بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على هذا المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبابي الكرام في مجلس جديد نعقده في مدارسة العقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر الطحاوي رحمة الله تعالى عليه. قد انتهى بنا الحديث إلى موضوع جديد من مواضيع هذه العقيدة المباركة، ألا وهو موضوع رؤية الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة، وهذا هو عنوان الفقرة الجديدة التي سنتداولها ونص عليها الإمام الطحاوي.
نقول في هذه الفقرة، الإمام الطحاوي عليه رحمة الله، طبعا هذه الفقرة أطال بها الإمام الطحاوي النفس، طال بها النفس جيدا، فقال فيها: والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ٭ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ. وتفسيره على ما أراد الله وعلمه.
ركزوا في عبارات الطحاوي، إنه فيها بعض الإشكاليات، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فانه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه.
ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام علم ما حظر عنه علمه ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسا، الظاهر أنها موسوسا، تائها، شاكا، لا مؤمنا مصدقا ولا جاحدا مكذبا.
ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم، أو تأولها بفهم؛ إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين. ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه.
إذا، فقرة جيدا من الإمام الطحاوي رحمة الله تعالى عليه، بناها على مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة. فنقول أحبابي الكرام من المسائل العقدية التي اشتهر فيها الخلاف بين الإسلاميين مسألة رؤية الله عز وجل يوم القيامة، وهذه المسألة من المسائل المهمة التي عظم نكير السلف على من انكرها.
يعني هي مفصل من مفاصل العقيدة المهمة، كما قال ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه في وصف هذه المسألة يقول: هي من الأصول التي يشتد كثير من السلف والأئمة على من خالف فيها، وقد جمع فيها الإمام أحمد بن حنبل، شف حتى تنظر إلى قيمة هذه المسألة، وقد جمع فيه الإمام أحمد بن حنبل جزءا خاصا، جزءا أي مجموعة أحاديث، دفتر خاص سمه ما شئت، نقله عنه عبد الله بن الإمام أحمد فقال: رأيت أبي يصحح الأحاديث التي تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا ويذهب إليها وجمعها في كتاب وحدث به.
يعني أنظروا إمام السلف المفردات مسائل العقيدة حتى تعرف أنهم كانوا يبذلون جهدهم وطاقتهم من أجل الحفاظ على كل مسألة عقدية، الحفاظ على كل مسألة عقدية، هذا دين في رقاب أهل العلم. كل مسألة عقدية ثبتت بنصوص الكتاب والسنة، وكان عليه السلف، دين في رقابنا جميعا أن نحافظ عليها، وأن نجمع الأحاديث التي وردت فيها، وأن نحدث بها الناس، كما كان يفعل الأئمة رضوان الله تعالى عليهم.
وكذلك أبو بكر بن أبي داود السجستاني، الإمام أبو بكر بن أبي داود السجستاني، والامام الآجري، كلهم صنفوا مصنفات في هذه المسألة، حتى صنف الآجري كتاب التصديق بالنظر إلى الله في الآخرة، ظن فرسالة اسمها ماذا؟ التصديق بالنظر إلى الله في الآخرة. ومن أنفع الكتب التي جمعت في هذه المسألة ما كتبه الإمام الدارقطني رحمة الله تعالى عليه.
معروف المحدث الشهير، جمع كتابا كاملا في ماذا؟ في رؤية، سماه كتاب الرؤية. هذا من أنفع وأجمع الكتب التي احتوت على نصوص هذه المسألة. ويمكن أحبابي الكرام أن نحصر أقوال الفرق الإسلامية في مسألة رؤية الله في الدار الآخرة في ثلاثة اتجاهات، نحصرها في ثلاثة اتجاهات.
الاتجاه الأول، ودائما نبدأ نقرر عقيدة أهل السنة والجماعة، هذه الطريقة هي الصحيحة، تبدأ تقرر عقيدة أهل السنة يفهمها الطالب ثم بعد ذلك تدخل في الخلاف العقدي. فاهل السنة والجماعة يقولون إن الله سبحانه وتعالى يرى في الدار الآخرة عيانا باعين الرؤوس، هذه جزئية، يرى الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة عند أهل السنة باعين الرؤوس بالعين الحقيقية، في جهة العلو، أي يكون سبحانه وتعالى في جهة وهي جهة العلو، وإن كنا لا نحيط بذاته.
يعني عندما ننظر إليه فإننا لا نستطيع الإحاطة بذاته سبحانه وتعالى، هذه مفرداتنا. أننا نؤمن أن الله يرى برؤوس في جهة العلو، ولا نحيط بذاته المقدسة حينما نراه. الأدلة التي دلت على هذه المسألة من القرآن منها ما هو دليل صريح لا مرية فيه ولا نقاش، ومنها ما هي آيات ظاهرة فسرها كثير من السلف على أنها تتكلم عن رؤية الله في الدار الآخرة.
فسأسرده خمسة أدلة من القرآن الكريم. الآية الصريحة الواضحة البينة القطعية في مسألة رؤية الله في الدار الآخرة، نص عليها الطحاوي في عقيدته، وهي قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ٭ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ. فهذه الآية لا تحتمل إلا رؤية العين؛ لأنه أتى بكلمة ناظرة وعداها بحرف الجر إلى: ناظرة إلى ربها، والنظر إذا عدي بإلى فإنما يفهم منه أهل العربية أنه نظر العين.
والقرآن إنما خاطب الناس بما يفهمونه من لغتهم، القرآن إنما خاطب العرب بما يفهمونه من لغتهم، والعرب إذا ذكرت النظر وأعدته بإلى فإنها لا تعرف من ذلك إلا نظر العين، ولا يمكن أن يحمل النظر على معنى الانتظار كما ادعت المعتزلة.
طيب، الآيات الأخرى التي دلت على هذا المعنى على رؤية الله في الدار الآخرة وإن لم تكن نصا فيها، قوله تعالى في سورة يونس: لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ. فقد فسر طائفة من المفسرين الزيادة في هذه الآية بانها النظر إلى وجهه الكريم سبحانه وتعالى.
الآية الثالثة في سورة ق، قوله تعالى: لَّهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ. كثير من علماء التفسير من مفسري السلف فسروا الزيادة هنا أيضا بانها النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى.
الآية الرابعة، قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ. فحجبه سبحانه وتعالى لأعدائه عن النظر اليه دليل على رؤية أوليائه له، وهذه الآية من أقوى الأدلة تعتبر عند السلف في مسألة رؤية الله عز وجل، وقد استدل بها على رؤية الله مالك، الشافعي، أحمد، سفيان الثوري، الأوزاعي، عبد الله بن المبارك وغيرهم.
أن الآية واضحة في اعتبار مفهوم المخالفة فيها، لما ذكر الله عز وجل أقصى العقوبات التي ينزلها باعدائه فماذا قال: كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ. ماذا تفهم من هذا؟ كإنسان عربي، إذا كان هذا العقاب لأعدائه إذا أولياؤه لا يحجبون عن النظر إليه، فهي من أقوى الأدلة في الحقيقة بعد آية القيامة: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة. هذا الدليل يعتبر من أقوى الأدلة بعدها.
الآية الخامسة والأخيرة التي سنتكلم عنها، قوله تعالى في سورة المطففين: عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ. وفسر كثير من السلف النظر الوارد في هذه الآية أنه النظر إلى الله سبحانه وتعالى. قال ابن القيم: إن من معنى ينظرون إلى وجه ربهم ضد حال الكفار الذين هم عن ربهم يومئذ لمحجوبون. فقوله تعالى: عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ، هي في سورة المطففين نفسها التي وردت فيها الآية السابقة: كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ. فهذه الآيات الخمس وردت في القرآن الكريم تدل على مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة.
أما السنة النبوية، فأحاديث الرؤيا فيها مستفيضة متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يجحدها إلا من أضله الله على علم، كما قالوا، لأن هذه المسألة أصبحت معلومة. يقول اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهو يذكر أن الأحاديث التي وردت أحاديث كثيرة مستفيضة في الرؤيا يقول: فتحصن في الباب أي في باب رؤية الله ممن روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة حديث الرؤيا ثلاث وعشرون نفسا، يعني ثلاثة وعشرون صحابيا روى هذه المسألة.
منهم علي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وجرير بن عبد الله البجلي، وأبو موسى الأشعري، وصهيب، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، وأنس، وعمار بن ياسر، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وحذيفة، وعبادة، وأبو أمامة، وعدي بن حاتم، وأبو رزين العقيلي، وكعب بن عجرة، وفضالة بن عبيد، وبريدة، ورجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف اسمه.
فهذه تعداد من ذلك رحمة الله عليه لمن روى أحاديث الرؤية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة. وهذا العدد في ذاته يكفي لأن يكون أو تكون هذه المسألة متواترة مستفيضة عن النبي عليه الصلاة والسلام، فهي مسألة قطعية. ولكثرة رواتها وشهرتها اعتبر السلف الخلاف فيها من الخلاف الشديد، فالكثير منهم أطلق الكفر على من أنكر رؤية الله في الدار الآخرة؛ لأنه جحد ما هو متواتر معلوم من دين الله بالضرورة، كثير منهم أطلقوا الكفر على من جحد رؤية الله سبحانه وتعالى.
إذا هذا، هذه الطريقة هي طريقة أهل السنة والجماعة التي ندين الله سبحانه وتعالى بها، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه، وألا يحرمنا من ذلك، إلا من جحد هذه المسألة وأعرض عنها، كما قال كثير من السلف: يعاقب بأن يحرم من النظر إلى وجه الله. فنحن نؤمن بهذه المسألة وندين الله بها، ونسأله سبحانه وتعالى ألا يحرمنا من فضله ومزيده.
الرأي الثاني في المسألة هو رأي المعتزلة والجهمية. وهؤلاء أنكروا مسألة رؤية الله في الدار الآخرة، أنكروا رؤية الله في الدار الآخرة، وحملوا الآية: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ٭ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ، حملوا النظر هنا على ماذا؟ على الانتظار، فقالوا: النظر هنا هو الانتظار، أي أنها تنتظر ربها. وهذا كلام مخالف لأساليب العرب في بيانها؛ فالعرب لا تعد الانتظار بإلى، العرب لا تعد الانتظار بإلى. وأما الأحاديث النبوية فجعلوها كلها من قبيل أحاديث الآحاد، وقالوا: لا يستدل باحاديث الآحاد على مسائل الاعتقاد.
وانهوا مسألة ضخمة كبيرة اعتنى بها الصحابة وتواتر نقلهم عنها، الغوها بهذه الآفة. والمسألة ليست آحاد، لو كانت آحاد نحن سنؤمن بها، لو كانت آحاد فنحن نأخذ بأحاديث الآحاد في مسائل الاعتقاد، لكن المشكلة أنها ليست آحاد، المشكلة أنها متواترة يرحمك الله، المشكلة أنها متواترة أصلا. لكن المفاهيم المنطق الأرسطي للتواتر مفاهيم ضيقة، ضيقة جدا، تحول دون وقوع التواتر عند الفرق الكلامية، فلذلك لا يجعلون من الأحاديث المتواترة بالكاد حديثين، وإلا باقي الأحاديث في البخاري ومسلم وكتب السنن كلها عندهم من أحاديث الآحاد، فهجروا سنة النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل الاعتقاد.
الطائفة الثالثة أو الاتجاه الثالث هو اتجاه الأشاعرة ومن تبعهم، الذين يقولون إن الله سبحانه وتعالى يرى يوم القيامة، لكن لا في جهة. الله عز وجل قال: يرى، لكن لا يرى في جهة. فان قيل للأشعرية: كيف يرى سبحانه وتعالى لا في جهة، هل يتصور أن ترى شيئا من دون أن تقابله ولا يكون في جهة؟ فان قيل لهم: كيف يرى لا في جهة؟ فماذا قالوا؟
قالوا والقول للبيجوري، أحد سادة الأشاعرة، يقول البيجوري: الرؤية، لاحظوا كيف فسر البيجوري الرؤية، يقول: الرؤية قوة يجعلها الله في خلقه، لا يشترط فيها مقابلة مرئي ولا كونه في جهة. شيء يخلقه الله في الإنسان يدرك به إلهه من دون أن تكون هناك مقابلة من إله ولا أن يكون في جهة. طبعا هذا شيء غامض، إيش يعني قوة يجعلها الله في المخلوق يرى بها الإله من دون أن يكون الإله مقابلا له ولا في جهة؟
قال بعضهم وهو يحاول أن يوضح هذا المعنى: يقول إن الله خلق صفة للعبد قائمة بذاته، ها شايف كده، اسم فصل رؤية الله حتى تفهم أنهم وإن أثبتوا رؤية الله لكن لم يثبتوها رؤية حقيقية، ماذا يقولون؟ يقولون إن الله خلق صفة للعبد قائمة بذاته يدرك بها ذات الله. يعني كأنه يخلق فيك شيء أيها العبد، هذا الشيء الذي يخلقه فيك من خلاله ستدرك ذات الله سبحانه وتعالى على نحو إدراك الأشياء بالبصر.
فهو ليس رؤية عين بمعنى رؤية العين التي نعرفها، أن يرى العين ما يقابلها، بل عندهم رؤية الله سبحانه وتعالى قوة يخلقها الله في العبد من خلالها سيدرك ذات الله. هذه معنى الرؤية عند الأشاعرة حتى لا يلتبس عليك الأمر وتظن أنهم يثبتون الرؤية التي تثبتها، لأنه في كتبهم يقول: نحن نثبت رؤية الله، فعليك أن تسأله: ما الرؤية التي تثبتها؟ هل هي رؤية العين لما يقابلها؟ قالوا: لا. وما هي الرؤية؟ قالوا: قوة يخلقها الله في العبد سيدرك بها الذات وليست هي رؤية العين لما يقابلها. وهذا يدل أحبابي على قضية، وهي ماذا؟ وهي أن الرؤيا للإإله عند الأشاعرة لها معنى مخالف تماما لرؤية الله عند أهل السنة والجماعة، وإن أثبتوها كألفاظ لكن لم يثبتوا الفحوى الحقيقية وهي أنها رؤية العين لما يقابلها.
إذ هم يفسرون الرؤية في الحقيقة على أنها شكل من أشكال الانكشاف، بتعرف التصوف، ولما يقول لك أهل التصوف إنه هناك في كشف ظهر لي. الرؤية الإلهية عندهم هي فعلا تشبه شيئا من أشكال الانكشاف الذي يشبه الإدراك بالبصر، لكنه ليس إدراكا بالبصر حقيقة، وكأن هناك شيئا من الانكشاف ينكشف للعبد كيف لا يدرى ما هو، وليس هو رؤية بالبصر حقيقة لما يقابل العين.
وهذا ينبه إلى قضية مهمة أحبابي الكرام، وهو أنه في كثير من المسائل التي يتفق فيها قول الأشاعرة مع قول أهل السنة والجماعة، يعني بعض المسائل في السمعيات والنبوات وبعض مسائل الصفات، كثير من المسائل التي يتفق فيها قول الأشاعرة مع قول أهل السنة والجماعة في الظاهر، يكون هناك اختلاف بين أهل السنة والأشاعرة في شيئين فيها؛ يكون هناك اختلاف في تصور المسألة بين الطائفتين، ويكون هناك اختلاف في طبيعة الدليل الذي بنيت عليه المسألة، وهذا يعني أصل عليك أن تنتبه له وأنت تدرس العقيدة.
لما يقول لك: وهذه المسألة اتفق عليها أهل السنة، أهل الحديث، والأشاعرة، يكون الاتفاق في ماذا؟ في الظاهر، لكن يكون هناك خلاف بينهم في تصوير المسألة، اثنين، في الدليل الذي بنيت عليه المسألة. يعني لما تأتي تجد بعضهم يقول واصفة الكلام الإلهي يثبتها أهل الحديث والأشاعرة والماتريدية، أنت الآن تفهم ما الذي يفهمه ظاهر الرأي أو ظاهر هذه العبارة، أن صفة الكلام الإلهي مثبتة عند هذه الطوائف بنفس الطريقة.
لكنك تكتشف أن الكلام الإلهي وإن أثبته أهل السنة والأشاعرة، لكن أهل السنة يثبتون كلاما بحرف وصوت، وأما الأشاعرة فيثبتون كلاما بدون حرف وصوت مع نقاء في النفس. وتكتشف أن الأدلة التي يعتمد عليها الأشعرية في إثبات الكلام الإلهي هي أدلة عقلية مردها إلى الصفات السبع التي يؤمنون بها وأصفها، يعني لا تثبت كما يثبتها أهل السنة والجماعة بنصوص الكتاب والسنة.
فعندهم الاعتماد على إثباتها ليست نفس الأدلة التي يعتمد عليها أهل الحديث، فلا هم إذا اعتمدوا على نفس الأدلة التي نعتمد عليها ولا هم صوروا المسألة بالطريقة التي نحن نصورها. فإياك أن تغتر بظاهر الإطلاقات التي تجدها في بعض المصنفات، خاصة كثير من المصنفات المعاصرين الذين ما عندهم ضربة على معرفة الخلاف العقدي، فتجد بعض الكتب المحدثة المعاصرة تكون ركيكة العبارة.
فيقول مثلا: هذه الصفة وهذه المسألة اتفق عليها أهل الحديث مع الأشاعرة، لكن يكون الخلاف جوهريا، أنه هذه الأشياء أهل الحديث يثبتونها بطريقة، والأشاعرة يثبتون بطريقة أخرى، فليس هناك اتفاق حقيقي على أصل المسألة. ومن ذلك مسألة الرؤية، وتجد البعض يقول: وهذه مسألة أثبتها أهل الحديث والأشعرية ومن وافقهم. أنك في الحقيقة تجد أن الاتفاق ليس بصحيح، وأن هناك خلافا جوهريا في طبيعة الرؤية التي فقه هذا الحديث وطبيعة الرؤية التي يثبتها الأشاعرة.
بل في الحقيقة قول الأشاعرة أقرب إلى قول المعتزلة لنفاة الرؤية منه إلى قول أهل الحديث، وسيأتي معنا كلام الرازي. إذا، ففي باب الرؤية مثلا اتفق الأشاعرة مع أهل السنة بإثبات الرؤية، لكنهم يختلفون معهم من حيث طريقة الإثبات، فتفصيل المسألة وتصويرها، فقولهم في الحقيقة أقرب إلى قول المعتزلة منه إلى مذهب أهل السنة، وهذا اعتترف به الرازي بنفسه.
حيث قال عن مسألة الرؤيا وعن الخلاف الدائر بين الأشاعرة والمعتزلة فيها، ماذا يقول الرازي؟ وهذا نصه: أعلَمُ أن التحقيق في هذه المسألة، يعني في مسألة الرؤية، أن الخلاف فيها بين الأشاعرة والمعتزلة يقرب أن يكون لفظيا. تروح يا رازي، أعلَمُ أن التحقيق في هذه المسألة، أي مسألة الرؤية، أن الخلاف فيها بين الأشاعرة والمعتزلة يقرب أن يكون ماذا؟ لفظيا.
لماذا؟ برأيكم ليش؟ تجي عمر، ما هي الفحوى الواحدة؟ ما هي النقطة الاتفاقية بينهم؟ هذه نقطة اتفاقية بين الأشاعرة والمعتزلة، أنها لا توجد رؤية عين لله سبحانه وتعالى حقيقة. ولهذا نقول والسبب في ذلك، أن المعتزلة لما نفت الرؤيا، أي الرؤية التي نفتها المعتزلة؛ المعتزلة نفت رؤية العين لله سبحانه وتعالى في جهة العلو، والأشاعرة تتفق مع المعتزلة في نفي هذا المقدار من الرؤية، وتثبت شكلا آخر من أشكال الرؤيا لله ليس هو محل إنكار المعتزلة أو محل جدال المعتزلة.
يعني النمط الذي أثبته الأشاعرة لرؤية الله، ليس هو بالسياق الذي نفاه المعتزلة. المعتزلة ما نفت الرؤيا، نفت أن يكون الله يرى بالعين في جهة العلو. هذا القدر أنتم أيها الأشاعرة تتفقون فيه مع المعتزلة، وأثبتم شكلا آخر من أشكال الرؤية ليس هو محل إنكار للمعتزلة ابتداء. طيب، فاذا عرفنا أن هناك ثلاثة أقوال أو ثلاثة اتجاهات في مسألة الرؤية.
اتجاه أهل السنة والجماعة يثبتون رؤية حقيقية بالعين لله سبحانه وتعالى في جهة العلو، وهذا هو ظاهر النصوص المتواترة عندما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام: إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته. أثبت رؤية حقيقية، ولما قال لهم لما شبه الرؤيا بالرؤيا، لما أشار لهم إلى القمر: وإنكم سترونه كما ترون القمر.
وهذا له معنى، له مفهوم في كلام النبي صلى الله عليه وسلم. هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يخبرهم عن رؤية قلبية؟ لا. أما إشارته للقمر يريد أن يخبرهم أنها رؤية حقيقية، فترون الله في جهة العلو كما أنكم ترون القمر في جهة العلو، فهذا تشبيه بين الرؤية والرؤية، وليس تشبيها لله بالقمر، انتبهوا. ولا يريد النبي صلى الله عليه وسلم تشبيه الله بالقمر، لكن نريد تشبيه طبيعة هذه الرؤيا بطبيعة هذه الرؤية.
كما أنكم ترون القمر في السماء، طيب ترون ربكم كيف؟ نحن نرى القمر في السماء يا هشام، نراه بأعيننا، ونرى القمر في جهة العلو. فاذا، أنا لا أدري كيف يتم تجاهل كل هذه الأحاديث والآثار إلا بسطوة ماذا؟ حديث آحاد، كل ما جئتهم بحديث ايش قالوا لك؟ هذه أحاديث آحاد لا يجوز أن نحكم بها في مسائل الاعتقاد. أما عقولهم وأهواؤهم وتأويلاتهم فهذه يحكم بها في مسائل الاعتقاد، أما قول محمد صلى الله عليه وسلم في البخاري وفي مسلم هذا لا يحكم به في مسائل الاعتقاد! نعوذ بالله من الهوى.
طيب، الآن سنأتي إلى مسائل يعني بعدها عرفنا أصول الخلاف، نأتي بعض المسائل الفرعية في مسألة الرؤية. أولا: متى تكون رؤية الله يوم القيامة؟ هذا سؤال، متى تكون رؤية الله عز وجل يوم القيامة؟ فنقول: اتفق أهل السنة والجماعة على أن المؤمنين يرون ربهم في الجنة، أولا هذا متفق عليه، في الجنة متفق على هذه الرؤية ورؤية تكرمة وتشريف لهم.
وأما الرؤيا للإله في عرصات يوم القيامة في أحداث يوم القيامة قبل دخول الجنة، فهل هناك رؤية؟ اختلف في هذه المسألة داخل دائرة أهل السنة والجماعة على أقوال. إذا، نحن متفقون على أنه يرى في الدار في الجنة، لكن قبل دخول الجنة في عرصات يوم القيامة وفي أهواله وأحداثه، هل سيرى الله سبحانه وتعالى؟ نقول: فيه خلاف بين أهل السنة والجماعة في هذه المسألة على أربعة أقوال.
القول الأول: أنه في عرصات يوم القيامة يراه الجميع من المؤمنين والمنافقين والكفار، لكنها ليست رؤية تشريف وتكريم. والرؤية، طب الرؤية التي نفتها الآية عن الكفار: كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ، ما هي هذه الرؤيا إذا كنتم تثبتون أن المؤمنين والمنافقين والكفار سيرونه في عرصات يوم القيامة؟ فكيف تجيبون عن الآية: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون؟
قالوا: حجبوا عن رؤية الله رؤية تشريف وتكريم وتلذذ، هذا الذي حجب عنه الكفار، وأما رؤية الله في أهوال يوم القيامة فهي ليست رؤية التكريم والتشريف، وإنما هي رؤية الحساب والعتاب، فهذا لا ينفى عنه. هذا رأي لبعض أهل السنة والجماعة أنه في عرصات يوم القيامة يراه المؤمن والمنافق والكافر.
القول الثاني: أنه يرى في عرصات القيامة من المؤمنين والمنافقين فقط دون الكفار، هذا قول قال به بعض أهل الحديث. القول الثالث: أنه يراه المؤمنون والمنافقون وشذرات من أهل الكتاب، وشذرات من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، لأنه بعض الأحاديث دل ظاهرها على ذلك.
والقول الرابع والأخير: أنه يراه المؤمنون فقط في عرصات يوم القيامة، وأما الكفار والمنافقون عندما يطالبهم الله عز وجل ويحاسبهم لن يجعلهم يرونه، بل سيكون هناك حجاب بينهم وبين الله حتى عند الحساب. وهذا ما مال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وخالفه ابن القيم رحمة الله تعالى عليه فيها، وهذه من المسائل القليلة القرون التي خالف فيها ابن القيم شيخه، تمام؟ يراه المؤمنون فقط، هذا هو القول الرابع.
وأكثر الأئمة في الحقيقة على القول الرابع أنه حتى في عرصات يوم القيامة الرؤية خاصة بأهل الإيمان فقط. ابن القيم يعني إذا لم تخني الذاكرة أظن أنه مع القول الأول أنه يراه الجميع لكنها ليست رؤية تكريم وتشريف. طيب، نعم، والمسألة ظنية نقول، يعني لسا بدي أقول وهذه المسألة ليست من مسائل الأصول، وإنما هي كلها كل يحاول أن يفهم ظواهر النصوص التي وردت في البخاري ومسلم وغيرها من السنن التي تكلمت عن مجيء الله سبحانه وتعالى ومخاطبته لعبده.
آآ لما يأتي الله سبحانه وتعالى فيقول: يتبع كل إنسان ما عبده في الدنيا، فلما يأتي سبحانه وتعالى فيقول، يتصور على غير صورته فيقول مؤمن: لست بربنا، ننتظره حتى يأتي ربنا. أحاديث كثيرة وردت في كتب السنن، فكل طائفة حاولت أن تفهمها وأن تسعد للوصول إلى الصواب في فهمها. فالخلاف إنما هو في فهم النصوص، الخلاف إنما هو في فهم ظاهر النصوص.
وفي الحقيقة النصوص ليست قطعية الدلالة على هذه المسألة، فلذلك المخالف في هذه المسألة لا ينكر عليه، ليست مسألة يبدع فيها المخالف، هذه من فروع مسائل الاعتقاد التي يقبل فيها الاجتهاد والله تعالى أعلم. الطحاوي في عقيدته كما ترون لم يتطرق لمسألة رؤية الله في عرصات يوم القيامة، وإنما تطرق برؤية الله أين؟ في الجنة.
فماذا قال عندكم؟ قالوا: والرؤية حق لأهل الجنة. وقال أيضا: ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام. تكلم فقط عن رؤية الله في الجنة ولم يتطرق لمسألة رؤية الله في عرصات يوم القيامة، فبالتالي المسألة ليست واردة عنده يعني لم يتطرق لها حتى نعرف رأيه فيها، يرحمك الله.
طيب، مسألة أخرى: هل يرى الله عز وجل في الحياة الدنيا؟ قل: أجمع أهل السنة والجماعة على أن الله سبحانه وتعالى لا يرى في الحياة الدنيا، لأننا لا نطيق رؤيته في هذه الدار، يعني أجسادنا خلقت على طبيعة في هذه الدار لا تطيق رؤيته لا تستطيع ذلك. فإذا كان يوم القيامة خلقنا الله عز وجل بأجساد أخرى ومنحنا قوة نستطيع من خلالها النظر إلى وجهه الكريم ليتم نعمته وفضله علينا.
واختلفوا في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم بالتحديد لربه ليلة المعراج، هذه مسألة فيها خلاف. اتفق في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج، فذهب جماهير المتقدمين من أهل العلم، بل نقل الدارمي الإجماع على ذلك أنه لم يره بعينه بل رآه بقلبه. مسألة شهيرة: هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة المعراج؟ فجماهير المتقدمين بل نقل الإجماع على ذلك عند المتقدمين، نقل الإجماع.
لكن في الحقيقة لا يوجد إجماع أنه لم يره بعينه وإنما رآه بقلبه، وقد قالت عائشة لمسروق بن الأجدع لما سألتها عن ذلك: هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه؟ قالت له عائشة: من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد كذب. كذب يعني أخطأ، كذب يعني ايش؟ أخطأ. وهناك قول آخر في هذه المسألة ينسب إلى ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينيه حقيقة.
لكن في ثبوت هذا الكلام عن ابن عباس نظر، لأنه الآثار التي وردت عن ابن عباس في هذه المسألة مختلفة في الحقيقة في روايتها نظرا آآ لأنه قال في بعض الروايات، ابن عباس في بعض الروايات ايش قال؟ رأى محمد ربه، ففهمها كثير من تلاميذه أنها ماذا؟ رؤية عين حقيقية. وفي رواية أخرى يقول ابن عباس نفسه: رأى محمد ربه بفؤاده، فجعلها في بعض الروايات التي نقلت عن رؤية فؤاد.
فأكثر المتقدمين على أنه يحمل مطلق كلام ابن عباس على مقيده، النصوص التي قال فيها: رأى محمد ربه صلى الله عليه وسلم نحملها على أنه قصد رؤية ماذا؟ رؤية القلب ولا يقصد به الرؤية الحقيقية، رؤية العين، رؤية القلب شيء من الانكشاف الله تعالى أعلم به. يعني ما طبيعة هذا الانكشاف الذي تجلى لقلبه؟ شيء لا نعلم كناه، لكن ما نستطيع أن نقول إنها ليست رؤية عين حقيقية كما جاء في بعض الأحاديث: نور أن أراه، وينبغي بالتالي أن يحمل مطلق كلامه على مقيده.
وعلى هذا يكون رأي ابن عباس إذا حملنا المطلق على المقيد من كلامه لا يتعارض مع رأي عائشة رضي الله عنها. وإن كان كثير من المتأخرين، أكثر المتأخرين يثبتون رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه عيانا، يثبتونها رؤية عيان. لذا فإن هذه المسألة أيضا في الحقيقة يعني لا يبدع فيها المخالف، وهي من فروع... نعم.
متأخرون من تكلم في مسائل الاعتقاد مثل قاضي عياض ومن جاء بعده؛ قاضي عياض اليحصبي ذكر خلافا كثيرا في كتابه الشفاء ونسب إلى أكثر المتأخرين أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه رأي عيان. لكن كما قلت أكثر المتقدمين ليس على هذا الرأي. ولكن هل المسألة مسألة قطعية نعتبرها من أصول مسائل الاعتقاد يبدع فيها المخالف؟ لا، هي مسألة.
يعني وقع فيها شيء من الخلاف، ما نعتقده والله أعلم أنها ليست رؤية عين. لكن من قال أنها رؤية عين، أم لا نقول له إنك خالفت أصول أهل السنة والجماعة؟ تفضل.
حقق البجوري كان يتكلم عن رؤية المؤمنين لله في الدار الآخرة هل هي هل هي نفسها طبيعة الرؤية القلبية للنبي صلى الله عليه وسلم لربه؟ الله تعالى أعلم، لا يوجد عندي شيء أحدث به في هذا الباب، ولم يتكلم السلف الذين قالوا: رآه بقلبه، ما تحدثوا عن طبيعة هذه الرؤية، لم يتحدثوا عن طبيعتها، وإنما كما جاء في الأحاديث: نور أنى أراه. فما الذي تجلى في قلبه صلى الله عليه وسلم؟ لم يحدد أحداً من أصحابه بذلك، فالسكوت أحق لنا في هذه المسألة حتى لا نخوض في شيء لا نعلمه.
طيب، إذن الآن هكذا نكون يعني لخصنا مسألة رؤية الله عز وجل والأقوال التي وردت فيها، وتكلمنا عن مسألة رؤية الله في عرصات يوم القيامة. الآن سأعليق على كلام الطحاوي رحمة الله عليه على نصوص الطحاوي في هذه المسألة، أذهب إلى ذلك مباشرة، المسألة ليست طويلة لكن الخلاف فيها شديد، أنها خلاف في مسألة متواترة. يقول الطحاوي: والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، هكذا قال: بغير إحاطة ولا كيفية.
ما معنى قول الطحاوي بغير إحاطة يا شيخ عمر؟ أيوه، عندما أننا عندما نراه سبحانه وتعالى فإن أبصارنا لا تحيط بذاته، لا تستطيع أن تحيط بذاته عز وجل. وهذا المعنى صحيح يتفق عليه أهل السنة. أما قول الطحاوي بعد ذلك: ولا كيفية، وقال: بغير إحاطة ولا كيفية. أما قوله ولا كيفية فهذه عبارة مجملة في الحقيقة، ماذا تقصد ولا كيفية؟ تحتمل معنى صحيحاً منه وتحتمل معنى فاسداً. فإن قصد بنفي الكيفية أن رؤية الله ستكون بلا كيفية فهذا فاسد، كيف تكون رؤية الله بلا كيفية والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته؟ أليس هذا بيان لشيء من الكيفية؟
فقوله ولا كيفية إن قصد به نفي الكيفية للرؤيا وأنها ستكون رؤية بلا كيفية فهذا فاسد، هذه الرؤية لها كيفية قطعا. قد بين النبي صلى الله عليه وسلم طرفا من هذه الكيفية لما شبه رؤية الله برؤية القمر في السماء. وإن قصد الطحاوي بنفي الكيفية نفي علمنا بتفاصيلها، علمنا بتفاصيل الكيف، فهذا معنى صحيح، أنه هذه الكيفية موجودة لكن تفاصيلها لا نعلمها، أنت فقط كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
أما أكثر من ذلك من التفاصيل هل عندك شيء من ذلك؟ فإن قصد نفي علمنا بالتفاصيل فهذا معنى صحيح، ولعله هو الذي قصده رحمة الله تعالى عليه، أنه قصد بقوله ولا كيفية أي وبلا كيفية نعلمها، لكن هي في ذاتها لها كيفية، وهذا الذي يتوافق مع جمعه بين قوله بغير إحاطة ولا كيفية، أنه قال بغير إحاطة، فإذا هو يثبت أنها ستكون رؤية حقيقية بعين بغير إحاطة لكن فيها كيفية قطعا. فقوله ولا كيفية إذاً، والله أعلم، قصد به ولا كيفية نعلمها نحن، أما هي بذاتها لها كيفية نعلمها، نسأل الله أن نكون جميعا ممن يعلم هذه الكيفية في الدار الآخرة.
هذه إذاً الإشكالية في قوله ولا كيفية، لأن البعض يعني من المتكلمين سر بهذه العبارة من الطحاوي، لما قال الذين شرحوا الطحاوية سر بعبارة ولا كيفية فقالوا: قصد الطحاوي بقوله ولا كيفية ماذا؟ قالوا: أراد بلا كيفية نفي وجود الجهة في الرؤية والمكان والمقابلة. بعض المتكلمين ممن شرح العقيدة الطحاوية قال: قصد الطحاوي بقوله ولا كيفية أن رؤية الله ستكون من غير مقابلة، ولا يكون سبحانه في جهة. وهذا التفسير في الحقيقة كما قلنا هو إلغاء لحقيقة الرؤية، أن رؤية العين لا يمكن أن تكون إلا لما يقابله، لما يقابلها.
الذين يقولون إن رؤية الله، إن الله يرى بلا مقابلة لا، سبحانه وتعالى مقابل عين الرائي، نقول هذا إلغاء لمفهوم الرؤية الذي تعقله العقول البشرية، فإن الله عز وجل لما خاطبنا وأخبرنا أننا سننظر إليه النظر والرؤيا الذي خاطبنا بها هو نظر بالمفهوم البشري، صح؟ يخاطبنا بلغة البشر، والنظر الذي تفهمه البشر هو نظر إلى ما يقابل العين، فقولك إنه يرى بدون مقابلة ولا جهة هو إلغاء في الحقيقة بمفهوم الرؤية، والطحاوي نجله أن يكون ملغيا لمفهوم الرؤية على هذا المعنى، لأنه أثبتها فقال: والرؤية حق لأهل الجنة.
وقوله بغير إحاطة يدل على أنه يثبت رؤية حقيقية فنفى فيها الإحاطة، فنفيه للإحاطة يستلزم أنه يثبت رؤية للمقابل، صح؟ أنا بدي أيك تنظر لهذا الملحظ، أن نفيه للإحاطة يدل على أنه يثبت ماذا؟ أنها رؤية لذات مقابلة لكن هذه الرؤية لن يكون فيها إحاطة لهذه الذات، فنفيه الإحاطة نستفيد منه أنه يرى أن الرؤيا رؤية حقيقية تقابل العين في جهة العلو، فنفى الإحاطة حتى لا نقول إن هذه الرؤية فيها إحاطة لذات الله، ونفى الكيفية بالمعنى الصحيح وهو الكيفية التي نعلمها، نفى أن نعلم الكيفية وتفاصيلها، أما أن لها كيفية في الواقع لابد وأن يكون لها كيفية.
طيب ثم ماذا قال الطحاوي بعد ذلك؟ إيش قال عندكم؟ اقرؤوا: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ، وفهمنا هذه الآية وعلقنا عليها. ثم ماذا قال بعد ذلك؟ وتفسيره على ما أراد الله وعلمه. أه هاي العبارة مشكلة شوي، صح ولا لا؟ إيش يعني كلام الطحاوي وتفسيره على ما أراد الله وعلمه؟ أنت بتقول لنا والرؤية حق لأهل الجنة قبل شوي وبتقولي لنا بلا إحاطة ولا كيفية، مش هيك حكى؟ بعدين بيجي بقول لك وتفسيره على ما أراده الله وعلمه، هاي العبارة مشكلة أيضاً، لأنها قد يتوهم منها أنه ماذا يفعل؟ يفوض معنى الرؤية، معنى الرؤية أصلاً، يسلك طريقة المفوضة الذين يثبتون الألفاظ ويفوضون المعاني، وهذه مشكلة لأنه أنت قبل شوي بتقول لنا والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة.
تظاهر عباراتك المتقدمة أنك تثبت رؤية حقيقية لله لكن ليس فيها إحاطة بذات الله، وهذا معنى صحيح، ثم تأتي هنا وتقول: وتفسيره، أي تفسير الرؤيا، على ما أراده الله وعلمه. فنقول هذه العبارة إذاً مجملة من الإمام الطحاوي، إذ تحتمل مذهب المفوضة الذين يثبتون مجرد الألفاظ ويفوضون معاني النصوص ويقولون: الله أعلم بما أراد بها، مش هيك بحكوا المفوضة؟ الله أعلم بما أراد، لها معنى، لكن الله أعلم به.
لكنه لما أورد هذه العبارة وتفسيره على ما أراده الله وعلمه عقب إثباته للرؤية حقيقة ووصفه لها بأنها بغير إحاطة ولا كيفية، في الحقيقة هذه قرينة، نقول قرينة تدل على أنه لا يقصد تفويض أصل معنى الرؤية، لا يقصد الطحاوي تفويض أصل معنى الرؤية، بل يقصد تفويض الحقيقة في الخارج والكيفية الخارجية لها، وهذا تفويض لتمام المعنى وليس تفويضا لأصله ولا حرج في هذا الشكل من التفويض.
فنحن أهل السنة نثبت الرؤيا لكن تفاصيل هذه الرؤية والشكل الذي ستكون فيه في الخارج كتفاصيل نفوضها إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا الذي يظهر لي أنه قصده، ليس القول وتفسيره على ما أراده الله يعني حقيقتها في الخارج من حيث التفاصيل ما عندنا دراية بذلك، فنتركها لعلم الله سبحانه وتعالى ولمراده، فإن السلف دائما ما يقولون في نصوص الصفات أننا نثبت معناها بلا كيف، بل بعضهم يقول: نثبت معناها ولا نفسرها.
يعني البعض يقول: نصوص الصفات نقرأها من شيخ يقول اقرؤوها ولا تفسروها، مع كلام السلف ماذا يغزو بالتفسير؟ يعني ترك الخوض في حقائقها في الخارج، أن نترك الخوض في حقائقها وطبيعتها وتفاصيلها في الخارج، فإنكم تثبتون أصل المعنى لكن لا تدخل في التكييف ولا في التشبه بعد إثبات لأصل المعنى وتكل علم ذلك إلى عالمه، فنقول هذا هو المعنى، والله في النهاية نقول والله أعلم هو الذي أراده الطحاوي.
إن قصد الطحاوي المعنى الباطل وهو تفويض أصل الرؤية فهذا لا نوافقه عليه، حتى ولو كان طحاوي. لكن إن لماذا أدافع عن الطحاوي؟ لأنه أشعر أنه هناك في شيء من التناقض في الكلام، إذا كنت تقول والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، ففي أنت يعني تثبت رؤية حقيقية بغير إحاطة، ثم تأتي بعد ذلك وتقول وتفسيرها على ما أراده الله، إذاً لا يمكن أن يكون مفوضاً لأصل معنى الرؤية، واضح أنه يتكلم عن تفويض جزئياتها وتفاصيلها الخارجية، ونحن نتفق معه على تفويض جزئياتها وتفاصيلها الخارجية، واما أصل المعنى فلا، وتفويضه وهذا مسلك أهل البدع أه.
ونكمل الإشكالية ستبقى مستمرة، إيش قال بعد ذلك؟ وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، برضه هذه عبارات بحبها المفوضة ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بأرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، فانه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه، ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام.
هذه العبارات أيضاً فيها رائحة التفويض، أليس كذلك؟ تنشرون أنه فيها أقوال مشابهة للأقوال التي يعتمدها المفوضة، فيقول لك ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك كمتأولين بأرائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ولرسوله ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه. هذه العبارات بشكل عام باختصار عبارات يستعملها المفوضة بكثرة، لكن أيضاً مثل هذه العبارات مثلها وارد عن السلف الذين يثبتون أصول معاني الصفات. ونقول استشكلت هذه الفقرة أيضاً من كلام الإمام الطحاوي، وعدها كثير من شراح الطحاوية عدوها من الألفاظ المجملة في عقيدته.
احنا قلنا الألفاظ المجملة عند الطحاوي كثيرة يعني رح تمر معنا وتملوا منها، استعمل الإجمال كثيراً في عقيدتي، إذ يحتمل حملها على طريقة المفوضة بالإيمان بالألفاظ وترك المعاني إلى الله، يحتمل ذلك وهذا مخالف لطريقة السلف بالتأكيد، لأن السلف يثبتون المعاني للألفاظ ولا يقولون هذه الألفاظ نصوص الصفات والله نؤمن بها كألفاظ لكن لا نعرف معانيها، هذه ليست طريقة السلف أن يقولوا كما قال مالك بن انس الاستواء معلوم، معناه معلوم، لكن الكيف هو غير معقول، يعني حقائقها في الخارج هي التي لا نعرف كيف ستكون.
طيب، ويحتمل أنه قصد بها أي الطحاوي ما يقصده السلف عادة بمثل هذه العبارات. هون بدي اياكم تركزوا أن السنة بستخدموا مثل هذه العبارات ترى اللي بستخدمها الطحاوي الآن، وهذه العبارات التي وردت بعض السلف استعمل بعض العبارات المجملة مثل عبارات الطحاوي هي دائماً التي يتكئ عليها المفوض اليوم في إثبات أن مذهب السلف مذهب بالتفويض.
أنا يهمني جداً أن تفهم هذه العبارات عندما تورد عليك كيف تفهمها بالشكل الصحيح وتفهم أنها لا تشكل على أصلك يا أيها السني في إثبات معاني الصفات. كيف تفهم عبارات السلف لما يقولوا: ونكروا علم ما اشتبه علينا إلى عالمه، كيف نفهم هذه العبارة؟ ومعنى هذه النصوص على ما أراده الرسول صلى الله عليه وسلم، أو نصوص الصفات لا نفسرها، أو كما قال أحمد في بعض نصوصه لا كيف ولا معنى. عبارات قد يفهم منها، قد يفهم منها أن مذهب السلف التفويض.
طيب، فنقول يحتمل أنه قصد بهذه العبارات ما يقصده السلف عادة بمثل هذه العبارات، من أن نصوص الصفات نؤمن بها ونسلم أن لها معاني أرادها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه المعاني معلومة لدينا، لكننا لا ندخل في هذه النصوص لنتأولها بالتأويلات الباطلة، لأنه إيش قال؟ لا ندخل في ذلك متأولين بأرائنا، بشكال الطحاوي، ولا متوهمين بأهوائنا. فهذا المعنى الذي يريده السلف في مثل هذه العبارات، ماذا يريدون أن يقولوا؟ أن نصوص الصفات نؤمن بها ونسلم لمعانيها التي أرادها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه المعاني أصولها معلومة لدينا، ولا ندخل في هذه النصوص لنتأولها بالتأويلات الباطلة، ولا نجعلها محط آرائنا ورغباتنا وأهوائنا، كل واحد يفسر النص على كيفه، بل لها معانيها التي أرادها المتكلم منها، المتكلم بهذه النصوص له معاني أراد أن يوصلها لنا، وموقفنا أننا نثبت هذه المعاني ونترك التعرض لها بالتحريف وما تتوهمه الأهواء، فإنه لا يثبت دين الإسلام أه يعني أنا بفسر كلام الطحاوي الآن فإنه لا يثبت دين الإسلام متى اعتاد الشخص أن يعارض النصوص بهواه ويحرفها برأيه ويصرفها عن ظاهرها طبعا لمذهبه وطريقته، ولعل هذا الفهم هو الذي أراده الطحاوي رحمة الله تعالى عليه، وهو الذي يتناسب مع سياق الكلام وما سيأتي من كلام الإمام الطحاوي في نصوص الصفات.
الإمام الطحاوي ألم يثبت الكلام لله حقيقة ولم يفوض معنا؟ أتمرين معنا في الكلام الإلهي، إيش قالوا التحالف الكلام الإلهي؟ ونؤمن أن القرآن كلام الله لا بما إيش عبارته بالضبط عندك في العقيدة؟ أنه كلام الله بلا كيفية، منه بدأ، منه بدأ بلا كيفية قولا. إذاً هو ما فوض الكلام، أثبت كلاما حقيقيا لله، كلاما حقيقيا لله قولي، هل فوض الكلام؟ لا.
فيأتي معنا أيضاً كلام الطحاوي يثبت صفة العلو لله سبحانه وتعالى، أحاط بكل شيء وفوقه، سيقول ويؤكد الرؤية في هذه النصوص. وأصل هذا جاء في سياق كلامه عن الرؤيا والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية. وسيأتي معنا قول الطحاوي والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى. شو بتفهم من هذا؟ أنه يثبت الغضب والرضا لله حقيقة الإمام الطحاوي في العديد من النصوص أثبت الصفات، أثبتت صفات حقيقية لله، فلا يمكن أن يكون مفوضاً.
لا يمكن مع إثبات صفة الكلام، وصفة العلو، وصفة الرؤية، وصفة الغضب والرضا، لا يمكن بعد ذلك أن يكون يقصد بهذه الكلمات التي أتى بها المؤلف هنا أنه يريد أننا نففوض أصول المعاني.
لا لا، يقصد بهذا والله تعالى أعلم تفويض أصول المعاني، وإنما يقصد الكيفيات والحقائق في الخارج، فهذه نعم أمور نفوضها إلى الله سبحانه وتعالى. فهو أثبت صفة الكلام حقيقة على طريقة السلف، وأثبت الرؤيا لله، وأثبت علو الله كما سيأتي، وأثبت صفة الغضب والرضا كما سيأتي، ولم يستشكل كل هذه الصفات. فاستعماله لهذا النوع من العبارات إنما هو رد على الفرق التي جعلت النصوص محطة تلاعب بالآراء والأهواء، واقترحت لها التأويلات الباطلة والأفهام الفاسدة من الجهمية والباطنية والمعتزلة، وتبعهم على ذلك الأشعرية والماتريدية. فهو يرد على كل إنسان يتلاعب بالنصوص ويحاول أن يحرفها عن معانيها الظاهرة، فهو يقول لك هذه النصوص نؤمن بها، نفهم أصول معانيها، وما بعد ذلك نكله إلى الله سبحانه وتعالى، لا نلعب بها بأهوائنا ولا نفسرها بملذاتنا وما تريده أهواءنا وآرانا.
نعم، لا، كل هذه الأهواء والآراء والتخرصات نبعدها ونثنيها عن نصوص الكتاب والسنة. نؤمن بالمعاني الأصلية والحقائق التي في الخارج، ندعها إلى الله سبحانه وتعالى. هذا هو الفهم الحقيقي والأسلم لكلام الإمام الطحاوي رحمة الله تعالى عليه في هذه الفقرة. ثم ماذا قال الطحاوي؟ قال: فمن رام علما ما حظر عنه علمه ولم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصافي المعرفة وصحيح الإيمان.
احنا إيش قال؟ هذا كلام ترى مهم جداً، يقول: فمن رام علما ما حظر عنه علمه. نحن كيفية الصفات محظورة علينا، أليس كذلك؟ كيفية الصفات وحقائقها في الخارج شيء أن حجب عنا علمه. ومن رام علم ما حظر عنه علمه ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه أي مقصده في الدخول في تأويل هذه النصوص، حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصافي المعرفة وصحيح الإيمان، يتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسا تائها شاكا لا مؤمنا مصدقا ولا جاحدا مكذبا.
وهذا الحال الذي وصفه الطحاوي حال أكثر الفرق الكلامية ومن انتسب إليها في الحقيقة، تتذبذب بين الكفر والإيمان والتصديق والتكذيب، موسوسا تائها شاكا لا مؤمنا مصدقا، لا هو قادر يصدق بها ويقنع بها، ولا أيضاً يستطيع أن يجحده ويكذب بها؛ لأنه يدرك أنه يكفر بذلك. فهذه للأسف هذه الفرق الكلامية التي عبثت بنصوص الكتاب والسنة وتأولتها وحرفتها ونقلتها إلى معاني لا يمكن ويستحيل أن يكون الله سبحانه وتعالى قصدها بها.
فكل من تلاعب بنصوص الصفات فهذا يقول استوى على العرش معنى استولى، وهذا يتأول نصوص العلو على معاني محرفة باطلة، وهذا أول نصوص الرحمة والغضب والرضا على معاني باطلة، وكلهم يلعب بهذه النصوص. وهذا يحرف كلام النبي صلى الله عليه وسلم ويتأوله على هوى.
كل هؤلاء عندما تأتي إلى الحقيقة تجدهم موسوسين تائهين شاكين حائرين، لم يثبت لهم إسلام حقيقي على هذه النصوص ولا استسلام لها. وابن أبي العز عندكم في الشرح في الحقيقة أتى باستقراءات لكثير من رؤوس أهل الكلام، الذين تذبذبوا واحتاروا عندما تعاملوا مع نصوص الكتاب والسنة بمنهجية التأويل الفاسد والتلاعب الباطل.
وطبعا بعد أن أُنهي كلام الطحاوي بهذه المحاضرة والتي تليها سنفرض كلاما طويلا عن مسألة التأويل: مفهوم التأويل وحقيقته وأنواع التأويل الباطل، وما الذي جناه هذا التأويل على حصول الإسلام عبر القرون؟ سنتكلم بهذه المنهجية أن مسألة التأويل مفصل خطير في مسائل الاعتقاد يجب أن يقف عليه الطالب ويفهم ما سبب دخول الفساد على كثير من المتكلمين من جهة التأويل.
لكنني الآن سأقرأ كلام الإمام ابن أبي العز الحنفي وهو يعلق على هذا النص: ومن رام علما وحظر عنه علمه ولم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصرف المعرفة وصحيح الإيمان فيتذبذب بين الكفر والإيمان والتصديق والتكذيب والإقرار والإنكار موسوسا تائها شاكا لا مؤمنا مصدقا ولا جاحدا وكذبا. إيش يقول ابن أبي العز الحنفي وهو يبين حال الأشياخ؟ طبعا كلامه بعد قوله آه لا مؤمنا مصدقا ولا جاحدا مكذبا، من هنا سأبدأ أقرأ كلام ابن أبي العز الحنفي؛ لأنه استقراء جيد لحال رؤوس المتكلمين.
يقول: وهذه الحالة التي وصفها الشيخ الطحاوي رحمه الله تعالى حال كل من عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام المذموم، إلى علم الكلام المذموم، أو أراد أن يجمع بينه وبين الكتاب والسنة، أو أراد أن يجمع بين علم الكلام وبين الكتاب والسنة، وعند التعارض يتأول النص ويرده إلى الرأي والآراء المختلفة فيؤول أمره إلى الحيرة والضلال والشك. والآن سنبدأ نسرد.
قال كما قال ابن رشد الحفيد، وهو من أعلم الناس بمذاهب الفلاسفة وبمقالاتهم، يقول في كتابه تهافت التهافت: ومن الذي قال في الإالهيات شيئا يعتد به هكذا يقول ابن رشد يقول لك بعد ما استقرأ ويقول لك في اعطيني مين اللي قال في علوم الإلهيات شيء يعتد به ونبني عليه دينا؟ كله بحرف، وكله بلعب، وكل واحد يتكلم بهواه. وكذلك الآمدي أفضل أهل زمانه واقف في المسائل الكبار حائر، اقرؤوا كتب الآمدي أبكار الأفكار وغاية المرام وغيرها من كتب الآمدة، دائما الآمدة يفند الشبهات ثم إيش يقول؟ ويقول: وهذه المسألة لعلكم تجدون حلها عند غيري. وأمشي يورد أدلة ويورد معارضة الأدلة ويحاول أن يحل المعارضات، ويحاول أن يأتي بالأدلة، ثم بعد ذلك مع كثرة الاعتراضات والمعارضات التي تأتي على أدلته يقف حائرا ويقول: وهذا إشكال لعلك تجد حله عند من عند غيري. أكثر المسائل الكبار الآمرية واقف فيها وحائر فيها ولا يعني بعض أن له مصنفات عظيمة في علم الكلام، لكنه لم يصل في كثير منها إلى رأي يقتنع به.
وكذلك الغزالي رحمه الله انتهى آخر وعرفت كتاب منقذ من الضلال انتهى آخر أمره إلى الوقف والحيرة في المسائل الكلامية، ثم أعرض عن تلك الطرق وأقبل على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فقيل إنه مات والبخاري على صدره، قيل.
وكذلك الرازي قال في كتبك قال في كتابه الذي صنفه في أقسام اللذات الشعر المشهور له: نهاية أقدام العقول عقاله وغاية سعي العالمين ضلال، وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال، ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا. يقول الرازي بعد ذلك، هذا كلام الرازي: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي غليلا أو فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن: اقرأ في الإثبات أو اقرأ في الإثبات الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ استَوَىٰ، إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، واقرأ في النفي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، أو وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ، أو وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا. ثم قال الرازي وختم: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. كلهم تكلموا عن هذه الحيرة التي وصلوا إليها.
كذلك الشهرستاني صاحب نهاية الأقدام والملل والنحل يخبر أنه لم يجد عند الفلاسفة ولا عند المتكلمين إلا الحيرة والندم، حيث قال: لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم الم أرى إلا واضعا كف حائر على ذقن أو قارعا سن نادم، أو وجد إنسانا مطمئنا لعقيدته مع رب العالمين.
وكذلك أبو المعالي الجويني يقول لما أصحابنا في نهاية عمره يقول: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ لما اشتغلت به. يندم. وقال عند موته: لقد خضت البحر الخضم أي بحر الفلسفة وعلم الكلام وهذه الأمور، وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته الويل لابن الجويني. وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي أو أو قال على عقيدة عجائز نيسابور، إني أريد أن أموت على فطرة الإسلام ولا بَدِّي كل الكتب اللي المؤلفة صاحب النظامية وصاحب الإرشاد.
هذا هو الجويني، عملاق من عمالقة الكلام، انظر ماذا يريد أن يختم حياته بعد الشك والحيرة، عدم منهجية التسليم للنص وتعظيم النص وتقديم العقول والآراء، ومن أذكياء الدنيا بلا نقاش الجويني صاحب نهاية المطلب في الفقه الشافعي من أذكياء الدنيا، لكن مو مشكلته كنت كمقال ابن عقيل، شو قلنا ابن عقيل في بداية الدورة؟ هؤلاء أذكياء الدنيا، قال لك معقول أنا مثلي مثل عوام المسلمين أُعتقد؟ لا، أنا بدي أطير في الفلسفة وعلم الكلام وأفلسف معرفة رب العالمين وأضع فيها قواعد فلسفية، فجاء في آخر عمره ليعض أو ليعض أصابع الندم وليقول: ليتني أموت على عقائد عجائز نيسابور.
وكذلك شمس الدين الخسروشاهي وهو من أجل تلامذة الفخر الرازي يقول لبعض الفضلاء، هذا شمس الدين يقول لبعض الفضلاء وقد دخل عليه، يقول شمس الدين له: ما تعتقد؟ إيش عقيدتك؟ فيقول له هذا الداخل: والله بأعتقد ما يعتقده المسلمون، يعني على ما عليه الناس. فقال له: وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به؟ يعني أنت بتعتقد هذا وأنت مبسوط ومرتاح وهادئ؟ فقال: نعم. فقال له شمس الدين: اشكر الله على هذه النعمة، يعني احمدوا الله على هاي النعمة اللي أنت فيها، لكني والله ما أدري ما أعتقد. أنا والله ما أنا داري إيش أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد والله ما أدري ما أعتقد، وبكى حتى أخبر لحيته حتى ابتلت لحيته من البكاء. وهذا من كبار تلاميذ الفخر الرازي.
آه الخونجي يقول عند موته أيضا: ما عرفت مما حصلته شيئا، يعني كل اللي جمعته في حياتي ما حصلت شيئا سوى أن الممكن مفتقر إلى والمرجح، ثم قال: والافتقار وصف سلبي، أموت وما عرفت شيئا أموت وما عرفت شيئا. آخر يقول: اضطجع على فراشي وأضع الملحفة على وجهي وأقابل بين حجج هؤلاء وحجج هؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجح عندي منها شيء.
هذه أحبابي مأساة، هذه مأساة أن تبقى طوال عمرك متذبذبا بين الفرق: يوم مع الأشاعرة، يوم مع أهل الحديث، يوم يأتي فلان من أستاذ جامعي يضحك عليك يقودك إلى رأي الماتريدية، يوم يأتي يأتي بأفكار حداثية، وتبقى متذبذبا بين القوم. شف النقاء والصفاء في حياة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، شوف كيف علم النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة العقيدة بكل هدوء واتزان ووضوح، ما أوضعهم في حيرة، ما جعلهم في اضطراب، أعطاهم الأحاديث الواضحة التي تخبرهم عن الله سبحانه وتعالى وما يحتاجونه، ومضى الصحابة للعمل وفتحوا بلدان الإسلام والمسلمين، وبلغ الإسلام إلى أقاصي الهند وإلى شمال آآ القارة آآ الكرة الأرضية، ووصل الإسلام إلى الأندلس ووقف على أبواب باريس بالصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم الذين تعرفوا العقيدة بوضوح وبسهولة.
إخواني، العقيدة الإسلامية سهلة سهلة جدا، لكن الإسلاميون المتكلمون هم من عقدها. يعني البعض يقرأ كتب بعض كتب أهل الكلام والله كأنك تقرأ كتب فيزياء وكيمياء، لا تكْتَفِ، هل يعقل أنه هذا دين رب العالمين الذي نزل على أهل الأرض كلها مسائل صعبة معقدة لا تكاد تعرف أولها من آخرها، والمنكر والحادث والافتقار والعلة والقدم والأكوان الأربعة والجوهر؟ وتشعر كأنك في دوامة طويلة عريضة لم يتحدث بها النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتحدث بها الصحابة، ولم يتحدث بها التابعون، ولا أئمة الحديث ولا علماء السلف. طب لماذا نحن ندخل أنفسنا إلى كل هذه المتاهة ونضيع دين رب العالمين بين هذه الكتب؟ ليأتي في آخر زمانه أساطين العلم الكلام الجويني والرازي والغزالي والآمدي وكلهم ليقفوا حائرين بعد كل ما بثوه في هذه الأمة من تشوهات فكرية. هذه حقيقة مؤسفة عليك يا طالب العلم أن تسأل الله سبحانه وتعالى السلامة منها، وألا يحلفك عن جادة أهل الحديث في وضوح العقيدة وصفائها ونقائها؛ لئلا تقع في الذبذبة والحيرة والشك الذي قال عنه الطحاوي رحمة الله تعالى عليه.
طيب بسم الله ثم يقول الطحاوي، سنكمل كلام الطحاوي: قال الطحاوي: ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم. هكذا يقول: ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام. ما زالت كل هذا كلام عمسألة الرؤية، لأن هو مسألة الرؤية هي نموذج من نماذج المسائل التي تعرضت للتشويه والتحريف والتأويل على أيدي الفرق الكلامية. فكأن الطحاوي جاءته يعني عبرة، أراد أن يبكي على حال الأمة الإسلامية وأعطاك هذا الكلام كله في ثنايا حديثه عن مسألة الرؤيا.
ومسألة الرؤيا نموذج من نماذج المسائل العقدية الكبرى التي تعرضت للتشويه وللتلاعب ولتحريف النصوص على أيدي فرق الكلامية. فعاد لتكلم عن الرؤية فقال: ولا يصح الإيمان من رؤية لأهل دار السلام أي لأهل الجنة. لا يصح أن تكون مؤمنا بها لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم. إيش يعني هذا الكلام؟ يريد أن يقول: لا يكون مؤمنا برؤية أهل الجنة لربهم من خاض في هذه الرؤية بوهمه فدخل في تكييفها وتشبيها. أي إنسان يخوض في هذه الرؤية ويبدأ يتكلم عن تكييفها وتشبيها فهذا إنسان مذموم، لا يكون إيمانه هو الإيمان الصحيح، أو حرفها عن ظاهر النصوص وتأولها بعقله وبهواه بعيدا عما ورد في نصوص الكتاب والسنة.
لذلك قال: أو تأولها بفهم، يعني قال يفسرها بشكل آخر ليس هو الذي تدل عليه ظواهر النصوص، قال أو حرفها عن ظاهر النصوص وتأولها بعقله وهواه بعيدا عما ورد في نصوص الكتاب والسنة كما ذكرنا عن الأشاعرة. فالأشاعرة تقول لك نحن نؤمن بالرؤية لله في الدار الآخرة، لكن ماذا فعلتم بها؟ شوهتموها، فانتم لم تجعلوها رؤية حقيقية، بل حرفتموها بأهوائكم. فهذا الذي يريد الطحاوي أن يقوله: ولا يصح الإيمان بالرؤية لمن اعتبرها بوهم أو تأولها بفهم، كما هو حال الأشعرية الذين حرفوا وتأولوا رؤية الله بأنها مجرد انكشاف من الانكشافات أو قوة يخلقها الله عز وجل في الإنسان يدرك بها شيئا من.
ذات الإلهية، هذا تحريف؛ لأن الله عز وجل إنما خاطبنا بقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ، قال: إنها تنظر إلى الله، والنظر الذي يعقله العرب من كلامهم هو نظر العين، وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: إنكم ترون ربكم كما ترون القمر. هذا الذي عندنا، كل ما أتى به الأشعرية والماتريدية وعموم الفرق المتأولة هو تشويه للرؤية.
فإن زعموا وإن زعموا هم يؤمنون بالرؤية، كأن الطحاوي يريد أن يرد على هذا المنهج، يعني من يقول إنه يؤمن بالرؤية؛ لأن المعتزلة عرفت أنهم ينفون الرؤيا وخلص، لكن يريد أن يقول الطحاوي: هناك فرق تزعم أنها تؤمن بالرؤية لكنها تتأولها بتأويلات باطلة، وتفهمها بتفهيمات وتفهمها بتفهمات مشوهة، هؤلاء وإن زعموا أنهم يؤمنون بالرؤيا لكن لا يصح إيمانهم بالرؤية حقاً، لا يصح إيمانهم بالرؤية حقاً. فهذا رد منه على من تأول الرؤية على معنى فاسد باطل.
وكما رد على المعتزلة في البداية فقال: نؤمن بالرؤية لأهل ونؤمن بالرؤية لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، هنا جاء ليقول: إن الإيمان برؤية يجب أن يكون إيماناً صحيحاً وليس إيماناً مشوهاً يقوم على التحريف والتأويل لنصوص الكتاب والسنة.
ثم قال: إذ كان تأويل الرؤية -شوفوا هاي العبارة شوي برضه عبارة ثقيلة شوي، في بعض العبارات شوية منها ثقيلة تحتاج لفهم- قال: إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية، عموم المعاني التي تضاف إلى ربوبية الله ليس فقط الرؤية، إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية، كيف؟ هل ترك التأويل بدك تأويل الرؤيا أترك التأويل؟ شو يعني هذا الكلام؟
قال: تأويل الرؤية يكون بترك التأويل، عبارة غريبة، تأويل الرؤية يكون بترك التأويل ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين. ايش يعني يا شيخ عمر إنه تأويل الرؤية الحقيقي الذي يرضي الله هو ترك التأويل؟ ايش يعني ما معنى أن أقول تأويل الرؤية بترك التأويل استمرارها على ظاهرها؟ جيد، يعني يمكن أن نقول إنه كلام الطحاوي بقول السلف في نصوص الصفات قراتها تفسيرها، هذي عبارة مشهورة عن السلف في نصوص الصفات يقولون: قراءتها تفسيرها، يعني لا تدخل في تقعد تعطي تفاسير وتأويل لنصوص الصفات، قرأها مجرد قراءتها بتكون واضحة، قراءتها هي تفسيرها من دون الحاجة إلى الدخول في تشقيق العبارات ولا إتيان بمصطلحات وعبارات قد لا تؤدي فعلاً المعنى الذي أراده الله.
فالسلف -بدي أعطيكم عنهم منهجية- السلف منهجيتهم مع نصوص الصفات أنهم كانوا يتخوفون من الدخول في تفسيرها، ليه؟ لأنهم كانوا يخشون أن يعبروا عن نصوص الصفات بألفاظ لا تليق بذات الله سبحانه وتعالى.
فهل قولهم قراءتها تفسيرها يقصدون أننا لا نعرف معانيها؟ لا، آه، بدكم تنتبهوا هاي العبارات؛ لأن البعض يحاول أن يدلس من خلالها، نقول: السلف كان عندهم تخوف من تفسير نصوص الصفات، وهذا واضح في كلام الإمام مالك لما قال: الاستواء معلوم، وسأله عن الاستواء، قاف يقعد يشرح، قال: يا عمي الاستواء معلوم، لا تدخلني في هذه البوتقة، لا تحرجني وتجعلني أتكلم بعبارات لم يتكلم بها من سبق.
فالسلف كان عندهم تخوف واحتياط وورع من تفسير نصوص الصفات أن يعطوا لكل صفة تعريف لها، ليه؟ حتى لا يتكلموا في حق الله بألفاظ لا تليق بجلاله. فعندما كانوا يقولون نصوص الصفات قراءتها تفسيرها ماذا يعنون بذلك؟ إنه هي واضحة في ذاتها، لا تحتاج إلى تفسير أكثر من أنك تقرأها، يعني استوى على العرش، هل تحتاج أن تفهم حتى تفهم معناها أكثر من قراءتها؟ خلاص اقرأ النص ومعانيه تتكلم عن ذاته، أكثر من هيك لا تحتاج، والدخول في التفسير وتقديم العبارات وما شابه ذلك يخشى أن يقودك لعبارة لا تليق بذات الله.
الآن في الحقيقة بعض السلف كان أحياناً أحياناً وبقلة يفسر بعض نصوص الصفات فقط في سياق الرد على المخالف، كما ورد في تفسير صفة الاستواء على العرش بأنه علو على العرش، هذا تفسير اسمه صح، لكن الذين دخلوا في هذا التفسير إنما هو كان في سياق ايش؟ في جدال ومناقشة مع أناس ينفون معنى الاستواء على العرش، فيكون هذا الإمام من أئمة السلف يريد تثبيت هذا المعنى: لا، لا تحرفه وتقول إنه استوى استولى، لأ، الاستواء هو معروف، هذا في أحوال قليلة يدخلون في تفسيرها، لكن منهجهم العام وطريقتهم العامة في التعامل مع نصوص الصفات أنك لا تدخل في التفسير، يعني لا تبدأ تقدم شروحات عن نصوص الصفات لله خوفاً من أن تعبر بمعنى لا يليق بجلاله.
فهنا يمكن أن أفهم كلام الطحاوي ضمن كلام السلف، أنه تأويل الرؤية بترك التأويل، يعني بدك تفهم الرؤية أقرأ النص ولا تدخل في تفسيرات وخلص، النص بوضح نفسه بنفسه، فاهمين ايش يريد أن يقول؟ تأويل الرؤية أنك تترك التأويل. طبعا التأويل هنا ساحمله على معنى التفسير، أنه التأويل له ثلاثة معاني سيأتي معنا إن شاء الله لما في في مقدمتنا نتكلم عن التأويل أنه له ثلاثة معاني: التأويل بمعنى التفسير، التأويل بمعنى حقيقة الشيء في الخارج، التأويل بمعنى صرف اللفظ عن معناه الراجح أو الظاهر إلى المعنى المرجوح.
هنا أنا ساحمل كلمة التأويل على أي معنى من هذه المعاني الثلاثة على التفسير، فأقول: يقصد الطحاوي والله أعلم يعني في النهاية أن نُظن إلا ظناً، احنا بنحاول نتساعد لفهم ما يريد الطحاوي أن يوصله من الأفكار، يقول الطحاوي: إذ كان تأويل الرؤية، شو يعني تأويل الرؤية؟ تفسير الرؤية، إذ كان تفسير الرؤية بترك التفسير -طبعا البعض بيقول لك هذا تناقض كيف تفسير الرؤية بترك التفسير؟ إذا حملنا كلمة التأويل على معنى التفسير ليكون هناك تناقض يا شيخ!- إذ كان تأويل الرؤية يعني تفسير الرؤية بترك تفسيرها.
فأقول: هذا كما كان السلف يقولون نصوص الصفات قراءتها تفسيرها، يعني تفسير الرؤيا أنك تقرأ النص أكثر من هيك لا تحتاج وأترك التفسير، يعني أدخل الشرح والعبارات وتشقيق الألفاظ حتى لا تأتي على هذه الصفة وعلى هذه الحقيقة بمعنی أو بلفظ ليس هو الذي يعبر عن حقيقتها، فكأنه يريد منك أنك سلم اللهم سلم سلم في نصوص الصفات، ايش اللهم سلم سلم؟ خلص النص واضح، أقرأه أكثر من هيكا سلم، لا تدخل في كيفيته، ليس لك علاقة بحقيقته في الخارج، لا تبدأ تخوض بعبارات وألفاظ أنت لا تدري هل تعبر عن حقيقة المعنى ولا لا، أتركك من هذا الموضوع، فهذا معنى قول الطحاوي: إذ كان تأويل الرؤية ترك التأويل ولزوم التسليم.
إذا نقول: اختلف شراح الطحاوية في المراد بالتأويل الأول والتأويل الثاني الذي أطلقه الإمام الطحاوي في هذه العبارة، التأويل الأول قوله: إذ كان تأويل الرؤية، والتأويل الثاني يقول: بترك التأويل، والأقرب والله أعلم أنه قصد بالتأويل الأول والثاني معنى التفسير، فيكون معنى عبارته أن تفسير الرؤيا وتفسير كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك تفسيره ولزوم التسليم، وهذه العبارة في الحقيقة مشابهة لعبارة السلف في قولهم عن آيات الصفات: قراءتها تفسيرها، بل إن بعضهم بعض السلف قال عن نصوص الصفات يعني قال: نؤمن بها ولا ولا نفسرها، هيك بعضهم قال: نؤمن بها وايش ولا نفسرها، وبعضهم قال: نؤمن بها لا كيف ولا معنى.
كل هذه العبارات احنا فاهمينها أهل الحديث، ما بتشكل علينا وما بتخوفك أنك أنت فاهم السياق العام اللي بتكلم فيه السلف، حتى لا يأتي مفوض يشكل عليكم في هذه النصوص، فنقول: بل إن بعضهم نفى التفسير ومقصودهم بذلك أن آيات الصفات يجب ألا يخاض فيها بعد إثبات أصل المعنى؛ لأننا نجهل كيفية انتهى وحقيقتها في الخارج لجهلنا بحقيقة الذات الإلهية، فكانوا يتورعون عن شرحها بالألفاظ المرادفة لها خشية أن يقع في عبارتهم شيء لا يليق بذات الله.
فمن تعظيمهم لله اقتصروا على فهم معانيها الكلية من دون الخوض فيها، كما قال مالك بن أنس: الاستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب، والسؤال عنه ايش فاهمين شوية نقول لك والسؤال عنه بدعة؟ مجرد طلبك لتفسيرها بدعة، شو معنى هاي الصفة الإلهية؟ اعتبر الإمام مالك مجرد السؤال عن تفسيرها بدعة؛ لأنه خلاص الأمور الواضحة جداً والخوض فيما بعد ذلك فتح لباب شر على هذه الأمة.
الطحاوي إذاً في هذه العبارة لا يخرج عن سنن السلف الصالح في الحقيقة وعن منهجيتهم في التعامل مع مسائل الصفات في أن الأصل ترك الخوض فيها ولزوم جادة التسليم للنصوص من دون تحريف لها عن معانيها.
في الحقيقة يعني كلام الطحاوي هنا من أكثر نصوص رداً على الأشعرية بل حتى الماتريدية والمعتزلة والفرق الكلامية؛ لأنه الطحاوي هنا يعيب على كل إنسان يتأول نصوص الصفات، الطحاوي واضح في عبارته في كل هذه الفقرة التي قرأناها، واضح أنه يعيب على أي منهجية تقوم على تأويل نصوص الصفات، فإذا جاءك شخص أشعري يقول لك: الطحاوي من جماعتنا، نقول له: يا عم الطحاوي سطر فقرات عديدة يذم فيها من يتأول نصوص الصفات، وأنتم أيها الأشاعرة والماتريدية أكثر من تأول نصوص الصفات وحرفها، بل صنفتم مصنفات في تأويل نصوص الصفات كما فعل ابن فورق وغيره، ألفوا كتاب التأويلات لنصوص الصفات، وكما فعل الرازي في تأسيس التقديس لما بدأ يؤول أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والآيات القرآنية التي في نصوص الصفات، فأوردوا فيها من التأويلات والتلاعبات والتحريفات ما الله سبحانه وتعالى به عليم.
الطحاوي يمنعك من كل هذا التلاعب ويأمرك أن تلزم جادة السلف بالتسليم للنصوص من دون تحريف لها عن معانيها، ثم يقول الطحاوي: ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه، ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه. ايش يعني هاي العبارة؟
ومن لم يتوق النفي يعني الذي لا يحترس من نفي نصوص الصفات وتعطيلها، وفي نفس الوقت لا يحترس من تشبيهها بصفات المخلوقين زل عن جادة أهل السنة والجماعة، فيقول لك: بدك تحترس من النفي، فما بصير تنفي نصوص الصفات لأنك والله يعني عندك مشاكل معها، وما بصير في نفس الوقت إذا أثبتها تشبهها بصفات المخلوقين، فبدك تكون في المنتصف على الجادة الوسط، ليس نفياً لنصوص الصفات وتعطيلاً لها، وليس في نفس الوقت ايش تشبيهاً لها بصفات المخلوقين، لذلك قال: ومن لم يتوق النفي أي نفي نصوص الصفات وتعطيلها ولم يتوق التشبيه وهي تشبيه صفات الله بصفات المخلوقين زل ولم يصب التنزيه، من لم يحترز من تعطيل الصفات بنفيها ويحترس في نفس الوقت من تشبيهها بصفات المخلوقين زل عن جادة أهل السنة والاستقامة ولم يصل إلى ما وصف ربه به نفسه فيما يستحقه من التنزيه.
طيب إذاً، قدم لنا الطحاوي في هذا المقطع منهج المتأولين لصفات رب العالمين، واعتبر هذا المنهج منحرفاً عن جادة أهل السنة والجماعة وعقيدة الأئمة الأوائل، فيحسن بنا أن نقف وقفة نجلي بها حقيقة التأويل، ومتى يكون مستساغاً مقبولاً، ومتى يكون منحرفاً مردوداً، ولعلي يعني قضيت ساعة وربع اليوم، فنجعل هذه الوقفة إن شاء الله في المحاضرة القادمة، نشرع في مفهوم التأويل: ما هو التأويل الصحيح؟ ما هو التأويل الباطل؟ ما هي جناية المتأولين على نصوص الكتاب والسنة؟
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل