تسجيل الدخول

شرح السنة النبوية 07 | شرح حديث "إن الملائكة تنزل في العنان..."

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حدثنا محمد قال: حدثنا ابن أبي مريم قال: أخبرنا الليث قال: حدثنا ابن أبي جعفر عن محمد بن عبد الرحمن عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه، فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة أو كذبة من عند أنفسهم.

الكلام على هذا الحديث من وجوه؛ الوجه الأول: في الصنعة الحديثية والإسنادية؛ هذا الحديث من طريق عروة بن الزبير عن عائشة، وعروة بن الزبير رضي الله تعالى عنه ورحمه هو من أثبت وأحفظ وأعلم من روى عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عائشة رضي الله تعالى عنها روت أحاديث كثيرة جداً، وكانت مدرسة من المدارس الكبرى في العلم، وروى عنها الرجال والنساء، وممن من جملة من روى عنها أناس من أقربائها من محارمها، وطلاب آخرون من غير محارمها.

من محارمها عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنه وكانت عائشة خالته، وهو كما قلت ممن أدرك قيمة عائشة وما لديها من العلم، فلازمها وأخذ ما عندها، حتى إنه قال قبل وفاتها بأربع سنوات: لو أن عائشة ماتت ما ندمت على علم عندها لم أخذه، ما ندمت على علم عندها لم أخذه.

ومن جملة أيضاً المتقدمين في عائشة والمتثبتين فيها غير عروة من أقاربها؛ القاسم بن محمد بن أبي بكر وكانت عائشة عمته، وأيضاً عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه رضي الله تعالى عنه، وعموماً أناس كثر أخذنا منهم؛ الأسود وعلقمة، وأخذنا كذلك منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ومنهم عمرة بنت عبد الرحمن.

عموماً معرفة تلاميذ عائشة أمر مهم جداً.

طيب، الوجه الثاني: من كلام الحديث في بيان المعنى؛ معنى الحديث واضح ومفسر فيه كلمة الأعان.

الوجه الثالث: في الفوائد المستنبطة من الحديث؛ هذا الحديث يمكن أن تؤخذ منه مجموعة من الفوائد.

الفائدة الأولى: في أهمية الانتباه والالتفات إلى ما في العالم العلوي من عظمة ومن جلال، هذه السماء التي تنظر إليها فلا ترى فيها إلا النجوم والكواكب والمجرات واليعني الأغبر الكونية وما إلى ذلك، هذا جزء مما في السماء، هناك في السماء عوالم أخرى.

هذه العوالم من أعظمها عالم الملائكة عالم الملائكة، وعالم الملائكة هذا عالم ضخم وعالم عجيب، وكما ذكرت في درس سابق هو عالم متصل بالارض، وأهم اتصال بين هذاك العالم وبين العالم هو اتصال الملائكة بالمؤمنين من عباد الله في هذه الأرض.

فأولئك الملائكة يعتنون بشأن المؤمنين هنا ويعلمون ماذا يفعلون يعني فيما اطلعهم الله عليه، وعندهم كذلك مساعدة للمؤمنين الله سبحانه وتعالى يسخرهم لمساعده المؤمنين، مما يدل على ذلك ما حصل في بدر ها إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا.

ولذلك تعلمون أن الله سبحانه وتعالى انزل الملائكة في بدر، أنزل ألفاً من الملائكة، ولما سأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم ما تعدون أهل بدر فيكم وهذا في صحيح البخاري، قال النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل المؤمنين، قال جبريل: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك اهجهم اللهم أيده بروح القدس اهجهم وجبريل معك، وهذا من تأييد الملائكة للمؤمنين.

وكذلك أن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ، وهذا عند الموت وإلى آخره من النصوص التي تدل على أن هناك اتصالاً بين عالم السماء وعالم الأرض.

وأخذنا في سير وعبر للمصلحين في اللقاء الاخير لما تكلمنا عن أسيد بن حضير ومن معه لما كان أسيد بن حضير يصلي بسورة الكهف في الليل وثارت الفرس وكان عندها ابنه يحيى وكان يخشى أن تطأه فتوقف فسكنت الفرس، فقرا فثارت الفرس فتوقف فسكنت، ثم قرا فثارت اضطر أن يقف تماماً ثم رفع رأسه لما انصرف من الصلاة فراى كَالظُلَّةِ اللي السحابة فيها مصابيح وهي تبتعد، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ يا ابن حضير اقرأ يا ابن حذير، فقال: خشيت أن تطأ الفرس ابن يحيى، فقال: تلك الملائكة تنزلت لصوتك، ولو قرأت لأصبح أصبحت يراها الناس لا تتوارى منهم لا تتوارى منهم.

فهذا أيضاً من اتصال السماء بالأرض ومن اتصال الملائكة بالعالم بأحوال المؤمنين، وكذلك الملائكة السيارة الذين يتتبعون مجالس الذكر وال هذا في حديث في تفصيل طويل يعني أنه أنه فيصعدون إلى ربهم فيسألهم عما اجتمعوا عليه فما يسألوني فما يستعيذون كذا كذا إلى آخره.

وأيضاً ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم الملائكة.

طيب، هذا كله الآن أي من جملة هذا الاتصال لذلك هذه السماء التي تنظر إليها وما لم يوصل إليه بعد من السماء ومن الكون، هذا نحن لا ننظر إليه على أنه فراغ، ما ننظر إليه على أنه فراغ، ولا ننظر إليه على أنه مكان خالي لا يوجد فيه شيء، ولا ننظر إليه على أنه مساحات مجهولة من الكون، نعم على المستوى المادي مساحات مجهولة، لكن نحن ننظر إلى هذا إلى هذه المساحات الهائله على أنها مساحات ممتلئة ومساحات فيها من الاسرار ما الله به عليم، وفيها من عباد الله وملائكته من ملائكته الصالحين ومما يعلم الله سبحانه وتعالى من شان خلقه.

إي فهذا يحدث عند الانسان حالة من ال ال يعني خلينا نقول سعة التأمل وعدم أحادية النظر وتشفق على من لا ينظر إلى ما حوله من المخلوقات إلا بهذه النظرة الأحادية، إلا بهذه النظرة الأحادية.

طيب، إذا ذاك العالم العلوي عالم حي، عالم مليء، عالم فيه حديث وحوارات وحب وبغض، وعالم فيه استغفار وتسبيح وتهليل وتقديس.

الحديث السابق الذي قراناه في الدرس السابق كان فيه: إذا أحب الله العبد نادى جبريل أن الله يحب فلاناً فيحبه فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، فشيء يعني عالم يختلف اختلافا جذرياً عما لا ينظر عمن لا ينظر إليه بهذه النظرة.

وأيضاً لا ينبغي أن تكون النظرة لمن يؤمن بالغيب في مثل هذا هي نظرة الخوف فقط، وإنما يجب أن ينظر نظرة الأمان أيضاً والمحبة، وأن يعلم أن هناك من المؤمنين من يسبح لله ويسجد له آناء الليل وأطراف النهار، وفي كل في كل وقت لا يفترون في هذا الكون، وانه هذا من جملة ما يعني يجعل الانسان لا يشعر بالغربه المطلقه، لانه العالم هذا لا يختص بالبشر، لا يختص بالبشر، البشر هم الله سبحانه وتعالى ايش قال في سورة الحج آية يعني معبرة غاية التعبير عن هذا المعنى، بحيث أنك أنت يعني ما تشعر بهذه الغربة، ولا تشعر أنك أنت يعني وحدك في هذه في هذا الكون.

الله سبحانه وتعالى يقول: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّمَاوَاتِ وَمَن في الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ.

فلو قدر أن الانسان لم يكن إلا وحيداً في في عبادته لله سبحانه وتعالى فهو في الحقيقة ليس وحيداً، هو في الحقيقة من جملة المخلوقات القليلة التي تشبهه، ها يعني هو يمثل كل المخلوقات التي تشبهه، لا يمثلون إلا جزءاً قليلاً ممن يعبد الله سبحانه وتعالى، وإلا ففي السماوات ممن يعبد الله سبحانه وتعالى ما لا يحصى ما لا يعلم قدره إلا الله، كما قال سبحانه وتعالى: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ، كما في البخاري في البيت المعمور قال النبي صلى الله عليه وسلم: يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة إذا دخلوا إليه لم يعودوا أو لم يرجعوا إليه آخر ما عليه.

الوجه الثاني من الكلام على الحديث هو أن هناك عالم آخر غير عالم الملائكة وهو عالم الشياطين وعالم الجن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يذكر هنا الأمر يقضى في السماء فتتداوله الملائكة وتصعد الشياطين تسترق السمع، تسترق السمع، وهذا الاستراق أو هذا خلينا نقول محاولة الوصول إلى السماء من جهة الشياطين هو جزء أيضاً آخر من الغيب الذي نؤمن به، وهو عالم آخر أيضاً عالم واسع جداً.

ولكن إذا كان ذاك عالم نوراني الذي كنا نتكلم عنه فإن هذا العالم شيطاني موحش قاتم، إذا كان ذاك العالم إنما ينتج أو يؤدي إلى تسبيح وتمجيد وتذكير بخير وتبشير ببشرى وتطمين ونصرة للمؤمنين فإن العالم الآخر إنما يأتي بالشر والوسوسة والتخويف والتهويل وما إلى ذلك، الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا.

من جملة الأذى أو السوء الذي تعمله الشياطين هي أنهم يحاولون استراق السمع من السماء ليقذفوا ما سمعوا من الحق القدري يقذفونه إلى أوليائهم من الكهنة والسحرة وما إلى ذلك، حتى يروج الكذب الذي في قلبه شيء من الحق.

الوجه الثالث في الكلام على الحديث هو في قول النبي صلى الله عليه وسلم: فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم؛ كلمة يسمعونها من الأقدار التي قضاها الله سبحانه وتعالى وستقع ها من امور الغيب مما أوحاه الله إلى أهل السماء، يسترق الشياطين السمع يقذفون بالكلمة إلى أوليائهم من الكهنة، وهذه الكلمه تكون من الحق مما سيقع فعلا، والكهنة يخلطون هذا الحق بمائة كذبة بباطل كثير.

والعجيب هو أن الناس يصدقونهم ويتناسون مقدار الخطا لديهم والكذب لديهم، وهذا غريب وهذا ليس خاصاً قضية الكهنة، الإنسان تعلق الإنسان بالخرافات وبالوهم وبالباطل أمر عجيب، يعني حتى في المنطق البشري غير الشيطان، أحياناً تجد إنسان مثلاً لامتلاكه بعض التمكين الدنيوي والمال الواسع أو السلطة أو أياً كان، يخطئ أكثر مما يصيب ويظلم أكثر مما يعدل، فإذا أتى بشيء من الصواب أو من ال وقف الناس عنده وتناسوا كل كل ما عمل من السوء.

وهذا نفسه في قضية الكهنة أنه يخلط الحق بالباطل والباطل أكثر بكثير، ويروج أيضاً ويروج الحق عفواً يروج الباطل.

الوجه الرابع أو الفائدة الرابعة هي أن النفوس الضعيفة لا يعنيها الحق والباطل، بمعنى أنها ليست مستعدة لأن تقف مع قضية الحق تحدداً، وإنما هي تتعلق دائماً خلينا نقول بالأوهام وبما يوافق الهوى وبما تعودوا عليه، وهذا كله للضعف الموجود في تلك النفوس، بينما أهل الحق يتسامون عن هذه الاوهام ويتعلقون بالحقائق.