تسجيل الدخول

شرح السنة النبوية 02 | شرح حديث: "الله أفرح بتوبة العبد من أحدكم..."

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

عن عبد الله، حدثنا إسحاق، قال: أخبرنا حبان، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وحدثنا هدبة، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا قتادة، عن أنس، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ.

الكلام على هذا الحديث من وجوه:

الوجه الأول: في الصنعة الحديثية والإسنادية. هذا الحديث ذكره البخاري، رحمه الله، من طريقين: طريق كوفي وطريق بصري. والطريق الكوفي فيه أحد الستة الذين تدور عليهم أسانيد الحديث وهو الكوفي أيضاً من الأعمش، والثاني فيه أحد الستة الذين تدور عليهم أسانيد الحديث وهو البصري قتادة. والأول فيه الصحابي الكوفي عبد الله بن مسعود، والثاني فيه الصحابي البصري أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه.

أما تنظر في الإسناد الأول ستجد أن عبد الله والحارث والأعمش وأظن عمارة كذلك، وحتى الأسماء التي بعد من الأسماء التي ذكرت في المتابعة، بعدين لما ذكر البخاري قال لك: وجرير عن الأعمش، جرير هذا كوفي، وأبو أسامة أيضاً كوفي وإبراهيم التيمي إلى آخره، فهذا إسناد كوفي.

وهذا يعني لا كثيراً عند من لا يعرف الأسانيد وتوزع المدارس الحديثية، بينما يهم المحقق في العلوم الحديثية والنقل أن يعرف مدارس الحديث واتجاهات الأسانيد. الثاني تجده بعكس ذلك بصري؛ فتجد أنس وقَتَادَة وهَمَّام وهَدَبَة إلى آخره، تجد أن أكثر الإسناد أو جميع الإسناد من البصرة، وهذه المدارس الحديثية كما قلت لها فوائد كثيرة ربما سبق الحديث عنها في غيث الساري، فلكن فقط اردت أن أنبه الآن على اختلاف الحديثين والمعنى واحد: حديث ابن مسعود وحديث انس معناهما في فرح الله بتوبه العبد واحد، أليس كذلك؟ فهذا مخرج وذاك مخرج آخر، هذا طريق وذاك طريق آخر تماماً. وهذا الاختلاف بين الطرق أو عض طريق بطريق آخر هو مما يعزز من قيمة الحديث وثبوته.

الوجه الثاني: من الكلام على الحديثين من ناحية البيان الألفاظ والمعاني. أيضاً الحديث هذا ألفاظه واضحة ومعانيه واضحة، لكن ربما سقط على بعيره أي وجد البعير يعني سقط عليه فجأة وجده.

ثم ننتقل إلى الوجه الأساسي الثالث وهو الأساسي والمقصود من مادة غيث الساري، وهو الفوائد التربوية والمنهجية والتزكويه المستخرجة من الحديث. هذا الحديث من اعظم الاحاديث التي تظهر شرف التوبه ومنزله التوبه عند الله سبحانه وتعالى.

والإنسان الفقيه حقاً هو الذي يرزق الحرص على الأعمال التي يثبت عنده من خلال الوحي أنها الأحب والأقرب إليه. ومن أعظم النتائج التربوية في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم أنه ربى الصحابه على هذا المعنى؛ بحيث إن الصحابة كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم بناءً على ضوء الأفضلية والأحب، فيتكرر منهم سؤال: أي العمل أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أفضل؟ أو أي العمل أفضل؟ وما إلى ذلك.

هذا الحديث يبين منزله هذا العمل وقدر هذا العمل، وهو ليس الحديث الوحيد الذي يبين منزلة التوبة عند الله سبحانه وتعالى؛ فمن الاحاديث التي تدل على هذا المعنى حديث كعب بن مالك، وهو في البخاري ومسلم، وذلك أن كعب بن مالك لما تخلف عن غزوة تبوك هو ومن معه ونزل فيهم ما نزل من شأن المقاطعة ثم نزلت توبتهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما ثبت عنه-: ابْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يدل على قيمة التوبة ومنزلتها ومنزلة أن يتوب الله على العبد.

هذا الحديث من أعظم ما يمكن أن يبين قيمة التوبة عند الله ومنزلة التوبة عند الله سبحانه وتعالى. ولأجل ذلك أهم ثمرة نخرج بها من هذا الحديث أن نجعل للتوبة في قاموسنا التعبدي قيمة عظمى وأولوية كبرى.

وهذه التوبة معطوفه على المعنى الذي ذكرته في الدرس السابق؛ فقد ذكرت خمس موجبات للاستغفار في الدرس السابق، تذكرون هذه الموجبات ها أو ست موجبات للاستغفار؟ الاستغفار من الذنوب، الاستغفار من التقصير في الشكر، الاستغفار من الغفلة، والاستغفار وهكذا، مجموعة مثل ما قيل في موجبات الاستغفار تقال يقال هذا في موجبات ايش؟ التوبة.

فالتوبة ليس بالضرورة أن تكون توبة من ذنب محدد ارتكبه الإنسان، وإنما قد تتوب إلى الله من غفلتك، وهذه الغفلة ليس بالضرورة أن تكون غفلة معاصي وذنوب، وإنما قد تكون غفلة ابتعاد، غفلة ابتعاد يعني غفلة عن الذكر. طيب، إذا كانت كثرة الذكر من مقاصد التعبد الكبرى في الإسلام، فإن الغفلة عن كثرة الذكر هو تقصير يستوجب التوبة.

ولو قلت: هل كونك لم تذكر الله كثيراً هل هذا محرم في ذاته؟ هل هذا محرم يعني في يوم مثلاً مر عليك يوم لم تذكر لم تذكر الله كثيراً، مرت عليك أيام لم تذكري الله كثيراً، وإنما ذكرت لكن لم تذكره كثيراً، جيد. تستطيع أن تقول أن هذه الأيام الإنسان ارتكب حراماً ولكنه وقع في الغفلة؟ وقع في الغفلة.

مثل هذه الغفلة من موجبات التوبة ومن موجبات الاستغفار، ولذلك الذي لا يستغفر أو الذي لا يستغفر ولا يتوب إلا إذا وقع في ذنب محدد أو ذنب كبير، فهو قد أغلق بوابة من أعظم بوابات موجبات عبادة التوبة التي هي من أعظم وأحب الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى.

الفائدة الثانية: أن الإنسان المسلم في تعبده لله سبحانه وتعالى ينبغي عليه أن يستحضر صفات الله، أن يستحضر صفات الله سبحانه وتعالى. فالله سبحانه وتعالى وصف نفسه بصفات كثيرة في كتابه، وأنت أيها العبد محط نظر الله سبحانه وتعالى، وأفعالك لها علاقة بصفات الله سبحانه وتعالى من حيث مغفرته أو رحمته أو غضبه أو أو إلى آخره.

هذا الحديث يبين ارتباط صفات الله سبحانه وتعالى ببعض أفعال العباد؛ وأن الله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة عبده وهو الغني سبحانه وتعالى، كما أنه سبحانه يغضب من بعض تصرفات وأفعال العباد. فقال سبحانه وتعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ، آسَفُونَا: أغضبونا، فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ.

وأن يعمل الإنسان المسلم العبادات وهو يستحضر مراقبة الله سبحانه وتعالى ويستحضر صفات الله سبحانه وتعالى، فهذا أعلى بكثير من أن تعمل نفس العبادات وأنت لا تلاحظ إلا المعنى التعبدي نفسه، لا تلاحظ إلا المعنى التعبدي نفسه.

فهنا مقامات:

المقام الأول: أن يعمل الإنسان العبادة وهو لا يستحضر لا المقام التعبدي ولا مقام النظر الإلهي، فيتعبد لله سبحانه وتعالى إما على سبيل الإجزاء، يعني أنه يؤدي ما عليه وهذا أفضل شيء في هذا المقام، أو أقل منه أن يتعبد لله سبحانه وتعالى وهو يلاحظ معنى التعود أو خلاص لأنه متعود يعني حتى ما يلاحظ هذا المعنى. وأسوأ من ذلك هو أن يتعبد أن يقوم بالعمل التعبدي وهو ينوي به أو يريد به غير الله سبحانه وتعالى.

ها الآن ثلاثة اقسام ضمن المقام: المقام الأول وهو أدنى المقامات.

المقام الثاني: أن يتعبد الإنسان لله سبحانه وتعالى وهو يلاحظ معنى التعبد في ذاته، معنى التعبد معنى العبودية، يعني يلاحظ معنى الذل والانكسار والخشوع والخضوع، واضح؟ هذا المقام أشرف بكثير من المقام الأول.

والمقام الأعلى منه: الجمع بين الأمرين؛ أعني النظر إلى معنى التعبد في ذاته، والنجر النظر إلى صفات الله سبحانه وتعالى وإلى ما يتعلق به سبحانه وتعالى في اثناء التعبد، يعني وانت تلحظ معنى الذل والانكسار، تلحظ أيضاً معنى العظمة والجلال لله سبحانه وتعالى. فتنظر بالعينين: عين تلاحظ بها المعنى المتعلق بك، وعين تلاحظ بها المعنى المتعلق بالله سبحانه وتعالى.

وهكذا في بقية في بقية الأعمال التعبدية، ولذلك الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه. كل الخير، كل الخير العالي العظيم الذي يمكن أن يحصل للإنسان المسلم هو بملاحظة منزلة الإحسان، كل الخير. ولا خير ولا خير يمكن أن يحصل للإنسان المسلم بمثل ما يحصل له من منزلة الإحسان. منزلة الإحسان منزلة عظيمة وعجيبة، ومن يرزقها يرزق منزلة الإحسان فقد رزق الخير كله، رزق الخير كله. ومن حرم منزلة الإحسان حرم جنة الدنيا وحرم أحلى وأجمل وأسعد ما يمكن أن يعيش الإنسان لأجله في هذه الحياة هي منزلة الإحسان.

وهذا الذي قصدت أنا بالمعنى في قضية ملاحظة الله. لماذا ذكرت هذه الفائدة؟ لان هذا الحديث يذكر لنا شيئاً من أخبر عن الله سبحانه وتعالى في وقت تعبد معين من الإنسان، وهو فرح الله سبحانه وتعالى بتوبة عبده سبحانه وتعالى. هذا المعنى وما يتعلق به، خلينا نقول: لماذا يفرح الله بتوبه عبده وهو الغني؟ يمكن مراجعه الموضع الطويل المشهور للامام ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين، الذي تكلم عنه الشيخ عبد الله العجيري في محاضره السر الاعظم.

لذلك ننتقل إلى الفائدة التالية.

الفائدة الثالثة: هي في أن المؤمن للمؤمن له قيمة عند الله سبحانه وتعالى كبيرة، وأن الله في عليائه سبحانه وفي جلاله وفي عظمته وفي كبريائه سبحانه وتعالى يفرح بتوبة العبد المؤمن. وذلك لأن أفضل شيء في هذا الكون من حيث المخلوقات أو من حيث الأعمال هو الأمر المتعلق بالعبودية لله سبحانه وتعالى. فاذا تعلقت هذه العبودية بعبد ما، صار هذا العبد له شأن عند الله سبحانه وتعالى.

ولذلك يقول سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، إلى آخره. وكل ما تجده أو تقراه في كتاب الله وفي سنة نبي الله صلى الله عليه وسلم وفي السير من تأييد الله لأنبيائه ومعيته لهم، والطمأنينة التي ينزلها على قلوبهم، والسكينة والمعجزات والكرامات وما إلى ذلك، هذه كلها من هذا المعنى، كلها من هذا المعنى من قيمة المؤمن عند الله سبحانه وتعالى.

الفائدة الرابعة: هي في قول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وذلك أنه قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا.

الفائدة الرابعة هي أن مما ينبغي على المؤمن أن يستصغر ذنوبه، وأن لا يحتقرها، وأن لا يعود نفسه على أن يتعامل معها بأنها لا شيء. وفي نفس الوقت لا ينبغي عليه أن يدخل في دائرة اليأس والقنوط إذا وقع في الذنب.

وفرق كبير بين عدم اليأس عند الوقوع في الذنب وبين احتقار الذنب وعدم اعتباره شيئاً مخيفاً أو مقلقاً. فالإنسان المؤمن وهذه سنة الأنبياء وسنة الصالحين على مر العصور، أنهم يخافون من الله سبحانه وتعالى ويخافون عذابه، وأنتم تجدون في كتاب الله في خطاب الأنبياء قولهم: إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، وهذا متكرر في خطاب الأنبياء، تجدهم يقولون يعبرون عن أنفسهم أنهم يخافون عذاب الله.

وقال سبحانه وتعالى في المؤمنين أي في سورة المعارج ايش؟ إِلَّا الْمُصَلِّينَ... وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ. شوف، هذا في من؟ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، من هم؟ المسرفون الفاسدون أم المؤمنون؟ خطاب عن المؤمنين، عن المؤمنين، الخطاب عن المؤمنين الذين ذكرت صفاتهم العالية.

وكذلك في سورة المؤمنون: إن الذين ايش بس بدايتها ايش بداية الآيات؟ إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ. شوف، مشفقون.

وفي سورة الطور ايش؟ ايوه. إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ. لاحظتوا تكرار المعنى؟ في سورة المعارج ايش؟ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ. وفي سورة المؤمنون: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ. وفي سورة الطور: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ.

شوف: مشفقون، مشفقون، مشفقين. من هم؟ كلهم هؤلاء المؤمنون الذين في درجة عالية من الإيمان، ليسوا المؤمنون الذين في يعني خلينا نقول في أدنى درجات الإيمان الذين بالكاد لا، هؤلاء المؤمنون في الدرجات العالية: مشفقون، مشفقون، مشفقين، إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ.

لذلك وهنا ابن مسعود يقول لك: المؤمن يرى ذنوبه كأنها جبل فوقه يخشى أن تقع عليه. لذلك من أعظم علامات الخطر، ومن أعظم علامات الانحراف السلوكي، أن يرزق أن يكون الإنسان على حال لا يخشى فيها من ذنوبه. فاذا وجدت في قلبك حالة من البرود والتطبيع تجاه الذنوب وعدم خوفك منها، يجب عليك وجوباً وأن تسارع مسارعة مباشرة لتتدارك نفسك، تدارك نفسك.

فمن أهم علامات المؤمنين أنهم يخافون من ذنوبهم وأنهم يشفقون من عذاب الله سبحانه وتعالى. فإذا كان الإنسان يذنب ويستغفر ويتوب ويخاف، ويذنب ويستغفر ويتوب ويخاف، ويحاول ويصحح، فهذه علامة جيدة لا باس بها. إذا تجاوز هذا كله فهو أفضل.

الذي يخشى منه هو ايش؟ أن تحصل عنده حالة من عدم الإشفاق من الذنب وعدم الخوف من الذنب، والأسوأ من ذلك أن يصبح عنده احتقار وتهوين للذنب أصلاً، أنه يعني ليس بشيء أصلاً. والأسوأ من ذلك أن يكون المعروف عنده منكراً والمنكر معروفاً، وهذه أدنى الدرجات وأسوأ ما يمكن أن يصل إليه الإنسان من الانحطاط.

فالفائدة هنا هي أهمية المحافظة على الخوف من أثر الذنب.

الفائدة كم؟ نعم، الخامسة.

الفائدة الخامسة هي أن هذا الحديث كلام ابن مسعود وغيره من الآثار والأحاديث والآيات قبل ذلك، تدل على أن للذنوب عقوبات وآثاراً. تدل على أن للذنوب عقوبات وآثاراً، وهذا من الأمور العقدية التي يجب أن يؤمن بها الإنسان: أن للذنوب آثاراً وعقوبات، وهذه العقوبات والآثار على قسمين: قسم حسّي حسّي.

مصيبة معينة إلى آخره، وقسم معنوي إيماني وهو الأخطار، وهو أن يبتلي الله الإنسان في دينه وإيمانه نتيجة ذنوبه، هذا من أخطر ما يمكن أن يصاب به الإنسان ومثبت في كتاب الله سبحانه وتعالى، وأحيانا تكون صورة هذه العقوبة هي في القعود عن الواجبات وعن العمل للدين والإسلام ونصرته إلى آخره.

فقال الله سبحانه وتعالى: وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ، فثبطهم يعني الله سبحانه وتعالى لا يحب أصلا أن يخرجوا في ذاك المخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكره انبعاثهم، لو تتأمل في الآيات ستجد أن فيها ذنوبا مذكورة متعلقة بالمنافقين.

وكذلك ستجد أن في سوره التوبه نفسها قال الله سبحانه وتعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ۝ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ۝ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ، يستمر الكذب منهم يتكرر، لذلك هنا ابن مسعود يقول لك: المؤمن ينظر إلى ذنوبه كأنها جبل يمكن أن يقع عليه، هذا أثر الذنب، وهذا هو الذي ينبغي للإنسان، وهذا هو الذي يجعل ما ذكر في الفائدة السابقة متحققاً، وهو الإشفاق من الذنب.

أنت متى تشفق من الذنب؟ إذا آمنت أن له أثرا وقد يترتب عليه عقوبة، فأنت تشفق دائما تشفق، والذي يخيفك أكثر هو أن الله سبحانه وتعالى ذكر، ذكر في سورة المعارج، قال: وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ۝ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ، وهذه الجمله تخيف الانسان المؤمن: وَإِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ، لذلك كان هدي الصالحين دائما دائما هو الخوف من عذاب الله سبحانه وتعالى في كل أحوالهم أقصد على مر طالما هم أحياء.

نعم، قد تأتي أحوال يغلب فيها الرجاء يغلب فيها، وهذا لا يتعارض مع حسن الظن بالله ولا يتعارض مع محبة الله سبحانه وتعالى، لأن هذه أحوال للقلب، فتارة يغلب عليه الرجاء إذا جاء موجب غلبة الرجاء، وتارة يغلب عليه الخوف إذا جاء موجب غلبة الخوف، وهذا يفصل فيه العلماء وأهل السلوك ويذكرون هذا وهذا في مواطن معينة.

وأحيانا يطلقون القول في تعاور مثل هذه المعاني على قلب الإنسان المؤمن الذي هو محط نظر الله سبحانه وتعالى، كما في الصحيح: أن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما أو ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.

الفائدة السادسة هي أن من علامات النفاق من علامات النفاق احتقار الذنب وعدم اعتباره وعدم الخوف من الذنوب، وأن الذنب لا يحصل لا يكون للانسان عنده أي يعني أي ووخز يغز الإنسان بسبب هذا الذنب، هذه من علامات النفاق الإنسان يخشى منها، ابن مسعود يقول: والمنافق، وإن عفوا، قال: وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا، وهو كذلك.

المؤمن من يزعه إيمانه، يخيفه إيمانه، يخيفه عقيدته بالله سبحانه وتعالى، المنافق يحتقر ذنوبه، وهذه درجة ليست عالية في النفاق، الدرجة يعني يصعد الإنسان في هذه أو ينزل في هذه الدركات حتى يصل إلى حالة تطبيع المنكر وعدم ورؤية المنكر بزاويه المعروف بس.