك على أنك تذهب تصلي أو لا تصلي سوى اختيارك وإرادتك كونك تقول إن هناك مشيئة إلهية فوق كل شيء هذا كلام صحيح. لكن وجود المشيئة الإلهية لا ينفي أنك تمتلك إرادة حرة أنت أيضا. وهذه المشيئة الإلهية أنت لا تشعر بتأثيرها في اختيارك للأفعال هل أنت تشعر بتأثير المشيئة الإلهية في اختيارك للأفعال.

في الحقيقة أنت لا تشعر يعني أنا الآن تجد أشرب اسمين بسم الله الآن أنا أشعر بأنني أمتلك إرادة حرة هسه بالتأكيد الله عز وجل من فوق سبع سماوات شاء في مشيئة إلهية أن أستطيع الآن الشرب. لكن هذه المشيئة الإلهية مطوية عني أنا لا أعرفها أنا. مؤمن بها إيمانا لكن هل أنا أعرفها قبل أن أقوم بالتصرف نعم لا يعني عدم وجوده هو موجود لكن أنت لما تتعامل بهذه الحياة الدنيا هل لما تختار فعلك هل أنت تنظر هل هناك مشيئة إلهية أنا أفعله؟ وبالتالي سافعله أم لا يوجد مشيئة.

هي لا تنظر أنت تتعامل على وفق ماذا على وفق إرادتك واختيارك الشخصي وهذا أمر فطري. وهذا من عجيب صنع الله أنا أنظر إلى هذه القضية أنها من عجيب صنع الله. كيف أن هناك. إلهية عالية ولكن الإنسان لا يشعر بتأثيرها على مستوى اختيار أفعاله وإنما يشعر الإنسان بالإرادة الكاملة على اختيار أفعاله. فلذلك سنأتي لقضية الذين يحتجون على الله بالمشيئة المسبقة. كيف سنرد عليهم؟ أنك لما اخترت فعلك.

أنت ما اخترته بناء على علمك بالمشيئة المسبقة أنت اخترته بناء على إرادة شخصية منك كاملة. لذلك لو جاء شخص سرق بيتك واحتج عليك بأن مشيئة الله أن أسرق بيتك. ماذا ستقول. له تقول له يعني هو أنت حضرتك عرفت المشيئة الإلهية أنك تسرق بيتي؟ فأتيت بناء على هذه المشيئة؟ لا أنت باختيارك أتيت وعندك هوى وشهوة لأن تفعل بالحرام أو أن تسرق بيتي. فأنت ستعامله بناء على أنه اختار.

وهذا أمر فطري جبل عليه العباد يعني أنت لا لا تعاكس الفطرة في ذلك هذا أمر فطري أننا نشعر بأننا نمتلك إرادة حرة على اختيار أفعالنا وأننا أسباب لوجود مسببات. فآنا لما شربت كأس الماء أنا سبب. كنت لوجود ماذا شرب الماء فأنا كعبد. الآن هذه عملية شرب الماء أنا كعبد إيش تأثيري فيها؟ ما وجه تأثيري؟ أنني سبب فهذا وجه تأتي السببية والله عز وجل ما تأثيره؟ أنه خالق لهذا الفعل.

فعليك أن تقر بالمرتبتين المعتزلة أقروا بالمرتبة الوحيدة فقط قروا بسببية العبد وجعلوا هذه السببية سببية خلق احنا قلنا لا هذه ليست سببية خلق كما قلنا الخالق هو الله والعبد هو سبب. المعتزلة أقروا بمرتبة السببية فقط وجعلوها سببية ايش؟ مشيئة وخلق وأنكروا سببية اه تأثير الله سبحانه وتعالى. الجبرية منهم الأشاعرة والماترودية ذهبوا إلى العكس. إيش قالوا قالوا لا ما فيش اشي اسمه سببية عبد. هذه الغوها وألغوا كل قانون السببية أصلا. الأشاعرة والماتريدية ملغين كل قانون السببية في الحياة.

ويقولون المؤثر فقط هو الله سبحانه وتعالى ولا يوجد شيء اسمه السببية وسنعرف كم هذه القضية قضية انك انكار قانون السببية كم جلب عليهم من الويلات قديما وحديثا حتى الأفكار المعاصرة الآن الفكر المعاصر الآن نعم بيقول لك يعني كيف أنت تنكر قانون السببية؟ لا لا أنا أقصد يعني من. الإشكاليات التي تواجه الفكر الأشعري منذ القدم وإلى الآن إنكارهم لقانون السببية. لأنه إنكار قانون السببية إنكار لخصائص الأشياء والسنن الإلهية التي أودعها الله عز وجل فيها هذا الكون فإن كان قانون السببية يخالف العقل والفطرة وما تجري عليه أمور الحياة الدنيا. فكانت هذه الفكرة فكرة حقيقة يعني من الأمور التي يتعجب.

يتعجب من الفكر الأشعري كيف وصل لها يا عم مجرد علامة أو أمر اعتيادي أن يخلق الله الاحتراق عند النار. والقطع عند السكين. سآتي عليها ما بدي استعجل تأس المعتزلة هم قدرية. قلنا المعتزلة هم القدرية الذين يقولون فقط العبد هو المؤثر في فعله ولا يوجد تأثير لله. فقالوا العبد هو الذي يشاء فعله ويخلق فعله يقابل القدري المعتزل من يقابلهم؟ الجبرية. الجبرية أشاعرة وما تريدية. ماذا قالوا؟ قالوا لا. العبد ما الهوش أي تأثير في.

بفعله والتأثير فقط من جهة واحدة من جهة الله سبحانه وتعالى أنه ماذا؟ هو الخالق والعبد ليس له سببية. فنحن نقول لا يا جماعة الخير تعالوا ويا قدرية معتزلة تعالوا ويا جبرية من الأشيا الماترودية تعالوا. نحن نقول المفعول الواحد يمكن أن يوجد فيه أكثر من مؤثر. لكن باعتبارين مختلفين فالعبد تأثيره من جهة ماذا؟ السببية الله منحنا قدرة مش منحنا الإرادة الحرة منحنا الإرادة الحرة لنكون أسباباً في وجود مسبباتنا هذا شيء منحنا الله إياه ما بصير أنا أتعامى عنه وأغالط النفس في هذا الموضوع فأنا سبب في وجود فعلي

لكن فإنا تأثيري في فعلي من جهة السببية، وأما تأثير الله سبحانه وتعالى في فعله من أي جهة؟ من جهة الخالقية. فإذاً أنا أستطيع أن أتصور تأثيراً للخالق، وأنا أتصور تأثيراً للمخلوق مع اعترافي وإيقاني بأن الله هو خالق السبب وخالق المسبب، مع اعترافي وإيقاني بأن الله خالق السبب وخالق المسبب. إذاً فتأثير الله في أفعال العبيد إنما هو من جهة الخلق، وتأثير العبيد في أفعالهم إنما هو من جهة السببية.

فالعبد سبب في وجود الفعل، والله سبحانه وتعالى خالق للسبب وهو العبد، وخالق للمسبب وهو الفعل بواسطة السبب. يعني هل الله خلق فعلي مباشرة؟ ولا خلق فعلي بواسطة السبب وهو أنا؟ خلق فعلي بواسطة السبب. أليس كذلك؟ ولذا، والدليل على أن العبد هو السبب وأن الفعل خلقه الله بواسطة السبب؛ أن الفعل عندما ينسب، ينسب إلى من؟ إلى العبد الذي باشر، فنقول: قام زيد، هل تقول: قام الله؟ عندما أقول نقول: قام إبراهيم، قام زيد، صلى عمرو، صام بكر، لأن العبد هو الذي باشر الفعل عن طريق السببية، وإن كان الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الفعل بواسطة سببه.

كما أن النار مثلاً، نقول: النار سبب في الإحراق. صح؟ ففي العادة هل يوجد حريق بدون نار؟ بقول لك ما فيش دخان بدون نار، شكل مثلاً. الحريق يكون بواسطة النار. فهل تنكر سببية النار في الإحراق؟ هل يجي عاقل يقول إن الحريق ليس سببه النار؟ ما فيش انسان عاقل يعني بوضعه الطبيعي، إلا إذا كنت تأثرت بلوثات الفكر الشعري أو ما شابه ذلك، لكن في الوضع الطبيعي ما في انسان عاقل يقول إن الحريق ليس سببه النار.

اسأل كل إنسان يعيش في هذا العالم: كيف تولد الحريق؟ بيقلك من خلال ايش؟ إذاً كلنا في الحقيقة بفطرنا وعقولنا التي لم تلوث، نؤمن أن الحريق سببه النار. فالنار إذاً ما تأثيرها في الحريق؟ النار تأثير أي وقت؟ ما تأثيرها؟ من جهة السببية. والله سبحانه وتعالى هو الذي خلق النار وخلق المسبب وهو الإحراق بواسطة النار، ها، الله خلق الإحراق بواسطة النار، جعل النار واسطة في خلق المسبب.

فنقول، فعندما نقول: هل نقول أحرق الله الثياب ولا نقول أحرقت النار ثوبي؟ ايش بتحكي أنت في حياتك العادية؟ لأنه هي التي باشرت من جهة السببية، وإن كنا نعلم أن الله هو الذي خلق فعل الإحراق بواسطة السبب. فانت تنسبه إلى من باشره بالسببية، بس هناك فرق طبعا بين النار وبين الإنسان، ما هو؟ أن النار لما تباشر المسبب ليس لها اختيار، لكن الإنسان لما يباشر المسبب عنده اختيار، وهذا فرق جوهري في الحقيقة.

أنه عليه أصلاً أن النار لا تحاسب على أفعالها، لكن أنا أُحاسب على أفعالي، ليه؟ لأنه النار لما تباشر السبب هي لا تملك اختياراً لمباشرة مسببها، تفعله اضطراراً، أفعالها اضطرارية كما يقولون. وأما أنا العبد المكلف، فإنما لما أباشر فعلي أكون سبباً، لكنني أشعر بإرادة حرة، فاختاره بناءً على الإرادة الحرة التي وجدت في داخلي، والحساب سيكون على هذه الإرادة الحرة.

طيب، وهنا أنبه إلى قضية علينا أن نفهمها، وهي أن خلق الله سبحانه وتعالى للأشياء في هذا الكون على طريقتين. كيف يخلق الله عز وجل أشياء في هذا الكون؟ الطريقة الأولى: أن يخلق الله عز وجل الأشياء من دون توسط شيء، بل بمجرد أن يقول للشيء كن فيكون. بيسموه هذا الخلق المباشر، طريقة الخلق الإلهي طريقتان. الطريقة الأولى: الخلق المباشر، أن يخلق شيئاً بدون توسط سبب.

فلو سألك سائل: الله قادر أن يخلق احتراقاً من دون سبب؟ تقول: نعم عن طريق الخلق المباشر. الله عز وجل قادر أن ينتج آدمي بدون سببية النكاح؟ بتقول: نعم، عن طريقه كن فيكون، كما قذف عيسى في بطن مريم بكلمة كن فيكون. صح؟ فهذا اسمه الخلق المباشر، أليس كذلك؟ وهو الذي يدل على قدرة الله المطلقة. النوع الثاني من الخلق هو الخلق بواسطة الأسباب.

طريقة ثانية في الخلق، خلق بواسطة ايش؟ الأسباب. طيب، فيسألك سائل: هل الخلق بواسطة الأسباب، يعني الولد يخلقه الله بواسطة النكاح بين الأب والأم، والاحتراق يخلقه الله بواسطة النار، والري يخلقه الله بواسطة الشرب، وايش كمان؟ الألم يخلقه الله بواسطة الضرب، وأفعالك يخلقها الله عز وجل بواسطتك؟ فيأتي سؤال هنا مهم: هل الأشياء الذي يخلقها الله بواسطة الأسباب؟ هل لأنه سبحانه محتاج لتوسط الأسباب؟ هل يخلقها بواسطة الأسباب لاحتياجه سبحانه لتوسط الأسباب؟

لأ، أكيد ليس لاحتياجه. طيب، لماذا خلقها بواسطة الأسباب؟ إذا كان هو قادر أن يخلق المسببات من دون سببها، هم يقولون لكي يتعلم الإنسان كيف يوظف السنن الكونية في عمارة هذه الأرض. فيفهم علاقة الأشياء ببعضها البعض، ويتعلم كيف يربط بينها ليتحقق الاستخلاف في عمارة الحياة. يعني الله سبحانه وتعالى رحمة بالآدميين حتى يستطيع الإنسان أن يدبر أموره في الحياة الدنيا، خلق كثيراً من الأمور بواسطة الأسباب حتى تتعلم أنت الخصائص في هذا الكون.

فأنت إذا أردت احتراقاً فماذا تأتي تفعل؟ تأتي بالنار، لأنك عرفت أن النار سبب في ماذا؟ في الإحراق. وإذا أردت أن ترتوي ماذا تفعل؟ تذهب إلى الماء، لأنك عرفت السببية التي أودعها الله في الماء أنها سببية تولد المسبب وهو الري. وإذا جعت ماذا تفعل؟ تأكل. تخيلوا أنه ما في سببية في هذا الكون، وأن الإنسان لا يعرف السببية، ليصبح كلما احتجت شيئاً تنظر إلى السماء وترتقب حصوله! أنت الآن جائع، أنا لا اعرف السبب لإزالة الجوع، ما في سببية، لن أعرف ماذا أفعل، سأنتظر من الإله أن يخلق فيّ الشبع. كنت أنا عطشان ظمآن، لا أعرف السبب الذي يذهب الظمأ، سأبقى أنتظر أن يخلق الله فيّ الري، ولن تستمر امور الحياة على هذه الشاكلة.

وجودها هي رحمة من الله ليعلم الإنسان كيف يكتشف خصائص المواد وعلاقتها مع بعضها البعض ليستطيع عمارة هذه الأرض. وكل علم الفيزياء وعلم الكيمياء وكلها قائمة على قانون السببية، وإلا كيف تنتج المحركات والآلات والباخرات والسفن والطائرات والسيارات وكيف وجدنا هذه الأشياء؟ من خلال قوانين السببية التي أودعها الله في هذا الكون. الإنسان يراق شيئاً معيناً، يكتشف أن الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات تنتج شيئاً معيناً ضمن حركة معينة، هذا العنصر سبب في وجود كذا.

فنكتشف خصائص الأشياء لنستطيع أن نوظفها في عمارة الأرض، مع أن الله سبحانه وتعالى قادر أن يخلق كل هذه الأمور بدون الأسباب. لكن وجود السببية نعمة من الله سبحانه وتعالى يغفل عنها كثير من الناس. لذلك السببية من القوانين الفطرية الضرورية التي يعرفها الإنسان بمجرد أن ينشأ يعني ويخطو في هذه الحياة، يدرك سببية الأشياء وارتباطها ببعضها البعض. فإنكار قانون السببية لا يقوله عاقل.

عرف ماذا؟ فيقول، طيب آآ، طيب، هكذا نكون انتهينا من ذكر المرتبة الرابعة وهي مرتبة الخلق، وانتهينا من ذكر مراتب القدر الأربع عموماً: مرتبة العلم، مرتبة الكتابة، مرتبة المشيئة، ومرتبة الخلق. بعد ذلك في هذه الفقرة أورد الطحاوي جملة، وهي قوله: وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته. يعني في ثنايا كلامه عن القدر أورد هذه العبارة، أليس كذلك؟

قال: وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته. فسائل يسأل: لماذا ذكرت هذه العبارة في ثنايا حديثنا عن القدر وامرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته في نفس الفقرة السابقة؟ ما علاقة هذه العبارة بالقدر؟ في الحقيقة ذكر الإمام الطحاوي هذه العبارة لأمرين. الأمر الأول: أن يخبرك أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقداراً، وضرب لهم آجالاً، وأنشأ هذا الكون كله بما فيه من أقدار وآجال وأعمار ليس عبثاً وهراءً، وإنما لمقصد عظيم، وهو أن يُعبد سبحانه وتعالى، فقال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. فالذي خلق الخلق وقدر لهم أقداراً وضرب لهم آجالاً إنما فعل كل ذلك من أجل ماذا؟ أن يُعبد، فليس الأمر لمجرد العبث. هذا هو المقصد الأول من ذكر هذه العبارة، وهو الذي ذكره ابن أبي العز عندكم في الشرح.

المقصد الثاني في الحقيقة، أراد أن ينبه الطحاوي بهذه الجملة على أن مقام القدر ومقام العلم السابق والمشيئة السابقة، كله هذا مراتب القدر جميعها لا تتعارض مع مقام الشرع والامر والنهي. أراد أن يبين أن مراتب القدر من العلم والكتابة والمشيئة والخلق، مسائل القدر لا تتعارض ولا يصح أن نجعلها معارضة لباب الأمر والنهي. فإن طوائف الأمة تاهت واضطربت في الجمع بين مقامين كما ذكرنا في بداية القدر.

ما عرفوا كيف يجمعوا بين مقام التكليف والامر والنهي من جهة، ومقام الإيمان بالقدر من جهة أخرى. مش قلنا هذا أحد إشكاليات ما بالقدر؟ ثم ذكرنا في بداية شرح نادي القدر أن الأمور التي اضطربت بسببها الناس: عدم إدراكهم كيف يجمعوا بين أن هناك تكليف وأمر ونهي من جهة، ومن جهة أخرى هناك ماذا؟ قدر، هناك علم سابق وكتابة سابقة ومشيئة سابقة وخلق سابق.

فتحيزت طائفة إلى مقام القدر بشكل كامل وعارضت به مقام الأمر والنهي. هناك فرق في الأمة أحبابي الكرام انحازت إلى مقام القدر بشكل كامل. قالوا: خلاص، نحن نؤمن أن كل شيء بقدر بعلم سابق، كتابة سابقة، مشيئة سابقة، وآآ خلق سابق، وتركوا مقام الأمر والنهي وقالوا: إذاً لا فائدة من مقام الأمر والنهي. لماذا؟ بما أن كل شيء بعلم سابق وكتابة سابقة ومشيئة، لماذا نبحث عن الأوامر فنفعلها وعن النواهي فننتهي عنها؟ كل شيء فُرغ منه القول.

آآ أوصل كثيراً منهم إلى ترك الفرائض وارتكاب المحرمات والاحتجاج بذلك ايش؟ بالقدر. وهذا القول اشتهر عن غلاة التصوف، غلاة الفرق الصوفية. لذلك أنتم إذا تقرؤون في الفكر الصوفي عموماً، الفكر الصوفي تجدون فيه نزعة غالية باتجاه القدر. لكن منهم من هو يعني من يغلو يغلو، منهم المتوسط في هذا. حتى إذا قرأتم في الحكم العطائية للسكندري أو غيرها، تجدون نزعة الغلو في القدر حاضرة في كلامهم، اللي هو والتسليم المطلق للأقدار، وعدم مصارعتها، وعدم مجابهة القدر بالقدر والاستسلام.

تجد أن هناك نزعة استسلامية خضوعية، وليست نزعة عمل وتفاعل مع منتجات الحياة الدنيا. هذه النظرة تكثر عند التصوف، الفكر الصوفي. حتى وصل الأمر بغلاة الصوفية إلى أن يعارضوا الشرع بالكلية، الأمر والنهي بالكلية، وقالوا: خلاص، الإنسان بما أنك مسلّم للأقدار وتؤمن من قطر بالكلية أنت المؤمن، وليس عليك أن تفعل حراماً ولا أن ترتكب أو أو أن تترك فرضاً. لو فعلت ما فعلت من المحرمات، ولو ارتكبت أو تركت ما تركت من الفرائض لا حرج عليك في ذلك ما دمت مسلماً.

لماذا لباب القدر؟ فهم جعلوا القدر متكئاً لأشباع النزوات والشهوات ولترك التكليف. وهذا يشعر، يكثر كما قلت عند غلاة المتصوف الذين يقولون: أنت تصل إلى مرحلة يسقط عنك فيها التكليف، مع أنك وصلت لمرحلة الشهود الإلهي وشاهدت الإله بيسموها، وفنيت في الإله وشاهدت وجوده في كل هذا الكون وأنه المسيطر على كل هذا الكون، خلاص، أنت الآن ما تحتاج أصبحت إلى تكليف ولا إلى أمر ونهي. فجعلوا القدر معارضا لشرع الله سبحانه وتعالى، لأوامره ولنواهيه.

فهذه الحجة التي يحتج بها القدرية في إسقاط الأمر والنهي وهي الاحتجاج بالقدر، هي الحجة التي يسميها أبو العباس ابن تيمية الحجة الإبليسية. وهذه الحجة نطق بها طوائف المشركين سابقاً، وقد حذرنا الله سبحانه وتعالى من استعمال هذه الحجة. مع للأسف يعني لو أن غلاة التصوف قرأوا القرآن بفهم لأدركوا أن نفس الاحتجاج الذي يحتجون به على ترك التكاليف هو نفس الاحتجاج الذي احتج به المشركون السابقون وقصه الله عز وجل علينا في كتابه محذراً منه.

فإن الأمم السابقة من المشركين ماذا كانوا يقولون؟ إذا دعتهم أنبياؤهم إلى توحيد الله يقولون: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ. فكل اللي فعلناه بمشيئة الله سبحانه وتعالى، فلماذا تعارضوننا؟ هو نفس الكلام الذي يقوله غلاة التصوف، أنه نحن نفعل هذه المحرمات ونترك الفرائض لأننا نشاهد مشيئة الله سبحانه وتعالى في هذا الكون، فكل ما يحدث منا من أفعال وتصرفات إنما هو بمحض المشيئة الإلهية.

هو نفس الكلام اللي قاله جنود إبليس مسبقاً: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ. فالله يخبر أن هذه الحجة حجة إبليسية متكررة: كَذَبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا. ربنا بيقول: هذه حجة قديمة: كَذَبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا.

فكيف يُجاب عن هذه الحجة؟ بنفس الآية، ايش قال الله سبحانه وتعالى؟ ايش تكملة الآية؟ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ. فهذه الحجة الإبليسية حجة قديمة، الآن سأبين ايش طبيعة هذه الحجة. احتج بها طوائف على شركهم وكفرهم بالله سبحانه وتعالى، فكان الكفار قديماً يقولون: لو شاء الله لما أشركنا، لو شاء الله لما أشركنا، فجعلوا القدر والمشيئة الإلهية حجة على شركهم.

الآن ابن أبي العز ذكر مجموعة أجوبة على هذه الحجة الإبليسية، لكن لم أُشعر أنه حرر الإجابة الصحيحة الدقيقة في هذا الباب. ذكر عندكم مجموعة من الأجوبة، لكن الإجابة الدقيقة هي المذكورة في النص القرآني. بماذا نجيب عن هذه الحجة؟ ماذا نقول لشخص؟ ماذا تقول يا قصي لشخص قال لك: لو شاء الله لما شربت الخمر، لو شاء الله لما زنيت، ماذا تقول له؟

أحسنت، أسأله فأقول له: أنت عندما أقدمت على هذه المعصية، هل أقدمت عليها وأنت تعلم أن الله يريد منك أن تفعلها؟ ها، عندما أقدمت على فعل هذه المعصية، هل كنت تعلم مسبقاً أن مشيئة الله الكونية تريد أن تقع منك هذه المعصية؟

ماذا سيقول إن قال نعم فهو كاذب؛ لأنه ما في واحد فينا بيعمل معصية قبل ما يعملها بيكون عارف إنه مشيئة الله الكونية أن تقع منه هذه المعصية. فإذا قال نعم، فقل له: وأنت كاذب. كيف عرفت ذلك؟ هل كشفت عن القدر؟

وإن قال: لا، أنا لما أقدمت فعلت ما كنت أعرف مشيئة الله الكونية. ممتاز، إذن أنت لما أقدمت على هذه المعصية، لما شربت الخمر، لما عصيت الله، فعلت هذا الفعل وأنت ليس لديك أي معلومة مسبقة أن الله يشاء أم لا يشاء، ما عندك.

فالذي دفعك للإقدام عليه إنما هو مجرد النفس والهوى والشهوة، وهذا أمر وهذه هي الحجة القاطعة للجميع يعني لا أحد يجي يقول ما هو ربنا كتب علي كذا، قرأ السؤال قبل ما تفعل الفعل؟

وععندما أقدمت على ثاره هل كنت عالماً ما هو المكتوب؟ وما هو القدر فيه؟ ولا ما كنت عالماً؟ فلا أحد يكون عالماً. فبالتالي إقدامي عليه إنما هو اعتماداً على إرادة الحرة.

اعتماداً على نفسي الجامحة وإرادتي الحرة أنني أريد أن أفعله هذا الفعل الحرام قطعت شهوتي. إذن، عندما أقدمت على المعصية أقدمت اتباعاً لهواك وليس لعلم مسبق منك بالقدر؛ فلا يحق لك الاحتجاج بالقدر على إقدامك على الذنوب والمعصاي. وهذا هو مضمون الإجابة: قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا. يعني ربنا بيقول لهم: عندكم علم مسبق بأني أنا كنت بدي منكم الشرك؟ أخرجوه لنا إن عندكم بعلم مسبق إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرسون. كله خرص وكذب ومنكم اتباع لأهوائكم، اتكأتم فيه على باب القدر، وإلا فالقدر لا يحتج به على أفعل العبيد، ما بتحتج به على فعلك.

انت سرقت بدنا نقطع إيدك، كما جاء سارق إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين إنما سرقت بقدر الله. فقال له عمر: ونحن نقطع يدك بقدر الله أيضاً. يعني أنت أنت احتجت بالقدر فنحن نحتج عليك بالقدر. يعني تستهزئ؟

يعني هو أنت لما سرقت كنت عارف إنه ربنا بدك إياك تروح تسرق فسرقت؟ أنت لم تفعل هذا الشيء إلا بإرادة منك. نعم، بعد أن فعلت عرفنا ما هو المكتوب، بعد أن فعلت عرفنا المشيئة. لكن قبل أن تفعل أنت لم تكن تدرك ذلك، فإقدامك على الفعل إنما هو باختيارك. طيب، فان قيل فما تقولون في احتجاج آدم على موسى عليه السلام؟ أو احتجاج موسى، نعم احتجاج آدم على موسى؟

قدر موسى عليه السلام ماذا قال لآدم، الحديث المشهور لما قال له موسى عاتب أباه آدم أن أخرجتنا من الجنة بخطيئتك؟ فسيدنا آدم ماذا قال له؟ لقي موسى عليه السلام في السماء في السماوات العلى، عاتب سيدنا آدم عليه السلام أن ذريته أخرجت من الجنة بسبب خطيئته، فقال آدم لموسى عليه السلام: أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن أخلق بأربعين عاماً؟

جواب سيدنا آدم: أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن أخلقه بأربعين عاماً؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حج آدم موسى. يعني اللي انتصر في المحاججة مين؟ آدم. طيب، فيأتي هنا السؤال: كيف نقبل هذا الحديث؟ هي إذا آدم يعني يتبادر إلى الأذهان أن آدم احتج على المعصية والخطيئة بأيش؟ بالقدر، قال: أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن أخلق بأربعين عاماً؟

فكيف نجيب عن هذا الحديث؟ والنبي صلى الله عليه وسلم اعتبر جواب آدم جواباً صحيحاً، تمر جواب سيدنا آدم عليه السلام جواباً صحيحاً، طبعا أليس هذا فيه احتجاج بالقدر على الذنوب والمعاصي؟

إيش؟ إذا أنت تنتقد الجواب الذي جاء به سيدنا آدم، ما هو إيش يقول آدم؟ قتلوه الآن هو سيدنا موسى يلوم سيدنا آدم على أنه أخرج من على أنه أخرج كان سبباً في إخراج ذريته من الجنة بسبب الخطيئة، فقال له آدم عليه السلام: أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن أخلق بأربعين عاماً؟ فقال عليه الصلاة والسلام: حج آدم وموسى، غلبه في الحجة. طيب، كيف أليس هذا فيه احتجاج بالقدر على الذنب والمعصية؟

ليس فيه داخل عليه السلام ناشئ بس آدم احتج بالقدر على المعصية. طيب، مش قادر يحتج بالقدر الكوني على هيك مش أليس ظاهر الأمر أن آدم قال: أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن أخلق بأربعين عاماً؟ فالمهم الآن الإجابة عن هذا، نقول: هذا الحديث أولاً نتلقاه بالقبول والسمع والطاعة لصحته وثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نتلقاه بالرد والتكذيب كما يفعل القدرية ولا بالتأويلات الباردة، بل الصحيح أن آدم، هذا هو الجواب الذي عليه الأكثر، وهو أن آدم لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب والمعصية بل إنما؛ لأنه كان أعلم بالله سبحانه وتعالى من ذلك هكذا قالوا، بل إنما احتج بالقدر على المصيبة التي نتجت من المعصية، فرق بين أن نقول آدم احتج بالقدر على نفس ارتكابه للمعصية وبين أن نقول أن آدم عليه السلام احتج بالقدر على المصيبة التي نشأت عن المعصية، وهي أنه هبط إلى الأرض مع ذريته.

فعلى أيهما احتج آدم بالقدر؟ الصواب أنه لم يحتج على بالقدر على معصيته، مش قال: أنا عصيت لأن الله قدر علي، لا، ويقصد أن المصيبة؛ لأنه سياق أنه موسى اه يعاتب أباه آدم أنه كان سبباً في خروجنا من الجنة، فآدم بيقول له: خروجك من الجنة هذه المصيبة التي حلت هذا شيء كتبه الله سبحانه وتعالى علينا وعلي قبل أن أخلق بأربعين عاماً. فنقول: الصحيح أن آدم لم يحتج بالقدر على ماذا؟ على معصيته، وإنما احتج بالقدر على المصيبة التي نشأت عن المعصية، ويجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب والآثار التي تنتج بأقدار الله سبحانه وتعالى. واضح؟ اه، فهو الآن المشكلة في المصيبة، هل المصيبة هذه يجوز الاحتجاج عليها بالقدر؟

نعم يجوز الاحتجاج على المصائب بالقدر، فوقعت مصيبة، قدر الله وما شاء فعل، يعني ما كان آدم يتوقع أن تحدث هذه المصيبة وأن تحدث هذه الآثار، ووقوع هذه الآثار كان فعلاً أمراً خارج نطاق آدم، آدم أين خطؤه كان عليه السلام؟ في المعصية، فلم يحتج على الذنب بالقدر، ما قال: أنا والله أذنبت بقدر الله وسكت، لا، هو يحتج بالقدر على المصيبة التي أثمرت ونتجت وهي أنه أخرج من الجنة. هذا هو الجواب الذي ارتضاه الأكثر.

وهناك إجابة أخرى في الحقيقة سأشير إليها وقل من يشير إليها أخرى، اه، أشار إليها ابن القيم في شفاء العليل، أشار إليها ابن القيم في كتاب شفاء العديد وهو مدح، وهل يجوز الاحتجاج بالقدر على الذنوب والمعاصي في حالة معينة؟ هذا سؤال: هل يجوز أن أحتج بالقدر على وقوع المعصية والذنب مني فأقول أن هذا الذنب وقع مني بقدر؟ أم هي نفسها الحجة الإبليسية التي سبق ورددنا عليها؟

اه، المقصود كيف ذنبك؟ ذنب غير مقصود ربنا ما رح يحاسبك عليه، أذنبت ذنباً مقصوداً واحتججت عليه بالقدر، هناك حالة في الحقيقة يجوز الاحتجاج بالقدر على الذنب، لا ليس على ثمرة على نفس الذنب. يقول ابن القيم: انظروا وقد يتوجه جواب آخر، وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع ويضر في موضعه، يعني في الحقيقة أن أحتج بالقدر على الذنوب التي وقعت مني في موطن بينفع وفي موطن بضر، المواطن اللي بضر فيه هو الموطن الإبليسي الذي ذكرناه قبل شوي، أن تجعل القدر متكأ لارتكاب الذنوب والمعاصي على هواك.

طيب، ما هو الموطن الذي ينفع فيه الاحتجاج بالقدر على الذنب؟ انظروا، قال: فينفع إذا احتج بالقدر، إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته كما فعل آدم، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع؛ لأنه لا يدفع بالقدر، يعني لا يقصد هنا أن يدفع بالقدر أمراً ولا نهياً ولا يبطل به شريعة، بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد لله والبراءة من الحول والقوة. يوضحه أن آدم قال لموسى: أتلومني على أن عملت عملاً كان مكتوباً علي قبل أن أخلق. فإذا أذنب الرجل ذنباً، لاحظوا متى يصح أن تحتج بالقدر؟ يقول: إذا أذنب الرجل ذنباً ثم تاب منه توبة نصوحاً وزال عمره حتى كأن لم يكن، خلاص، ما عاد إليه البتة في حياته، فانبه مؤنب عليه ولامه إنسان عليه، حسن منه في هذه الحالة أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول: خلاص هذا امر كان قد قدر علي قبل أن أخلق، فإنه هذه الطريقة لم يدفع بالقدر حقاً ولا آآ ذكر القدر حجة على إبطال الشرع ولا محظور في الاحتجاج بالقدر حينئذ.

ما الموضع الذي يضر الاحتجاج بالقدر فيه بالحال والمستقبل؟ بأن يرتكب فعلاً محرماً أو أن يترك واجباً، فيلومه لائم على ذلك فيحتج بالقدر على إقامته على هذا الذنب وإصراره عليه، فيبطل بالاحتجاج، فيبطل بالاحتجاج به حقاً ويرتكب باطناً، كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم في قوله تعالى: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا، فاحتجوا به مصوبين لما هم عليه وأنهم لم يندموا على فعله ولم يعزموا على تركه.

دمتم خلاصة إيش يريد أن يقول؟ بتقول لك: فرق بين انسانين، إنسان بفعل معاصي وذنوب ولا يرعوي عنها ومصر عليها كحال المشركين أو العصاة أو غلاة التصوف الذين يقعون في معاشرة النساء والعياذ بالله وشرب الخمر والإباحية ويحتجون على الكفر والمعاصي التي هم عليها بماذا؟ بالقدر. فيجعلون القدر وسيلة لإبطال الأمر والنهي الشرعي ويتكئون على القدر في فعل المحرمات، هذا نعم هذا الاحتجاج بالقدر لا يجوز أبداً، نعم هذا الضار.

وأما النافع فإنسان ارتكب ذنباً في سابق الأيام ثم تاب منه توبة نصوحة ولم يعوضه أبداً، وفي يوم من الأيام جاءه شخص فقال له: تذكر يا فلان يوم ما عملت تلك المعصية؟ معصية فعلها وعفا عليها الزمن وصاحبنا تاب منها وصلح أمره. هنا في هذا الموطن يصلح لهذا الإنسان أن يرد فيقول: هذا أمر قد كتبه الله سبحانه وتعالى علي وأنا تبت منه وخلصناه، فهذا الاحتجاج بالقدر نافع؛ لأنك فيه شهدت أنك في النهاية عبد من عباد الله لا حول لك ولا قوة عن الانتقال من معصية، معصية الله إلى طاعة الله إلا بمشيئته. فهنا بعد أن تبت من المعصية وأقلعت عنها وما عدت أفعلها لو لمت، لو لامني شخص على معصية فاحتجت بالقدر قالوا: يصلح منه الاحتجاج بالقدر من باب شهوده هيمنة الله المطلقة على ما في هذا الكون، وليبين للشخص الذي لامه أنه في النهاية في النهاية صح أنا أخطأت لكن خلاص قدر وانتهى وانتهي منه.

وهذا يذكرني بحديث كعب بن مالك يعني حتعطيك شاهد على صحة كناية ابن القيم هنا. شعب بن مالك رضي الله عنه لما قص قص التخلف عن غزوة تبوك ومع الثلاثة الذين خلفوا في بداية القصة لما سردها وأعطى تفاصيلها وأخبر أن الصحابة كانوا يتجهزون للغزو قالوا: وأنا أذهب وأعود ولا أجهز، وأنا أذهب وأعود ولا أجهز حتى انفصل الجيش أي ذهبوا إلى المعركة وبدأوا مصيرهم. قال آآ فليتني لحقتهم ولكن قدر الله كإيش؟ قال: قدر الله إذا يعني ما خانتني الأفضل حيث قدر الله.

بمعنى أنه إن شاء الله ألا لحقهم هنا كأنك يعني هو كان يسرد القصة على مسامع أبنائه والجيال القادمة من هذه الأمة، أحفاد الصحابة، يسرد لهم إيش وقع من معاها من حوادث وكيف أن الصحابة كانوا يتجهزوا ويجهزوا أمورهم ويذهبوا وهو يذهب للسوق ويعود من دون أن يتجهز، حتى الجيش غادر المدينة باتجاه تبوك وهو قي في المدينة مع زوجاته. فقال يعني قد يعني كان يتمنى أنه لحقهم، كان يتمنى أنه لحقهم لكن قال إيش؟ قدر الله أن قدر الله إني إيش ما لحقتهم.

الآن هذه العبارة من كعب بن مالك تشعر أنه احتج بالقدر على ماذا؟ على عدم لحاقه بجيش المسلمين، وهي معصية وقعت منه. طب فكيف يحتج بالقدر على معصية وقعت منه؟ عدم لحاقه بجيش المسلمين؟ نقول: على ما قاله ابن القيم أن الذنب مر عليه سنوات طويلة، وكعب بن مالك كم يا حرام أصيب ضيق وضاقت عليه الأرض بما رحبت وحزن وقاطعه المسلمون خمسون يوماً أو خمسين يوماً، وجاءت بشارته من السماء وتاب الله عليه. زي سيدنا كعب بن مالك إنسان تاب توبة نصوحاً وترك الذنب وما شابه ذلك. لما أراد أن يسرد القصة بعد مرور عقود عليها للأجيال اللاحقة، لما أراد أن يسود القصة كأنه جاءته حسرة ليش وقع في هذا الذنب، فأراد أن يقطع ذيل الشيطان، أراد أن يقطع ذيل الشيطان فقال: خلاص هاي المعصية ربنا قدرها علي وانتهى الأمر.

ترى هذا الأمر نافع أحبابي الكرام لكثير من الناس الذي عنده وسوسة يزرعها الشيطان في قلبه من اليأس والقنوط من رحمة الله، يأتيك شخص وقع في معاصي وزنا وخنا وفجور، فيقول لك: يا شيخ أنا ما أتوقع ربنا يغفر لي. يا حرام هو تاب ورجع لربه، بس بضل الشيطان يشعر بوسواس قهري أن إيش؟ أنه أنت رايح عالنار، أنت أنت كاذب، أنت توبتك مش مقبولة، أنت أنت صاحب الزنا والخنا والخمر الطريق وو بدك ربنا يدخلك الجنة؟ فالشيطان يجعله يشعر بماذا بالقنوط بالاحباط يشعر خلاص أنه ما في فائدة من التوبة حتى يرجعوا لماذا؟ لاوحال المعصية من جديد. ففي هذا المقام في الحقيقة ينفعك بالقدر، عود نفسك أنه خلص ذاك الزمن الأسود قدره الله وما شاء فعل، شيء كتبه الله علي في سابق الأيام، وإن شاء الله ربنا يكتب لي أقدار جميلة في قابض للأيام، فاستطيع أن احتج بالقدر في هذا المقام هنا.

احتجاجي بالقدر ليس حجة إبليسية لأني أنا ما احتجيت بالقدر حتى أفعل الحرام وأبطل الأمر والنهي وأفعل اللي بدي إياه وأقول والله ما هو قدر. لأ أنا إدمان وحزنين وكذا لكن بدي أقطع إيش وساوس الشيطان وعلائق الشيطان اللي بتحاول تحبطني عن التوبة والاستمرار في طريق الخير. فلو أنني احتجت بالقدر على فعل المعاصي القديم الذي تبت منه فلا حرج في ذلك ما دمت ترجو بالاحتجاج بالقدر مجرد مشاهدة قدرة الله وهيمنة الله المطلقة على هذا الكون. وأن كل ما يحدثه الإنسان في هذه الحياة الدنيا إنما هو بحول الله وقوته. والتجرد التام له سبحانه وتعالى فمشاهدتك هذه المقامات من خلال احتجاجك بالقدر على الذنوب والمعاصي السالفة مقام محمود وليس مقاماً مذموماً.

فهمت هذا المقام مهم جداً، ابن القيم يقول: ويمكن أن يحمل حوارهما على هذا القبيل. فآدم فلم، فآدم عليه السلام إذا أذنب ذنباً واحداً وأخطأ خطأ واحداً، وخلص يعني تاب منه توبة نصوحاً وعاد إلى ربه وتقبله الله سبحانه وتعالى واجتباه. صحيح أنزلوا إلى الأرض كعقوبة لكن مر على الذنب عقود ومئات وآلاف السنين. فلما جاء موسى ليحاج آدم فيه لو اعتبرنا أن موسى حاج آدم على نفس الذنب وآدم احتج بالقدر على الذنب نقول ما في مشكلة أصلاً. لأنه آدم يشاهد مقام القدر في هذا الموطن بعد أن تاب من الذنب وعاد إلى الله وانكسر بين يديه وقال ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا.

يعني هل آدم يحتج بالقدر على أنه يريد أن يفعل المعاصي كما يفعل؟ لا، هو تاب وأذنب وبكى وحزن وأصيب بالغم. لكن بعد مرور عقود على هذا الذنب فجاء موسى عليه السلام ليؤنب آدم عليه السلام على الخطيئة فكان آدم يقول له: خلص بدك تؤنبني على معصية مررت عليها العقود والسنوات قدر الله وما شاء فعل. شيء كتبه الله علي قبل أن أخلَق، إيش أفعل؟ فهنا آدم احتج بالقدر ولو احتج على الذنب لكنه احتجاج مقبول في هذا السياق لأن آدم يشاهد مشهد التوحيد المطلق وهيمنة الله المطلقة في هذا العالم، وأنه يا موسى عليه السلام هذا ذنب ربنا كاتبه علي حتى تجري له سنن في هذا الكون ويجري هذا العالم ويخلق الإنسان في الأرض وتمشي سفينة الحياة. خلص هذا الذنب كتب علي وانتهى، إيش أفعل؟ فلا تبقى تلمني عليه كأن هذا هو السياق. ففي هذا السياق لا إشكال في الاحتجاج بالقدر لأنك لم ترد به إبطال الشرائع.

هاي هي الفكرة باختصار: لم ترد به إبطال الشرائع والاحتجاج بالقدر للبقاء على الذنب والمعصية. اه، مثل حال المشركين قال: روحت صليت، اه هذا بده يحتج بالقدر على إبطال الشرع. فهذا نقول هذا احتجاج بالقدر باطل، وليس لشهودك مقام التوحيد الحق لله سبحانه وتعالى. طيب، بسم الله، طيب إذاً الحمد لله. إذاً كما قلت لكم هناك بعض الطوائف، احنا كل هذا تعليق على أي عبارة يا قصي؟ على عبارة وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته. قلنا إيش علاقة هذه العبارة تدخل تحت مسائل القدر؟ قلنا أراد ومن ذكر هذه العبارة هنا أن يبين أنه لا تعارض بين مقام الشرع والامر والنهي من جهة وبين مقام القدر من جهة أخرى، فلا يصح الاحتجاج بمقام قدري على إبطال الشرع. فالله أمركم بطاعته ونهاهم عن معصيته، هذا موضوع مقام التكليف. والله سبحانه له العلم والكتابة والخلق والمشيئة، هذا مقام القدر فلا يحتج بهذا على هذا ولا بهذا على هذا.

احنا قلنا غلاة الصوفية تحيزوا لمقام القدر وأبطلوا مقام التكليف، في المقابل الآن أقول: هناك طوائف بالعكس فعلت، تحيزت لمقام التكليف وأبطلت مقامات القدر. مين هي الطوائف التي تحيزت للتكليف؟ فقالت: بما أن العبادة مكلفون وهناك أمر ونهي إذاً يجب أن نلغي مقام القدر السابق. مين اللي فعل هيك؟ لا العكس، القدرية. ليه؟ لأن القدرية مش قلنا قبل شوي إنهم يقولون العدل الإلهي أنه لا يكون هناك مشيئة مسبقة للإله ولا خلق للإله، وأن العبد هو الذي يخلق فعله بفعل ليه؟ حتى عباد لما يحاسبوا يوم القيامة يحاسبوا بناء على اختيارهم المطلق وخلقهم المطلق برأيهم.

فالمعتزلة تحيزوا لمقام التكليف وأنقصوا من مقام القدر، فألغوا من مقام القدر. غلاة المعتزلة، غلاة القدرية القدامى إلغوا كل شيء، إلغوا العلم السابق والكتابة السابقة والخلق السابق والمشيئة السابقة، هؤلاء غلاتهم. وأما متوسطو القدرية وهم المعتزلة المتأخرون فأثبتوا العلم السابق والكتابة السابقة لكنهم أنكروا إيش؟ المشيئة والخلق. وهذا اسمه تحيز منهم: تحيز لمقام التكليف وإعراض عن مقام القدر أو انتقاص منه.

فإذن إذا احنا بنلاحظ أن الفرق منها من هو متحيز للقدر تماماً، معرض عن مقام التكليف كغلاة التصوف، والجبرية. الجبرية هم شكل من أشكال الذين تحيزوا للقدر لكنهم لم يصلوا لمرتبة غلاة التصوف في الحقيقة. فلا تجدوا مثلاً حتى ضمن دائرة الأشعرية من لم يكن منهم من غلاة المتصوفة لا تجده يقول إنه والله القدر يصحح لنا أن نترك الشرع أبدا، لا لا يتكلمون بهذا. لكنهم في النهاية عندهم شيء من التحيز للقدر. فالقدرية والجبرية وغلاة التصوف عندهم تحيز للقدر، لكن القدرية العكس: القدرية من المعتزلة تحيزهم للعكس، تحيزهم للامر والنهي للتكليف، فانقصوا مقام القدر فنفوا العلم السابق والكتابة السابقة والمشيئة السابقة والخلق السابق وبعضهم أثبت العلم والكتابة لكنه أنكر المشيئة والخلق.

إذاً نقول في قبل هذه الطائفة نجد طوائف تحيزت إلى مقام الشرع والأمر والنهي وقصرت في مقام القدر، فلم تجعل لله سلطاناً على أفعال العبيد على طاعتهم ومعاصيهم بل جردت أفعال العبيد عن ذلك. وغلاة القدرية نفوا العلم السابق والكتاب السابق والمشيئة والخلق، بينما طائفة أخرى منهم وهم ما هو المعروف عن المعتزلة المتأخرين أقروا بالعلم والكتابة لكنهم نفوا المشيئة والخلق. وقد سبق أن قررنا أقوالهم فيما سبق وهدى الله أهل الحديث لما اختلفوا فيه بإذنه سبحانه وتعالى، فأعطى أهل الحديث كل مقام، وهذا الحديث دائماً وسط وسط بين الجبرية والقدرية. وسط بين الذين تحيزوا للقدر وبين الذين تحيزوا للشرع.

أعطوا كل ما حظه من دون إفراط ولا تفريط، فقالوا: القدر السابق بمراتبه الأربعة لا يتعارض أبداً مع الأمر والنهي الشرعي، لأن القدر هو في النهاية سر من أسرار الله لم يطلع عليه عبيده فليس للعبد أن يحتج بالقدر، بل مقامه منه مقام الإيمان والتسليم. يعني لو أنا سألتك: ما مشاهدتك لمقام القدر؟ بتقول لي: أنا مشاهداتي في مقام القدر أن أؤمن به وأن أُسلم به وإذا وقع شيء من دون إرادة واختيار من مصائب الحياة الدنيا أن أشاهد مقام القدر المسبق فيه، هذه وظيفتي. طيب، واما في أعمالي وتصرفاتي فأؤمن بأن الله سبحانه وتعالى منحني إرادة حرة أختار بها التصرفات التي أقوم بها من دون أن يكون هناك ما يقهرك وما يضطرك إلى فعل معين.

فالعبد لا يلحظ، ها ركزوا في هاي العبارة: العبد لا يلحظ قهر القدر له في حياته. يعني وأنت تسير في هذه الحياة أنت لا تلاحظ قهر القدر لك في تصرفاتك، فأنت اخترت وظيفتك التي تشتغلها الآن وبضاعتك التي تذهب إليها ومحلاتك التي تتعامل معها، والشيخ اختار أيضاً وظيفته وأعماله. هل أحد منا يشعر بقهر القدر عليه في تصرفاته؟ لا، كل واحد فينا أصلاً أحبابي الكرام لو أن الإنسان يشعر بقهر القدر لما خطط الإنسان للحظة من لحظات الحياة، صح؟

لو كنا نشعر بقهر القدر على تصرفاتنا هل خطط الإنسان؟ هل فكر بمشروع؟ هل أنتج؟ ما في أحد يفعل. لكن لأننا نشعر بأننا نختار وبأننا نمتلك إرادة حرة من خلالها نخطط نرسم المستقبل نختار التخصصات التي نريد أن نتخصص بها، من هي الزوجة التي نريد أن نرتبط بها، ما الذي أريد أن أفعله في السنة القادمة؟ مش أنت تضع خطط؟ طب كيف نضع هذه الخطط إذا كنا لا نشعر بالإرادة الحرة؟ نحن نشعر بالإرادة.

يعني أحياناً بعض الناس لما يبدأ يتكلم في القدر بيصير يغالط نفسه، آه لا بس هو صح في إرادة حرة لكن أكيد هناك مشيئة مسابقة للإله طاغية على الإرادة الحرة، فبيصير بده يغالط نفسه والشيطان بحب إنه يبعثر الأوراق للإنسان في هذا المقام. لأنه مقام القدر في النهاية كما قال الطحاوي: سر من سر الله. ويقول ابن تيمية بمفهوم كلامه إنه لا يكاد في الناس، لا يزال في الناس شيء من مقام القدر، أن النفوس كلما فكرت في القدر في الحقيقة، أن هذا الكلام لابن تيمية ملحوظة جيدة، إنه يقول: ولا يزال يحوك في النفس شيء من القدر.

يعني النفس مهما وصلت في إيمانها وعبوديتها لله إذا جاءت بدها تبسط مقام القدر أمامها هيك تفكر فيه ستشعر أنه في القدر في سر في شيء عجيب، صح؟ إنه في مشيئة عالية لله وفي مشيئة إلي، لكن مشيئتي ما بتطلعش عن مشيئة الله، ويظل يفكر الإنسان فيه فتأتيه خطرات ووساوس تبقى تحك في نفسه في مقام القدر. لذلك لما كان أهل العلم يقولون: القدر سر من أسرار الله. خلص، وظيفتك أن تؤمن به وتسلم، لا تجعله عائق حياتك. ربنا معطيك إرادة حرة وبده ياك تتصرف من خلالها.

وهذه هي الإجابة التي قدمها النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة لما قال لهم: إن الله سبحانه وتعالى علم من يدخل الجنة وعلم من يدخل النار. فأحد الصحابة قام فقال: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم إجابة سريعة مختصرة مركزة: اعملوا فكل ميسر لما خلق له. شو يعني الكلام هذا؟ يعني أنت ما لكش علاقة بتفاصيل القدر، أنت لك علاقة تؤمن بالقدر وتسلم به وخلص، صندوق مغلق سر من أسرار الله أنت عليك أن تعمل بإرادتك الحرة، وأنت عندما تعمل وتسير أنت موقن أن هذه الأعمال التي أختارها هي من أقدار الله التي كتبت لي.

فأنا وظيفتي أن ألحظ ماذا؟ أن ألحظ إرادتي الحرة، أن ألحظ أنني مختار وأختار أعمالي بناء على ذلك وأختار تصرفاتي بناء على ذلك. أمله يعني اشتغل باللي بين أيديك. النبي صلى الله عليه وسلم بده يقول للصحابة: اشتغل باللي بين أيديك، اعملوا، خليك في إرادتك الحرة واشتغل بناء عليها. لا تبقى تلتفت إلى القدر. القدر متى تحتاج أن تلتفت إليه؟ لما تقع مصيبة، تفقد ابن، تصاب بمرض، يقل الرزق. نعم هنا نلتفت للقدر ونؤمن أن مصائب الحياة الدنيا وضيقها هي أقدار الله سبحانه.

لكن تصرفاتك التي أنت تختارها وتسير إليها لا تنظر لي إلى القدر، لأن القدر سر مغلق لن تستطيع أن تريح فيه. طب إلى أين أنظر يا شيخ؟ أنظر إلى إرادتك الحرة. اعمل بإرادتك الحرة، خلص اعمل على وفق الإرادة الحرة وسر واختار وامشي في هاي الحياة وخطط وبرمج واعمل أمورك كلياتها. في النهاية لما ينتهي قطار الحياة تنظر حينئذ فتعرف أن كل ما أنتجته خلال الخمسين ستين سنة كله قدر. لذلك لما يكون الإنسان يطلع على تاريخه السابق فيجد صلاة وقيام ليل ورفقة صالحين وقراءة قرآن ومجالس علم وطحاوية وألفية وقطر ندى هنا ينبسط الإنسان أنه ما كان فيه. إذاً كل الأفعال التي اخترت طب إرادتي الحرة؟ الآن أنظر إليها نظراً خلفياً ورائياً فأعلم أنها كلها كانت من الأقدار الجميلة.

لكن لما ينظر الإنسان بعد ستين سبعين سنة وراءه فإنه شو اللي عملتوه في الحياة؟ نوم وطلعات وشمات هوا وقهاوي ونظراً لمعصية الله وتلفزيون ورفقة سيئة هنا بدي أحط أصابع الندم الإنسان يعني أنه كل إيراداته الحرة التي يختارها كانت فاشلة، ومعناتها أن القدر الذي كتب له لم يكن سعيدا. فبالتالي أنا في النهاية ما أسير في الحياة الدنيا أسير وفقاً لإرادتي الحرة مع إيماني التام بأن هناك قدرا، لكنه ليس مطلوباً مني أن ألحظ مقام القدر، مطلوب مني أن ألحظ إرادتي الحرة وأختار بناء على ما منحه الله عز وجل من هدايات وأسعى في طريق الخير وابتعد عن طريق الشر، كل هذا ضمن إرادتي الحرة. وساحاسب في النهاية على هذه الإرادة: ما الذي اخترته من خير أو شر.

وأما القدر فمقامي منه مقام التسليم والإيمان، وإنما أستجلبه في مقامات معينة: مقامات المصائب التي تحل بي وما شابه ذلك. ثم يقول الإامم الطحاوي رحمة الله تعالى عليه تم ذهب من الوقت مقام الهداية والضلال هو قال في لها فقرة جديدة هي تابعة لفقرة القدر قال فيها: يهدي من يشاء ويعصم ومعافي فضله ويضل من يشاء ويخذل عدل، وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، وهو متعال عن الأضداد والأنداد لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا لأمره، آمنا بذلك كله وأيقنا أن كلا من عنده.

هذه الفقرة هي في الحقيقة تابعة لفقرة القدر السابقة، لكن أنها تتكلم عن مسألة محددة وهي مسألة الهداية والضلال، وهي كما يقول ابن القيم في شفاء العليل هي قلب أبواب القدر. مسألة الهداية والضلال وخلق الهداية والضلال للإنسان، وهل الإنسان هو الذي يختار أن يكون مهتدياً أو ضالاً اختياراً مطلقاً لا مشيئة لله فيه؟ أما الهداية مثلنا مثل سائر الأقدار: الله سبحانه وتعالى له مشيئة وخلق، والعبد له إرادة حرة يختار ما يشاء من خلال هذه المشيئة التي لا تخرج عن مشيئة الله.

لا أريد أن أطيل أكثر من ذلك لأنه ما بقي كثير على وقت الصلاة الساعة أربعة وعشرين، إن شاء الله في المحاضرة القادمة بإذن الله نتكلم عن هذه المسألة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.